الخديوي إسماعيل

إسماعيل باشا

خديوي مصر والسودان

Regno d'Egitto.gif
Ismail Pacha.JPG
العهد 19 يناير، 1863 - 26 يونيو، 1879
سبقه سعيد باشا
تبعه توفيق باشا
الأسرة الحاكمة أسرة محمد علي
الأب ابراهيم باشا
الأم هوشيار
المدفن القاهرة

الخديوي اسماعيل بن ابراهيم بن محمد علي (31 ديسمبر 1830 - 2 مارس 1895) خامس حكام مصر من الأسرة العلوية وحكم من 18 يناير 1863 إلى أن خلعته انجلترا عن العرش في 1879. خلال حكمه أعطى مصر دفعة قوية للمعاصرة، إلا أنه أغرق مصر في الديون.

ولد في القاهرة عام 1830 ، و كان الإبن الأوسط بين ثلاثة أبناء لإبراهيم باشا و حفيد محمد علي. بعد حصوله علي التعليم في باريس عاد الي مصر و أصبح وريثا شرعيا للعرش بعد وفاة أخيه الاكبر. قام سعيد باشا بإبعاد إسماعيل عن مصر ضمانا لسلامته الشخصية وذلك بإيفاده في مهمات عديدة أبرزها الي البابا و الإمبراطور نابليون الثالث وسلطان تركيا، ثم إرساله في جيش تعداده 14000 الي السودان وعاد بعد أن نجح في تهدئة الأوضاع هناك.

بعد وفاة سعيد باشا في 18 يناير 1863 حصل إسماعيل علي السلطه دون معارضة وفي 1866 أو 67 حصل علي لقب خديوي من السلطان العثماني بموجب فرمان مقابل زيادة في الجزيه. تم بموجب هذا الفرمان أيضا تعديل طريقة نقل الحكم لتصبح بالوراثه. حصل إسماعيل لاحقا علي فرمان اخر يتيح له إستقلال أكثر عن الإمبراطورية العثمانية.

لدى عزله سافر على الفور إلى ناپولي بإيطاليا، ثم انتقل بعدها للإقامة في الآستانة. توفي في 2 مارس 1895 في قصره، قصر إميرجان، بإسطنبول الذي كان منفاه (أو محبسه) بعد إقالته.

إسماعيل باشا خديوي مصر والسودان

خلع إسماعيل ( 26 يونيو 1879 )

إسماعيل باشا

وكأن انجلترا وفرنسا قد شعرتا بشىء من الخجل الاستعماري لرويتهما المانيا وهي أقل منهما مصالح ومطامع في مصر ، تسبقها إلي وجوب التدخل ، فعتزمتا ألا تقتصرا على فكرة الحكومة الألمانية في طلب نقد المرسوم الذي أصدره الخديوي ، بل عملتا على خلعه من العرش. وقد وجدنا الطريق أمامهما معبداً في الأستانة، فأن الحكومة العثمانية لم تكن تعطف على إسماعيل أو ترضى منه نزعته الاستقلالية ، وزين لها قصر النظر أن الالتجاء إليها لعزل الخديوي يكسبها نفوذاً كبيراً لم يكن لها منذ وطد محمد على دعائم الدولة المصرية، فليس يكفي أن الباب العالي لم يسبق أن عزل والياً من الأسرة المحمدية العلوية ، والفرمان الذي أصدره سنة 1840 بعزل محمد على قد بقي عديم الأثر ، ولم يحفل به محمد على ، فخلع إسماعيل هو الحادث الوحيد الذي ظهرت فيه سلطة الباب العالي في عزل الخديويين ، وهي سلطة تستهوي حكومة الأستانة التي لم تكن تنظر في العواقب ، وقد فات هذه الحكومة الحمقاء أن غقصاء إسماعيل عن الحكم وخلعه بإرادة الدول ، هو تمكين لهذه الدول من التدخل في شؤون مصر تحقيقاً لمطامعها الاستعمارية ، إذ لا يوجد تدخل أقوي من إسقاط صاحب العرش عن عرشه ، وهكذا كانت سياسة تركيا نحو مصر قائمة على سوء النية وقصر النظر.

فتركيا لم تخدم سياستها ، ولا خدمت مصر بإجابتها مطالب الدول ، وليس يخفى أن فرنسا لم تكن في إشتراكها وإنجلترا بعيدة النظر أيضاً لأنها لم تخدم المصالح الفرنسية ، بل مهدت الطريق لأنفراد إنجلترا بالتدخل في شؤون مصر واحتلالها على عهد الخديوي توفيق باشا.

سعت أذاً كل من إنجلترا وفرنسا سعيها في الأستانة للتخلص من إسماعيل ، فلما وجدت الدولتان أن الباب العالي مستعد لخلعه أتفقتا أولاً على أن تطلبا منه التنازل عن العرش من تلقاء نفسه اتبعأ لمشورتهما ، لتجعلا لنفسهما سلطاناً أقوى في مصير مصر ، إذ يكون التنازل قد تم بإرادتهما وتدخلهما ، فأرسلتا الى قنصليهما في مصر لأبلاغ الخديوى اتفاق الدولتين ، فقابله القنصلان وأبلاغاه رساله الحكومتين ، ومضمونها انهما تنصحان للخديوى رسميأ بالتنازل عن العرش ، والرحيل عن مصر وانهما متفقتان في حاله قبوله نصيحتهما على أن تضمنا له مخصصات سنويه لائقة به ، وان لا يحصل تغيير في نظام توارث العرش الذى يقضى بان يكون الأمير توفيق باشا خلفأ له ، فتأثر الخديوى بهذه الرساله تأثرأ عميقأ ، وشعر بالسهم المصوب الى مركزه ومصيره ، فطلب مهله يومين ليفكر في الأمر ، ولما أنقضى المعاد جاءه القنصلان ، يطلبان جوابه النهائى ، فأجابهما أنه عرض الأمر على السلطان وأنه ينتظر جوابه ، وجاءه قنصل المانيا وقنصل النمسا ، وطلبا إليه التنازل عن العرش مؤيدين طلب قنصلي إنجلترا وفرنسا ، وكان جوابه لهما مثل جوابه لزميليهما ، وكان إسماعيل يأمل من الأنتظار أن تختلف الدول في طلب خلعه ، وأن تنجح مساعيه الشخصيه لدى السلطان عبد الحميد ، وأذ اوفد إليه بلأستانة طلعت باشا أحد رجال حاشيته ليستميل رجال المابين إلي جانبه ، وزوده بالمال والرشا والهدايا ، ولكن السلطان أعرض ونأى بجانبه عنه ، وقد يكون لقلة المال المعروض دخل في هذا الإعراض ، وكانت الدول مجتمعه على التخلص منه وأستقر عزم السلطان على خلعه إجابه لطلب الدول ، وفي ليلة 24 يونيه ورد على المسيو تريكو قنصل فرنسا العام في مصر نبأ برقي من الأستانة ، فحواه أن الباب العالي عول على عزل الخديوي وتولية الأمير حليم باشا ( عبد الحليم ) مكانه ، وبالرغم من ورود هذا النباء في ساعة متأخرة بعد منتصف الليل ، دي سورما قنصل المانيا ، إلي سراي الخدوي وطلب مقابلته ، فأحدث مجيئهم في تلك الساعة المتأخرة من الليل انزعاجاً في السراي ، وخاصة بين السيدات من أل إسماعيل، وتوهمت والدة الخديوي أن سمة مكيدة تدبر لقتلة، فرجته أن لا يقابلهم ، ولكنه إذ علم أن القادمين هم قناصل إنجلترا وفرنسا والمانيا ، وأن شريف باشا كان معهم ، رضي بمقابلتهم ، وكان في حالة إضطراب شديد فطلب إليه القناصل أن يتنازل عن العرش ولكنه رفض وسبت على الإباء.

تمثال برونزي للخديوي اسماعيل بالإسكندرية. نحته پييترو كانونيكو(1869-1959). أزاح الستار عنه الملك فاروق في 4 ديسمبر 1938. وكان التمثال هدية من الجالية الإيطالية بالإسكندرية.

وكان يأمل حتى أخر لحظة أن تختلف الدول فيما بينهم ، أو يرفض السلطان النزول على رأيهن ، ولكن الدول بقيت على إجماعها في شئنه ، وما زال سفرائها في الأستانة يستعجلون قرار الخلع حتى نالوا بغيتهم ، وأصدر السلطان بناء على قرار مجلس الوزراء " إرادة " بخلع إسماعيل وتنصيب توفيق باشا خديوياً لمصر ، وطير الصدر الأعظم هذه الإرادة بالتلغراف إلي إسماعيل يوم الخميس 26 يونيه سنة 1879 ، وهذا تعريبها : " إلي سمو إسماعيل باشا خديوي مصر السابق.

إن الصعوبات الداخلية والخارجية التي وقعت أخيراً في مصر قد بلغت من خطورت الشأن حداً يؤدي استمراره إلي ايجاد المشاكل والمخاطر لمصر والسلطنة العثمانية ؛ ولما كان الباب العالي يرى أن توفير أسباب الراحة والطمئنينة للأهالي من أهم واجباته ومما يقضيبه الفرمان الذي خولكم حكم مصر ، ولما تبين أن بقائكم في الحكم يزيد المصاعب الحالية ، فقد أصدر جلالة السلطان إرادته بناء على قرار مجلس الوزراء بأسناد منصب الخديوية المصرية إلي صاحب السمو الأمير توفيق باشا وأرسلت الإرادة السنية في تلغراف أخر إلي سموه بتنصيبه خديوياً لمصر ، وعليه ادعو سموكم عند تسلمكم هذه الرسالة إلي التخلي عن حكم مصر احتراماً للفرمان السلطاني "

وصلت هذه الرسالة التلغرافية إلي سراي عابدين في ضحى ذلك اليوم ، وتسلمها أولاً ذكي باشا السر تشريفاتي ، وكان معه في حجرته بالدور الأول من السراي خيري باشا المهر دار " حامل الختم " ، وبعض كبار الموظفين ، فلما رأوا الرسالة مصدره بعنوان إسماعيل باشا " خديوي مصر السابق " ، وجفت قلوبهم ، وعلاهم الأضطراب والاصفرار ، وفهموا أنها تحوي شراً مستطيراً ، وحاروا في طريقة إلي الخديوي ، الذي كان وقتئذ بالدور الثاني ، فامتنع ذكي باشا عن أن يحملها إليه ، واحال هذه المهمة إلي المهر دار ، فأبا خيري باشا قائلاً أن هذا من شأن الوزراء ، وبينما هما يتجادلان ، أقبل شريف باشا رئيس الوزراء ، فسلمت إليه الرسالة ، وأدرك ما تحويه ، فرأى من واجبه أن يحملها بنفسه إلي الخديوي ، فصعد إلي الطابق الثاني وقابل إسماعيل وسلمه الرسالة ، ففضها وتلاها ، وعلم فحواها ، فقابلها بالصمت والجلد ، وطلب إلي شريف باشا أن يدعوا إليه الأمير توفيق باشا فوراً.

فخرج شريف من حضرة " الخديوي السابق " ، ليقابل الخديوي الجديد وذهب إليه في سراي الأسماعيلية ، وكان توفيق باشا قد تلقى الرسالة البرقية الأخرى بأسناد منصب الخديوية إليه ، فذهب الأمير إلي سراي عابدين يصحبه شريف ، وصعد وحده إلي الطابق الثاني فتلقاه أبوه مخاطباً إياه " يا أفندينا " وسلمه سلطة الحكم ، وكان الموقف مؤسراً ، ثم ترك إسماعيل قاعة العرش ، ودخل دار الحرم ، تكتنفه الهموم والأحزان. وفي اليوم نفسه في منتصف الساعة السابعة مساءً أقيم حفل تولي الخديوي توفيق باشا في سراي القلعة، واستقبل فيها وفود المهنئين وأخذ إسماعيل يتأهب للرحيل عن البلاد.

رحيله إلي منفاه ( 30 يونيو 1879 )

وحدد يوم الأثنين 30 يونيه للرحيل عن الديار المصرية ، وقضى إسماعيل هذه الأيام الثلاث يستعد للسفر ، ويجمع ما استطاع أخذه من المال والمجوهرات والتحف الثمينة من القصور الخديوية ونقلها إلي الباخرة ( المحروسة ) التي كانت معدة لركوبه بالإسكندريه وكان يوم رحيله يوماً مشهوداً ، أذ ازدحمت سراي عابدين منذ الصباح بالكبراء والذوات الذين جاءو يودعون الخديوي السابق ، وفي منتصف الساعة الحادية عشر أقبل الخديوي توفيق على أبيه يودعه ، وعند الساعة الحادية عشر خرج الخديوي السابق متوكئاً على نجله ودلائل الحزن بادية عليه ، وركب العربة وجلس توفيق باشا على يساره ، وركب بعدهما الأمراء والكبرء ، وسار الموكب حتى بلغ محطة العاصمة وكان الجند مصطفين على الجانبين تحيي للخديوي السابق.

ولما بلغ الركب المحطة ترجل إسماعيل باشا ووقف توفيق باشا يودعه وعيناه مغرورقتان بالدموع وكان إسماعيل شديد التأثر من هذا المنظر ، منظر رحيله النهائي عن القاهرة التي كانت مسرحاً لمجده وبذخه وسلطانه السنين الطوال ، فوقف يخطب الحاضرين خطاباً مؤثراً ثم التفت إلي نجله وودعه قائلاً : " لقد اقتضت إرادة سلطاننا المعظم أن تكون يا اعز البنين خديوي مصر ، فأوصيك بأخوتك وسائر الآل براً ، واعلم أني مسافر وبودي لو استطعت قبل ذلك أن ازيل بعض المصاعب التي أخاف أن توجب لك الارتباك ، على أني وأثق بحزمك وعزمك ، فتبع رأي ذوي شوراك ، وكن أسعد حال من ابيك " ، وقال الذين شهدو هذا المنظر أنه ابكاهم جميعاً.

ثم ركب القطار الخاص ، فبلغ الإسكندرية في الساعة الرابعة بعد الظهر واستقبله فيها في محطة القباري محافظ الثغر ، وبعض الرؤساء والكبراء ، وركب الزورق المعد له ، وتبعته زوارق المشيعين ، وسار حتى أستقل الباخرة ( المحروسة ) ، ولما وصل إليها أطلقت المدافع إذاناً بوصوله ورفعت البوارج الحربية أعلامها تحية له ، وأستقبل على ظهر الباخرة بعض المشيعين الذين جاءو يودعونه الوداع الأخير.

ولم يملك إسماعيل صبره ، فترك مشيعيه بعد أن ودعهم ، ونزل إلي غرفته بالباخرة ، ثو غادرها المودعون ، وبعد هنيهة أقلعت ( المحروسة ) وأخذت تشق عباب الماء حتى غابت عن الأبصار ، ومالت شمس النهار أذ توارت بالحجاب ، فغربت معها شمس إسماعيل ، وسارت الباخرة إلي ( نابلي ) تحمل العاهل الذي قضى سبعة عشر عاماً يحكم مصر بمطلق إرادتة ، ثم أنهر بأن فقد عرشه وملكه وماله ، وكم من مرة أقلته ( المحروسة ) من قبل في أبان مجده ، وشهدت رحلاته إلي الأستانة وإلي أوربا ، حين كان يروح ويغدو تحفه المهابة والجلالة ، وتعني له الأماني والآمال ثم حملته للمرة الأخيرة بعد ان نزل عن عرشة ، وطويت صفحته ، وقضي عليه بالنفي والحرمان ، فكانت خاتمتة إحدي عبر الزمان.

وليس يسعى الكاتب المنصف إلي أن يشعر بالعطف على إسماعيل والأعجاب بما أبداه من الشجاعة والإباء بالازمة التي أنتهت بنزولة عن العرش ورحيله إلي منفاه ، فقد كان حقاً عظيماً في موقفه ، شجاعاً في محنته وناهيك بشجاعته جعلته يغامر بعرشه في سبيل مقاومة الدول الأوربية جمعاء ، فلو هو أرتضى الذل والهوان ، وأذعن لمطالب الدول ، وقبل عودة الوزيرين الأوربيين يسيطران على حكومة مصر ومصيرها ، لضمن لنفسه البقاء على عرشه ، ولكن أثر المقاومة على الأستمساك بالعرش ، وقليل من الملوك والأمراء من يضحون بالعرش في سبيل المدافعة عن حقوق البلاد ، فالصفحة التي انتهى بها حكم إسماعيل هو بلامراء من الصحائف المجيدة في تاريخ القومية ، لأنها صفحة مجاهدة واباء وتضحية ، وهى لعمرى تضحية كبرى، لأن عرش مصر وتاجها وصولجانها ليست من تلأمور الهينه التى يسهل على النفوس العاديه أن تزهد فيها ، أو تغامر بها، ولكن إسماعيل ضحى بها في سبيل مقاومة المطامع الستعمارية ، واهذه التضحية حقها من الإعجاب والتمجيد. ومن يتأمل في هذه المأساة لا يسعه إلا أن يألم لمصير إسماعيل ، فقد كان جديراً بخير من هذا المصير، كما أن مصر قد تكون أسعد حظا لو بقي على عرشه ، فإنه في السنوات الأخيرة من حكمة أخذ يطرح الأغلاط القديمة ، ويوجه مواهبه العالية إلى إنقاذ مصر من التدخل الأجنبي ، وكان له من ذكائه ومضاء عزيمته وتجاربه الماضية ما يكفل له التوفيق والسداد ، ولكن المآرب الاستعمارية ، والدسائس الإنجليزية والفرنسية ، ألقت العقبات في طريقه ، ومازالت تناهضه وتغالبه ، حتى غلبته على أمره ةاقضته عن عرشه. وبذلك انسدل الستار على الفصل الأخير من حكم إسماعيل.


إسماعيل في منفاه

وصل إسماعيل باشا إلي نابولي بإيطاليا حيث أعد له الملك امبرتو قصراً لسكناه ، فأقام به هو وزوجاته وانجاله وحاشيته ، واخذ يتنقل بين مختلف العواصم الأوربية ، ولم تفارقه آماله في العودة إلى عرش مصر ، وسعى إلى ذلك سعياً حثيثا ولكنه أخفق في مساعيه ثم سكن الاستانة منذ سنة 1888 ، وأقام بقصره بيركون على البوسفور، وظل مقيما فيه.


وفاته

إلي أن وافته منيته يوم 2 مارس سنة 1895 ، وله من العمر خمس وستون سنة ، فنقل جثمانه إلي مصر ، ودفن في مسجد الرفاعي بالقاهرة.


الحياة السياسية في عهد اسماعيل

مقالة رئيسية الحياة السياسية في عهد اسماعيل

تم في عهده الانتهاء من حفر قناة السويس وإقامة إحتفالات إفتتاح قناة السويس.

شخصية الخديوي إسماعيل والحكم على عصره

في شخصية إسماعيل اجتمع الجانب الحسن إلى الجانب السيء ، وظهرت أثار الجانبين معا في أعماله وسياسته خلال الثمانية عشر عاما التي تولى فيها مكم مصر.

إن أخلاق إسماعيل هي العامل الأول في شخصيته ، فدراسة أخلاقه تعطينا عنه صورة عامة.

لقد كان بلا مراء آية في الذكاء والفهم وسرعة الخاطر ، وقوة الذاكرة ، ومضاء العزيمة ، وعلو الهمة ، وكان شجاعاً ، لا يعرف الجبن والإحجام ، قوي الشخصية ، عظيم المهابة.

اما ذكاؤه يشع من عينيه البراقتين ، وقد لحظ هذا الذكاء وتبينه كل من عاشروه أو حادثوه من الأصدقاء والأعداء على السواء.

كان يفهم مراد محدثه ويحيط بالأمور ويدرك الأشياء بسرعه خاطر تشبه البرق الخاطف ، وكان قوى الذاكرة يدهش محدثيه بقدرته على استيعاب التفاصيل والدقائق عن الحوادث الماضية ، كبيرها وصغيرها ، رغم مضى السنين على وقوعها.

وتبدو لك قوة إرادته ومضاء عزيمته من الهمة التي كان ينفذ بها مشاريعه فلم يكن يعرف التردد والإحجام وإذا أراد أن ينجز عملاً لا تقف في سبيله عقبة إلا ذللها ، أما شجاعته فحسبك أن تتبينها من السياسة التي رسمها لنفسه في السنوات الأخيرة من حكمه ، حين أدرك سوء نية الدول الأوروبية واعتزم مقاومتها ، فقد علمت ما كان من اصرارتلك الدول على أن يكون لها وزيران أجنبيان داخل هيئة الوزارة المصرية ، ورأيت كيف وقف إسماعيل موقف المعارضة واتبع حيالها خطة المقاومة ، وهي سياسة تقتضي حظاً كبيراً من الشجاعة والاستخفاف بالمخاطر ، وفي سبيل هذه المقاومة غامر بعرشه ، وضحى به فعلاً ، وقليل من الملوك من يضحون بعروشهم في سبيل مقاومة المطامع الإستعمارية.

وكان إسماعيل بلا نزاع محباًَ لبلاده ، وراغبا في تقدمها ،عاملا على أن يسير بها في مضمارالحضارة والعمران ، وساعياً في توسيع ملكها وإعلاء شأنها.

فالذكاء ، قوة الإرادة ، والشجاعة والإيقدام ، والرغبة في إعلاء شأن مصر، هذه هي الصفات التي تمتاز بها شخصية إسماعيل0 ظهرت نتائج هذه الصفات في مختلف الأعمال الي تمت على يده ، فقد سعى ووفق في الحصول من تركيا على اقصى ما يكن من الحقوق والمزايا ، كي يصل بمصر إلي الإستقلال التام ، فهذه نزعة مجيدة تدل على شدة حبه لعظمة مصر ورفعة شأنها 0 واتجهت همته إلى توسيع أملاك مصر في افريقية ، فأكمل فتح السودان ووصل بحدود مصر إلى منابع النيل، وشواطى المحيط الهندي ، اي إلى حدودها الطبيعية ، وبذل في هذا السبيل اقصى ما لديه من عزيمة وقوة ، وتلك لعمري صفحة مجيدة من صحائف أسماعيل ، تزين تاريخه ، بقدر ما يزدان بها تاريخ مصر القومي.

وعنى بقوة البلاد الحربية بتنظيم الجيش وإنشاء المدارس الحربية العالية وتسليح الجند بأحدث الأسلحة ، وتزويد الحصون والقلاع بالمدافع الضخمة.

ووجه أيضاً همته إلي إنهاض البحرية المصرية حربية كانت أو تجارية ، فرفع علم مصر على مياه البحرالأبيض المتوسط والبحرالأحمر والأقيانوس الهندي.

وله على العلم والأداب أياد بيضاء بما أنشأه من المدارس العالية والمعاهد العلمية ، وتجديده عهد البعثات ، فمدرسة الحقوق ، ومدرسة المهندسخانة ، ودار العلوم ، ومدارس البنات ، والمدارس الصناعية ، والمدارس الثانوية والإبتدائية ، ودار الكتب ، والمتحف المصري ، ودار الآثار العربية ، والجمعية الجغرافية ، والنهضة العلمية والأدبية ، والحركة الفكرية التي ظهرت في عهده ، ونهضة الصحافة ، والتأليف ، والطباعة والنشر ، هي من آثاره الخالدة كما تراه مفصلاً في الفصل التاسع 0 وأعمال العمران التي تمت على يده ، كفتح الترع ، وإيقامة الجسور ، والعناية بزراعة القطن واستحداث مصانع السكر ، وإصلاح القناطر الخيرية ، وزيادة مساحة الأطيان الزراعية ، وإنشاء السكك الحديدية والكباري ، والأسلاك البرقية ومصلحة البريد ، وتعمير المدن وتخطيطها ، وتنظيمها ، كل هذه الأعمال قد نهضت بعمران مصر وتقدمها.

كل هذه مآثر عادت على البلاد بالخير العميم ، وإن ننس لا ننس آخر صفحة ختم بها حياته السياسية ، إذ قاوم المطامع الاستعمارية التي بدت من الدولتين الإنجليزية والفرنسية ، ولو أنه آثر الإذعان والاستسلام لبقي على عرشه يتمتع بهذا الملك العريض ، ولكنه إبي على الدول طلباتها ، وأصر على أن تكون الوزارة خالصة للمصريين ، واستجاب إلي مطالب الأحرار ، وعهد إلي شريف باشا تأليف وزارة وطنية خالية من العنصر الأوروبي ، وأقر مبدأ مسئولية الوزارة أمام مجلس شورى النواب.

ولا شك أن موقفه في هذا الصدد هو دفاع عن استقلال البلاد ، ومناصرة للحركة القومية ، وفي هذا السبيل استهدف لغضب الدول الأجنبية حتى فقد العرش والتاج ، فهو من هذه الناحية ضحية كبرى في سبيل الاستقلال والدستور.

والإقدام على هذه التضحية الغالية ، وما أعقبها من النفي والتشريد والحرمان ، عمل جليل يزين تاريخ إسماعيل.

فالصفحة التي ختم بها إسماعيل حياته السياسية جديرة بأن تسجل في صحائف الحركة القومية بالفخار والإعجاب.

وإذ ذكرنا الحسنات ، فمن الواجب علينا أن ننتقل إلي الأخطاء والسيئات لنؤدي واجبنا نحو الحقيقة كاملة ، فنقول إنه بجانب الحسنات التي ذكرناها ، يوجد الجانب السيئ من شخصية إسماعيل ، وهو بذخه ، وإسرافه ، وعدم تقديره للعواقب ، وضعفه أمام الملذات والشهوات ، وقد أدت به هذه العوامل مجتمعة إلي التبذير في أموال الخزانة العامة ، فلم تكفه الملايين التي كان يجبيها من الضرائب ، بل عمدت إلي البيوت المالية والمرابين الأجانب يستدين منهم القروض الجسيمة ، ولا يخفى أن هذه القروض هي الوسيلة التي تذرعت بها الدول للتدخل في شؤون مصر ووضع الرقابة المالية عليها.

صحيح أن هذه القروض لو استدانتها دولة أوروبية لما كانت في نظر الدول مسوغاً للتدخل في شؤونها ، والعبث باستقلالها ، وإنما كان تدخل الدول في شؤون مصر اضطهاداً مقصوداً منه تحقيق أطماع استعمارية قديمة ، ولكن مما لا نزاع فيه أن الحكمة كانت تقتضي إدراك هذه المقاصد ، وتعرف هاتيك المطامع ، والابتعاد عن شرها ، بدلاً من الوقوع في حبائلها ، وليس من شك في أن الديون هي من الوسائل الفاعلة لتدخل الدول الأوروبية في شؤون الأمم الشرقية ، ولم يكن إسماعيل في حاجة إلي من يبصره بمطامع انجلترا والدول الأوروبية في مصر ،فإن تاريخ محمد على وإبراهيم صفحة ناطقة بتطلع انجلترا إلي وضع يدها على البلاد وما وقوفها في وجه فتوحات إبراهيم وائتمارها بمصر في مؤتمر لندن سنة 1840 ببعيد عن ذاكرة إسماعيل ، فلم يكن ينقصه الاعتبار بالحوادث السياسية ، لأن ما لقيته مصر في عهد أبيه وجده كان جديراً بأن يفتح عينيه ، ويبصره بالخطر الذي يتهدد مصر من ناحية التدخل الأوروبي.

لكن إسماعيل لم يفطن لعواقب التدخل ، لأن ثمة عيباً كبيراً في سياسته عامة ، وهو ركونه الشديد إلي الأوروبيين والدول الأجنبية ، واعتماده عليهم ، وثقته بهم لاحد لها ، وهذه الثقة كانت من عوامل تورطه في القروض الخارجية فقد كان لحسن ظنه بلأجانب لا يحسب حساباً لليوم الذي ينقلبون عليه ، وتتحول تلك القروض أداة للتدخل الأجنبي ، ومن مظاهر هذه الثقة أنه عهد إلي الأجانب من رعايا الدول الاستعمارية بمهمات خطيرة من شؤون الدولة ، وأطلعهم على أسرارها ، ومكن لهم من مرافقها ، ففي عهده تعددت البيوت المالية والشركات الأجنبية التي تغلغلت في البلاد ، وعهد إلي الأجانب بمناصب كبرى من التي كانت الحكمة تقتضي إبعادهم عنها، كتعيين السير صمويل بيكر الرحالة الإنجليزي حاكماً لمديرية خط الاستواء ، والكولونل غردون باشا حاكماً لها من بعده ، ثم حاكماً عاماً للسودان ، والمسيو منزنجر محافظاً لسواحل البحر الأحمر ومديراً لشرقي السودان ، والجنرال استون باشا رئيساً لأركان حرب الجيش المصري ، والأميرال ماكيلوب مديراً للموانئ والفنارات ، والمستر موريس وكيلاً لها ، والمسيو فردريكو مديراً لوابورات البوستة الخديوية ، والمستر كليار مديراً للبريد ثم للجمارك ، وهلم جراً ، كما أنه أسند الكثير من المناصب العالية في دوائره وأملاكه وبطانته إلي موظفين من الإفرنج.

كل هذه التعيينات ترجع إلي إسراف إسماعيل في ثقته بالأجانب والاعتماد عليهم ، وتلك نقطة ضعف كبير في سياسته تبين لنا الفرق بينه وبين محمد علي.

لقد تولى إسماعيل الحكم والطريق أمامه معبد بما قام به محمد على وإبراهيم من جلائل الأعمال فكان مطلوباً منه أن يكمل البناء الذي شاده جده وأبوه ، ويحتفظ باستقلال الدولة التي ألقت المقادير زمامها إليه ، ولم يكن يغيب عن ذهنه أن محمد على كان يخشى على مصر من التدخل الأجنبي ، فلم يمد يده إلي الاستدانه من الخارج ، ولا رضي أن يعهد إلي الأجانب بالمناصب الخطيرة أو يمكن لهم في البلاد ، وبلغ به بعد نظره أن رفض تخويل شركة انجليزية امتياز مد السكة الحديدية بين القاهرة والسويس ، كما رفض شق قناة السويس ، لكيلا تكون ذريعة للتدخل الأوروبي في شؤون مصر.

فالطريق إذاً كانت مرسومة أمام الخديوي إسماعيل ، ولم يكن مطلوباً منه إلا أن ينهض بأعمال التقدم والعمران معتمداً على مزارد الخزانة العامة ، وهي موارد تكفي للقيام بتلك الأعمال لمن يحسن تدبير شؤونها ، ولكنه تنكب سبيل أبيه وجده ، وتورط في القروض تلو القروض دون حاجة إليها ، ومن غير أن يفكر في طريقة إيفائها أو إيفاء فوائدها حتى ابتلعت هذه الفوائد معظم موارد الميزانية ، ثم عجز عن الوفاء ووقعت الحكومة في الإعسار كما رأيته مفصلاً في الفصل الحادي عشر ، وكانت النتيجة أن نالت الدول الأجنبية حقوقاً ومزايا تشل سلطان الحكومة ، وهذه المزايا أشبه ما تكون بالوصاية على مصر 0 ولقد ظهرت هذه الوصاية بمظاهر مختلفة ، من إنشاء صندوق الدين ، إلي فرض الرقابة الثنائية على مالية مصر ، إلي تعيين لجنة تحقيق أوروبية تفحص شؤون الحكومة المالية والإدارية ، إلي تعيين وزيرين أجنبيين في الوزارة المصرية لهما حق الفيتو ، أ ي وقف كل عمل تشريعي أو تنفيذي للحكومة ، ولا شك أن هذه الأحداث كما قلنا في مقدمة الكتاب قد تصدع لها صرح الاستقلال الذي نالته مصر بجهودها وتضحياتها العظيمة من عهد محمد على ، فهذه الحالة المحزنة التي وصلت إليها البلاد كانت نتيجة سياسية إسماعيل المالية 0 ولا نكران أنه سعى في السنوات الأخيرة من حكمه في أن يتخلص من هذه الوصاية التي اتخذت شكلاً مهينا من التدخل الفعلي في شؤون مصر ، ووقف تجاه الدول الأوروبية موقف المقاومة العنيفة ، ولكن كان ذلك بعد أن تغلغل النفوذ الأجنبي السياسي والمالي في مصر ، فلم يستطيع له دفعا ، وغلبته الدول على أمره.

فإذا نظرنا إلى الأمور في جوهرها وحقائقها ، نجد أن المسألة المصرية قد تراجعت في عهد إسماعيل ، إذا قورنت بما كانت عليه في عهد محمد علي ، ولئن كان إسماعيل قد نال من تركيا مزايا وحقوقاً زادت نظرياً من حدود الاستقلال ، فإن مصر من الواجهة العملية كانت في عصر محمد علي أكثر استقلالاً مما صارت إليه في عهد إسماعيل ، وحسبك دليلاً على ذلك أن إسماعيل باشا هو العاهل الوحيد من ولاة الأسرة المحمدية العلوية الذي خلع بفرمان من السلطان بناء على طلب الدول ، وليس يخفى أن خلع الخديوي بأمر من السلطان هو من أشد المظاهر الهادمة لاستقلال مصر ، لأنة تدخل مهين في سيادتها الداخلية ، ومن تصاريف القدر أن يقع هذا التدخل ضد الخديوي الذى نال من تركيا أقصى ما يمكن من مزايا الاستقلال ، ويرجع ذلك إلي الضعف الذي أصاب البلاد من ارتباك أحوالها المالية وتضعضع قوتها الحربية والمعنوية ، فسهل على الدول أن تتدخل في شؤونها وتعبث باستقلالها ، ولا شك في أن الفرق كبير من هذه الناحية بين حالة مصر في عهد محمد علي وحالتها في عهد إسماعيل.

ففي عهد محمد علي لم يكن ثمة صندوق دين ، ولا نفوذ للأجانب ، ولا رقابة منهم على مالية الحكومة ، ولا وزراء أوروبيون داخل الحكومة ، ولا محاكم مختلطة غالبية القضاة فيها من الأجانب ، فهذه النظم والأوضاع قد تقررت في عهد إسماعيل ، وهى قيود شلت سيادة الحكومة الأهلية ونقصت مزايا الاستقلال الفعلي ، وظلت تنمو وتشتد حتى أواخر عهد إسماعيل ، واستمرت البلاد من بعده تتعثر في أذيال الارتباك المالي والرقابة الأوروبية إلي أن انقلبت الرقابة احتلالا انجليزياً عسكرياً ، وهو الاحتلال الذي نعانيه إلي اليوم (سنة1932 ).

والخلاصة أن عصر إسماعيل كان عهد تقدم وعمران ، اختلطت به اخطاء وأغلاط أفضت إلى تصدع بناء الاستقلال المالي والسياسي.

ولو خلت شخصية إسماعيل من عيوبها لجعل من مصر يابانا أخرى ، ولصارت على يده دولة من اقوى الدول المستقلة وأعظمها شأنا.

ولكن هكذا شاء حظ مصر العاثر أن تتلاحق الأخطاء وتختلط السيئات بالحسنات في تاريخ إسماعيل ، فاغتنمت الدول الاستعمارية الفرصة في أغلاطه ، والضعف الذي انتاب البلاد على عهده ، ووجدت من ذلك سبيلا إلي تحقيق أطماعها في أرض الكنانة ، والضعف في كل عصر آفه الأمم ، ومضيعة لحقوقها ، والقوة هي سياج حريتها واستقلاها ، وقديماً طمع الأقوياء في الضعفاء ، سنة الله في خلقه ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

انظر أيضا

الهامش

وصلات خارجية

المصادر

سبقه:
سعيد باشا
باشا ثم خديوي
18 يناير 1863 - 26 يونيو 1879
لحقه:
الخديوي توفيق