أحمد نجيب الهلالي

(تم التحويل من أحمد نجيب هلالي باشا)
أحمد نجيب الهلالي

أحمد نجيب الهلالي هو رئيس آخر وزارة مصرية في عهد الملكية وأحد رجال السياسة والقضاء البارزين في هذا العصر. تولى رئاسة الوزارة مرتين الأولى من 1 مارس 1952 حتى 2 يوليو 1952، والثانية من 22 يوليو 1952 حتى 24 يوليو 1952.

حياته

أحمد نجيب الهلالي.

ولد في أكتوبر 1891 في أسيوط. حصل علي البكالوريا من المدرسة التوفيقية وأصبح علي مشارف مدرسة الطب. ولكن كان من الصعب علي الشاعر الذي لم يكتب شعرا ان يمسك بالمشرط. لذلك دخل الي مدرسة الحقوق الخديوية وتخرج عام 1912 ومثل كثيرين ذهب ليكمل دراسته في الخارج ويعود ليعمل في المحاماة. ثم تحول من المحاماة الي النيابة وترقي في مناصب القضاء وعمل استاذا بكلية الحقوق وله مؤلفاته المهمة منها كتاب بعنوان شرح القانون المدني في العقود.

الوزارة

وفي 15 نوفمبر 1934 تولي أحمد نجيب الهلالي بك وزارة المعارف العمومية، في وزارة توفيق نسيم والتي أيدها حزب الوفد وأعادت دستور 1923. وكان فصلاً من أهم فصول حياته العامرة رغم انه تولي رئاسة الوزارة فيما بعد مرتين. فلقد وضع سياسة ديمقراطية التعليم واتاح الفرصة بقدر ما يستطيع لكل من يريد ان يتعلم. وكانت سياسته هي الأساس الذي جعل طه حسين عندما تولي نفس الوزارة فيما بعد يقول ان التعليم كالماء والهواء من حق أي مواطن.

انضم إلى حزب الوفد وأعيد وزيرا للمعارف عام 1937 قبل سقوط الوزارة. في فبراير 1942 عاد للمرة الثالثة وزيرا للمعارف وأقر مجانية التعليم الابتدائي التي نادى بها طه حسين المستشار الفني لوزارة المعارف في ذلك الوقت. وتولي وزارة التجارة والصناعة مرة واحدة، لكنه خلف في التعليم أثراً مهماً خاصة أن الاحتلال البريطاني لمصر كان يسيطر علي التعليم ويريد له أن يكون عوناً في استمرار الاحتلال.

وعرف أحمد نجيب الهلالي ( باشا ) بأنه يري أن الفساد السياسي والمالي أفظع السلبيات وانه لابد من تطهير الجهاز الحكومي من المفسدين والمنحرفين، وكان هذا همه الأكبر مما جعله يصطدم بقوي مختلفة، لكن الصدام الأكبر كان مع زملائه في حزب الوفد. في يناير 1950 رفض الهلالي الاشتراك في الوزارة الوفدية واعتزل الحياة السياسية. في صيف 1951 ظهرت له اتصالات ببعض رجال السراي والإنجليز ثم خرج عن عزلته بعد إلغاء معاهدة 1936 بتصريح هاجم فيه الوزارة فقرر الوفد فصله من الحزب.

وجاءته فرصة رئاسة الوزارة بعد فصله من الوفد، وما كانت تأتي له وهو عضو فيه لوجود مصطفي النحاس. ولكن ربما كان نجيب الهلالي لا يريدها فلقد كان أقرب الي روح الأديب أو الفنان. وعندما تولي رئاسة الوزارة في مارس 1952 كانت البلاد تغلي بتيارات مختلفة وأعاصير عنيفة، لكنه ركز جهده علي التطهير وكان مستحيلاً أن يحقق هدفه في نظام استشري فيه الفساد. وسرعان ما خرج من الوزارة، لكنه عاد اليها في يوم 22 يوليو 1952 والبلاد تغلي. وما كاد يدخل مقر الرئاسة حتي قامت ثورة يوليو وفي يوم 24 يوليو قدم استقالته أي بعد نحو يوم من توليه.

ومنذ ذلك الحين ـ وربما قبل هذا ـ والناس مختلفون في الهلالي وفي دوره السياسي. لكن الرجل بالتأكيد لم يتورط مع النظام الذي عمل معه.

رئاسته الوزارة الأولى

قبيل استقالة وزارة علي ماهر في أول مارس سنة 1952 دبر القصر لتشكيل وزارة الهلالي على الفور وكان المقرر أنها سوف تكون أفضل حالا من سابقتها بعد أن استقرت أوال البلاد المضطربة إلى حد ما وكان المقرر أيضا أن التطهير الذي اتخذت منه الوزارة هدفا سياسيا سوف يكسبها ثقة البلاد وتأييدها باعتباره المدخل الرئيسي للحكم الصالح وكان على الوزارة أن تشيع الثقة في نواياها لمحاربة الفساد على نحو كان يتعين معه أن تبدأ أولى خطواتها في هذبا المجال من القصر الملكي ذاته لكي تكسب ثقة الرأي العام في نواياها على الجانب الآخر فهي وأن حاولت البدء بالقصر كان عليها أن تتحسب النتائج مقدما خاصة وأنها بذلك تنال من نظام جاءت أصلا لتعضده.[1]

وكان من المتوقع أن يصحب تعيين الهلالي طرد رجال الحاشية أو بعض منهم واستعبادا لشبهة تبعيتها للقصر كان لابد أيضا أن تضم وزراء من الشخصيات المستقلة التي لم تشتهر بالنزاهة والاستقامة فقط ولكن عرفت عنها مواقف سياسية شجاعة ضد الفساد مثل محمود محمد محمود رئيس ديوان المحاسبة السابق الذي كشف عن موضوع الأسلحة الفاسدة ومخالفات مستشفى المواساة مما أدى في النهاية إلى اصطدامه بالملك واستقالته ومصطفى مرعي الذي فجر الموضوع باستجوابه الشهير في مجلس الشيوخ وفقد مقعده بالمجلس بسببه وكان على الوزارة بعد ذلك أن تستند إلى قوة تتمكن بها من أن تضغط على الملك ورجاله ودخول أحد ممن وجهوا الاتهام إلى الملك يعني الاعتراف بصحة الاتهام ويكشف ضعفه وطالما أن الغرض من الوزارة كان بقصد ضرب الوفد أساس فلن يكون لها حينئذ ركيزة إلا الملك ذاته مما يعن أن تبعيتها له سوف تكون مطلقة.

ولعل استعراض طبيعة وظروف تشكيل الوزارة يوضح حدود التأثير المتبادل بينها وبين القصر فجميع أعضائها لم يكونوا من رجال السياسة وليس لهم طابع سياسي وكان من بين أعضائها زكي عبد المتعال وأحمد مرتضى المراغي ومحمود غزالي أما الأول والثاني فكانا وزيران في وزارة علي ماهر الثالثة وجاء تعيينهما في الوزارة الجديدة مكافأة لهما على معارضة علي ماهر ودورهما في أحداث الانقسام داخل وزارته أما محمود غزالي فقد كان وطيد الصلة بالإنجليز فضلا عن القصر وكان بطلا لإحدى أزماته مع الحكومة النحاسية السادسة ومن ثم فإن تشكيل الوزارة لم يكن بمنأى عن تدخل القصر ورغم اتجاه الوزارة للتطهير فضلا عن طابعها الإصلاحي إلا أنها كانت في التحليل الأخير وزارة قصر

كان من الطبيعي والأمر هكذا أن تستهدف الوزارة الوفد أساسا بحركة التطهير وبالفعل ألغت عدة لجان قضائية كانت مهمتها التحقيق في الوقائع التي تبلغ عنها وتنطوي على تصرفات تمس نزاهة الحكم واستهدفت كشف سوءات الحكم الوفدي ونشر الهلال عددا من التقارير الخاصة بذلك كما راح يكشف العديد من الفضائح المالية لجرم النحاس ثم قام بتفويض وزير المالية في إلغاء كافة المعاشات الاستثنائية التي كانت قد تقررت للمدنيين دن وجه حق في عهد حكومة الوفد ولقد أوغلت الوزارة في هذا الاتجاه إلى حد اعتقال فؤاد سراج الدين سكرتير عام الوفد وعبد الفتاح حسن وزير الأشغال السابق.

وإذا كانت تلك الإجراءات قد عضدت مكانة وزارة الهلالي لدى القصر إلا أنها استثارت الوفديين الذين تفرغوا لرد تلك الهجمات فنشروا في 15 أبريل نداء للشعب يطالبه بالا تشغله عمليات التطهير عن مطالبه قاصدا بذلك تحويل الأنظار عنها ووصف محاولات الهلالي للتطهير بأنها غير مشروعة وتتم بإيعاز من الجانب البريطاني وفي الحقيقة كانت تلك السياسة تلقى تأييد السفارة البريطانية باعتبارها مقدمة لسلسلة من الإصلاحات السياسية والاجتماعية نظرا لما سوف يترتب عليها نم استقرار الأوضاع الداخلية في البلاد بعد أن عانت السياسة البريطانية من اضطرابها ثم أن التطهير في الجانب الآخر منه كان خليقا بإضعاف الوفد وشعبيته بشكل أو بآخر مما كان يتسق مع الاتجاهات البريطانية.

على كل حال فقد حاولت الحكومة أن تتخذ من البرلمان مجالا آخر لتقليم أظافر الوفد فاستصدرت الوزارة مرسوما بتأجيل البرلمان لمدة شهر ينتهي في 2 أبريل سنة 1952 وقبيل انتهاء المدة استصدرت قرار بحل مجلس النواب في 24 مارس والدعوة للانتخابات في 18 مايو كما تقرر فتح أبواب الترشيح من 25 مارس لمدة عشرة أيام ثم مد أجلها لمدة أخرى مماثلة وبدأ التذبذب واضحا في موقف الوزارة فيصرح أنصارها بأنها تؤلف حزبا جديدا تدخل به الانتخابات يجمع الأخبار من الأحزاب السياسية ثم لا تلبث الوزارة أن تكذب الخبر وأعلنت أن الهلالي يرشح نفسه وتارة تعلن أنها ستتناول قانون الانتخاب بالتعديل ثم تعلن العدول عن قرارها هذا الاضطراب والتردد كان يعكس بطبيعة الحال ضعف الوزارة فأراد الوفد إحراجها فبادر إلى إعلان قوائم مرشحيه في كافة الدوائر في الوقت الذي تراجع فيه أنصار الوزارة عن إعلان أسماء مرشحيهم بسبب تخاذل الوزارة التي راحت تؤجل الانتخابات لأجل غير مسمى، مما زاد مركزها ضعفا على ضعف.

استمرت الوزارة في حركة التطهير فأعيد فتح ملفات قضية الأسلحة الفاسدة مما كان يعني أن صداما سوف يحدث مع القصر باعتبار أن خيوط الاتهام كلها كانت تنتهي فيه فلقد تصور الهلالي أنه سوف ينجح بالتحالف مع جماعة المسئولين بالديوان وعلى ر أسهم حافظ عفيفي في انتزاع الملك من المحيطين من الموظفين غير المسئولين بالقصر ويحقق هدفه في التطهير إلا أن التيار المعارض للهلالي من القصر كان قويا فلقد تحركت مجموعة كريم ثابت وأندراوس في وجه محاولات الهلالي وأوحت للملك بأن حركة التطهير قد تمتد إليه نفسه ورفع كريم ثابت مذكرة إليه يقترح فيها إقالة الوزارة بزعم أن ذلك يتفق مع مصلحة الملك على أن يكلف مرتضى المراغي بتشكيل الوزارة أو يكلف حسين سري بتشكيل وزارة محايدة لإجراء الانتخابات ولقد وافق الملك بالفعل على مبدأ تغيير الوزارة إلا أنه أرجأ التنفيذ إلى 15 أكتوبر سنة 1952.

ومن جانب آخر قرر وزير الخارجية المصري للسفير الأمريكي أن الملك يخضع لضغوط من الوفديين الذين سعوا لتوثيق علاقتهم بالقصر لإقصاء الوزارة القائمة بعد أن ظهر أن العديد من الإجراءات القضائية سوف تتخذ ضدهم وأنه من المتوقع أن يقوم الملك بإقصاء الوزارة كان من الطبيعي أن يثير احتمالات التغيير مخاوف السفارة البريطانية ولدى مفاتحة القائم بأعمال السفير البريطاني لحافظ عفيفي فيما تردد، راح يهدئ من خواطره وأخبره بأن الأمر لا يخرج عن كونه مجرد تآمر من الوفديين مع السفير الأمريكي للإيحاء بقرب عودتهم للحكم وطلب منه ألا يلقى بالا لتلك المكائد ذلك أن تغيير الحكومة الحالية لن يكون في صالح بريطانيا أو أمريكا أو حتى مصر ذاتها.

وعلى الرغم من هذا الموقف البريطاني المؤيد لبقاء الهلالي إلا أن الإنجليز على الجانب البريطاني غلو أيديهم عن التفاهم معهم على قضيتي الجلاء والوحدة مع السودان فكان من خطة الهلالي أن يحاول كسب اعتراف الدول الأجنبية بلقب ملك مصر والسودان وكان يسعى لأجراء مباحثات مع وفد سوداني تابع للسيد عبد الرحمن المهدي زعيم الأنصار وحزب الأمة هناك بغرض الوصول إلى حل لمشكلة السودان يسهل عليه مهمته في الاتفاق مع الإنجليز حول مسألة السودان وحدها إلا أن الإنجليز عليه بيان الجلاء الذي كان يطلبه الهلالي كما فشلت مباحثاته مع الوفد السوداني بسبب تدخلا لملك المستمر فيها.

من ناحية أخرى كانت وزارة الهلالي محورا للصراع بين جناحي القصر، فجناح حافظ عفيفي كان مؤيدا لفكرة استمرار الوزارة في الحكم واتجاهاتها نحو التطهير، أما جناح كريم ثابت وأندراوس فقد كان بادي التأثير على الملك مما ظهر أثره واضحا في ذمع الوزارة للاستقالة في 28 يونيو وبدأ حافظ عفيفي أيضا راغبا في الاستقالة من منصبه كرئيس للديوان تضامنا مع الوزارة.

ويمكن القول بأن تبني الهلالي لفكرة التطهير كان مدخلا ضروريا وهاما للحكم، باعتبارها ذات طابع سياسي اجتماعي مما كان من شأنه أن يكسبه تأييدا عريضا في البلاد في وقت لم يكن له ثمة ظهير سياسي سوى القصر وكان الظن أن الوزارة سوف يكون بمقدورها السير قدما في طريق التطهير وبدا القصر بالفعل مؤيدا لها في أولى خطواتها لما كان سيترتب على ذلك من النيل من سمعة الحكم الوفدي وإظهار مثالية فضلا عن تأييد الجانب البريطاني أيضا.

وواقع الحال أن الهلالي قد أخطأ بتصوره بجدوى معركة التطهير في غيبة التأييد الشعبي فكان خليقا به أن يهيئ للبلاد لدعوته لكي يكسب تأييدها بدلا من أن يخوض الصراع ضد الوفد مستهدفا إياه في وقت كان القصر ذاته أشد حاجة للتطهير باعتباره معقلا أساسيا للفساد ولا يريب في أن تأييد البلاد للهلالي كان من الممكن أن يكون ظهيرا لحركته حتى ولو كان ضد القصر ذاته وثمة خطأ آخر تردى فيه الهلالي فيما كان من قيامه بمحاولة التصدي للقضية الوطنية بشقيها الجلاء والسودان فضلا عن اتجاهه نحو الإصلاح الاجتماعي وكان حريا به أن يركز جهوده في الاتجاه الأخير لأن أي قدر من النجاح فيه كان خليقا بتعزيز موقفه في مواجهة الإنجليز بصدد التفاوض معهم فكانت المحصلة أن باءت بالفشل أولى محاولات الإصلاح بين اتجاهات القصر والسياسة البريطانية.


حكومته

"تشكيل الحكومة من 1 مارس 1952 - 2 يوليو 1952"
الوزير الوزارة
راضي بك أبو سيف راضي وزارة الشئون الإجتماعية، وزارة الصحة العمومية
صليب باشا سامي وزارة التجارة والصناعة، وزارة التموين
طراف باشا علي وزارة المواصلات
طه باشا محمد عبد الوهاب السباعي وزارة الشئون البلدية والقروية
محمد باشا المفتي الجزايرلي وزارة الأوقاف
محمد باشا رفعت وزارة المعارف العمومية
محمد باشا عبد الخالق حسونة وزارة الخارجية
محمد باشا كامل مرسي وزارة العدل
محمد زكي عبد المتعال وزارة المالية والإقتصاد
محمد فريد زعلوك وزير دولة للدعاية
محمود باشا عثمان غزالي وزارة الزراعة
نجيب باشا ابراهيم وزارة الأشغال العمومية

رئاسته الوزارة الثانية

عكست استقالة وزارة الهلالي الأولى في جانب منها صورة للصراع القائم بين جناحي القصر ولقد تمخضت عنها دلالة هامة على انتصار كريم ثابت وزملائه وأكدت على خضوع الملك لتأثيرهم بشكل مطلق وكان من الطبيعي أن تعمد تلك المجموعة إلى استغلال النجاح الذي حققته بإقصاء الهلالي عن الحكم وذلك من خلال الضغط على الملك بصدد اختياره رئيسا للوزراء يكون أكثر قدرة على التفاهم معهم عن الهلالي في الوقت نفسه كان حافظ عفيفي يتحرك بتأييد من السفارة البريطانية، وهو بدوره لم يكن ليستسلم بسهولة في مواجهة كريم ثابت وجماعته.

وإذا كانت المشاورات التي دارت داخل القصر بصدد اختيار الهلالي قد سجلت تدخلا من جانب جناح كريم ثابت وأندراوس فإن تلك التي جرت قبيل اختيار سري قد أكدت على رغبة هذه العناصر في الانفراد باختيار رئيس الوزارة القادم مما كان ينذر بعودة الصراع من جديد بين جناحي القصر فبينما كان حافظ عفيفي رئيس الديوان يجري اتصالاته بموافقة الملك مع بهي الدين بركات لتشكيل الوزارة حيث وافق بالفعل وبدا في اختيار أعضائها كان كريم ثابت وإلياس أندراوس يجريان اتصالاتهما بموافقة الملك أيضا بحسين سري لنفس الغرض ويتنبأ السفير البريطاني بأن فرصة بركات لتشكيل الوزارة تبدو ضعيفة وأن الملك يبدو غير راغب في غض الطرف عن نصيحة أندراوس وجماعته.

وبالفعل بدت الغلبة لاتجاه كريم ثابت وأندراوس إذ عهد الملك إلى سري بتشكيل وزارته الخامسة في 22 يوليو وذلك رغما عن محاولات حافظ عفيفي لإقناع فاروق بأن يعهد إلى بركات بتشكيل الوزارة بغرض إزالة الأثر السيئ الناجم عن إقصاء الهلالي عن الحكم والحقيقة أن اختيار أي من سري أو بركات لرئاسة الوزارة كان يثير مخاوف الجانب البريطاني بما وقر في اعتقاده من أن ذلك يعني التمهيد لعودة الحكم الوفدي ومن ثم فقد أرسلت الخارجية البريطانية تستطلع رأي سفيرها في مصر في أمر مفاتحة سري وبركات وبذل النصح لهما بعدم الموافقة على قبول تشكيل الوزارة الجديدة.

وفي تقديرنا أن تلك المخاوف البريطانية لم يكن لها ما يبررها خاصة وأن الملك لم يكن ليقبل بحال عودة الوفد إلى الحكم بأي صورة ثم أن حكومة سري ذاتها قد أظهرت جهدا واضحا مما تشير إليه الوثائق البريطانية ذاتها في الحد من تصاعد الاتجاهات المؤيدة للوفد بل ومقاومتها ورغم ذلك فقد ظلت المخاوف البريطانية قائمة فراح القائم بأعمال السفير البريطاني ينقل للملك من خلال إلياس أندراوس وجهة نظر حكومته من أن العلاقات الطيبة مع مصر لا يمكن أن تظل على حالها في ظل احتمالات عودة الوفد إلى الحكم وفي محاولة للسيطرة على أزمة الموقف داخل القصر وكبح جماح فريق كريم ثابت وأندراوس قابل القائم بأعمال السفير البريطاني حافظ عفيفي ألا يتراجع بحال عن تأثيره ونفوذه في القصر إزاء التطورات ونصحه بأن بقاءه في منصبه سوف يمكنه من إصلاح ما ألحقه الملك من فساد بمكانته أو ببلاده.

لم تقتصر جهود إلياس أندراوس وفريقه على حد التأثير على الملك في اختيار سري بل امتدت إلى بنية الوزارة ذاتها مما ظهر واضحا في اختيار كريم ثابت وزيرا للدولة مما اعتبره الرافعي من علامات انحدار المنصب الوزاري وبعبارة أخرى فقد أظهر تشكيل وزارة سري الخامسة، أن ها الفريق من حاشية الملك قد تعدى دوره أعمال الوساطة والتدخل في شئون الحكم إلى مرحلة المشاركة في صنع القرار وهذا بدوره ما كان يعكس حالة التدهور التي تردت فيها سياسة القصر فواضح أنها بكل المقاييس سياسة قصيرة النظر خاطئة بكل مسلماتها بعد أن أضحت مقاليدها عملا في أيدي عناصر من الحاشية افتقدت لأي قدر من المهارة السياسية أو المسؤولية وكانت مصالحها الشخصية هي محركها الأول.

إثر استقالة وزارة سري الخامسة أجرى الملك مشاوراته مع حافظ عفيفي رئيس الديوان وبات من المحتمل تكليفه بتشكيل الوزارة الجديدة والواقع أن هذا الاتجاه كان توطئة للقضاء على بقايا نفوذ رئيس الديوان على الملك ولا يمكن الافتراض بأن جناح كريم ثابت وأندراوس كان منبت الصلة بهذا الترشيح حتى يكون له الهيمنة الكاملة على القصر ولعل إدراك حافظ عفيفي لذلك دعاه إلى إقناع الملك بالرجوع عن الفكرة وراح بدوره يسعى لإقناع الهلالي بقبول تشكيل الوزارة الجديدة وبعبارة أخرى فقد رأت جماعة المسئولين في الديوان أن عودة الهلالي بسمعته في التطهير بما تحققه من تهدئة الضباط والخروج من الورطة التي يواجهها النظام بل العهد كله، سوف تحقق هدفا آخر بتوجيه ضربة نهائية للحاشية غير المسئولة.

أما الهلالي فقد بدا حريصا على تعضيد موقفه في مواجهة القصر ومؤامراته بما يتضح في الشروط التي وضعها كأساس لقبوله الوزارة وهي:

(أ‌) استمرار حركت التطهير التي بدأها في عهد وزارته الأولى.

(ب‌) يجب تعديل قانون الانتخاب على أن تجري الانتخابات عندما يرى هو إمكانية ذلك.

(ت‌) أن يستمر سريان الأحكام العرفية على أن تستخدم ضد من يثبت اشتراكهم في اضطرابات 26 يناير سنة 1952.

4- لا تدخل لغير المسئولين إشارة إلى عصبة القصر.

أما الملك فقد قبل راغما تلك الشروط باعتبار أن وزارة الهلالي كانت السبيل الوحيد للخروج من الأزمة الوزارية بعد أن ظلت البلاد بدون وزارة لمدة كانت تربو على الأربع والعشرين ساعة أما الهلالي فقد تصور أن شروطه التي أملاها على القصر كافية لتقليم أظافره والحد من تدخل كريم ثابت وأندراوس في شئون الحكم بزعم الرغبات الملكية.

ومنذ اللحظات الأولى لتولية السلطة بدأ الهلالي بنشاط ملحوظ في محاولة تهدئة المواقف المضطربة بين القصر والجيش وهو ما فشل فيه سري من قبل وأفضى إلى استقالته وبناء على ما أشار به حافظ عفيفي قام الهلالي بتعيين إسماعيل شيرين زوج شقيقة الملك في منصب وزير الحربية وباعتباره الرجل المناسب الذي يمكنه الاضطلاع بشكاوي الضباط الأصاغر كما قرر إحالة كل من اللواء حسين سري عامر قائد قوات حرس الحدود واللواء محمد نجيب إلى التقاعد.

وحقيقة الأمر أن الموقف الداخلي قد تفاقمت حدته، على نحو لم تفلح معه محاولات الهلالي للتهدئة إذ أن الجيش كان قد تهيأ بالفعل للتحرك ضد النظام القائم بكل قواه ومؤسساته ففي ظهر يوم 22يوليو عقد الضباط الأحرار اجتماعهم الأخير بمنزل خالد محيي الدين حيث جرت مناقضة الخطة الموضوعة واختير لها اسم نصر للاستيلاء على مقر القيادة العامة واعتقال كبار الضباط وتحددت الساعة الثانية عشرة مساء توقيتا لبدء العملية حيث تم بالفعل اعتقال اللواء حسين فريد رئيس هيئة أركان حرب الجيش وكبار الضباط بالقاهرة وفي صباح 23 يوليو كان الهلالي مجتمعا مع أعضاء وزارته في الإسكندرية حيث حاول التفاهم مع زعماء الحركة لمعرفة مطالبهم فأبلغه محمد نجيب وكان بالقاهرة بمطالب ثلاثة محددة وهي تكليف علي ماهر بتشكيل الوزارة وتعيينه أي محمد نجيب قائدة عاما للجيش وطرد مجموعة من حاشية الملك وهم محمد حسن وحلمي حسين وأنطوان بوللي .

ومن الناحية العملية فق كان الوجود الاحتلالي وليس القصر هو الجانب الأكثر تهديدا لحركة الضباط الأحرار وذلك على ضوء احتمالات تدخله في مواجهة الحركة لنصرة القصر وبصدد تأمين حركتهم سار الضباط الأحرار في اتجاهين:

أولهما استهدف الحصول على تأييد السفارة الأمريكية للحركة والثاني: تحذير الجانب البريطاني من مغبة التدخل والتلويح باستخدام القوة في مواجهته.

وفيما يتعلق بالاتجاه الأول قام علي صبري أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار بالاتصال بالسفير الأمريكي كما يوضح له بواعث الحركة وأهدافها وقد نجح في الحصول على تأييده رغم أن الحركة ذاتها كانت مفاجأة للجانب الأمريكي وفيما يتعلق بالاتجاه الثاني فقد لعبت فيه الوساطة الأمريكية دورها فعن طريق أحد أعضاء السفارة الأمريكية بعث قادة الحركة برسالة للسفير البريطاني مؤداها أن الجيش يوف يبدي مقاومة منظمة ضد أي تدخل بريطاني وأن الحركة قامت أساسا للقضاء على الفساد الداخلي ولن تتعرض للسياسة الخارجية ولقد تأكدت المهارة السياسية لتنظيم الضباط الأحرار فيما ظهر من وراء ذلك من نتائج فلقد تحد الموقف البريطاني ليس فيما أظهره فحسب من عدم الاستجابة لمطالب فاروق بالتدخل مما أثار سخطه بل وبذهب إلى حد التفاهم مع قادة الحركة وبناء على تعليمات كريسويل القائم بأعمال السفير البريطاني توجه أحد أعضاء السفارة برفقة مساعد الملحق الحربي لمقابلة محمد نجيب وتوضيح الموقف البريطاني وإظهار الترحيب بأي حركة في مصر تقوم على محاربة الفساد وتحسين مستوى المعيشة للشعب المصري كأفضل سلاح لمحاربة الشيوعية وطلب الضمانات بأن الجيش سوف يحمي أرواح الأجانب وممتلكاتهم

ومن جانب آخر نقل السفير الأمريكي للملك وجهة النظر البريطانية من أنها تعتبر أن لا يعدو سوى أن يكون مسألة داخلية بحتة وأن الحكومة البريطانية غير راغبة في الزج بقواتها في مثل تلك الأغراض على هذا النحو تحدد الموقف البريطاني من القصر والضباط الأحرار بشكل حاسم أما عن باقي القوى السياسية فلا نكاد نرصد لها أثرا للتحرك على الساحة إزاء تطور الأحداث يوم 23 يوليو وبدا أنها أثرت الانتظار مترقبة ما سوف تسفر عنه الأحداث باستثناء الإخوان المسلمون فقد كانوا هم القوى الوحيدة التي قام بها الضباط الأحرار بالتنسيق معها قبل الحركة وكانوا على علم بتفصيلاتها وتوقيت قيامها وعلى الإجمال فقد كانت أوضاع القوى السياسية عشية 23 يوليو من العوامل المشجعة للحركة كما تستمر في طريقها.

وينبغي الإشارة إلى أن إذعان القصر للمطالب الثلاثة التي تقدم بها قادة الحركة على نحو ما مر بنا كان باعثا على اعتقادهم بأن القصر قد بات مهيض الجناح دون سند حقيقي يؤازره وهذا بدوره قد شجعهم على اتخاذ الخطوة التالية وهي عزل الملك والواقع أن الفكرة لم تكن واردة في مخطط الحركة يتأيد ذلك بما أشار إليه محمد نجيب من أن عزل الملك قد تقرر في اجتماع عقد ليلة 23/ 24 يوليو بعد الاطمئنان إلى ولاء القوات الموجودة بالإسكندرية للحركة وقد جرى في هذا الاجتماع اتخاذ كافة الترتيبات لوضع الفكرة موضع التنفيذ.

وبالفعل قدم محمد نجيب صبيحة يم 26 يوليو لعلي ماهر إنذار الجيش للملك بالتنازل عن العرش ومغادرة البلاد قبل الساعة السادسة من نفس اليوم وهنا عاد الدور الأمريكي للظهور مرة أخرى فإلى جانب محاولات علي ماهر لإقناع الملك بقبول طلبات الجيش راح السفير الأمريكي يسدي له النصح في نفس الاتجاه ووعده بضمان حمايته وأسرته حتى يغادروا مصر وبالفعل تنازل فاروق عن العرش لولي عهده وتولى مجلس سلطاته الدستورية وعاد فاروق وأسرته البلاد في مساء 26 يوليو سنة 1952 وانتقلت البلاد من عهد إلى عهد.

وخلاصة القول فإن حادث حريق القاهرة في 26 يناير قد أفضى إلى نتيجة أساسية وهي أن القصر قد انفرد تماما بسلطة اتخاذا القرار ولقد تأيدت تلك الحقيقة ليس فيما كان من إقالته للحكومة النحاسية فحسب بل وفيما كان من توالي وزارت قصر أربع على حكم البلاد على امتداد مسطح زمني لم يتجاوز الشهور الستة والواقع أن تعاظم سلطة القصر على هذا النحو لم يكن ينبئ عن قوته الحقيقية كمؤسسة للحكم بقدر ما كان نتيجة لتراجع تأثير الأحزاب السياسية على الساحة بعد أن فقدت الجماهير الثقة بها.

أما عن مارس القصر في السلطة فلا ريب في أن ما اعتراه من فساد ظاهر قد أثر على مكانته في البلاد ثم أن الصراعات التي دارت في جنباته بين جناحي حافظ عفيفي وكريم ثابت، قد أثرت بدورها أيضا على كيانه السياسي وأظهرت ما به من انقسامات خاصة وأن الملك نفسه كان محورا لتلك الصراعات إذ سعى كل فريق إلى محاولة السيطرة عليه ولقد انسحب أثر هذه الصراعات إذ سعى كل فريق إلى محاولة السيطرة عليه ولقد انسحب أثر هذه الصراعات الداخلية في القصر على طبيعة الوزارة وحددت مسيرتها في الحكم إلى حد كبير فالوزارات التي تولت الحكم وإن كانت ووزارات قصر في صبغتها إلا أنها تباينت في تبعيتها لأي من جناحي القصر وكأثر لخضوع الملك لتأثير كريم ثابت وإلياس أندراوس ومن إليهم من حاشية فكان من الطبيعي أن يكون القصر أعتى القلاع مقاومة لمحاولات التطهير التي جرت في تلك الفترة واتسع الخرق على الراقع ما كان من سوء تقديرات القصر السياسية فبدلا من أن يضع يده على ضمائر التذمر والسخط في الجيش ويعمد إلى علاجها راح يتبع سياسة خاطئة قصيرة النظر كان عمادها مفهومه التقليدي بتبعية الجيش وولائه له وسرعان ما بدت المفارقة كبيرة بين مفهوم القصر ونظرته للجيش وبين ما أصبح عليه الجيش بالفعل من استعداد حيقي للتحرك والخروج على العرش بعد أن كان من ركائز حكمه الأساسية.

وتسجل تطورات الأحداث المتلاحقة والتي تزامنت مع قيام حركة الضباط الأحرار ظهور الدور الأمريكي على ساحة السياسة المصرية فالواقع أن الجانب الأمريكي كان يبحث لنفسه عن دور سياسي يمكنه من منافسة الوجود البريطاني في مصر ومنازعة نفوذه ولقد هيأت أحداث الثورة بالفعل للسفير الأمريكي لكي يلعب دور الوساطة بين تنظيم الضباط الأحرار من جانب والقصر والإنجليز من جانب آخر أما الجانب البريطاني فلقد حدد موقفه من الحركة منذ قيامها فإحجامه عن التدخل لصالح القصر يمكن تفسيره بأنه لم يكن ليدافع عن قضية حليف ظاهر الفساد قد بدت بالفعل نذر هزيمته.

حكومته

"تشكيل الحكومة من 22 يوليو 1952 - 24 يوليو 1952"
الوزير الوزارة
اسماعيل باشا شيرين وزارة الحربية والبحرية
حسين باشا كامل الشيشيني وزارة الزراعة
راضي باشا أبو سيف راضي وزارة الشئون الإجتماعية
سيد بك شكري وزارة الصحة العمومية
طراف باشا علي وزارة المواصلات
طه باشا محمد عبد الوهاب السباعي وزارة التموين
محمد باشا المفتي الجزايرلي وزارة الأوقاف
محمد باشا رفعت وزارة المعارف العمومية
محمد باشا زكي عبد المتعال وزارة المالية والإقتصاد
محمد باشا خشبة حسونة وزارة الخارجية
محمد باشا فربد زعلوك وزارة التجارة والصناعة
محمد باشا كامل مرسي وزارة العدل
مريت بك غالي وزارة الشئون البلدية والقروية
يوسف بك سعد وزارة الأشغال العمومية

اعتزال الحياة السياسية

ومنذ 1952 ابتعد احمد نجيب الهلالي عن السياسة تماما واعتكف في بيته في المعادي.

وفاته

وفي عام 1958 توفيت زوجته فاصابته ازمة قلبية أودت بحياته في ديسمبر 1958. وخلف وراءه نجله أحمد نبيل الهلالي الذي سار على دربه في دراسة القانون والعمل بالمحاماة والعمل السياسي.

انظر أيضا

المصادر

  1. ^ رؤوف عباس حامد (1995). العلاقات المصرية البريطانية 1951-1954. القاهرة، مصر: الجمعية المصرية للدراسات التاريخية.