محمد شريف باشا

محمود شريف باشا
Muhammad Sharif Pasha.JPG
رئيس وزراء مصر
في المنصب
7 أبريل 1879 – 18 أغسطس 1879
العاهل إسماعيل باشا
سبقه محمد توفيق باشا
خلفه محمد توفيق باشا
رئيس وزراء مصر (فترة ثانية)
في المنصب
14 سبتمبر 1881 – 4 فبراير 1882
العاهل توفيق باشا
سبقه رياض باشا
خلفه محمود سامي البارودي
رئيس وزراء مصر (فترة ثالثة)
في المنصب
21 أغسطس 1882 – 7 يناير 1884
العاهل عباس الثاني
سبقه إسماعيل راغب باشا
خلفه نوبار باشا
تفاصيل شخصية
وُلِد فبراير، 1826
قولة، اليونان
توفي 20 أبريل 1887 (عمره 61)
گراز، النمسا-المجر

محمد شريف باشا (و. 1826 – ت. 1887)، هو رجل دولة مصري من أصل تركي.[1] تولى رئاسة وزراء مصر أربع فترات. أول فترة ما بين 7 أبريل 1879 إلى 5 يوليو 1879 . الفترة الثانية من 5 يوليو 1879 إلى 18 أغسطس 1879. والثالثة من 14 سبتمبر 1881 إلى 4 فبراير 1882. والأخيرة من 21 أغسطس 1882 إلى 10 يناير 1884. ومؤسس النظام الدستوري في مصر، وواضع دستوري سنة 1879 وسنة 1882.


سيظل إسم شريف باشا مذكوراً مدى الدهر في سجل الحركة القومية، وذلك لموقفه المشهود في شأن السودان، واحتجاجه العملي على سلخه عن مصر ، ومسألة السودان نقطة حساسة في المسأله المصرية ، لأنها مسألة الحياة لمصر ، فلا غرو أن يذكر المصريون دوماص موقف شريف باشا فيها ، فإنه موقف مشرف ، يكفي وحده لتخليد إسم صاحبه وتمجيده.

كان هذا الموقف آخر مواقف شريف باشا، غذ ختم به حياته السياسية ، وهو وإن كان أعظم مواقفه شأناً ـ وأبقاها على الزمن أثراً ، فإن حياته حافلة بالمواقف المجيدة ، وحسبك أن إسمه إقترن بثلاثة أدوار للحركة القومية ، وكان فيها مناط رجاء الأمة وموضع ثقتها ، وعمل فيها جميعاً بنزاهة وإخلاص.

الدور الأول : دور النهضة السياسية والوطنية التي ظهرت في عصر إسماعيل ، فقد كان شريف باشا الزعيم الوطني والسياسي الذي اتجهت إليه انظار الأحرار لتأليف " الوزارة الوطنية " خالية من العنصر الأوربي ، قائمة على مبدأ المسئولية الوزارية أمام مجلس شورى النواب ، وعلى يده تقرر هذا المبدأ الذي يعد قوام النظام الدستورى ، كما تقدم بيانه.

الدور الثاني : دور الثورة العرابية ، وله فيها المقام المحمود ، والرأي الصائب ، والنظر الصادق ن إذ كان على يده إجابة مطالب العرابيين الأولى : وهي المطالب الدستورية السليمة ، وألف الوزارة التي تم في عهدها تأليف مجلس النواب سنة 1881 وتخويله سلطة المجالس النيابية الحديثة.

ولما وقع الاحتلال الإنجليزي سنة 1882 اقترن إسمه بدور ثالث من أدوار الحركة الوطنية ونعني به المقاومة الأهلية التي اعترضت السياسة الاستعمارية الإنجليزية ، وذلك باستقالته المشرفة التي قدمها اعتراضاً على سلخ السودان عن مصر ، وعلى تدخل الإنجليز في سلطة الحكومة المصرية.

فترى من هذا البيان الوجيز أن شخصية شريف باشا اقترنت بأدوار ثلاثة ، من أعظم أدوار الحركة القومية شأناً ، وله في كل منها مواقف جليلة ، هذا إلي أنه تولى رآسة الوزارة أربع مرات ، في أوقات عصيبة ، وظروف دقيقة ، فجعل منهجه في كل مرة تحقيق آمال الأمة ، وحل المعضلات التي تواجهها البلاد ، فهو من الأفذاذ الذين ينظرون إلي الوزارة على أنها وسيلة لا غاية ، ولم يكن من أولئك الذين يحرصون المناصب ، ولو ضحوا في سبيلها بحقوق مصر وكرامتها ، بل كان يضحي بالوزارة استمساكاً بالحق والكرامة والمبدأ.

وتمتاز شخصية شريف باشا بمزايا عديدة ، أولها كفاءته العلمية والسياسية ووفرة نصيبه من الثقافة الغربية ، واقتباسه الأساليب الحديثة الراقية في حياته وأحاديثه وآرائه ، بحيث نال احترام كل من حادثوه أو اتصلوا به من رجال السياسة الأوربيين فهو يعد حقاص من رجال الدولة الممتازين ، الذين يضارعون رجالات أوربا الأفذاذ في المكانة والكفائة ، والميزة الثانية إخلاصه لمصر ، فإنه لم يكن يطمع في المنآصب ، ولا جعلها قبلته ومطمح آماله ، بل كانت المناصب تسعى إليه ، ويرجى منه تقلدها ، لمواهبه وصفاته البارزة ، وقد عرضت عليه رآسة الوزارة في عهود مختلفة ، فكان يتقبلها على أن يضع لنفسه خطة سياسية وطنية ن يسير عليها ويعمل على تحقيقها جهد ما يستطيع ، وإذا لم يتحقق برنامجه بادر إلي الاستقالة من الوزارة زاهداً فيها غير آسف عليها ، ولعل هذه الخطة الوطنية يرجع جانب كبير منها إلي ما اتصف به من الكرامة والشمم وما تحلى به من العفة والنزاهة فإن هذه الصفات جعلته يأبى أن يتخذ المناصب وسيلة للمنفعة والجاه ، وكان يزهد فيها إذا آنس منها امتهاناً لكرامته ، وإنك لتلمح في شخصيته شعورالكرامة والشمم ، وهو بعد وزير للحقانية والخارجية سنة 1878 ، حين وقع الخلاف بينه وبين لجنة التحقيق الأوربية ، فقد استدعته اللجنة لسماع أقواله ، فرفض باباء ان يطأطئ الرأس أمام جبروتها ، وامتنع عن المثول بين يديها ، وآثر الاستقالة من منصبه احتفاظاً بكرامته وكرامة المنصب الذي يشغله.

ولما تطاعت إليه أنظار الأحرار ليؤلف الوزارة سنة 1879 قبل هذه المهنة واتخذ لنفسه برنامجاً جلياً واضحاً ، وهو تقرير النظام الدستوري أساساً للحكم وغنقاذ البلاد من طغيان النفوذ الأجنبي ، وقد بقيت وزارته إلي أن خلع إسماعيل وتولى توفيق باشا منصب الخديوية ، فقد استعفاءه من الوزارة فدعاه الخديوي إلي تأليف الوزارة الجديدة فألفها ولكنها لم تدم طويلاً لأن نزعته الدستورية لم تكن لترضى الخديوي توفيق فاستعفى ثانية من الرئاسة وخلفه الخديوي توفيق باشا ذاته ، ثم رياض باشا إلي أن قامت الحركة العرابية ، فأتجهت إليه الأنظار من جديد لتأليف الوزارة ، وتحقيق آمال الأمة ، فلبى نداء الوطن ، وألف وزارة غايتها تأليف مجلس نيابي كامل السلطة فكان برنامجه في هذه الوزارة هو ذات البرنامج الذي وضعه لوزارته الأولى في عهد إسماعيل ، ولما اختلف العرابيين ، لم يقبل مسايرتهم فيها رآه خطاً ، واستقال وبقي في عزلته إلي أن وقع الأحتلال الإنجليزي ، ثم دعي إلي تأليف الوزارة لإنقاذ الموقف فلبى دعوة الخديوي توفيق وتولى الرآسة واضطلع بها في ظروف حرجة ، إلي أن وقع التصادم بينه وبين الأحتلال في مسألة السودان وتدخل الإنجليز في شؤون الحكومة فاستقال احتجاجاً على عدوان السياسة الإنجليزية.

فمن هذه النظرة العجلى يتبين لك أنه كان يتولى الوزارات على أساس قومي ، ويرسم لنفسه برنامجاً يتقيد فيه بمقصد شريف ، ويعمل على تنفيذه متمسكاً بالكرامة والشمم والإباء حريصاً على حقوق البلاد ، فلا غرو إذ كان يسبغ على الوزارة كلما تولاها ثوباً من العظمة والجلال.

وإلي جانب إخلاصه وكفاءته السياسية كان يمتاز بقوة شخصيته ، لا حيال السلطة فحسب ، بل إزاء أهواء الجماهير فإذا رآها حادت عن جادة الصواب لا يسايرها في خطئها استبقاء لحسن الأحدوثة ، ولا ينثني أمامها ، بل يثبت في موقفه ويستمسك بوجهة نظره وهذه الناحية تطالعك بمبلغ إخلاصه ومتانة أخلاقه وقوة يقينه وهي لعمري صفات نادرة فقليل من رجال السياسة من لا تستهويهم ميول الجماهير ولا تستدرجهم إلي مسايرتها رغم اعتقادهم بخطئها.

هذه هي المزايا التي اجتمعت في شريف باشا ، وهي لعمري جديرة بأن تجعله من عظماء مصر الخالدين.

نشأته

إن نشأة المرء لها بلا مراء دخل كبير في مصيره ، فالوراثة ، والبيئة ، والتربة الأولى ، والعصر السياسي ، والإجتماعي تؤثر في شخصية الإنسان وتوجهه الوجهة الأولى في الحياة ، هذه العوامل لها الأثر الاول في شخصية المرء فإنها تطبعه بطابع يبقى في الغالب على مر السنين ويرتسم أثره في أخلاقه وميوله واستعداده وعقائدة وآرائه ، وأعماله واطواره في الحياة.

فما هي إذاً نشأة شريف باشا التي تألفت منها العناصر الأولى لشخصيته ؟

ولد المترجم بالقاهرة في شهر نوفمبر سنة 1826 ، في العهد الذي كان محمد على باشا يعمل فيه لإنهاض مصر والأخذ بيدها لترقى إلي مصاف الدول المستقلة ، وكان مما وجه إليه همته نشر العلوم والثقافة في مصر ، وإعداد طائفة من شبانها لينالوا أكبر حظ من التعليم الحديث.

في هذا العهد ولد محمد شريف باشا لعائلة شركسية قادمة من تركيا حيث كان أبوه الشركسي محمد شريف أفندي قاضي قضاة مصر في ذلك الحين ، ومعلوم أن قاضي القضاة كان يعين لمدة سنة أو سنتين فلما انقضت مدة شريف أفندي عاد إلي الأستانة ، وعاد معه المترجم وسنه لا تتجاوز عدة أشهر وبعد انقضاء بضع سنوات عين أبوه قاضياً للحجاز ، فمر بمصر في طريقه إلي مقر منصبه ، وقابل محمد على باشا ، فأكرم وفادته ورأى ابنه معه ، فتفرس فيه النجابة والذكاء ولا غرو فقد كان من أخص صفات محمد على الفراسة وصدق النظر ، وصحة الحكم على الاشخاص ن فرغب إلي أبيه أن يعهد إليه تعليمه وتثقيفه فقبل أبوه هذه المنة شاكراً ، وتركه في رعاية عاهل مصر العظيم.

دخل المترجم مدرسة الخانكة ، وهي المدرسة الحربية التي انشئت سنة 1826 بأمر محمد على وكان من تلاميذها بعض أنجاله وأحفاده ولما أتم شريف دراسته في تلك المدرسة أنتظم سنة 1844 في سلك البعثة الخامسة من البعثات العلمية التي أرسلها محمد على إلي أوربا ، وهي البعثة التي كان بها من أنجال محمد على الأميران حسين وعبد الحليم ، ومن احفاده إسماعيل ( الخديوي ) وأحمد رفعت ، ومن نوابغها على مبارك ( باشا ) وغيره ، فتخصص المترجم في الفنون الحربية بمدرسة سان سير Saint Cvr التي ذاعت شهرتها في التعليم الحربي العالي ، فتقدم فيها ووصل إلي أعلى فرقها ، ثم انتقل إلي مدرسة تطبيق العلوم الحربية فظل بها سنتين ، والتحق بالجيش الفرنسي ليؤدي مدة التمرين ، كما تقضي به النظم العسكرية ونال رتبة ( يوزباشي أركان حرب ) فوصل في العلوم الحربية وفنونها إلي أرقى مراتبها.

ولما تولى عباس الأول الحكم أمر باسترجاع أعضاء البعثة العلمية بفرنسا فعاد المترجم إلي مصر سنة 1849 والتحق بالجيش المصري بمثل الرتبة التي نالها في الجيش الفرنسي.

اتصاله بالجنرال سليمان باشا الفرنساوي

كان القائد سليمان باشا الفرنساوي ( الكولونيل سيف ) قائداً عاماً عاماً للجيش المصري في عهد عباس ، ومن حسن توفيق المترجم أن اختاره ذلك القائد الكبير ضمن ياورانه ، ولعله تعرف فيه صفات النبل ، والتهذيب والشيم الكريمة التي أخذها عن محمد شريف أفندي أبيه ، علاوة على تربيته وأساليبه وثقافته العصرية التي اكتسبها في فرنسا ومن هنا نشأت صلات الود بينهما ، حتى زوجه بكريمته.

ولم يلق المترجم في عهد عباس تقدماً ورعاية، على الرغم من مساعدة سليمان باشا إياه ، ورغبته في ترقيته ففكر في ترك منصبه في العسكرية وجعله الأمير عبد الحليم سكرتيراً له في دائرته سنة 1853 ، وبقي يشغل هذه الوظيفة إلي وفاة عباس.

في عهد سعيد

ولما تولى سعيد عطف على المترجم إذ عرف فيه الكفاءة والنبل فأعاده إلي السلك العسكري ورقاه إلي رتبه أمير الاي الحرس الخصوصي ، وبقي سنتين مشمولاً بعطف سعيد ورعايته إلي أن رقاه إلي رتبة لواء ( باشا ) وولاه قيادة أحد الايات المشاة ، وألاي الحرس الخصوصي ولم يمض عام على هذه الترقية حتى تزوج سنة 1856 بكريمة الجنرال سليمان باشا الفرنساوي ثم ارتقى إلي رتبة فريق وكانت منزلته الأدبية تزداد سمواً ، لما اتصف به من التعفف والإباء والنزاهة والاستقامة.

انتقاله إلي المناصب السياسية

كان شريف باشا إلي ذلك العهد مندمجاً في السلك العسكري ، ثم فكر سعيد في أن يعهد إليه بالمناصب السياسية والمدنية فجعله وزيراً للخارجية سنة 1857 ومن ذلك الحين بدأت شخصيته تظهر في الأفق السياسي ، وتسترعي الأنظار فقد جمع بين الكفاءة ، وكريم الخصال وعفة النفس ، إلي إدراك حظ كبير من العلوم الحديثة وأساليب الحياة الأوربية مما جعله لا يقل عن مستوى رجال السياسة في أوربا ومنذ تولى وزارة الخارجية اقترنت شخصيته بمعظم الحوادث السياسية البارزة التي وقعت في مصر على عهد سعيد وإسماعيل وتوفيق وكان له في أكثرها رأي معدود وعمل ممدوح ، وظل زهاء ثلاثين سنة يتولى كبار المناصب وتتم على يده أهم التطورات السياسية في البلاد.


في عهد إسماعيل

توفى سعيد باشا سنة 1763 والمترجم وزير للخارجية فاحتفظ بمقامه ، بل زادت منزلته في عهد إسماعيل ـ إذ كان الخديوي يقدر صفاته الممتازة منذ زامله في الدراسة ، فعهد إليه بوزارتي الداخلية والخارجية معاً ، ولما سافر إلي الأستانة في يوليو سنة 1865 جعله " قائم مقاماً " عنه مدة غيبته ، وهو مركز رفيع لم ينله أحد من قبل من غير العائلة المالكة.

وكان وزيراً للداخلية حينما أسس إسماعيل مجلس شورى النواب سنة 1866 ، وصحبه في حفلة افتتاح المجلس كما تقدم بيانه وإذا علمت أن وزير الداخلية في ذلك الحين كان بمثابة أكبر وزير في الدولة ، كان لك أن تستنتج أن على يده تأسس ذلك المجلس الذي اسلفنا الكلام عنه ، وهذا يدلك على ما فطر عليه المترجم من الميول نحو الشورى والدستور ، وفي سنة 1868 عهد إليه الخديوي برئاسة المجلس الخصوصي، الذي كان بمنزلة مجلس الوزراء ، وظل إلي نهاية عهد إسماعيل يتولى كبرى المناصب.

لم يشترك شريف باشا في مساوئ القروض التي استدانها إسماعيل ، ولم يستفد من سياسة البذخ والإسراف التي اتبعها الخديوي ، بل بقي نزيهاً لم تمتد يده إلى مال الدولة ، ولم يعبث بمصالحها ، وتلك ميزة كبرى تدل على عفته ونزاهته غير أنه لم يقف من الخديوي موقف المعارضة في تصرفاته المالية ، بل كان يقابلها بالسكوت والإغضاء وكان يمكن لمثل شريف باشا في مكانته ومركزه أن يسدي إلي إسماعيل النصيحة مقرونة بالحزم والشجاعة ، ويبصره بعواقب سياستة المالية وأخطارها على البلاد وعلى ذات الخديوي ولكنه لم يفعل ، ولا ندري هل كان ذلك عن اعتقاد منه بأن ميل إسماعيل للحكم المطلق ، وانفراده بالرأي يجعله غير قابل للنصيحة ولو صدرت من رجل في مكانة شريف باشا ، أم أن شخصية شريف لم تكن من القوة بحيث يصارح إسماعيل بانتقاد سياسته المالية ، ومهما يكن السبب فإن هذه نقطة ضعف في تاريخ شريف باشا.

على أن موقفه حينما بدأ التدخل الأجنبي في شؤون مصر ، كان موقفاً مشرفاً ، فإنه من جهة ، كان يكره التدخل الأوربي ويأبى أن يمون أداة ذلولاً له ، ومن ناحية أخرى كان يؤمن بالشورى و الدستور ، ولا يؤيد استبداد الخديوي ، ومن هنا جاءت ميوله الدستورية التي لازمته في عهد إسماعيل ، ثم في عهد توفيق ، ولم يحد عنها حتى وفاته.

وظهرت فيه هذه المزايا حينما نزل إسماعيل على إرادة الدول ، وألف لجنة التحقيق الاوربية سنة 1878 وأباح لها التنقيب عن احوال الحكومة المالية ، فظهرت اللجنة بمظهر الهيئة المسيطرة على الإدارة المصرية ، وكان شريف باشا وقتئذ وزيراً للحقانية والخارجية.

فاستدعته اللجنة اماهما لكي تسمع اقواله ، ولكنه رفض ان يقف هذا الموقف المهين ، ووقعت لذلك ازمة أدت إلي استقالته من الوزارة ، فكانت هذه أولى استقالات شريف باشا السياسية التي اقدم عليها دفاعاً عن مصالح البلاد وحقوقها.

وقد رفعت هذه الإستقالة من مكانة المترجم وأخذت أنظار الأحرار تتجه إليه كزعيم مخلص جرئ يقف في وجه التدخل الأجنبي ، ويحتفظ بحقوق البلاد وكرامتها ، فلا جرم أن اتفق الأحرار على اختياره لرئاسة " الوزارة الوطنية "، فاستجاب الخديوي إسماعيل إلي مطالب الأحرار ودعا شريف باشا إلي تأليف الوزارة على أساس اللائحة الوطنية ، فألفها في أبريل سنة 1879 ، كما تقدم بيانه ، وأقصى الوزيرين الأوربيين اللذين كانا يتوليان المالية والأشغال في عهد نوبار وتوفيق وأقر مبدأ المسئولية الوزارية أمام مجلس شورى النواب ، فأقام البناء الأساسي في صرح الدستور.

فعلى يد شريف باشا قام النظام الدستوري في مصر ، ففي عهد وزارته للداخلية سنة 1866 أنشيء مجلس شورى النواب ، وفي عهد رئاسته للوزارة سنة 1879 كملت سلطة المجلس بتقرير مبدأ المسئولية الوزارية أمامه ، وفي وزارته الثالثة سنة 1881 أنشىء مجلس النواب على غرار المجالس النيابية الحديثة ، فلا غرو أن يعد شريف باشا بحق مؤسس النظام الدستوري في مصر.

شريف باشا والثورة العرابية

رئاسته الوزارة الأولى

حكومته

"تشكيل الحكومة من 7 ابريل 1879 - 5 يوليو 1879"
الوزير الوزارة
ذو الفقار باشا نظارة الحقانية
شاهين باشا نظارة الجهادية
محمد باشا ثابت نظارة الأوقاف، نظارة المعارف العمومية
محمد باشا زكي نظارة الأشغال العمومية
محمد باشا شريف نظارة الخارجية، نظارة الداخلية

كان شريف باشا رئيساً للوزارة ، حينما خُلع إسماعيل ، فاستقال من الرئاسة عقب ولاية توفيق باشا اتباعاً للعادة المألوفة عند تغيير ولي الأمر ، وعهد إليه الخديوي توفيق تأليف الوزارة فألفها ن وكانت ثانية الوزارات التي رأسها ولكن الخديوي لم يكن في خاصة نفسه يميل إلي شريف لمبادئه الدستورية وكان يبغي أن يقلد الرآسة وزيراص معروفاً بكراهيته لتلك المبادئ فوجد في رياض باشا ذلك الرجل ، ومعروف عن رياض أنه من دعاة الحكم المطلق.

رئاسته الوزارة الثانية

حكومته

"تشكيل الحكومة من 5 يوليو 1879 - 18 أغسطس 1879"
الوزير الوزارة
علي باشا غالب نظارة الجهادية
محمود باشا سامي البارودي نظارة الأوقاف، نظارة المعارف العمومية
مراد باشا حلمي نظارة الحقانية
مصطفى باشا فهمي نظارة الأشغال العمومية

لم يكن الخديوي توفيق ليرضى عن نزعة شريف الدستورية ، ولم يكن ابقاؤه إياه في الوزارة عند ولايته العرش إلا لتمر الأيام الأولى من حكمه في هدوء وطمأنينة ، فلما انقضت تلك الفترة ، بدا على توفيق أنه لا يرغب في بقاء شريف باشا ، وظهر الخلاف بينهما على نظام الحكم ، فإن شريف طلب إلي الخديوي تشكيل مجلس النواب ، فرفض طلبه ، فاستقالت الوزارة في أغسطس سنة 1879 ، وكان الوزراء قد تعاهدوا ورئيسهم على أنه إذا لم يجب طلبهم فالوزارة تستقيل ولا يقبل أعضاؤها الاشتراك في وزارة أخرى تتألف على غير هذا الأساس وقد بر الوزراء بعهدهم ما عدا محمود سامي باشا البارودي ومصطفى فهمي باشا ، فانهما رضيا بالأشتراك في الوزارة التي تولى الخديوي رياستها ، ثم في وزارة رياض باشا وذلك أنه لما إستقال شريف باشا ألف الخديوي وزارة من غير رئيس وناط بنفسه رآستها وكانت هذه بدعة في نظام الحكم ورجوعاً به إلي الوراء ، لأن القاعدة المتبعة منذ تأليف مجلس النظار في أغسطس سنة 1878 أن يكون للوزارة رئيس يتولى إختيار أعضائها ويرأس جلسات ( مجلس النظار ) ، فتشكيل الوزارة الجديدة من غير رئيس كان يشعر بميول الخديوي الاستبدادية ورغبته في الرجوع إلي طريقة إسماعيل القديمة من تعيينه وزراء لا تتألف منهم هيئة مستقلة بل يكونون كسكرتيرين له.

فالطريقة التي اتبعها توفيق باشا في ترؤسه للوزارة تعطينا فكرة عن مبلغ كراهيته للشورى ، وتلقي ضواءاً على أسباب الحركة المعروفة بالثورة العرابية وتطوراتها ، فإن مسلك الخديوي توفيق باشا كان بلا مراء من أهم الأسباب التي دعت إلي قيام الجيش بحركته السياسية ، ووقوع الانقسام بين الخديوي والشعب مما أدى إلي الاحتلال الإنجليزي ولو كان الخديوي توفيق نصيراً للشورى ، لتم الانقلاب الدستوري بسلام ، ولما نجحت الدسائس الإنجليزية في غفساد الحركة العرابية.

ويدلك أيضاً على ميول توفيق الإستبدادية انه بعد أن ألف وزارة من غير رئيس ثم فكر في العدول عن هذه البدعة والرجوع إلي النظام الذي تقرر في أغسطس سنة 1878 ، عهد إلي رياض باشا في سبتمبر سنة 1879 تأليف الوزارة أي أنه اختار للرئاسة سياسياً معروفاً بتشيعه للحكم المطلق ، وقد بقيت البلاد محرومة في عهد وزارته من الحياة النيابية مدة سنتين متواليتين لم يجتمع في خلالها مجلس يمثل الأمة ، ولا مجلس شورى النواب القديم الذي كان موجوداً من قبل ، إلي أن قامت الثورة العرابية ، وتحرك عرابي باشا على رأس الجند ، وساروا إلي ميدان عابدين يوم الجمعة 9 سبتمبر سنة 1881 وكان أول مطلب لعرابي في ذلك اليوم المشهود عزل وزارة رياض باشا ، وتشكيل مجلس النواب فاستقال رياض نزولاً على إرادة العرابيين.

الوزارة الدستورية وإنشاء مجلس النواب

كان طبيعياً بعد استقالة رياض باشا أن تتجه الأنظار إلي شريف باشا لتأليف الوزارة الجديدة التي تحقق مطالب الأمة فكما كان موضع ثقة الأحرار سنة 1879 في تأليف الوزارة الوطنية على عهد إسماعيل كذلك تطلعت إليه انظار العرابيين سنة 1881 ليرأس الوزارة القومية التي تنقذ البلاد من التدخل الأجنبي ويستقر على يدها النظام الدستوري في مصر ، وكاشفوا الخديوي بهذه الرغبة بعد استقالة رياض باشا ، فأجاب الخديوي طلبهم ، وكان شريف باشا وقتئذ بالإسكندرية فاستدعاه الخديوي ، وعهد إليه تأليف الوزارة فتردد أياماً في قبول المهمة ، إذ كان لا يرضى عن تدخل الجند في السياسة ، وما يفضي إليه من سقوط هيبة الحكومة وقيام الفوضى في البلاد.

كان شريف ورياض يختلفان في النزعة ، فبينما رياض يقر التدخل الأجنبي والحكم الاستبدادي ، فإن شريف يكره الأثنين معاً ، ويرى وجوب إقامة الحكم الدستوري ، ووضع حد لتدخل الدول والأجانب في شؤون مصر ، ولكنه كان يريد الحكم الدستوري الصحيح ، ويرى أن تدخل الضباط في شؤون الحكم كعناه نقل الاستبداد من يد الخديوي إلي ايدي العصبة العسكرية ، وهذا ليس من الدستور ولا من مصلحة البلاد في شيء فقضى بضعة أيام متردداً في قبول الرئاسة ، حتى واثقه العرابيون أن لا يتدخل الجيش في شؤون الحكومة ، فألف الوزارة في اليوم الرابع عشر من شهر سبتمبر سنة 1881 ، وكانت هذه ثالثة الوزارات التي ألفها ، وتقلد الرئاسة والداخلية ، وعهد بالحربية إلي محمود سامي باشا البارودي ، لأنه كان موضع ثقة العرابيين ، وأحد زعمائهم الطموحين إلي السلطة والجاه ، فاختاره شريف لهذه الوزارة إجابة لطلب العرابيين ، أما بقية الوزراء فهم : حيدر باشا للمالية ، وإسماعيل أيوب باشا للأشغال ، ومصطفى فهمي باشا للخارجية ، ومحمد زكي باشا للمعارف والأوقاف ، والعلامة قدري باشا للحقانية.

رئاسته الوزارة الثالثة

حكومته

"تشكيل الحكومة من 14 سبتمبر 1881 - 4 فبرابر 1882"
الوزير الوزارة
حيدر باشا نظارة المالية
قدري بك نظارة الحقانية
محمد باشا زكي نظارة الأوقاف، نظارة المعارف العمومية
محمد باشا شريف نظارة الداخلية
محمود باشا سامي البارودي نظارة الجهادية والبحرية
مصطفى باشا فهمي نظارة الخارجية

كان شريف باشا يمثل الناحية المعتدلة من الثورة العرابية ، ولو بقيت الثورة مناصرة له ، مستمعة لنصائحه ، لسارت في طريق الحكمة والسداد ولأمنت البلاد شر الاحتلال ، ولكن الثورة ركبت متن الشطط من يوم ان انفصلت عن شريف باشا أو انفصل هوعنها ، فغامرت بالبلاد ومستقبلها وعرضت استقلالها للخطر.

تعد وزارة شريف باشا الثالثة " وزارة الأمة " ، فقد تم تأليفها برغبة من زعماء البلاد وأعيانها ، وقد حقق شريف باشا الثقة التي أولتها الأمة أياه ، واضطلع بالمهمة التي ألقتها الثورة على عاتقه ، وأول ما رسمه من الخطط الحكيمة إعادة النظام إلي الجيش ، فإن الثورة العرابية بوصف كونها ثورة عسكرية كادت تخرج الجيش عن مهمته الأصلية ، وهي حفظ النظام ، وتجعله أداة سياسية للسيطرة والحكم ، وهنا وجه الخطر ، إذ تقع الحكومة فريسة الفوضى ، ويعمها الخلل والطغيان ، فلما تقلد شريف الرئاسة وذهب زعماء الثورة من الضباط وعلى رأسهم عرابي ليشكروه على قبوله الوزارة في تلك الأوقات العصيبة ، اغتنم هذه الفرصة لينبههم إلي وجوب إبتعاد الجيش عن التدخل في السياسة ، فأجاب على كلمة الشكر التي سمعها منهم بقوله :

" في علمكم ما قاله الأقدمون : آفة الرئاسة ضعف السياسة ، ولا حكومة إلا بقوة ، ولا قوة إلا بانقياد الجنود انقياداً تاماً ، وامتثالهم إمتثالاً مطلقاً".

" كل حكومة عليها فرائض وواجبات ، من أهمها صيانة الوطن ، وحفظ الأمن العمومي فيه، وهذا وذاك لا يتأتيان إلا بإطاعة رجالها العسكريين ، فترددي أولاً في قبول الرئاسة ، ما كان إلا تجافياً عن تأسيس حكومة غير قوية تخيب بها الآمال ، ويزيد معها الإشكال ، فأكون عرضة للملامة بين أخواني في الوطن وبين الأجانب وحيث اغاثتنا الالطاف الإلهية وحصل عندي اليقين بانقيادكم ، فقد زال الاضطراب من القلوب ورتبت الهيئة الجديدة من رجال ذوي عفة واستقامة ، فأوصيكم بملاحظة الدقة في الضبط والربط لأنهما من أخص شؤون العسكرية وأساس قواها ، واعرفوا أنكم مقلدون اشرف وظيفة وطنية ، فقوموا بأداء واجباتها الشريفة ، وعلى القيام بأداء كل ما يزيدكم فخراً وسؤدداً ، وفقنا الله وإياكم ".

فهذه الخطبة على إيجازها جمعت اسمى ما يقوله زعيم سياسي صائب الرأي ، بعيد النظر ، في الظروف التي تألفت فيها وزترته ، فلم يكن خافياً أن الدول الاستعمارية كانت تتطلع إلي الثورة العرابية لتتخذ منها ذريعة للتدخل في شؤون البلاد ، ولم يكن يخفى أن زعماء الثورة من الضباط قد داخلهم شيء كبير من الزهو والخيلاء إذ كانوا قوام الحركة ، وبفضلهم سقطت وزارة رياض باشا البغيضة إلي الرأي العام ، وتألفت وزارة شريف باشا المرجوة من الأمة ، فلو لم يكن شريف عظيم المفس قوي الشخصية لجعل خطبته تكليفاً لضباط الجيش ، اكتساباً لثقتهم وتأييدهم ، ولكنه على العكس خاطبهم بلهجة الناصح الأمين ، ودعاهم إلي التزام حدود واجباتهم ، وهي الطاعة والنظام والذود عن الوطن ، ولم يكن مثل شريف ليقبل أن يكون أداة في يد الجيش وزعمائه ، لأنه لم يقصد من تأليف الوزارة مجداً أو سلطة ، فقد عرف عنه التعفف والنزاهة في كل أدوار حياته ، وشهد له ماضيه بأنه لا يحرص على المناصب ، وأنه يزهد فيها غذا رآها تخالف مبدأه وكرامته ، ولقد كان من الوجهة الدستورية أسبق في الكفاح للدستور من العرابيين ، فقد أسلفنا أن على يده تطور النظام الدستوري لمجلس شورى النواب ، إذ تألفت وزارته الأولى على قاعدة تقرير مبدأ المسئولية الوزارية أمام المجلس ، فعمله سنة 1881 ، كان استئنافا لجهده سنة 1879 ، قبل أن تظهر الدعوة العرابية بثلاث سنين.

ولقد بر شريف باشا بوعده في تحقيق مطالب الأمة ، وأهمها تأليف مجلس نيابي كامل السلطة ، على مثال المجالس النيابية الأوربية ، فرفع إلي الخديوي توفيق باشا في 4 أكتوبر سنة 1881 تقريراً بإجابة مطالب الأمة في هذا الصدد ، واتبع في تحقيقه خطة تدل على الحكمة وسداد الرأي ، ذلك أنه دعا إلي إجراء انتخابات عامة ، طبقا للائحة مجلس شورى النواب القديم المؤسس في عهد إسماعيل على أن تعرض الوزارة على المجلس المنتخب التعديلات التي ترى إدخالها على نظام المجلس ليقررما يراه من التعديل في نظامه حتى ينهض إلي مستوى المجالس النيابية الصحيحة ، أي أنه دعا إلي انتخاب مجلس شورى النواب على أن يكون ( جمعية تاسيسية ) لوضع الدستور الجديد.

وقد تم الأنتخاب ، وافتتح الخديوي مجلس شورى النواب في 26 ديسمبر سنة 1881 وأخذ المجلس يتولى أعماله ، وفي اليوم الثاني من شهر يناير سنة 1882 عرض عليه شريف باشا مشروع القانون الأساسي للمجلس النيابي ، كي يبحثه المجلس ، ويقرر ما يراه فيه ، وقد حوى القواعد الرئيسية للنظم الدستورية الحديثة ، كتقرير مسئولية الوزارة أمام مجلس النواب وتخويله حق تقرير الميزانية ، والرقابة على أعمال الحكومة والزامها بعدم فرض اي ضريبة أو إصدار أي قانون أو لائحة إلا بعد تصديق مجلس النواب.

ولما عرض شريف باشا مشروع القانون الأساسي على المجلس ألقى خطبة إضافية ذكر فيها أنه في وضع هذا المشروع إنما ينفذ الخطة التي رآها منذ ثلاث سنوات في عهد إسماعيل ، وإلي ذلك يشير في خطبته بقوله :

" حضراتكم تعلمون أنه منذ ثلاث سنوات تراءى لى أن الطريقة الوحيدة لخلاص البلاد من الورطات التي كانت محيطة بها هي توسيع نطاق الشورى ، واشتراك رأي نواب الأهالي مع الحكومة في نظر كل أمر مهم تعود منه المنفعة ، وكنت قدمت مشروعاً لمجلس النواب ، الذي كان موجوداً وقتئذ ، وهو أجرى فيه تغييرات لم يتيسر للحكومة النظر فيها ، ثم طرأت حوادث سياسية ومالية ليست خافية عليكم ( يقصد خلع إسماعيل ومشكلة الديون ) ترتب عليها تعويق إتمام المشروع ، والحمد لله قد زالت العوائق ".

ثم ذكر رأيه في القانون الأساسي القديم لمجلس شورى النواب ، وأنه لا يلائم حالة البلاد ، وأن هذا ما دعاه إلي وضع المشروع الجديد ( وهو مقتبس من دستور سنة 1879 ) ، والمح إلي أنه كان هناك رأي بعدم إطلاق سلطة المجلس طفرة واحدة ، ولكن ثقته بكفاءة النواب جعلته يميل إلي تخويل المجلس سلطته التامة ، مع احترام تعهدات الحكومة المالية المترتبة على اتفاقاتها مع الدول ، أو على قانون التصفية ، مؤملاً مع الزمن أن تتخلص البلاد من قيود هذه الاتفاقات قال في هذا الصدد :

" ولما كانت لائحة النواب التي اجتمعتم على مقتضاها لا تلائم أفكارنا جميعاً ، كما أوضحت ذلك منذ ثلاث سنوات ، وكررته بالمعروض الذي رفعته أخيراً للسدة الخديوية عن طلب اجتماع مجلسكم هذا ، فقد اشتغلت مع رفقائي بتحضير لائحة موفقة لمقاصد العموم ، وقد تمت ، وها أنا الآن أقدمها لحضراتكم للنظر فيها ، مع كون هذه أول مرة اجتمع فيها مجلس نواب حر ، وكان يلزم أن السلطة التي تعطى له لا تكون مطلقه بالكلية حتى يحكم المستقبل بإطلاقها بالتدريج شيئاً فشيئاً ، لكن حيث أن مقصدنا جميعاً واحد ، وهو خير البلاد ، والحكومة معتقدة بكفاءة النواب وعلمهم بحقوقهم وواجباتهم ومحبتهم للوطن ، فقد أعطت لكم الحرية التامة في إبداء آرائكم وحق المراقبة على أفعال مأموري الحكومة من أي درجة أو اي صنف كانوا ، وتصرح لكم بنظر الموازين ( الميزانيات ) العمومية ، وابداء رأيكم فيها ، ونظر كافة القوانين واللوائح ، وقد التزمت الحكومة بعدم وضع اي ضريبة ، ولا نشر أي قانون أو لائحة ما لم يكن بتصديق وإقرار منكم ، وكذلك تعهدت بأن تجعل النظار مشئولين لديكم عن كل أمر يترتب عليه إخلال بحقوقكم ، والغاية فإن لم يحجر عليكم في شيء ما ، ولم يخرج أمر مهم عن حد نظركم ومراقبتكم".

الخلاف بين شريف باشا والعرابيين

لم يكد شريف باشا يعرض مشروع القانون الأساسى حتى وقعت أزمة سياسية دعا اليها طغيان الدولتين الاستعماريتين انجلترا وفرنسا ، واتفاقهما على دس الدسائس وإلقاء أسباب الفتنه والانقسام بين الخديوي والنواب ،تمهيداً لتحقيق أطماعها في البلاد ، ذلك أنه خلال يناير سنة 1882 قدم وكيلا إنجلترا وفرنسا السياسيان إلي الخديوي مذكرة من دولتيهما تتضمن اتفاقهما على تأييد سلطة الخديوي عند أي صعوبات من شأنها عرقلة مجرى الاعمال العامة في مصر ، وأن الحوادث الأخيرة بالديار المصرية وأخصها صدور المرسوم الخديوي بعقد مجلس النواب قد هيأت الفرصة للحكومتين لاتفاقهما على منع ما عساه أن تستهدف له حكومة الخديوي من الأخطار.

وقد أثارت هذه المذكرة سخط الأمة ، واعتبرها الزعماء والنواب بحق تدخلاً من الدول الأوربية في شؤون مصر الداخلية ، واعتداء على استقلالها وتحريضاً للخديوي على مقاومة الأمة ، وذهبت أفكار الناس مذاهب شتى في الباعث على إرسال تلك المذكرة ، وتبين أن غرض الدولتين خلق اسباب غير مشروعة للعبث بالدستور قبل أن يتم وضعه ، فقد أعقب المذكرة اعتداء آخر وهو طلب الدولتين أن يخول مجلس النواب حق تقرير الميزانية ، وفي خلال ذلك كانت اللجنة التي ألفها مجلس النواب لفحص القانون الأساسي ( الدستور ) تتولى مهمتها.

وفي الحق أن هذا التدخل كان تحدياً بالغاً لكرامة البلاد وحقوقها ، وتدبيراً مبيتاً بين الدولتين للعبث باستقلال مصر تمهيداً لاحتلالها ، إذ ما شأن إنجلترا وفرنسا بنظام مجلس النواب في مصر ؟ وأي قانون يخولهما حق التدخل في وضع الدستور المصري والمطالبة بحرمان المجلس حق تقرير الميزانية ؟ لا شك أن هذا عدوان منكر لا سند له من الحق ولا من العهود المبرمة بين مصر والدولتين ، وقد كان القانون الأساسي ينص على احترام اتفاقات مصر الخاصة بتسوية الديون ، فمع وضوح هذا النص لم يكن ما يسوغ للدولتين أن تطلبا حرمان مجلس النواب حق تقرير الميزانية إطلاقاً ، ولكن المطامع الاستعمارية لا تحترم حقاً ، ولا ترعى عهداً ، وكان مطلوباً من رجل الدولة السياسي أن يعالج هذه الأزمة بالحكمة والحزم ، صحيح أن الموقف جد عصيب ، إذ كيف تقبل أمة تحترم نفسها أن تنزل على إرادة دولتين غاصبتين تريدان حرمان مجلس النواب حقاً من أقدس حقوقه ، وهو تقرير الميزانية ، ولكن الموقف يقتضي أيضاً الموازنة بين العواقب واختيار أهونها شراً ، فارتأى شريف باشا درءاً للأزمة السياسية أن لا يبت مجلس النواب قراره النهائي في المادة المتعلقة بالميزانية ويرجئها إلي حين ، حتى تنجلي الغمة ، وبذلك يتفادى التدخل المسلح من جانب إنجلترا وفرنسا ، والتأجيل في ذاته لم يكن مضيعاً لحقوق الأمة في الدستور ، لأن وضع الدستور قد يستغرق وقتاً يطول أو يقصر على حسب الظروف والملابسات ، فكان من المستطاع تفادي الأزمة بتأجيل البت في هذه المادة ، وقد طلب شريف باشا من العرابيين أن لا يتعجلوا البت فيها وأن يمهلوه حتى يتدبر في هذه المسألة ويعالجها بالتريث ومفاوضة الدولتين في شأنها.

ولكن ظهر في الميدان عامل عجل بالأزمة ، وهو طموح محمود باشا سامي البارودي إلي رئاسة الوزارة ، والبارودي كان كثير الطموح إلي السلطة والجاه ، وإلي العرش أيضاً ومن هنا تعقدت الأزمة ، لأنه وهو وزير الحربية في وزارة شريف باشا زين للعرابيين أن يتشبثوا برأيهم ويرفضوا التأجيل ، ويقروا مادة الميزانية فوراً ، كما وضعتها اللجنة ، وقد رتب البارودي على هذه الخطة وصوله إلي رآسة الوزراء ، لأنه كان مفهوماً أن رفض النواب رأي شريف باشا يؤدي طبعاً إلي استقالته ، فيدعى هو لتأليف الوزارة الجديدة ، وقد كان ما رتبه ، فاستقالت وزارة شريف في 3 فبراير سنة 1882 ، وألف البارودي الوزارة في اليوم التالي ، وكانت أداة في يد العرابيين وفي عهدها تلاحقت الأحداث ، ثم استقالت هي أيضاً واعقبتها وزارة راغب باشا ، وفي عهدها ضرب الاسطول الإنجليزي مدينة الإسكندرية بالمدافع يوم 11 يوليو سنة 1882 ، فكان ذلك اليوم المشئوم بدأ الاحتلال.

بعد الاحتلال

ظل شريف باشا بعد استقالته بعيداً عن الميدان ، وأخذت المحن والخطوب تتوالى على البلاد دون أن يسمع له فيها رأي ، إلي أن احتل الإنجليز الإسكندرية وانسحب العرابيين منها ، فوصلت المأساة إلي الخاتمة التعسة إلتي كان العقلاء يتوجسون منها خوفاً ، وكان لا بد لهذا الموقف المحزن من رأس مدبر يقتاد سفينة مصر وينجوا بها من المهالك التي انحدرت إليها ، فتجهت الأنظار ثانية إلي شريف باشا لإنقاذ الموقف ، أو بعبارة أوضح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، فاستقال راغب باشا ، وعهد الخديوي إلي شريف باشا أن يؤلف الوزارة ، وكان الموقف حقاً يكتنفه عوأمل اليأس ، على أنه لم يكن يقبل من شريف باشا الذي أقصته الثورة عن الميدان ، ولم تكن له يد في وصول البلاد إلي الحالة المحزنة التي وصلت إليها ، أن يتنح عن مواجهة الخطر بل كان مطلوباً منه أن يدرأ الكارثة أو يخفف من وقعها ، فألف الوزارة في أغسطس سنة 1882 ، واشترك معه فيها رياض باشا الوزير المشهور بكراهيته للعرابيين.

رئاسته الوزارة الرابعة

حكومته

"تشكيل الحكومة من 21 أغسطس 1882 - 10 يناير 1884"
الوزير الوزارة
إسماعيل باشا أيوب نظارة الداخلية
حسين باشا فخري نظارة الحقانية
علي باشا حيدر نظارة المالية
علي باشا مبارك نظارة الأشغال العمومية
عمر باشا لطفي نظارة الجهادية والبحرية
محمد باشا زكي نظارة الأوقاف
محمد باشا شريف نظارة الخارجية
محمد باشا قدري نظارة المعارف العمومية
مصطفى باشا رياض نظارة الداخلية

ألف شريف باشا وزارته الرابعة ، على أن يحقق المبادئ التي جعلها برنامجاً لوزارتة السابقة ، وأولها أقرار النظام الدستوري ذلك كان مقصده ، وتلك كانت نيته ، ويتبين هذا المقصد من كتابه الذي أرسله للخديوي في هذا الصدد فقد قال فيه : " أعرض لسموكم أن استدعائكم إياي لتشكيل وزارة جديدة في مثل هذه الظروف ، إنما هو دليل على استدامة ثقتكم في ، وأنني بالامتثال لأمركم الكريم أبرهن على إخلاصي لوطني ولذاتكم السامية ".

" إن المبادئ التي عرضتها على سموكم منذ سنة لاتزال موضوع إهتمامي ، فإن غايتنا هي نجاح الوطن مادياً وأدبياً ، وأما الوسائط التي يلزم أتخذها لذلك فهي تعميم المعارف ، ونشر لواء العدالة ، وتوسيع نطاق المبادئ الحرة الملائمة لهيئتنا الإجتماعية والسياسية ، وكما أنه لا يلزم أن تتجاوز حدود لوائح ديسمبر ، كذلك لا ينبغي أن نحذف منها شيئاً ، ومن الواجب أن تتجه كل خواطرنا إلي موضوع واحد ، وهو صيانة البلاد ، وعليه فإنني استدعي للاشتراك في ذلك كل ذي غيرة وقلب مصري مخلص لذاتكم الشريفة ". وكان شريف يأمل أن تنتهي فترة الاحتلال العسكري الإنجليزي ، ويبر الإنجليز بوعدهم بالجلاء بمجرد توطيد مركز الخديوي توفيق ، ولكن الحوادث جأت أقوى من حسبان شريف باشا ،واخلف الإنجليز ما وعدوا به ، وظلوا يحتلون البلاد ويسيطرون على حكمها.

وكان المترجم ينظر بعين الألم إلي وجود الجيش الإنجليزي في البلاد ، وقد كان الذين شهدوا يوم عودته مع الخديوي إلي القاهرة بعد إخماد الثورة أنه لم يملك دمعه وبكى حينما رأي في طريقة إلي السراي الخديوية مظاهر الأحتلال واصطفاف الجنود الإنجليزية على جانبي الشوارع التي إجتازها الركب الخديوي.

وظل شريف باشا يدافع الإنجليز عن البلاد إلي أن ظهرت نواياهم الاستعمارية في سلخ السودان عن مصر ، فقد اغتنم الإنجليز استفحال الثورة المهدية ليكرهوا الحكومة المصرية على التخلي عن السودان فوقف شريف باشا ووقفت المعارضة ضد الإنجليز في هذه المسألة ، وقال كلمتة الشهورة : " إذا تركنا السودان فالسودان لا يتركنا " وعارضهم في مسألة أخرى لا تقل عنها خطورة وهي طلبهم أن يخضع الوزراء المصريون إلي نصائح المعتمد البريطاني.

ولما رأي أن الخديوي توفيق يميل إلي قبول مطالب الإنجليز لم يرى بداً من استقالته من الوزارة في يناير سنة 1884.

وقد أراد شريف باشا أن يسجل على الاحتلال عدوانه على حقوق مصر ، فلم يبن استقالته على الأسباب الصحية كما جرت العادة بذلك بل بناها على الأسباب الصحيحة ، فذكر في استقالته أن الدولة الإنجليزية تطلب إخلاء السودان ، وهذا ما لا سبيل إليه ، وذكر ما طلبته من اتباع نصائحها بدون مذاكرة فيها ، قال : " ولا يخفى أن هذه الاقتراحات مخالفة لفحوى النظامات الشورية الصادرة في 28 أغسطس سنة 1878 التي نص فيها على أن الخديوي يجري أحكام البلاد باشتراكه مع النظام ، فبناء على ذلك نضطر هنا أن نطلب من مقامكم العالي أن تقبلوا استعفأنا لأنه لا يمكن لنا والحالة هذه أن ندير البلاد على أصول شورية ".

بهذه الاستقاله سجل شريف باشا احتجاج مصر على سلخ السودان عنها ، وعلى تدخل الإنجليز في شئون الحكومة المصرية واعتدائهم على استقلالها ، وبهذا الموقف المشرف ختم شريف باشا حياته السياسية.

وقد اعتلت صحته بعد ذلك وما زال المرض يعاوده إلي أن أدركته الوفاه في 20 أبريل سنة 1887 وكانت وفاته بمدينة جراتز من أعمال النمسا ، حيث كان بها للإستشفاء ، فطير البرق نباء نعيه إلي مصر ، فقوبل بالحزن العام ، ونقل جثمانه إلي الإسكندرية ، ومنها إلي القاهرة وشيعت جنازتة في المدينتين في إحتفال من أعظم الجنازات القومية التي شهدتها مصر ، ففي الإسكندرية كان أول الجنازة بالمنشية وأخرها عند باب الترسانة ، وفي القاهرة مشي لتشييعها نحو عشرة آلاف شخص ، وأقفلت المحال التجارية ودواوين الحكومة حداداً على الفقيد ، وأزدحمت الشوارع التي مر بها جثمانه بجموع الناس ، فكان يوماً مشهوداً ، شبهته الصحف في كثرة جموعه بيوم عودة المحمل من الحج ، ولا غرو فالحوادث التي وقعت في مصر والسودان بعد استقالة المترجم من الوزارة قد زادت من قيمة هذه الاستقالة التاريخية وضاعفت إعجاب الأمة بموقف شريف باشا في مسألة السودان واحتجاجه على سياسة الاحتلال الإنجليزي ، فكان تشييع جنازته مظهراً من مظاهر تقدير الأمة لهذا الموقف المجيد.

صفاته وأخلاقه

كان شريف باشا جميل الطلعة ، طويل القامة ، مشرق الوجه ، معتدل القوام ، متواضعاً في أنفه وشمم ، عظيماً في غير صلف ولا غرور ، دمث الأخلاق ، كريم الطباع ، شريفاً نزيهاً ، صادق الوطنية ، غيوراً على حقوق مصر ، محباً للحرية ، تتمثل فيه أخلاق كرام النبلاء وطباعهم وأساليبهم ، شديد الاحتفاظ بكرمته وعزة نفسه ، يتنزة عن الصغائر مستقل الرأي ، لا يرضى لنفسه أن يكون أداة في يد غيرة ، كانت هذه الصفات رداءاً له في حياته السياسية ، إذ صانته من أن يتدلى إلي تنفيذ أهواء الخديويين والمستعمرين ، فسلك إزائهم مسلك الكرامة والأنفة ، ومن هنا جائت مواقفة المشرفة في الدفاع عن حقوق مصر وكرامتها وكان فوق ذلك كامل الثقافة واسع الإطلاع ، ملماً بعلوم أوربا وأحوالها ، فكان ينال احترام ساسة الأوربيين ممن عاصرهم أو اتصل بهم ، ولم يكن ينقصه من صفات رجال الدولة سوى الجلد على العمل ، فإنه كان يميل إلي الدعة والراحة ، ويدع تصريف كثير من شؤون وزارتة إلي مرؤوسيه.

شريف باشا ومعاصروه

كان شريف باشا في عصره رجل الدولة الوحيد الذي ارتضى معاصروه رئاسته ، وعلى الرغم مما كان بينه وبين نوبار باشا من جهة ، ورياض باشا من جهة أخرى ، من التنافس والكراهية فإنهما رضيا أن يعملا تحت لوائه فقد كان رئيساً للمجلس الخصوصي العالي ( مجلس الوزراء ) سنة 1869 حين كان نوبار يتولى وزارة الخارجية وكان رئيساً للوزارة سنة 1879 ومن أعضائها إسماعيل راغب باشا وشاهين باشا وذو الفقار باشا الخ.

ولما ألف وزارته الثانية كان من أعضائها محمود باشا سامي البارودي ومصطفي فهمي باشا الخ ، ومن أعضاء وزارته الثالثة سنة 1881 البارودي ومصطفي فهمي والعلامة قدري باشا ، ومن أعضاء وزارته الرابعة رياض باشا والعلامة على باشا مبارك.

فمن هذا البيان يتضح أن كبار الحكام ورجال الدولة في عصره كانوا يعترفون له بالزعامة على أختلاف نزعاتهم وأقدارهم وتلك ميزة لم تتفق لغيره من معاصريه.

هذا وقد أعقب شريف باشا ولد وابنتين ، أما أبنه فهو محمد شريف باشا الذي كان وكيلاً لوزارة الخارجية ، ولا يختلف أسمه عن أسم أبيه ولذلك يعرف صاحب الترجمة احياناً باسم شريف باشا الكبير ، وأما كريمتاه ، فإحداهما تزوجت محرم شاهين باشا ، والثانية من عبد الرحيم صبري باشا ، والد الملكة نازلي ، فهي حفيدة شريف باشا الكبير.

ذكراه

شارع شريف باشا بالإسكندرية، أوائل القرن العشرين.

خلد المصريون ذكراه باطلاق اسمه على واحد من اهم الشوارع التجاريةالمشهور بالمعاملات المالية بوسط مدينة القاهرة، وآخر يحمل اسمه في مدينة الإسكندرية.

المصادر

  1. ^ Goldschmidt, Arthur (2000). Biographical dictionary of modern Egypt. Lynne Rienner Publishers. p. 191. ISBN 1555872298. 

المراجع

سبقه
محمد توفيق باشا
رئيس وزراء مصر
1879
تبعه
رياض باشا
سبقه
رياض باشا
رئيس وزراء مصر
1881-1882
تبعه
محمود سامي البارودي
سبقه
رياض باشا
رئيس وزراء مصر
1882-1884
تبعه
نوبار باشا
سبقه
إسماعيل راغب باشا
وزير دفاع مصر
1882-1882
تبعه
رياض باشا
سبقه
بوجس نوبار باشا
وزير دفاع مصر
1883-1884
تبعه
مصطفى فهمي باشا