العلاقات الأمريكية السعودية

السعودية- الأمريكية
Map indicating locations of Saudi Arabia and USA

السعودية

الولايات المتحدة

العلاقات الأمريكية السعودية هي العلاقات الثنائية بين الحكومة الأمريكية و الحكومة السعودية.

قمة كوينسي: مؤسس المملكة العربية السعودية المعاصرة، الملك عبد العزيز آل سعود، يتحدث مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزڤلت على سطح الطراد كوينسي في البحيرات المرة بمصر في طريق عودة الأخير من مؤتمر يالطا عام 1945.

التاريخ

العلاقات السعودية الأمريكية ولدت في العام 1933م وذلك عندما بدأت بواكير التعاون الاقتصادي بين البلدين متمثلة في قيام شركة الزيت العربية الأمريكية بحفر أول بئر للنفط في شرق المملكة. ثم طلبت شركات النفط الأمريكية العاملة في السعودية من واشنطن ممارسة دور أكبر لضمان الأمن والاستقرار السياسي في الخليج وهو ما دفع الرئيس الأمريكي روزفلت عام 1943 الى الاعلان بان الدفاع عن المملكة يمثل مصلحة حيوية للولايات المتحدة ثم قام بارسال اول بعثة عسكرية أمريكية الى السعودية والتقى في عام 1945 بالملك عبدالعزيز على ظهر باخرة في قناة السويس وهو اللقاء الذي «دشن» العلاقات الأمريكية السعودية، ومهما تكن أهمية مرحلة «التأسيس» في تلك العلاقات فإن الاستراتيجية التي أعلنها الرئيس ايزنهاور في يناير من عام 1957 شكلت بداية «الشراكة السياسية» بين السعودية والولايات المتحدة، وهي الشراكة التي يبدو انها بدأت تنفك الآن!

لقاء روزفلت وعبد العزيز

المقالة الرئيسية: اتفاق كوينسي

كل من شاهد اللقاء كان مفتوناً بهذا المشهد الملكي الرهيب فوق مياه البحيرات المرة المصرية .. حيث أتجهت المدمرة ميرفي أو السفينة الحربية الأمريكية إلى ملتقى التاريخ .. على ظهر هذه السفينة التي غطيت بأبسطة ملونة وأنشئت عليها عدد من الخيمات ذات الأشرعة البنية اللون .. جلس الملك عبد العزيز في ثوبه العربي وعقاله المحاط بإطار ذهبي على كرسي مذهب ومن حوله وقفت الحاشية بنفس اللباس .. بالثوب والعقال .. وبتلك النظرات المتقدة التي تلتمع فوق الوجوه السمراء .. كل منهم كان يحمل سيفا أو خنجرا مغمودا في ذنده وملفوفا إلى جانبه بحزام مرصع بقشرة ذهبية .. في الذيل أو في مؤخرة المدمرة أنشئت زريبة مؤقتة ترعى فيها الماشية فالملك عبد العزيز لم يكن من هواة أكل اللحوم المجمدة كان يريد لحما حلالا مذبوحا على الطريقة الأسلامية .. هكذا كان المشهد على ظهر المدمرة ميرفي بينما كان هناك مشهد آخر على ظهر سفينة حربية أمريكية أخرى أو على ظهر الطراد الأمريكي كوينسي .. هناك وقف بإفتنان ثلاثة برتبة أدميرال وعدد من الدبلوماسيين الأمريكيين من المستوى الرفيع إلى جانب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية فرانكلين دي روزفلت في إنتظار وصول الملك عبد العزيز .. شاهدوه وهو ينقل من المدمرة ميرفي إلى الطراد كوينسي وما أن وصل بسلام إندفع الملك للأمام وشد بأحكام على يد الرئيس .. عندئذٍ بدأ اللقاء المستحيل بين روزفلت وعاهل الصحراء ... وفي خمس ساعات فقط وثقوا معا مصير الدولتين وشكلوا سير الأحداث في الشرق الأوسط لأحقاب قادمة كان الموعد الرابع عشر من شهر فبراير عام 1945 .

السعودية قيمة إستراتيجية على المدى الطويل

كانت نهاية الحرب العالمية الثانية على الأبواب وقوات الحلفاء تتقدم في إتجاه برلين وبات النصر مؤكدا ووشيكا .. في ذلك الوقت كان في إنتظار الرئيس روزفلت مؤتمر يعقد في يالطا بينه وبين ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا وجوزيف ستالين رئيس الإتحاد السوفييتي وذلك لمناقشة أوضاع العالم فيما بعد الحرب العالمية الثانية وإنشاء الأمم المتحدة .. ويبدو أنه كانت لدى روزفلت رؤية خاصة لم يفصح عنها حينئذ حول مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية والترتيبات الأمنية والإقتصادية الجديدة التي تلزم أن تتحوط بها الأمة الأمريكية التي يقودها طوال أثني عشر عاما .. لذلك قرر روزفلت قبل سفره ترتيب ثلاث لقاءات قصيرة بينه وبين زعماء ثلاثة أدرك أهمية بلادهم في مستقبل الولايات المتحدة من الناحية الإستراتيجية وذلك على الرغم من أن دورهم في الحرب كان هامشيا .. وجاء ترتيب اللقاءات الثلاث منفصلة وعلى التوالي على النحو التالي .. الملك فاروق ملك مصر فالأمبراطور هيلاسيلاسي أمبراطور الحبشة ثم الملك عبد العزيز المعروف بإبن سعود .. وكان إختيار الملك عبد العزيز في قائمة الزعماء الثلاثة دلالة على مدى السرعة التي تطورت بها العقلية الإستراتيجية الأمريكية ونظرتها العميقة إلى أهمية أقليم الخليج من الناحية الأستراتيجية فيما بعد الحرب.

العلاقات الدبلوماسية بدأت في عام 1942

قبل عام 1942 لم يكن لدي الحكومة الأمريكية أي إهتمام رسمي بالمملكة العربية السعودية .. حتى بعد قيام أحد الشركات البترولية الأمريكية في عام 1938 ببدء نشاطاتها وأبحاثها الجيولوجية والنفطية وأقامتها لجالية صغيرة من الجيولوجيين والمدربين والمهندسين الأمريكيين لنقل البترول إلى الأسواق العالمية .. ولم يلتقي أحد من أعضاء الهيئة الدبلوماسية الأمريكية رفيعة المستوى بالملك قبل هذا التاريخ .. إلا أن أهمية المملكة طغت على السطح السياسي بالولايات المتحدة الأمريكية حينما تنبه لها المستشارون الإقتصاديون والعسكريون للرئيس الأمريكي روزفلت .. كونها قيمة إستراتيجية طويلة محتملة . منذ ذلك الوقت بدأت أمريكا تهتم حقيقية بالمملكة العربية السعودية .. وبدأت تهتم بشخصية الملك عبد العزيز كبطل عربي يمكن بطريقة ما أن يكون عونا في حل بعض المشكلات التي يعرف الرئيس أنها قادمة لا ريب إلى هذه المنطقة من العالم وخاصة مشكلة فلسطين

من هنا بدات العلاقات الأمريكية السعودية

بدأت العلاقات السعودية الأمريكية بشكل إيجابي حينما قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن يقيم ممثلون دبلوماسيون لها بالمملكة .. وكان جيمس موس أول دبلوماسي أميركي مقيم في جدة .. وكانت المملكة في ذلك الوقت تعاني من أزمة مادية لتوقف شركات النفط .. وضعف المساعدات التي كانت تحصل عليها بسبب الحرب .. وخروج الدول المحاربة مستنزفة .. خاوية الوفاض .. وكان المطلوب من أمريكا أن تساعد المملكة في هذا الشأن .. عندئذ أعلن روزفلت أن المملكة العربية السعودية دولة حيوية لدفاعات الولايات المتحدة الأمريكية ولذلك فهي تستحق المساعدة المالية.

بدأت الإتصالات الرسمية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية تتضاعف بسرعة على المستويات العليا .. ففي يوليو من نفس العام أرسل روزفلت المقدم هارولد بي هوسكينز Lieutenant Colonel Harold B. Hoskins وهو عميل إستخباراتي يتحدث العربية ليسأل الملك عما إذا كان بإمكانه اللقاء مع حاييم وايزمان Chaim Weizmann وأخرين من الزعماء الصهاينة لمناقشة وعد اليهود ومستقبل فلسطين إلا أن الملك عبد العزيز رفض إجراء مثل هذه المحادثات ولم يعط إي صلاحية للآخرين لكي يقوموا بذلك .. ولم يكن بالإمكان إهمال مثل هذه القضية فالضغوط اليهودية كانت تدفع إلى إعادة توطين اليهود وإنشاء دولة يهودية في فلسطين.

في اغسطس من نفس العام وجه وزير الخارجية كورديل هال Cordell Hull الدبلوماسي موس أن يسأل الملك التصريح للولايات المتحدة الأمريكية لفتح قنصلية بالظهران لتقدم خدماتها للجالية الأمريكية الصغيرة التي تقيم على طول حقول البترول على ساحل الخليج .. ومنحت هذه الصلاحية في العام التالي .. في نفس الوقت .. أرتفعت درجة التمثيل في جدة لتصبح مفوضية .. وأحل محل موس ممثل رسمي أكبر ممتلئا بالحيوية وهو رجل عسكري يعد من أبطال الحرب إسمه الكولونيل وليام إيدي Colonel William A. Eddy الذي لم يكن يفارق بزته العسكرية طول الوقت .. كان هو ممثل وزارة الخارجية في المملكة العربية السعودية .. وكان له دور بارز في هذا اللقاء الذي جمع بين الرئيس والملك في سبتمبر 1943 دعي لزيارة واشنطن ولدان من أبناء عبد العزيز الأميران فيصل وخالد اللذان أصبحا فيما بعد ملكين للبلاد .. وفي واشنطن قوبلا بترحيب كبير وأقام نائب الرئيس هاري ترومان Vice President Harry Truman مأدبة عشاء لهما في البيت الأبيض .. ومكثا في بلير هاوس Blair House مكان الإستضافة الرسمي للحكومة. وجهز لهما قطارا خاصا أقلهما في رحلة لرؤية الساحل الغربي بالولايات المتحدة. وعند عودتهما إلى المملكة. قدما تقريرهما لأبيهما عما لقياه من حفاوة. وأبلغاه عما سمعاه من أن الرئيس روزفلت يهوى جمع الطوابع مما أعطى الملك منفذا للتقرب الشخصي من الرئيس مباشرة .. فأرسل إليه مجموعة من الطوابع السعودية التي هي نادرة في الغرب. في 10 فبراير 1944 أرسل الرئيس روزفلت إلى الملك رسالة يشكره فيها على الطوابع. وعبر عن أسفه لعدم تمكنه من لقائه خلال رحلته للقاهرة وطهران. تلك الرحلة التي طار فيها روزفلت عبر الأجواء السعودية ورآها من الجو. وقد طرح في خطابه فكرة إحضار وسائل للري والزراعة لهذا الأقليم الصحراوي .. وعبر عن أمله في ملاقاة الملك عبد العزيز في رحلة أخرى قادمة في المستقبل .. وأعتبر الملك أن كلمات الرئيس تحمل تعهدا منه بزيارته وبدا يسأل موس عن توقعاته لوصول الرئيس .. وجاءت رحلة الرئيس إلى يالطا بمثابة فرصة سانحة لموس لعقد هذا اللقاء .. وعلى الفور أمسك موس بهذا الخيط وعاد يطالب واشنطن بإقناع الرئيس لمقابلة الملك أثناء رحلته إلى يالطا .. يقول آرشي روزڤلت Archie Roosevelt إبن عم الرئيس في مذكراته أن موس لم يترك أحدا في الدولة لم يكلمه عن رحلة الرئيس. كان موس لحوحا في هذا الشأن .. وعندما لم تتجاوب معه وسائل الإتصال الدبلوماسية الرسمية أستخدم الأسلوب الشخصي .. فأرسل مذكرة للبيت الأبيض مع شخص ما. وما أن وصلت الرسالة للرئيس المهتم أصلا بالمملكة العربية السعودية. أبدى موافقته على الفور. ولم يكن بحاجة إلى الكثير من الإقناع.


لقــاء وترتيبات

في 3 فبراير عام 1945 أرسل مساعد وزير الخارجية الأمريكية جوزيف جرو Joseph C. Grew برقية للكولونيل إيدي وممثلي الولايات المتحدة في القاهرة وأديس أبابا بشأن عمل الترتيب للقاءات تتم في الإسماعيلية على ظهر سفينة رجل الحرب الأمريكي بين الرئيس وبين الزعماء الثلاثة .. وحدد موعد اللقاء العاشر من فبراير أي بعد نحو أسبوع من إرسال البرقية .. لكن هذه الترتيبات لم تكن لتتم في موعدها بسبب التعقيدات التي نشأت نتيجة الحاجة للتكتم والسرية حول خط سير رحلة الرئيس .. وكان مقررا للرئيس أن يسافر إلى المتوسط على ظهر السفينة كوينسي .. ثم يطير من مالطة إلى كريميا للقاء التاريخي مع ونستون تشرشل وجوزيف ستالين .. ثم يعود على ظهر السفينة كوينسي إلى المياه المصرية للقاء بفاروق ثم هيلاسيلاسي ثم الملك عبد العزيز.

كان من بين هذه الترتيبات أن تقوم المدمرة البحرية إسكوادرون ( أو الأسطول ) 17 Destroyer Squadron 17 بمهمة حماية السفينة كوينسي ومرافقتها. وكان هذا هو الجزء الأسهل من الترتيبات، لكن الأصعب كانت تتمثل في الإجراءات والترتيبات التي سيتم بها نقل الملك عبد العزيز وحاشيته .

شهود العيان يحكون الطريقة التي تم بها هذا الإنجاز الرائع للدبلوماسية الفذة والطريقة التي تمت بها عملية التكيف الثقافي .. شهود ثلاثة لهذا الحدث الهام .. أولهم .. الكولونيل إيدي .. وقد كتبه في شكل روائي في كتاب نشره في عام 1954 تحت عنوان : " فريدريك روزفلت يقابل إبن سعود F. D. R. Meets ibn Saud " .. أما الثاني .. فهو الكابتن البحري جون كيتنج Captain John S. Keating قائد المدمرة سكوادرون 17 التابعة للبحرية الأمريكية والذي كان على ظهر المدمرة في ذلك الوقت .. وقد شرح ذلك في مقال نشره في أحدى المجلات عام 1976 تحت عنوان " مهمة إلى مكة : الطراد ميرفي Mission to Mecca : The Cruise of the Murphy " .. وأخيرا وليام إم ريجدون William M. Rigdon المساعد البحري للرئيس روزفلت في ذلك الوقت .. وكتبها في مذكرات بعنوان " بحار البيت الأبيض White House Sailor " عندما نتحدث عن هذا الإنجاز لا يمكن بأي حال أن نتجاهل الشخصية الرئيسية التي تصنع الحدث وتعده للزعماء الكبار .. وكان إيدي هو هذه الشخصية والدينامو الذي يحرك الأحداث للأمام .. وقد ظهر إيدي في الوقت والمكان المناسبين .. فهو من مواليد لبنان ويتحدث العربية بطلاقة .. فكان هو بمثابة القائم بالوساطة الثقافية بين الجانبين .. ولم يكن ذلك ليتحقق لولا أنه أستطاع أن يكسب ثقة الملك وصداقته منذ الأشهر الأولى أثناء عمله كوزير أمريكي مفوض في جدة.

كانت الخطة أو الترتيبات الأمنية بسب الحرب تقتضي سفر الملك ومستشاريه من الرياض إلى جدة عن طريق البر .. ثم عندئذ يركبون المدمرة ميرفي في رحلة بحرية عبر البحر الأحمر إلى مصر .. ولقد أحتفظت الخطة بسريتها وأمكن التكتم عليها ولم يتم إبلاغها لأحد .. حتى أن الكولونيل إيدي المفوض الأمريكي أضطر على سبيل التمويه إلى قبول دعوات وجهت له لحضور بعض المناسبات وهو يعلم مسبقا أنه لن يحضرها .. وفي نفس الوقت وعلى الجانب الآخر .. أعلن الملك أن قافلته ستتجه إلى مكة بينما هي تتجه بدلا عن ذلك إلى جدة .

نعود إذن إلى الكابتن البحري جون كيتنج Captain John S. Keating لكي نستكمل قصة الترتيبات .. كان هو ومعه قبطان المدمرة ميرفي القائد برنارد إي سميث Skipper Commander Bernard A. Smith قلقان حول البروتوكول وحول سلوك الطاقم حيال ذلك .. ونظرا لمتطلبات التكتم والسرية لم يخبرهما أحد بأن الكولونيل إيدي سيكون مرافقا للجانب العربي ومرشدا لهم في هذا الخصوص .. ولم يكن يتوفر لهما القدر الكافي من المعلومات .. فالأمريكيون على سبيل المثال يعرفون بأن الإسلام يمنع أكل لحوم الخنازير وأن الملك يحب أكل الحملان ولكنهم لا يعرفون خياراته أو نظامه الغذائي أو ما الذي يفضله من طعام .. لذلك كان عليهما بذل الجهد للحصول على بعض المعلومات التي تمكنهما من إستضافة الملك ومرافقيه .. كل المعلومات التي حصلوا عليها من الأنسيكلوبيديا لم تكن كافية أيضا وأهمها أن التدخين وشرب الخمر ممنوع في حضور الملك .. كما أنه لم تتوفر لديهما خريطة حديثة لميناء جده والخريطة الوحيدة التي كانت لديهم عن هذا الميناء يعود تاريخها إلى عام 1834 أي قبل مائة وأحد عشر عاما .. كما لم يسبق لأي سفينة بحرية أمريكية أن رست هناك .. نقطة أخرى ظهرت على السطح حينما أبلغهم السعوديون بان الوفد المرافق للملك يتكون من مائتي شخص .. ولم يكن بالأمكان أن تستوعب ميرفي هذا العدد .. فقال لهم القبطان سميث أن أقصى ما تستطيع ميرفي أن تستقبله لا يزيد عن عشرة أشخاص .. ولقد تفاوض إيدي على هذا الرقم وتمكن من أقناع القبطان بقبول عشرين شخصا على ظهر السفينة ومع ذلك عندما وصل الملك ومرافقوه كان هناك 48 شخصا على ظهر السفينة بما في ذلك عبد الله شقيق الملك وإبنيه محمد ومنصور ووزير المالية عبد الله سليمان الذي فاوض على إتفاق إمتياز البترول مع شركة ستاندارد أويل قبل ذلك بحقبة ومنجم الملك.

فات إيدي أن يشرح لمستشاري الملك لماذا لا يسمح للنساء أن يقمن بهذه الرحلة ..فلم يكن هناك مكان على ظهر المدمرة يمكن أن يكون منعزلا للنساء حتى لا يتعرضن لنظرات الرجال.

على ظهر السفينة ميرفي

عندما وصل الملك رفض الإقامة في المكان الذي خصص له في السفينة واصر على النوم ومن معه ـ ال 47 المرافقين ـ على ظهر السفينة .. ورفض مرافقوه المقاعد الثابتة من جناح الضباط لأنها غير مناسبة .. وبسبب إعتلال ساق الملك وقدمه لم يستطع أن يمشي بسهولة على أرضية السفينة المصنوعة من الحديد ففرشت الأبسطة والسجاجيد . على ظهر السفينة وضع مقعد الملك مواجها لمقدمة السفينة في كل الأوقات فيما عدا أوقات الصلاة عندئذ يتوجه الملك وفريقه بالقبلة في إتجاه مكة وفقا لما حدده لهم مرشد السفينة .. أما فيما يتعلق بوجبات الملك وطعامه له ولمن معه فقد أحضر معه قطيعا من الأغنام لذبحها لوجباته واصر على مشاركة البحارة الأمريكيين كضيوف له في تناولها .. ولقد عرض القبطان سميث عليهم ماشية ودواجن مجمدة ولكنهم أصروا على عدم تناول الأطعمة المحفوظة .. ولقد نجح إيدي في التفاوض على مثل هذه الأمور وأقنع الطرفين بأن يؤخذ عشرة فقط من قطيع الأغنام لتساق إلى مؤخرة السفينة في زريبة مؤقتة تنشأ خصيصا لها وقال للملك بأن قواعد البحرية تمنع الطاقم من تناول طعام غير طعام السفينة أو الجراية .. وأن مخالفتهم لتلك التعليمات تؤدي لمعاقبتهم وبطبيعة الحال لم يكن الملك ليريد لأعضاء الطاقم أن يحجزوا في سجن السفينة لسبب مثل هذا فتراجع عن أصراره .. لكن هذه القواعد التي سرت على البحريين الأمريكيين لم تكن لتسري بسهولة على المدنيين أو الضيوف العرب مراعاة لواجب الضيافة .. فبنيت المواقد الفحمية لزوم القهوة العربية بما في ذلك موقد بني أمام مخزن مفتوح للذخيرة وكان ذلك مروعا للأمريكيين .. وعندما سال الملك عن أسماء جميع أعضاء الطاقم أدرك إيدي نية الملك وفهم مقصده وهو أنه يستعد لمنحهم بعض الهدايا فأقنع كيتنج وسميث بأن عليهم قبول هداياه حتى لا يضايقوه إن رفضوها وقال لهما : إشرحوا لرؤسائكم أنه لم يكن ممكنا غير ذلك . أستغرقت رحلة ميرفي ليلتين ويوم كامل أستطاع الملك عبد العزيز أن يرى خلالها لأول مرة الخط الساحلي لبلاده على البحر الأحمر وكانت حالة الطقس جيدة في معظم الوقت ومع ذلك أصيب أغلب المرافقين الذين لم يسبق لهم ركوب البحر بالدوار فيما عدا الملك .. خلال هذه الرحلة شاهد الملك عروضا والعابا نارية بحرية وأدوات إرشادية ورأى لأول مرة عرضا للصور المتحركة وكان فيلما وثائقيا حول العمليات التي تقوم بها حاملة الطائرات على ظهر السفينة ووفقا لرواية إيدي فإن الملك سر بذلك إلا أنه نفر من السماح بترويجها في بلاده حتى لا تشغل الناس بمتعتها عن واجبات عقيدتهم ولقد أكل الملك التفاح لأول مرة وأكتشف لذاذة الطعم في كيكة التفاح.

إيدي كان هو الشخص الوحيد على ظهر السفينة الذي يتكلم اللغتين .. ويفهم الجانبين .. كتب يقول أن العرب ( يقصد مرافقي الملك ) والبحارة تأخو وتصادقوا بدون كلمات وهذا في الحقيقة يدعو للإندهاش .. ولقد شرح البحارة للعرب كيف يقومون بأعمالهم حتى أنهم سمحوا للعرب بمساعدتهم في مقابل أن يسمح العرب لهم بأن يفحصوا ملابسهم وزيهم وخناجرهم وحاولو بالتخمين أن يعرفوا كيف صنعت ولأية أهداف .. ولقد أحتار العرب في تحديد هوية البحارة السود على ظهر السفينة .. وظنوا أنهم في الأصل عربا وأصروا على التحدث إليهم باللغة العربية كان الإنطباع الذي ألتقطه كيتنج منذ الوهلة الأولى لوصول الملك على ظهر السفينة ميرفي أنه أمام واحد من الملوك واصحاب المقام الرفيع


والآن إلى كوينسي

هكذا تمت الترتيبات بنجاح .. ونجحت خطة التكتم والسرية التي حذقها إيدي وتمرن عليها .. وتم نقل الملك إلى كوينسي الرابضة في المياه المصرية حيث كان ينتظر الرئيس .. وهنا يظهر شاهد العيان وتظهر مذكراته .. وليام إم ريجدون William M. Rigdon المساعد البحري للرئيس روزفلت هو شاهد العيان هو الذي رأى وأطلع على ملخص الرئيس حول ضيفه الملك .. ما يحبه وما يكرهه .. صفاته ومعتقداته .. عاداته العربية والإسلامية .. يقول عنه أن لصاحب الجلالة شخصية ساحرة وقوية .. وأن اي تراخ حول معارضته للأهداف الصهيونية في فلسطين تعد تعارضا مع مبادئه .. بمجرد ما أن وضع الملك قدميه على ظهر السفينة كوينسي وألتقى بالرئيس الأمريكي روزفلت وجها لوجه حتى صارت الألفة بينهما .. كلاهما بدأ بالبحث عن أوجه التشابه وليس أوجه الإختلاف .. كان التركيز دائما على التوافق والإنسجام .. عما يجمع ولا يفرق . هذا ما أوضحه إيدي الذي كان دائما بينهما يلعب دور الوسيط والمترجم وهو يروي تلك اللحظات الأولى من اللقاء .. يتحدث الملك حول كونه شقيقا وتوأما للرئيس فيرد عليه الرئيس بانه محظوظ فمازالت قدميه تستطيعان حمله إلي اي مكان يريد .. فيجيبه الملك .. بل أنت المحظوظ يا سيدي الرئيس .. فأقدامي تضعف على مر السنين وهذا الكرسي المتحرك الذي تجلس عليه يعول عليه كثيرا .. فأنت متأكد من قدرتك على الوصول .. عندئذ قال له الرئيس .. لدي كرسيان متحركان .. وهما أيضا توأمان .. فهل تقبل واحدا منهما كهدية شخصية مني لك .. فقال له الملك ممتنا .. سأستخدمه يوميا ودائما سأتذكر بحب صديقي الواهب العظيم والعزيز

الكاريزما والتلقائية إقناع ومصداقية

دبلوماسية تنطوي على رقة ودماسة رغم الفارق الثقافي .. هو من الغرب ونحن من الشرق .. لكن للقلوب أحكامها الخاصة .. ولقد حدثت بالفعل التوأمة منذ اللحظات الأولى .. ولم يكتفي الرئيس بهديته الشخصية التي قربت القلوب .. فإذا به يقدم له هدية أخرى لتقرب المسافات .. وكانت الهدية عبارة عن الطائرة الركاب DC3 .. في هذه الطائرة مقعد يدور حول محور يسمح للملك دائما الإتجاه نحو مكة أثناء الطيران وكانت هذه الطائرة أول نواة للخطوط الجوية السعودية الحديثة .. ودليلا على علاقة صداقة طويلة الأمد بين البلدين .

تبادل الكلمات .. لغة حوارية قد يفلح الكثيرون في أدائها .. بالتدرب والصقل والمواجهة والقدرة على التعبير .. لكنها تبقى صنعة لها صناعها وجواهرجيتها الذين يتفننون في صنعها .. شأنها شأن اي صناعة أخرى .. يمكن أن تصفها بالجمال وليس الصدق .. ويمكن أن تتذوق الصنعة ولا تعيش في وجدانك .. ينقصها دائما العفوية والكاريزما أو الحضور .. فإن تحليت بها لكل ما تريد من درجات المصداقية .. وهذا ما حدث بالفعل بين الملك والرئيس .. فالكاريزما والتلقائية أخرجتا الغريبين من غربتيهما فصارا يعرفان بعضهما البعض كما لو أنهما صديقين حميمين منذ زمن بعيد .. حان موعد الغذاء فذهبا معا لتناول الغذاء. ووفقا لتوجيهات ريجدون قدم القهرمان أو خدم السفينة على مائدة الغذاء ليمون الجنة Grapefruit ولحم كاف من الأغنام Lamb والأرز وبعض التوابل والمقبلات كالبيض وجوز الهند والصلصة والزبيب والفلفل الأخضر والطماطم والزيتون والخيار المخلل .. ويذكر ريجدون في مذكراته أن الملك كان في بداية الأمر مترددا في تناول الطعام لكنه ما أن بدأ يختار حتى إنفتحت شهيته .. وعندما حان موعد القهوة سأل الملك روزفلت عما إذا كان بإمكان خادمه الرسمي الذي يقدم له القهوة أن يقدم شرف النخب من القهوة العربية فوافق الرئيس على ذلك وأخذ قدحين منها بإستمتاع واضح .. وبنفس الطريقة فعل الملك الذي كان مازال مستمتعا بوجبته ..

موقفٌ صعبٌ حدث بخطأ في الترجمة

تعبيرات المجاملة بين شخصين غريبين لا يعرف أحدهما لغة الآخر ولا يعرف كلاهما ثقافة الآخر تتطلب من المترجم الحرص والحذر في ترجمة الكلام .. وعلى الرغم من إجادة إيدي للغة العربية إلا أنه وقع في خطأ الترجمة حينما حاول الملك أن يجامل الرئيس فقال له بأن هذه الوجبة هي الأولى التي تناولها منذ مدة طويلة ولم يتبعها إضطرابات هضمية وأنه يود لو أن الرئيس يكون كريما معه فيهديه هذا الطعام على سبيل الهدية .. ولكن سوء الترجمة أو الترجمة الحرفية لم توفي بالمعنى المقصود وأعطت الرئيس إنطباعا بأن الملك يريد هذا الطعام لنفسه .. ولقد كتب ريجدون في مذكراته "بحار البيت الأبيض" أن الملك كان يعني المجاملة وأن ايدي أخطأ الترجمة .

كان الرئيس روزفلت دائما متحدثا ماهرا لبقا خاصة في المواقف الصعبة التي تثير الدهشة والحرج .. وكان دائما يملك الرد مهما كانت حجم المشكلة وما أن سأله الملك هذا السؤال حتى وجد المخرج .. فشرح له الرئيس أن المأكولات في كوينسي ملتزم بتقديمها في فترة محددة من الزمن وفق تعاقد لا يمكن الإخلال به .. وبأنه قد سر بأن جلالته سر من الطعام وأسف كثيرا بأنه لم يلبى له هذا الطلب .. وأنه ربما يسمح جلالته له بان يجرب واحدة من مأكولاته ..

لغة الطعام وتبادل الأنخاب وتبادل المجاملات والهدايا بدايات لابد منها في مثل هذه اللقاءات .. لكنها ليست هي الموضوع .. فالرئيس قادم لزيارة الملك لأسباب تخص الدولة وليس الشخص وتخص مستقبل أمته وليس الحاضر .. وتخص إستراتيجية الدولة الشابة التي تريد أن تصبح دولة عظمى .. كان لابد أذن أن يختلي الرئيس بالملك وأن يتناقشا معا بين أخذ ورد في محادثة جوهرية دامت نحو أربع ساعات كان روزفلت خلالها لا يعرف الكلل .. فكان رغم مرضه وإجهاده وإنشغاله بالكثير من القضايا والمفاوضات الشاقة التي أضعفت صحته وأنهت على حياته بعد شهرين فقط من هذا اللقاء يبدو حيويا متألقا

روزفلت .. ما بين الحيوية وشحوب الموتى

خلال لقائه .. لا حظ إيدي أن الرئيس كان في قمة حالته كمضيف له تأثيره وحيوته وحديثه البارع الرائع .. وقال بأن عيناه كانتا كما هما دائما تتميزان ببريقهما ولمعانهما وبتلك الإبتسامة الرائعة التي دائما يكسب بها الناس في اي وقت يتحدث فيه معهم كصديق .. ومع ذلك كان بإمكانه أن يلقاه بعيدا عن الحراسة بوجهه الساكن الشاحب شحوب الموت .

العديد من الأمريكيين الرسميين في رحلة روزفلت ولقائه بالملك عبد العزيز ألتقطوا بعضا من الحوار والحديث الذي تم بينهما ولكن معظم ماهو معروف يرجع مصدره إلى مذكرات مختصرة لإيدي .. الذي كان بصفته مترجما لكلي الجانبين الرجل الأمريكي الوحيد بعد الرئيس الذي سمع مجمل مادار من حديث .. يقول إيدي بأن الرئيس أدار المناقشة وفقا لما ألمح به الملك عبد العزيز من أنه لا توجد موضوعات محددة للمناقشة كما أكد بأن الملك لم يطلب مساعدات إقتصادية ولم يناقش هذا الموضوع على الرغم من الضيق والمعاناة التي تواجهها المملكة في طول البلاد وعرضها بسبب الحرب التي قطعت مصادر دخلها من منابعها .. وكان روزفلت مباشرا ودخل في صميم الموضوع فتحدث عن تعهد اليهود ومستقبل فلسطين بعد أن أصبح واضحا في ذلك الوقت بأن الإنتداب الحكومي الذي منحته عصبة الأمم بطلب من الحكومة البريطانية قبل ذلك بعشرين عاما سوف يوشك على النهاية بعد الحرب

قضية فلسطين .. الموضوع السائد في اللقاء

ولقد سال الرئيس الملك النصح فيما يتعلق بمشكلة اللاجئين اليهود القادمين من بلادهم في أوروبا .. فأجابه جلالته وفقا لما جاء في المذكرة الرسمية المشتركة التي أعدت في ذلك الوقت بواسطة إيدي ويوسف ياسين مستشار الملك بأنه يرى أن اليهود عليهم أن يعودوا للعيش في البلاد التي أخرجوا منها .. أما بالنسبة لليهود الذين دمرت مساكنهم بالكامل والذين ليس لديهم فرصة العيش في أوطانهم فيجب أن يعطوا مساحة للعيش في دول المحور التي إضطهدتهم .. فقال له روزفلت أن اليهود كانوا يعارضون العودة إلى ألمانيا ويعبرون عن رغبة وجدانية للذهاب لفلسطين. لم يهتم الملك كثيرا بالحجة التي طرحت بأن اليهود الأوروبيين الباقين على قيد الحياة خائفين من العودة إلى بلادهم .. وقال بأن الحلفاء بالتأكيد سوف يسحقون النازي وسوف يهزمونهم إلى الدرجة التي لن يعد فيها تهديد وإلا فما هي أهمية هذه الحرب وما هو معناها .. وذكر بان الأعداء والذين قاموا بعملية الإضطهاد لابد لهم أن يدفعوا ثمن عدائهم وإضطهادهم .. وأكد بأنه هكذا يشن العرب الحرب .. وقال طبقا لرواية إيدي بأن التعويضات يجب أن يدفعها المجرمون وليس الأبرياء المتفرجون الذيم لم تكن لهم ناقة ولابعير .. وتساءل عن الجرح الذي سببه العرب ليهود أوروبا ليعاقبون عليه قائلا : مالجرح الذي سببه العرب ليهود أوروبا ؟ .. أنهم الألمانيون المسيحيون الذين سرقوا منازلهم ومعيشتهم .. دع الألمان يدفعون .. وقال بأن العرب واليهود لايمكن أن يتعاونوا معا لا في فلسطين ولا في أي مكان آخر .. ونبه إلى زيادة التهديدات على الوجود العربي وإلى الأزمة التي ستترتب على الهجرة المستمرة لليهود كما أكد بأن العرب سوف يختارون الموت على أن يتركوا أراضيهم لليهود . ولقد كتب تشارلز بوهلين Charles E. Bohlen في مذكراته وهو دبلوماسي أمريكي بارز كان بين الفريق الرسمي لروزفلت أن الملك أثار نقطة أخرى حول فلسطين لم تذكر في مذكرة إيدي أو حتى في التقرير المشترك الذي أعده .. وقال في هذا الكتاب وهو بعنوان شاهد على التاريخ Witness to History أن الملك أعطى خطبة مطولة حول مواقف العرب الأساسية تجاه اليهود وأنكر وجود أي صراع بين فرعي الجنس السامي في الشرق الأوسط بسبب التفاوت الثقافي والمهاري بين المهاجرين اليهود من أوروبا الشرقية وبين العرب المقيمين .

أمريكيون رسميون آخرون أرتحلوا مع روزفلت قالو في مذكرات عديدة لهم أن الرئيس بدا غير متفهم لصلابة معارضة الملك للمزيد من الهجرة نحو فلسطين .. وكرر ذلك اكثر من مرة وكان يتلقىنفس الرد السلبي .. عندئذ طرح الرئيس فكرة قال أنه سمع من تشرشل عن إعادة توطين اليهود في ليبيا والتي هي أكبر من فلسطين وأقل من حيث السكان .. فرفض الملك عبد العزيز هذه الفكرة أيضا قائلا بأن ذلك غير عادل لمسلمي شمال أفريقيا وأكد الملك أن أمل العرب مبني على كلمة شرف من الحلفاء وعلى المعروفين في الولايات المتحدة الأمريكية بحبهم للعدالة .. وردا على ذلك أعطى روزقلت وعده المشهور بأن فلسطين ستصبح حجر الزاوية في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية للعامين المقبلين وأكد بأنه أنه لن يفعل شيئا لمساعدة اليهود ضد العرب ولن يعمل أي خطوة عدائية تجاه الشعب العربي وأن حكومته لن تصنع أي تغييرات في سياستها الأساسية في فلسطين بدون إستشارة مسبقة وكاملة مع كلي العرب واليهود.

روزفلت .. وداعاً

إنتهى اللقاء وعاد روزفلت ليخبر الكونجرس بالمشكلة العربية .. مشكلة المسلمين واليهود .. مشيرا إلى أن ما تعلمه من إبن سعود في خمس دقائق يعادل ما تعلمه في أكثر من دستين أو ثلاثة من الخطابات المتبادلة.

وفي الخامس من إبريل أي قبل موته بأسبوع واحد أعاد روزفلت تكرار هذا الوعد كتابة وأرسل رسالة خطية للملك بالتحية معنونة بإسم صديقي الطيب العظيم يؤكد فيها الوعد الذي قطعه على نفسه .. لكن لغة السياسة دائما تفرق بين الشخص أو الإنسان ورجل الدولة .. وكان الملك ممتنا بوعد روزفلت ويبني عليه أحلاما كبيرة لكن الموت سبقه قبل تحقيق الحلم وجاء خلفه هاري ترومان ليقضي عليه نهائيا بعد تأييده لقرار التقسيم في فلسطين والإعتراف بدولة يهودية جديدة هناك.

بنى روزفلت حجر الأساس للعلاقات الأمريكية السعودية رغم قصر العمر. وأرسى معالم إستراتيجية واضحة تؤكد أهمية المملكة من الناحية الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية. وجاء من بعده رؤساء وسياسيون ودبلوماسيون وخبراء ومفكرون وأساتذة جامعيون يدركون أهمية هذه العلاقة ويؤكدون على حتمية وجودها وإستمرارها. ومنهم كثيرون أقتربوا من الشارع السعودي وتعرفوا عليه وعلى أفراده ومواطنيه. هذا الشعب الطيب الكريم.

1956

في يناير عام 1956 كتب رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن رسالة إلى الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور يشكو فيها من «الدور السعودي» في الشرق الأوسط. وقال إيدن في رسالته: «اعتقد انه من الواجب ان اتخاطب معك حول الوضع في الشرق الاوسط والذي يتطور بسرعة». وتحدث ايدن عن «الأموال السعودية» قائلا ان تلك الأموال «تدعم صحفا في سوريا والأردن ولبنان» وان بعض تلك الصحف «يسارية بشدة وشيوعية او قريبة من الشيوعية» ثم أشار ايدن الى جهود سعودية مصرية سورية لفك ارتباط الأردن ببريطانيا من خلال تقديم دعم مالي بالتعاون مع الاتحاد السوفياتي. وختم ايدن رسالته بتحذير ايزنهاور من مغبة وقوع الشرق الأوسط برمته في احضان الشيوعية، وشدد على ضرورة منع ذلك من خلال دعم «الأصدقاء» في الأردن والعراق، وعلى أهمية «ايجاد ضوابط لاستخدام الأموال السعودية، ومنع السعوديين من اللعب على الورقة الروسية»، مضيفا انه «اذا استمر السعوديون بصرف أموالهم والتصرف على هذا النحو، فلن يبقى شيء لغير الدب» ويعني الاتحاد السوفيتي. وردا على رسالة ايدن تم اعداد خطاب من ايزنهاور تشير مسودته الى «ادراك الولايات المتحدة للمشكلة» وانه «من الحيوي تقوية النفوذ الغربي في السعودية اذا كنا نريد النجاح في اقناع السعوديين باستخدام اموالهم لاغراض افضل»، غير ان الخطاب لم يرسل.

كانت بريطانيا في ذلك الوقت تواجه مشاكل عديدة في الشرق الاوسط قبل رحيلها عن المنطقة كما كانت خلافاتها مع السعودية تتصاعد بسبب مشكلة واحة البريمي لذلك فقد سعت بريطانيا الى محاولة تحجيم الدور السعودي المناهض لها ولمصالحها، فيما كانت الولايات المتحدة تسعى لتثبيت أقدامها في الشرق الاوسط عبر بوابة السعودية، حيث كانت العلاقة السعودية الأمريكية تتعزز منذ بدأت ايام الملك عبدالعزيز. وفيما تحاول بريطانيا اقناع الولايات المتحدة بأهمية «اتباع سياسة متشددة» تجاه المملكة فانها كانت تصف النظام السعودي بانه «فاسد ومتخلف ومعاد للغرب» كما جاء على لسان الدبلوماسي البريطاني شكبروه اثناء مباحثات له مع مسؤولين في الخارجية الأمريكية قبيل زيارة رئيس الوزراء البريطاني إيدن إلى الولايات المتحدة بداية عام 1956. غير ان الولايات المتحدة لم تكن ترى ضرورة للمنهج المتشدد حيال السعودية، وقد عبر عن ذلك الرأي مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى حيث أورد في مذكرة مؤرخة 17/1/1956 «ان البريطانيين غير قادرين على استيعاب ان وضعهم في الخليج يتضمن صيغة امبريالية، وهم يكررون القول أن نصائحهم ودعمهم لشيوخ الخليج وسلطان مسقط مرغوب فيه من قبل هؤلاء» وذكر انه أوضح للدبلوماسي البريطاني «ان القوميين العرب يعتبرون الوجود البريطاني في الخليج والأردن وجودا امبرياليا» مضيفا «ان علينا ان نواجه حقائق الحياة والاقرار بأننا لسنا في القرن التاسع عشر» موضحا انه لم يكن راغبا في التلميح بان الولايات المتحدة ترغب في مغادرة بريطانيا الخليج اليوم او غدا، «لكن لا جدوى من التظاهر بان الشيوخ الذين يرحبون بالدعم البريطاني ملائكة وان كل من يعارضونه شياطين».

بالطبع لم تأخذ الولايات المتحدة هذا الموقف الذي يبدو الآن «عقلانيا» من باب انصاف السعودية ولا ممارسة لدور الحكيم بقدر ما كانت مصالحها في الخليج ومخاوفها من نجاح الشيوعية في التغلغل في الشرق الأوسط تفرض عليها التقارب مع السعودية، لقد صاغت تلك المصالح والمخاوف المرتبطة بالنفط جانبا مهما من المبادىء الرئيسية التي قامت عليها السياسة الأمريكية في الشرق الاوسط منذ عام 1957 وحتى سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991. كما ان مصالح ومخاوف السعودية أيضا دفعتها الى تعزيز علاقتها بالولايات المتحدة. لقد كانت السعودية تتنازع مع بريطانيا للسيطرة على واحة البريمي، كما كانت تسعى للحصول على وضع أفضل في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة بشأن قاعدة الظهران، وتريد بالطبع ابعاد شبح الشيوعية عن شبه الجزيرة، كما كانت تحاول منع امتداد القومية العربية، وتريد أيضا تطوير الخدمات الأساسية لمواطنيها وضمان عائد مناسب لبيع النفط.

الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور (يسار) ونائبه ريتشارد نيكسون (يمين) يستقبلان الملك سعود في 29 يناير 1957 في المطار ثم في البيت الأبيض، حيث تباحثا في إنشاء الحلف الإسلامي، والذي كانت أولى مهامه غزو سوريا.
المقالات الرئيسية: الحلف الإسلامي &#sp; و الأزمة السورية 1957


الأهمية الاستراتيجية

لقد تعاقبت الادارات الامريكية وتولى رئاسة الولايات المتحدة رؤساء من الحزب الجمهوري وآخرون من الحزب الديموقراطي فبعد ايزنهاور الجمهوري جاء جون كندي الديموقراطي ثم ليندون جونسون الديموقراطي ثم نيكسون وفورد الجمهوريان، ثم كارتر الديموقراطي ثم ريغان الجمهوري لفترتين ثم بوش الاب وهو جمهوري ايضا ولم تتغير المبادىء الرئيسية للسياسة الامريكية في الشرق الاوسط واستمرت الشراكة السعودية الامريكية وهي تجتاز اختبارات صعبة اقليمية ودولية مثل حربي 1967 و1973 وتداعياتهما كما تعززت تلك الشراكة في مواجهة مهام وحروب اخرى مثل مواجهة الاحتلال السوفيتي لافغانستان وجهود طرده منها التي استخدم فيها الطرفان اسامة بن لادن، والحرب العراقية الايرانية التي دعم خلالها الطرفان صدام حسين، وحرب تحرير الكويت.. كما واجهت الشراكة السعودية الامريكية كل مراحل القضية الفلسطينية، ورغم تباعد مواقفهما الا ان الانحياز الامريكي لاسرائيل والحماس السعودي للفلسطينيين لم يتسبب في فك الشراكة.

ويعتقد بعض المحللين ان احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ونتائجها هي المسؤولة عن الارتباك الحالي في العلاقات السعودية الامريكية، وان تبعات تلك الاحداث سوف تقود الى اعلان نهاية شراكة سياسية امتدت لما يقارب سبعين عاما. فهل هذا صحيح؟ هل للامر علاقة «بالاموال السعودية» التي اشتكت منها بريطانيا عام 1956 ولم تتجاوب معها الولايات المتحدة؟ ام ان المسألة تعود الى النظام السعودي «الفاسد المتخلف المعادي للغرب» كما كان يصفه الانجليز في الخمسينيات فتحالفت معه الولايات المتحدة؟ وهل المطلوب اتباع سياسة امريكية «متشددة» تجاه السعودية وهو ما طلبته بريطانيا عام 1956 ورفضته الولايات المتحدة من باب «مواجهة حقائق الحياة»؟ ان محاولة الاجابة على تلك الاسئلة مسألة صعبة، غير انه لا بأس من «مواجهة حقائق الحياة» مرة اخرى، فقد تساعد تلك المواجهة على معرفة ما يحصل.

مواجهة الحقائق

كان الرئيس ايزنهاور قد صمم برنامجه لمواجهة الخطر الشيوعي وهو برنامج يعتمد على استباق الاحداث، فلم يكن ايزنهاور يرغب في الانتظار ريثما يبلع الدب الروسي احدى دول الشرق الاوسط كي يتحرك وانما سعى الى تأمين السيطرة الامريكية من خلال ارسال قوات الى الشرق الاوسط واقامة قواعد عسكرية، كما انه اراد عبر برنامجه مساعدة دول في الشرق الاوسط للنهوض اقتصاديا او تقديم مساعدات مالية لها، ولم يتم ربط ايا من ذلك بالاوضاع الداخلية للدولة المتلقية، ولم تكن الولايات المتحدة تكترث بطبيعة الانظمة الحاكمة ديكتاتورية كانت ام ديموقراطية، وبالطبع لم تكن هناك دولة واحدة ديموقراطية! ان المهم لدى الولايات المتحدة هو تعاون تلك الانظمة معها في مواجهة الشيوعية وتأمين مصالحها النفطية. ولقد كانت السعودية نقطة ارتكاز مهمة في السياسة الامريكية في الشرق الاوسط فهي دولة معادية للاتحاد السوفياتي وغنية بالنفط وتقدم تسهيلات عسكرية للولايات المتحدة.

الرئيس كندي مع الملك سعود في قصر الملك في پالم بيتش، فلوريدا، 1962. المصدر: AP

ولم يتغير الامر كثيرا بعد تولى كنيدي رئاسة الولايات المتحدة عام 1960 فقد عمل هو وجونسون ضمن الاطار نفسه، غير انه في نهاية الستينات وطوال السبعينات كان للاحداث الدولية والاقليمية أثر كبير على سياسة الولايات المتحدة في الخليج، وكانت تلك الاحداث تعزز دور السعودية تارة وتخفضه تارة أخرى.

الرئيس جونسون يودع الملك فيصل قبل مغادرته واشنطن، 1966.


فيصل يحث جونسون على التخلص من عبد الناصر

تقول الرسالة التى بعثها الملك فيصل إلى الرئيس جونسون ( وهي وثيقة حملت تاريخ 27 ديسمبر 1966 الموافق 15 رمضان 1386، كما حملت رقم 342 من أرقام وثائق مجلس الوزراء السعودي ) ما يلي:

Cquote2.png ... من كل ما تقدم يا فخامة الرئيس، ومما عرضناه بإيجاز يتبين لكم أن مصر هي العدو الأكبر لنا جميعاً، وأن هذا العدو إن ترك يحرض ويدعم الأعداء عسكرياً وإعلامياً، فلن يأتي عام 1970 – كما قال الخبير فى إدارتكم السيد كرميت روزڤلت – وعرشنا ومصالحنا في الوجود ...

لذلك فأننى أبارك، ما سبق للخبراء الأمريكان فى مملكتنا، أن اقترحوه، لأتقدم بالاقتراحات التالية:

  • أن تقوم أمريكا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولى به على أهم الأماكن حيوية فى مصر، لتضطرها بذلك ، لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط ، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة لن يرفع بعدها أي مصري رأسه خلف القناة، ليحاول إعادة مطامع محمد على وعبد الناصر فى وحدة عربية.

بذلك نعطى لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادئ الهدامة، لا فى مملكتنا فحسب، بل وفى البلاد العربية ومن ثم بعدها، لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية إقتداء بالقول ( أرحموا شرير قوم ذل ) وكذلك لإتقاء أصواتهم الكريهة فى الإعلام.

  • سوريا هي الثانية التى لا يجب ألا تسلم من هذا الهجوم، مع إقتطاع جزء من أراضيها، كيلا تتفرغ هى الأخرى فتندفع لسد الفراغ بعد سقوط مصر.
  • لا بد أيضا من الاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة، كيلا يبقى للفلسطينيين أي مجال للتحرك ، وحتى لا تستغلهم أية دولة عربية بحجة تحرير فلسطين، وحينها ينقطع أمل الخارجين منهم بالعودة ، كما يسهل توطين الباقى في الدول العربية.
  • نرى ضرورة تقوية الملا مصطفى البارزاني شمال العراق، بغرض إقامة حكومة كردية مهمتها إشغال أى حكم فى بغداد يريد أن ينادى بالوحدة العربية شمال مملكتنا فى أرض العراق سواء فى الحاضر أو المستقبل. علما بأننا بدأنا منذ العام الماضى (1965) بإمداد البارزاني بالمال والسلاح من داخل العراق، أو عن طريق تركيا وإيران.

يا فخامة الرئيس،
إنكم ونحن متضامنون جميعا سنضمن لمصالحنا المشتركة و لمصيرنا المعلق ، بتنفيذ هذه المقترحات أو عدم تنفيذها، دوام البقاء أو عدمه.

وأخيرا . أنتهز هذه الفرصة لأجدد الإعراب لفخامتكم عما أرجوه لكم من عزة ، و للولايات المتحدة من نصر وسؤدد ولمستقبل علاقتنا ببعض من نمو و ارتباط أوثق و ازدهار .

المخلص :

Cquote1.png

—فيصل بن عبد العزيز
ملك المملكة العربية السعودية

الانسحاب البريطاني من الخليج

ففي يناير من عام 1968 اعلن رئيس الوزراء البريطاني هارولد ولسون اعتزام بريطانيا الانسحاب من الخليج بحلول نهاية عام 1971 وبهذا الاعلان اصبح الطريق ممهدا امام الولايات المتحدة لاخذ زمام المبادرة او الجلوس في مقعد القيادة بدلا من تقديم الدعم لبريطانيا، ولذلك كان لابد للولايات المتحدة ان تعيد صياغة سياساتها في الشرق الاوسط خاصة ان هناك تخوفا من قيام الاتحاد السوفياتي بملء الفراغ الذي تخلفه مغادرة الانجليز.

الملك فيصل والرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وزوجته پات نيكسون (27 مايو 1971)

ومع استمرار ثبات اهداف السياسة الامريكية في الشرق الاوسط المتمثلة في ضمان تدفق النفط ومنع وصول الروس الى الخليج، اعدت ادارة الرئيس الامريكي نيكسون استراتيجية تقوم على اساس دعم عسكري قوي لايران والسعودية في نفس الوقت، ويعود سبب هذا الدعم الى ان نتائج التدخل العسكري الامريكي في فيتنام لم تكن مشجعة للتدخل في منطقة اخرى ولم يكن الرأي العام الامريكي يقبل بتدخل جديد لذلك رأت ادارة نيكسون ضرورة تأهيل إيران والسعودية عسكريا للقيام بمهام الدفاع عن الخليج حال ظهور الحاجة مع استعداد الولايات المتحدة لتقديم اسناد بحري وجوي وتقليص مشاركة القوات البرية ، وقد عرفت هذه السياسة بـ Twin pillar.

ولقد كانت إيران في ذلك الوقت تحظى بأفضلية على السعودية وكان شاه إيران يرغب في القيام بدور «شرطي الخليج» وشرحا لهذه السياسة حدد مساعد وزير الخارجية الامريكي جوسف سيسكو أمام الكونگرس في اغسطس 1972 ست نقاط:

  • دعم التطور السياسي في المنطقة،
  • دعم الحكومات القائمة للحفاظ على استقلالها مع تشجيعها على التعاون الاقليمي،
  • المساعدة في تحديث الجيشين السعودي والإيراني لتأهيلهما للدفاع عن بلديهما ورعاية أمن الخليج،
  • تكثيف الوجود الدبلوماسي الامريكي،
  • الابقاء على قوة بحرية صغيرة في البحرين تقوم بزيارة موانىء الخليج كرمز للاهتمام الامريكي.
  • ولقد كانت الولايات المتحدة ترغب في رؤية نتائج دمج الأموال السعودية بالقوة العسكرية الايرانية.

الحظر النفطي

وقد أرسل الملك فيصل وزير النفط أحمد زكي يماني في أبريل 1973 إلى واشنطن، حيث التقى مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر، وأبلغه بضرورة أن تحث أمريكا إسرائيل على احلال السلام في الشرق الأوسط، وإلا فستضطر السعودية لفرض حظر نفطي. وقد نصح كيسنجر يماني بألا يكرر ذلك التهديد مع أي مسئول أمريكي آخر. فأخبره يماني أنه قد ذكر ذلك بالفعل لوزير الخارجية جورج شولتس. وأحس يماني أن كيسنجر ربما بحكم ديانته اليهودية يريد أن يخفف من أمر التهديد السعودي. ولذلك نقل يماني التهديد إلى عدد من المسئولين الأمريكان في تلك الزيارة. وأردف قائلاً حين طلبتم منا رفع انتاجنا من 7 مليون برميل إلى 20 مليون برميل، فعلنا ذلك على الفور، ونحن نتوقع رد الجميل. إلا أن أحداً في واشنطن لم يأخذ التهديد على محمل الجد.[1]

الرئيس نيكسون يزور الملك فيصل في الرياض، 1974.

ورغم نشوب حرب أكتوبر 1973 وقطع امدادات النفط من الخليج فان الأهمية الاستراتيجية للسعودية لم تتأثر بل أنها أصبحت أكثر أهمية وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها العسكري في المحيط الهندي في قاعدة دييگو گارسيا.

سقوط الشاه

ومنذ عام 1979 دفعت الاحداث العلاقات السعودية الامريكية الى المزيد من الارتباط ففي ذلك العام سقط شاه ايران فخسرت الولايات المتحدة حليفا مهما، وجاء الخميني مع شعار تصدير الثورة الاسلامية، كما نشبت حرب محدودة بين اليمن الجنوبي الموالي للاتحاد السوفياتي واليمن الشمالي المقرب من السعودية والولايات المتحدة، كما قام الروس بغزو افغانستان، ثم في عام 1980 بدأت الحرب العراقية الايرانية. كان الرئيس كارتر قد اعد استراتيجية جديدة في السنة الاخيرة لرئاسته في ضوء تلك المتغيرات وقد عززت تلك الاستراتيجية دور السعودية..لقد اوضح كارتر في عام 1980 ان اي محاولة من قبل قوة خارجية للسيطرة على الخليج سوف تعتبر اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة وان هذا الاعتداء سوف يردع بأي وسيلة بما فيها القوة العسكرية وكانت هذه رسالة واضحة للاتحاد السوفياتي. وازاء هذه التطورات فقد رأت ادارة الرئيس كارتر ضرورة الاستعداد لاحتمالات التدخل العسكري المباشر في الخليج فتم انشاء قوات التدخل السريع لمواجهة اي نزاع عسكري طارىء وتم ارسال طائرات «اواكس» الى السعودية.

وحين تسلم الرئيس ريغان رئاسة الولايات المتحدة عام 1980 ومع الاحتلال السوفييتي لأفغانستان اصبح الخطر السوفياتي هو الشغل الشاغل للإدارة الامريكية¾ وسعت تلك الإدارة الى تحفيز دول الخليج للتحالف معها في مواجهة الاتحاد السوفياتي، ولقد اصبحت السعودية في هذه الفترة نقطة ارتكاز مهمة لتنفيذ السياسة الامريكية في الخليج فازدادت مبيعات السلاح والمساعدة العسكرية والتمرينات المشتركة، كما اعيد تشكيل قوات التدخل السريع لضمان نجاحها -حين يلزم الامر- في تأمين تدفق النفط ومنع الروس من الوصول الى المنطقة.. كما تحددت اهداف عملية لتلك القوات وهي الدفاع عن السعودية وضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحا وعدم توسع الحرب العراقية الايرانية. ومع استمرار تلك الحرب وبدء «حرب الناقلات» ازداد التعاون الامريكي السعودي الداعم للعراق وقد كانت استراتيجية الدعم تقوم على عدم السماح لأي من الطرفين بتحقيق الانتصار، فيما كان التعاون السعودي الامريكي في افغانستان يستهدف حتما طرد الروس.

اختبار الكويت

بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية وانحسار الخطر السوفياتي واجهت العلاقات السعودية الامريكية اختبارا كبيرا تمثل في الغزو العراقي للكويت في اغسطس عام 1990 وقد تعززت الشراكة بين البلدين في حرب تحرير الكويت في عهد الرئيس جورج بوش واستقبلت السعودية 400000 جندي امريكي، ومن اراضيها انطلقت حرب التحرير. غير ان وجود القوات الامريكية في السعودية تسبب في انكشاف الاوضاع الداخلية في المملكة على وسائل الاعلام الامريكية. ورغم انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 وزوال خطر الشيوعية، فان السياسة الامريكية لم تزل تعتبر استمرار تدفق نفط الخليج مصلحة حيوية بالنسبة لها، ولم تفقد السعودية اهميتها في عهد الرئيس كلينتون -وهو أول رئيس امريكي بعد انتهاء الحرب الباردة- ذلك ان السياسة التي تبنتها ادارة كلينتون في الخليج تتطلب دعما هائلا من «الاصدقاء» في المنطقة. لقد اعتمد كلينتون على سياسة «الاحتواءالمزدوج» لايران والعراق وكذلك العقوبات الاقتصادية، وكي تنجح مثل هذه السياسة لابد من وجود قوات عسكرية قريبة تحقق عنصر الردع ولابد ايضا من تعاون الدول المحيطة بايران والعراق لنجاح العقوبات الاقتصادية، واذا كان الخطر الشيوعي قد زال فان طبيعة النظامين الايراني والعراقي جعلت احتمال عدم استقرار الخليج امرا جديا.

ورغم قيام تنظيم القاعدة التابع لاسامة بن لادن بعمليات تفجير سفارتين امريكيتين في كينيا وتنزانيا والرد الامريكي بقصف معسكرات القاعدة في السودان وافغانستان الا ان العلاقات الامريكية السعودية لم تتأثر الى ان وقعت احداث الحادي عشر من سبتمبر .2001 انه من الخطأ الاعتقاد بأن انتماء عدد كبير من منفذي احداث الحادي عشر من سبتمبر الى الجنسية السعودية هو سبب الخلل الذي يشوب العلاقات الامريكية السعودية حاليا، كما انه من الخطأ الاعتقاد بأن الاوضاع الداخلية للمملكة هي السبب، فهذه الاوضاع بلاشك أفضل مما كانت عليه في العقود الاربعة الماضية. ان مصالح الولايات المتحدة الحيوية هي التي تصوغ سياساتها، ولقد حدث تبدل جذري في «مصادر الخطر» على تلك المصالح واستتبع الامر تبدل جذري في السياسات. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 زال الخطر الذي صاغ سياسات الولايات المتحدة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولقد رأينا في العرض السابق اثر ذلك الخطر على العلاقات الامريكية في الشرق الاوسط عموما وفي الخليج، واذ انشغلت ادارة الرئيس كلينتون في الفترة بين 1992 الى 2000 بدول اوروبا الشرقية من جهة وبمحاولة احتواء إيران والعراق من جهة أخرى، فانها غفلت عن تحديد «مصادر الخطر» المحتملة والمتمثلة في الجماعات الاسلامية المتشددة، ولم تتمكن تلك الادارة من صوغ استراتيجية جديدة للشرق الاوسط لفترة ما بعد الحرب الباردة.


ما قبل 11 سبتمبر

الملك خالد يزور الرئيس كارتر في البيت الأبيض، 1978.
في 11 فبراير 1985، استقبل الرئيس الأمريكي رونالد ريجان البيت الأبيض الملك فهد بن عبد العزيز. وكان الملك فهد في زيارة دولة لواشنطن، وكانت الأولى منذ 14 عاماً. وجرى استقباله بواحد وعشرين طلقة لدى وصوله للبيت الأبيض. وكانت تلك هي ثاني لقاء بين الزعيمين، بعد لقائهما في قمة الشمال والجنوب في عام 1981 في كانكون، المكسيك.
الرئيس الأمريكي رونالد ريجان يستقبل في البيت الأبيض الملك فهد بن عبد العزيز في 11 فبراير 1985.

وكان الملك السعودي فهد بن عبد العزيز في زيارته لواشنطن عام 1985؟، قد أهدى الرئيس الأمريكي رونالد ريگان سيفاً مرصعاً بالألماس وهدايا ثمينة أخرى، فرد عليه الرئيس ريجان باهدائه نسخة حديثة من كتاب "طيور أمريكا" لا يتعدى ثمنها 30 دولاراً.

الملك عبد الله عاهل المملكة العربية السعودية يهدي قلادة للرئيس الأمريكي باراك أوباما في أثناء زيارته للمملكة، 3 يونيو، 2009.

بوش والحادي عشر من سبتمبر

علمان أمريكيان حول مئذنة مسجد في السعودية أثناء زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما للمملكة، 3 يونيو، 2009.
وزير الدفاع الأمريكي روبرت گيتس مع الملك عبد الله في الرياض لمناقشة الأوضاع في الشرق الأوسط 6 أبريل 2011.

وإذا لم تكن سياسات الرئيس بوش تجاه الشرق الأوسط واضحة بعد حين وقعت احداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد صاغت تلك الاحداث سياسات الرئيس بوش الابن تجاه المنطقة. ولعله من الجدير ملاحظة ان عوامل نفسية تحكمت الى حد بعيد في صياغة تلك السياسات فالهجمات اصابت الكبرياء الأمريكي في مقتل. ورغم ان الرد الأمريكي على تلك الهجمات بدا سريعا عبر حرب أفغانستان، الا ان الرد الحقيقي والأهم تجسد في استراتيجية الرئيس بوش التي أعلنها في سبتمبر عام 2002، ان فهم تلك الاستراتيجية والأفكار التي تستند إليها هو أفضل وسيلة لفهم مصدر الخلل الحالي في العلاقات الأمريكية السعودية. فتلك الأحداث هي التي حفزت الادارة الأمريكية لصياغة سياسة جديدة تجاه الشرق الأوسط لحماية مصالحها. تنطلق استراتيجية الرئيس بوش من حقيقة فرضتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر وهي أن «أمن» الولايات المتحدة وليس «مصالحها» فقط يأتي من الشرق الأوسط، أو كما قال مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى وليام بيرنز «في الشرق الأوسط يعيش أقرب الأصدقاء لنا، ويوجد ثلثا احتياط النفط العالمي. ومنه جاء ارهابيو الحادي عشر من سبتمبر»...

وتسعى الاستراتيجية إلى ضمان أمن الولايات المتحدة الداخلي عبر تجفيف منابع الخطر فيما وراء البحار، وتعتبر الاستراتيجية الارهاب الدولي العدو الأول الذي حل محل الخطر الشيوعي. بل انها تعتبر الارهاب الدولي أكثر خطرا، فأحداث الفوضى والألم في الولايات المتحدة لا يحتاج كما تقول الاستراتيجية أكثر من «شبكات مستترة من الأفراد... وبثمن يقل عن ثمن شراء دبابة واحدة».

وإذ تشرع الاستراتيجية في بيان عناصر «القوة الأمريكية» المتوفرة في الترسانة العسكرية فإنها تحذر الدول التي تساند الارهاب وتقول: «سوف تحاسب الولايات المتحدة الدول التي تتورط في الارهاب من ضمنها تلك التي تمنح ملاذاً آمناً للارهابيين لأن حلفاء الارهاب هم أعداء الحضارة». وتؤكد الاستراتيجية أن «على الولايات المتحدة أن تدافع عن الحرية والعدالة لأن هذه المبادىء حق وصواب لجميع الشعوب أينما كانت، ولا تملك هذه الطموحات دولة واحدة، كما ما من دولة مستثناة منها وتشير الاستراتيجية إلى التوحيد بين القيم والمصالح الأمريكية، وتذهب إلى حد اعلان أن الولايات المتحدة سوف تشن «حرب أفكار لكسب المعركة ضد الارهاب الدولي» وإنها سوف تدعم الحكومات المعتدلة والعصرية في العالم الاسلامي «لنضمن ألاّ توفر الظروف والعقائد التي يروجها الارهابيون أرضاً خصبة في أي دولة».

وباختصار شديد يمكن القول إن الادارات الأمريكية المتعاقبة وحتى سقوط الاتحاد السوفييتي لم تكن معنية كثيراً بالشؤون الداخلية للدول الحليفة لها طالما أن علاقاتها مع الأنظمة الحاكمة «مريحة» وطالما كانت تلك الأنظمة «تراعي» المصالح الأمريكية. وكثيرا ما كانت الإدارة الأمريكية تغض النظر عن تجاوزات تلك الأنظمة في مجال حقوق الانسان بل إنها كانت تحث تلك الأنظمة ـ بحجة مكافحة الشيوعية ـ على قمع الحركات الشعبية التي تطالب بالانفتاح السياسي... لقد كان ضمان تدفق المصالح الأمريكية يتطلب دعم الأنظمة المناهضة للاتحاد السوفييتي... أما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر فقد أصبح ضمان «أمن ومصالح» الولايات المتحدة يتطلب فرض القيم الأمريكية حتى أن الكويت التي حررتها الولايات المتحدة من قوات صدام حسين عام 1991 لم تتعرض في السنوات العشر اللاحقة إلى ضغط أمريكي لتعديل سياستها الداخلية بقدر ما تعرضت له بعد الحادي عشر من سبتمبر.

قيم ومصالح

في 8 نوفمبر 2002 ألقى مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى وليام بيرنز خطاباً مهماً في مجلس الشؤون العالمية في بليتمور بولاية ماريلاند قال فيه إن «الحقيقة المجردة هي أن الشرق الأوسط الغارق في مستنقع النزاعات الداخلية يشكل تهديداً للشعب الأمريكي». ويضيف متحدثاً عن الاصلاح السياسي والاقتصادي في دول الشرق الأوسط قائلاً: «بالنسبة للولايات المتحدة من مصلحتنا العميقة تشجيع هذه التغييرات الهيكلية طويلة الأجل... تقع معظم هذه التحديات خارج سيطرتنا لكن لا واحدة منها تبقى خارج نطاق نفوذنا»!. ولعله من المهم جداً التمعن في محتويات خطاب آخر ألقاه وليم بيرنز في مايو 2003 شارحاً جانباًً من أجندة العمل الأمريكية طبقاً لاستراتيجية الرئيس بوش. لقد حدد بيرنز في خطابه المهم أربع نقاط ذات أهمية خاصة في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، أولها: اعطاء «تحدي تحقيق انفتاح الأنظمة السياسية في المنطقة أولوية» ويقول شرحاً لهذه النقطة «لقد التحقت بالسلك الدبلوماسي الأمريكي منذ واحد وعشرين عاماً وخدمت في عهد أربع ادارات وقد أمضيت معظم ذلك الوقت في العمل على قضايا شرق أوسطية، والقول إننا لم نول اطلاقاً اهتماما كافياً لما ينطوي عليه تحقيق انفتاح بعض الأنظمة السياسية المتجمدة على المدى الطويل من أهمية خاصة في العالم العربي، هو انتقاد منصف لجميع جهودنا خلال تلك السنوات» ويضيف أن تحقيق الانفتاح السياسي «ليس مجرد مسألة قيم أمريكية أو ضمان حقوق الإنسان الأساسية... إنه أيضاً مسألة مصالح أمريكية واقعية» ثم يقول إن «الاستقرار ليس ظاهرة جامدة لا متغيرة، والأنظمة التي لا تجد سبلاً للتكيف مع تطلعات شعوبها إلى المشاركة ستصبح أنظمة هشة قابلة للاحتراق» ثم يؤكد بعد ذلك أن الشرق الأوسط «لا يتمتع بأي حصانة من هذه الحقيقة تميزه عن أي جزء آخر في العالم» وان بعض الأنظمة العربية ستجد صعوبة في التغيير «وقد لا يتقدم بعضها إلى الحد الكافي بالسرعة الكافية وقد لا يبذل بعضها محاولة جاهدة على الإطلاق وهذه هي الأنظمة التي يرجح انضمامها أكثر من غيرها إلى صفوف الدول الفاشلة حول العالم» ثم يشير بيرنز إلى أن الرئيس بوش يعتقد انه «من مصلحتنا جداً في الأمد الطويل أن ندعم التغيير الديموقراطي» مؤكداً أن هذا التغيير ليس «مجرد تغيرات سطحية أو تجميلية أو تغيرات يتم تأجيلها بشكل مستمر... بل هي تغير حقيقي». وفي سبيل تحقيق هذا «التغير الحقيقي» أعدت إدارة الرئيس بوش برامج مفصلة ضمن «مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط» وهي برامج تندرج تحت عناوين الاصلاح السياسي والاصلاح الاقتصادي والاصلاح التعليمي. إدارة الرئيس بوش ترى أن الخطر الرئيسي على أمن ومصالح الولايات المتحدة هو «الارهاب الدولي» او بعبارة أكثر صراحة هو «الإرهاب الإسلامي» لذلك فهي عازمة على تغيير البيئة التي تعتقد أن هذا الإرهاب يزدهر فيها.

تغير المعادلات

إن الخلل القائم حاليا في العلاقات السعودية الامريكية هو نتاج تغير المعادلات السياسية الدولية والإقليمية تغيرا جذريا.. فقد سقط الاتحاد السوفييتي وزال خطر الشيوعية، واندثر القوميون العرب، وبرزت الجماعات الإسلامية، وزال نظام صدام حسين، وايران تحت الاحتواء الأمريكي. والعراق ونفطه تحت الاحتلال الأمريكي، فيما يتنامى خطر «الإرهاب الإسلامي» الذي وصل الأراضي الأمريكية.. إن كل هذه المتغيرات لا بد وأن تغير المبادىء التي قامت عليها السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط منذ عهد الرئيس إيزنهاور وهو العهد الذي بدأت فيه الشراكة الأمريكية السعودية.. ووسط هذه المتغيرات الجذرية لم تعد السعودية ركيزة أساسية من ركائز السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بقدر ما هي ساحة تغيير. لقد انخفضت القيمة الإستراتيجية للدور السياسي السعودي وإن استمر النفط في الحفاظ على أهميته غير أنه فقد قيمته ـ وسط هذه المتغيرات ـ كأداة سياسية مؤثرة في العلاقات الأمريكية السعودية، ويمكن للنفط العراقي أن يحد كثيرا من أي «استخدام سياسي» للنفط السعودي لقد تغيرت المعادلات ويجري الآن صياغة معادلات بديلة. إن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى استخدام الأراضي السعودية لتأمين تواجدها العسكري أمام «الاندفاع» القطري و«الاستعداد» الكويتي و«التبرع» البحريني هذا في حال الانسحاب من العراق.

إعادة صياغة

إن السعودية في وضع لا تحسد عليه إطلاقا، وتحتاج المملكة إلى إعادة صياغة سياساتها الداخلية والخارجية للتأقلم مع المتغيرات الدولية والإقليمية. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا تملك المملكة من أدوات التغيير؟ على المستوى الداخلي «فأهل مكة أدرى بشعابها» لكن المؤكد هو أن المسافة الفاصلة بين الشأن الداخلي والشأن الخارجي تقلصت كثيرا وأعتقد أن صياغة سعودية رسمية وشعبية لمشروع تطوير سياسي حقيقي في المملكة أفضل بكثير من الاكتفاء بمقاومة مشروع الإصلاح الأمريكي دون تقديم بديل، فلن يكون في مقدور السلطات السعودية مواجهة الضغط الأمريكي دون مشاركة فاعلة تلقائية من الشعب السعودي ذاته.

أما على الصعيد الخارجي فليس بامكان السعودية إحياء الشيوعية فزيارة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي إلى موسكو مؤخرا والزخم الذي صاحب تلك الزيارة، وحاجة روسيا إلى «الأموال السعودية» لن يكفي لعودة الحرب الباردة التي تؤدي إلى استعادة المملكة أهميتها الاستراتيجية السابقة حتى لو انضمت روسيا إلى منظمة المؤتمر الإسلامي. ولا يمكن إعادة عبدالناصر إلى حكم مصر ولا يكفي عرقلة الاعتراف العربي بمجلس الحكم العراقي لإجبار الولايات المتحدة على التراجع عن سياساتها تجاه الشرق الأوسط. إن الأوراق المتاحة أمام السعودية لموازنة علاقاتها مع الولايات المتحدة غير مؤثرة فالأنظمة العربية جميعها وبلا استثناء تتسابق لدرء الغضب الأمريكي، ودول الخليج التي كانت تتبع المملكة أصبحت تجتهد في «التماس العذر من الشقيقة الكبرى» بعد أن كسرت قطر الحاجز النفسي في استقلالية القرار، كما أن التيار الشعبي العربي الأقوى في معاداته للولايات المتحدة هو التيار الإسلامي لكن المملكة تدرك أنه من الخطورة بمكان استمرار دعم هذا التيار واستخدامه في هذه الفترة بالذات كما فعلت مع القوميين العرب، فهذا التيار ليس تنظيريا ويصعب التحكم فيه. وهكذا فليس امام المملكة سوى مكانين للتحرك والمناورة بعيدا عن شؤونها الداخلية.. العراق وواشنطن «فالاموال السعودية» يمكن أن تلعب دورا مهما هناك!

حساب النتائج

أما من جانب الولايات المتحدة فإن إدارة الرئيس بوش لا بد أنها تدرك الآن بعد تجربتها القصيرة في العراق أن «الحماس» عند صياغة الخطط والبرامج ورسم السياسات لا يكفي لضمان تحقيق الاهداف. بل قد يتسبب الحماس في الصياغة إلى اندفاع غير محسوب عند التنفيذ.. إن سهولة إسقاط نظام صدام حسين لا تعني أن إعادة بناء العراق وتحويله إلى «الدولة النموذج» أمر سهل بدوره.. كما أن القدرة على «فرض» الإصلاح السياسي لا تعني أن النتائج سوف تكون مذهلة حتما. أليست استراتيجية الرئيس بوش موجهة أساسا للتعامل مع «أدوات ونتائج» السياسة الأمريكية في السنوات السابقة! إن صدام حسين وطالبان وبن لادن أيضا كانوا في يوم ما أدوات أمريكية. في يناير عام 1956 طالبت بريطانيا الولايات المتحدة اتباع سياسة متشددة ضد السعودية وقد تم عقد عدة اجتماعات في واشنطن بين مسؤولين بريطانيين وأمريكان لمناقشة هذه المسألة.. وتعليقا على الإلحاح البريطاني كتب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى مذكرة إلى رئيسه قال فيها:

The British desire to show firmness is probably shared by many people. our view is that we should be careful not to exert more pressure than the traffic will bear.

«ربما يشارك اناس كثيرين الرغبة البريطانية في التشدد. وجهة نظرنا اننا ينبغي أن نكون حذرين، فلا نمارس ضغطا أكثر مما يمكن تحمله». انني أعتقد أن الولايات المتحدة بحاجة اليوم إلى التمعن جيدا في محتوى تلك المذكرة.. فلا يبدو أن أحدا يحسب النتائج المحتملة.

أواخر عهد الملك عبد الله

في 17 يناير 2015، قبيل وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز بأيام، قام السناتور الأمريكي ورئيس لجنة القوات المسلحة في الكونگرس جون مكين، بزيارة لمنطقة الشرق الأوسط، ومن بينها السعودية، حيث التقى بثلاثة أمراء هم ولي العهد الأمير سلمان، وخالد بن بندر رئيس الاستخبارات، والأمير متعب بن عبد الله رئيس الحرس الوطني.[2]

عهد الملك سلمان

الملك سلمان في استقبال الرئيس الأمريكي باراك اوباما وقرينته للسعودية لتقديم العزاء في وفاة الملك عبد الله، 27 يناير 2015.
وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في لقاء بنظيره الأمريكي ركس تلرسون، أثناء زيارة الجبير لواشنطن، 13 يناير، 2018.[3]

في 27 يناير 2015 وصل الرئيس الأمريكي باراك اوباما للعزاء في وفاة الملك عبد الله.[4] صاحبه في الزيارة وزيرا الخارجية الجمهوريان السابقان، جيمس بيكر وكوندوليزا رايس.


العلاقات السياسية

الدور الأمريكي في انقلاب 2008

في اغسطس 2009، أكدت مصادر سعودية شبه رسميّة صحّة الخبر الذي نشرته الفايننشيال تايمز البريطانية في يوليو 2009، والمتعلق بمحاولة الأمير بندر بن سلطان القيام بانقلاب على الملك الملك عبد الله ،ونقلت الفايننشيال تايمز البريطانية تاكيد الخبر لشبكة الملتقى بقولها إن الخبر (صحيح، ولكنه قديم) ويعود الى الشهور الأخيرة من عام 2008م.[5]

وأضافت بأن الهدف لم يكن انقلاباً عسكرياً على الملك عبدالله، بل على النظام بمجمله، وأن غرضه كان إيصال بندر الى كرسي الحكم، وليس لإيصال أبيه أو أعمامه السديريين.

وتؤكد المصادر السعودية ذاتها، بأن الإستخبارات الروسية هي من اكتشف خيوط المحاولة الإنقلابية، وأبلغ الإستخبارات عنه. ويقال بأن العلاقات مع روسيا قد توطدت منذ الإطاحة ببندر، رغم أن الصفقة العسكرية التي عقدها الأخير مع موسكو (شراء طائرات هيلوكبتر حربية وغيرها) قد سبق للملك أن أوقفها وألغاها.

وأضافت المصادر بأن ساحة الإنقلاب كانت في الجيش، وبالتحديد في قاعدة الرياض الجوية، وليس في الحرس الوطني، كما تردد، وأن الذين اعتقلوا لم يكونوا من الحرس الوطني، بل قيادات كبيرة في الجيش. ويشار هنا بصورة أكيدة الى الى ازاحة عدد من الضباط الكبار في الإستخبارات العسكرية وفي سلاح الطيران كما في مواقع أخرى، في الفترة التي سبقت تعيين الفريق الركن حسين عبدالله قبيل في منصب نائب رئيس هيئة الأركان في 14 شباط الماضي، بعد أن ترك المنصب فارغاً منذ إحالة سلطان بن عادي المطيري على التقاعد في نهاية أغسطس 2007م. وحتى الآن لا تتوافر معلومات عن عدد الضباط المعتقلين على خلفية الإنقلاب، ولا عن مصيرهم.

ويقول مطلعون بأن محاولة بندر جاءت باعتماده على صلات سابقة له بضباط كبار في الجيش خدموا معه، أو تعلموا معه في كليات غربية بعد أن اتهم باستخدام عناصر من القاعدة والوهابية المتطرفة لتحقيق أهداف انقلبت في غير صالح واشنطن والرياض، وبينها دعم القاعدة في العراق، وفتح الإسلام في لبنان.

وحتى الآن، فإن مصير بندر غير معلوم، والمرجح أن حياته السياسية انتهت. وقيل أنه قيد الإقامة الجبرية. لكن اختفاءه عن الساحة والأضواء كافة، ونسيان حتى منصبه كمستشار للأمن القومي يؤكد أن للأمر تفسير آخر.

ويميل الأمراء السعوديون الكبار، وبينهم الملك، حسب المصادر السعودية شبه الرسمية، الى أن ما قام به بندر بن سلطان لم يكن ليتم إلا بتفاهم ما مع جهات في الإدارة الأميركية. والسؤال الذي يشغلهم: كيف تكتشف المخابرات الروسية العملية الإنقلابية، في حين لا يتم كشفها من قبل الأميركيين المتواجدين عبر استخباراتهم (السي آي أيه والإف بي آي) في 36 مقراً رسمياً يتواجدون فيه في المدن السعودية؟

والمعلوم ان معظم المحاولات الإنقلابية العسكرية في الجيش والتي كانت تجري في السعودية منذ الستينيات الميلادية الماضية، جرى إحباطها من خلال الأميركيين أنفسهم.

ولماذا هذه المرّة كان الأمر مختلفاً، رغم وجود آلاف الأميركيين العسكريين من ضباط ومدربين في كل القواعد العسكرية السعودية؟!

العلاقات الاقتصادية

العلاقات العسكرية

المسؤولون الرسميون الأمريكان

  • السفير- فورد فراكر
  • نائب رئيس البعثة - مايكل گفولر
  • مستشار الشؤون القنصلية — كاثلين رايلي
  • مستشار الشؤون الاقتصادية — روبرت مرفي
  • مستشار الشؤون السياسية - ديڤد روندل
  • مستشار الشؤون العسكرية السياسية - كلارنس هدسون
  • مستشارة الشؤون العامة—سوزان زياده
  • القنصل العام بالظهران - جون كينكانون
  • القنصل العام بجدة - تاتيانا گفولر

انظر أيضاً


المصادر

This article contains material from the US Department of State's Background Notes which, as a US government publication, is in the public domain.