عبد الرحمن الكواكبي

عبد الرحمن الكواكبي
وُلـِد حلب، سوريا
توفي القاهرة، مصر

عبد الرحمن الكواكبي (و. 1854 - ت. 1902) من رواد مفكري النهضة العربية. كتابه طبائع الإستبداد من العلامات الفارقة على تطور فكر القومية العربية.

النشأة

عبد الرحمن الكواكبي.

هو عبد الرحمن أفندي ووالده الشيخ أحمد أفندي من آل الكواكبي ومن المدرسين في الجامع الأموي الكبير والمدرسة الكواكبية ، وآخر وظيفة كان فيها عضوية مجلس إدارة ولاية حلب. وبيتهم من بيوتات المجد والشرف (خاندان) المشهورة في الأستانة العلية و حلب . ولد السيد عبد الرحمن أفندي الكواكبي في 23 شوال سنة 1265 وتعلم القراءة والكتابة في المدارس الأهلية الابتدائية ، ثم استحضر له أستاذ مخصوص عَلَّمَه أصول اللسانين التركي والفارسي . وتلقى العلوم العربية والشرعية بمدرسة الكواكبية المنسوبة لأُسرته ، وأخذ الإجازات من علمائها ودَرَّس فيها . وهو يقرأ ويكتب بالعربية والتركية . وقد وقف على العلوم الرياضية والطبيعية وبعض الفنون الجديدة بالمطالعة والمراجعة . ومن تأليفه تحرير الجريدة الرسمية ( فرات ) بقسميها التركي والعربي في سنة 1292 إلى سنة 1297 . ومنه جريدة الشهباء التي أنشأها في حلب سنة 1293 وكان هو المحرر لها .

خدمته ووظائفه

دخل في وظائف الدولة رسميًّا في الثامنة والعشرين من عمره وفي سنة 1293. عُيِّنَ محررًا رسميًّا للجريدة الرسمية بقسميها ( كأنه كان في سنة 1292 يحررها بصفة غير رسمية للاختبار ) براتب قدره ثمانمائة قرش . وفي 5 ربيع الأول سنة1295 عُيِّن كاتبًا فخريًّا للجنة المعارف التي تأسست في ولاية حلب (يعنون بالفخري ما كان بدون راتب ) . وبعد ثلاث سنين اتسعت دائرة اللجنة وزيد فيها قسم النافعة ( الأشغال العمومية ) وعين عضوا فخريًّا فيها. وفي 2 جمادى الأولى تعين محررًا للمقاولات ( مسجل المحكمة ) وفي 16 ربيع الثاني سنة 1298 صار مأمورالإجراء ( رئيس قلم المحضرين ) في ولاية حلب. وفي 7 رمضان سنة 1298 عين عضوًا فخريًّا للجنة (قومسيون) النافعة. وفي 22 ذي القعدة سنة 1299 عين بأمر نظارة العدلية (الحقانية) في الآستانة عضوًا في محكمة التجارة بولاية حلب مع البقاء في وظيفته الأولى (محرر المقاولات) وفي سنة 1303 انفصل من هذه الأخيرة وفي 4 رجب سنة 1304 عاد إلى وظيفة مأمور الإجراء، وفي 23 رجب سنة 1310 عُيِّنَ رئيسًا للبلدية.

إلى هنا انتهت وظائف الترجمة الرسمية الأولى، وجاء في الثانية بعد ذكر ما تقدم أنه في 29 من ربيع الأول سنة 1312 عين رئيس كُتّاب المحكمة الشرعية في حلب (باشكاتب) بقرار من مجلس النواب في دار السعادة. وفي 28 ذي الحجة سنة 1312 عين ناظرًا ومفتشًا لمصلحة انحصار الدخان (الريجي) المشتركة مع نظارة المالية في ولاية حلب ومتصرفية الزور، وفي أثناء ذلك اتفق مع إدارة المصلحة وتعاقدا على أن يستلم من المصلحة جميع ما تقدمه من الدخان (التبغ) إلى الولاية المتصرفية بزيادة كثيرة عن القدر المعتاد وجميع ما يزرع فيهما منه، ويتولى بيعه، وتعهد في إزاء ذلك بمبلغ من المال يزيد عما كانت تبيع به المصلحة دخانها زيادة كبيرة.

وفي غضون ذلك استقال من رياسة كُتَّاب المحكمة الشرعية ثم في 9 ذي الحجة سنة 1314 أعيد إليها وعين رئيسًا للجنة البيع والفراغ (أي استبدال الأراضي الأميرية من أصحاب اليد بالمال) وفي 7 ربيع الأول عين رئيسًا أولاً لغرفة التجارة في حلب ورئيسًا لمجلس إدارة المصرف الزراعي، وفي 22 رجب عين قاضيًا شرعيًّا لراشيا التابعة لولاية سوريا.

كانت مدينة حلب في وضع أحسن وذلك بفضل رائد النهضة العربية والاجتماعية والوطنية، والمناضل الصنديد ضد العهد الحميدي الاستبدادي، ومثال العالم العامل والساعي وراء النهوض بالأمة واصلاحها وصلاحها عبد الرحمن الكواكبي (1849-1902) فآل الكواكبي أسرة حلبية مشهود لها بالفضل والعلم، ونبغ منهم جماعة كبيرة من علماء الشرع ورجال الادارة ومنهم عبد الرحمن. كان أبوه أحمد الكواكبي أحد مدرسي الجامع الأموي في دمشق. تلقى علومه الابتدائية في المدرسة الكواكبية احدى مآثر جدوده. أتقن العربية والتركية وبعض الفارسية. ووقف على العلوم الرياضية والطبيعية، وتبحر في تاريخ الأدب والثقافة والأدب التنويري. كان ميالا منذ حداثته الى العمل الثقافي والنشاط الاجتماعي. دخل في خدمة الحكومة باعتبار نفسه من مواليد 1849 (وهو في الأصل سنة 1854- ومن هنا الاختلاف في تحديد تاريخ ميلاده) فتقلب في عدة مناصب علمية وادارية وحقوقية، واشتغل في تحرير جريدة "الفرات" الرسمية. ولكنه عجز عن التعبير عن أفكاره الوطنية وآرائه الاصلاحية في الجريدة الرسمية، فتنازل عن العمل فيها ليؤسس جريدته "الشهبا".

صحيفة "الشهباء" (لقب مدينة حلب – المؤلف) ثاني جريدة في المدينة تأسست حسب الطرزي – في غرة آيار (مايو) 1877، ووفقا لمحمد دكروب سنة 1878. كان صاحب امتيازها هاشم العطار وطبعت في "المطبعة العزيزية. تواقت ظهورها مع الحرب الروسية التركية فكانت تنشر أخبارها مع سائر الحوادث الداخلية والخارجية بروح انتقادية، مما دعا كامل باشا والي حلب الى تعطيلها منذ العدد الثاني. وبعد وقت قصير عاودت الظهور، فاستلم ادارة تحريرها الكواكبي وميخائل أنطون صقال (1824-1885) الشاعر والفيلسوف الذائع الصيت في الأوساط المسيحية الحلبية. ولكن المحررين الجديدين بدوأ اكثر جرأة وإقداما من هاشم العطار في عين الوالي "المفطوم على عداوة الحرية" – كما يقول الكواكبي – فعلقها مرتين، وأمر بحجز المطبعة في التعطيل الثالث، وتوقفت الجريدة عن الصدور نهائيا بعد العدد الخامس عشر. ومن المعروف أن الكواكبي اشتكاه الى المحكمة الابتدائية التي برأت ساحة الجريدة، لكن كمال باشا لم يصدق طبعا على حكم البراءة.

وفي 25 تموز (يوليو) 1879 أنشأ الكواكبي بدلا من الشهباء صحيفة أسبوعية أطلق عليها اسم "الاعتدال" فكانت اسمها على مسمى، وكان نصفها مطبوعا باللغة العربية والآخر بالتركية تعميما لفوائدها بين سكان حلب الذين يغلب فيهم العنصر التركي على سواه. ومما جاء في المقالة الافتتاحية ما يلي: "على أن الاعتدال هي الشهباء من كل حيثية" وقد أخذت على عاتقها "نشر حسنات الاجراءات واعلان سيئات المأمورين وعرض احتياجات البلاد الى أولي الأمر، وكل ما يقتضيه تهذيب الأخلاق وتوسيع دائرة المعارف من أبحاث علمية وسياسية وغيرها".

والقليل الذي نعرفه عن جريدة "الاعتدال" يكفي لاعطاء صورة واضحة المعالم عن العهد الحميدي الجائر والأجواء الخانقة السائدة يومذاك. فقد تعرضت الجريدة لملاحقات ومضايقات الحكومة الدائمة، فانطفأ سراج حياتها. لأن صاحبها المشهور بحرية الضمير وحب الوطن "كان ينبه الحكومة الى مواضع الخلل بكتاباته الشائقة وارشاداته الصائبة" كما قال الطرزي.

وبعد حرماته من جريدة "الاعتدال"، تولى الكواكبي – بوصفه نقيبا للأشراف - رئاسة المحكمة الشرعية، وأصبح عضوا في محكمة التجارة لولاية حلب، فرئيسا لغرفة التجارة، ومديرا للبنك الزراعي. غير أن حبه للاصلاح وحرية القول حال دون استمراره في المناصب الحكومية الرفيعة، فاستقال عنها عام 1868. وانكب عبد الرحمن الكواكبي لجمع المادة اللازمة لنشر كتاب يعري فيه مظالم السلطات التركية، ويدافع فيه عن المظلومين والمستضعفين ضد الموظفين والولاة الأتراك. وفي العام ذاته سجن الكواكبي بتهمة ملفقة حول الاشتراك في محاولة اغتيال كامل باشا الوالي العثماني.

وانطلقت حملة جماهيرية لاطلاق سراحه، فأفرج عنه بعد أيام. وعزلت السلطات التركية الوالي كامل باشا، واضطر الوالي الجديد الى تعيين الكواكبي رئيسا لبلدية حلب. وتابع الكواكبي نضاله دفاعا عن الضعفاء من العرب والأتراك معا حتى سماه الحلبيون "أبا الضعفاء" . وفي أواخر التسعينيات اصطدم الكواكبي مجددا بالوالي التركي عارف باشا الذي اشتهر باستبداده وحبه للرشوة، والذي وجه اليه تهمة رئاسة جمعية سرية معادية للدولة والإسلام، فضلا عن الاتصال بدولة أجنبية. وسجن الكواكبي من جديد، وحوكم وحكم عليه بالاعدام. بيد أن محكمة الاستئناف في بيروت لم تأبه لخطورة شهادات الزور المتقدمة بقدر ما راعت قضية الجماهير الشعبية في حلب. ولذلك أصدرت حكما ببراءته. ولكن جواسيس السلطان كانوا على معرفة بالعلاقة الوثيقة بين الكواكبي من جهة وبين أبناء الجالية الايطالية في حلب أعضاء جمعية "ايطالية الفتاة" تلك العلاقة التي جعلت بعض الكتاب العرب يجزمون بأن الرائد العربي البارز كان عضوا في أحد محافل الكربوناري.

وبعد أن تابعت السلطات التركية التضييق عليه ، هاجر الكواكبي سرا من بيروت الى مصر سنة 1899 (أو على أبعد تقدير 1900)، ثم خرج منها سائحا فطاف جزيرة العرب وتحول الى الهند والصومال والحبشة وغيرها. وبعد عودته الى مصر عام 1902، فاجأته المنية، بعد أن كان جواسيس السلطان عبد الحميد قد دسوا له السم في فنجان القهوة. كما تؤكد المراجع العربية.

ان فرضية اغتيال عبد الرحمن الكواكبي في الثامنة والأربعين من عمره لم تولد من فراغ، فهذا ما تؤكده الحقائق التاريخية عن الاغتيالات المماثلة التي وقعت ابان العهد الحميدي (مثال اغتيال رزق الله حسون وغيره). هناك اعتبار بالغ الدلالة وهو عدم وجود أية مخطوطات للكواكبي في غرفته، الأمر الذي يدلل ولا شك على زيارة أناس غرباء لكن عملاء السلطان وجواسيسه الذين سطوا على كتاباته ومخلفاته (وهذا ما حدث ايضا مع أديب اسحاق كما أسلفنا). ولعل شخص الكواكبي كمناضل حر قولا وعملا خير برهان على صحة هذا الافتراض، اذ كان قد ألف كتبا كثيرة لم ينشر منها في حياته سوى "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" و"أم القرى" وهما دعوة جريئة الى الحرية والاصلاح. ولكن لأنهما قد نشرا في مطلع القرن العشرين ولهما علاقة مباشرة بالنهضة العربية القومية السياسية، ارتأينا تحليل الفكر الكواكبي الى كتابنا القادم.

ولكن، تبقى كلمة لابد منها وهي أن مدينة حلب بعد جرمانوس فرحات تبوأت مركزا لائقا بوصفها مسقط رأس عبد الرحمن الكواكبي أبرز رواد النهضة العربية المسلمين، والراية الاسلامية الأولى في حركة التنوير العربي، وبوصفها مسرحا لنشاطه فكان فيها قطبا عظيما من أقطاب الرأي ومن الأعلام البارزين في الشرقة عامة. بينما كانت حلب عينها غارقة في سبات من الجهل المطبق بعظمة الأعمال الجليلة التي قام بها ابنها البار وبالأفكار السامية التي أشاعها – كما يقول إيلي خدوري. وكمصداق لقولنا نشير الى أن حلب لم تشهد أي تحرك فكري – ثقافي يستحق الذكر – اللهم سوى "جمعية النشأة التهذيبية" التي تأسست سنة 1907، وظلت مستترة حتى اعلان الدستور وقيام انقلاب تركية الفتاة.

رتبه ووساماته

في 19 رجب سنة 1297 وجهت إليه نيابة دروس أدرنة العلمية. وفي 25 ربيع الثاني وجه إليه تدريس هذه الرتبة. وفي 22 ذي الحجة سنة 1312 وجهت إليه مولوية أزمير المجردة . وفي 28 من جمادى الثانية أعطي الوسام المجيدي من الدرجة الثالثة. إن من ينظر في هذه الترجمة الرسمية ولم يكن عارفًا بالمترجم ولا بسيره في هذه الوظائف العلمية الأدبية، الإدارية القلمية، الحقوقية التجارية، الزراعية المالية يقول: إن صاحبها من أوساط الناس لا من أفراد الرجال الذين يعدون من علماء الاجتماع وأركان العمران، ومهذبي الأمم كما وصف في فاتحة القول، ولكن من يعلم أنه في كل عمل منها آية بينة في إتقان العمل، وحكمة التصرف، يحار كيف يحسن رجل هذه الأعمل المتباينة. وإذا وقف بعد ذلك على بعض سيرته في العزيمة وقوة الإرادة وعلم ما كانت تسمو إليه نفسه، ويرمي إليه فكره، وقرأ بعض ما جادت به قريحته الوقادة، وفكرته النقادة، علم أنه من أفراد الزمان، وأدرك ماذا كان يرجى منه لو ساعد الزمان والمكان، وإننا نلم بشيء مما وقفنا عليه من سيرته في مدة صحبتنا له في هاتين السنتين اللتين أقامهما في مصر.

أدبه وأخلاقه

توفيت والدة الفقيد وهو في أول سن التمييز فعهد والده بتربيته إلى خالة له (من بيوتات أنطاكيا) من نوابغ النساء اللواتي قلما يعرف مثلهن الشرق، لا سيما في هذا الزمان، كانت تعرف بالعقل والكياسة والدهاء والأدب البارع فنشَّأته على أدب اللسان والنفس فكان من أخلاقه الراسخة الحلم والأناة والرفق والنزاهة والعزة والشجاعة والتواضع والشفقة وحب الضعفاء. وقد كنت ككل من عرفه معجبًا بأناته حتى كنت أقول : إنني أراه يتروّى في رد السلام ويتمكث في جواب من يحييه عدة ثوان ! ولا أكاد أعرف أخلاقًا أعصى على الانتقاد من أخلاقه ولقد كان لسان الحال يصفه بقول ابن دريد:

يعتصم الحلم بجنبي حُبْوتِي إذا رياح الطَّيْش طارت بالحبي
لا يطبيني طمع مدنّس إذا استمال طبع أو اطَّبي
والحلم خير ما اتخذت جُنَّة وأنفس الأبراد من بعد التقى {{{2}}}

علمه ومعارفه

نزيد على ما جاء في السيرة الرسمية أن الفقيد درس قوانين الدولة درسًا دقيقًا، وكان محيطًا بها يكاد يكون حافظًا لها وله انتقاد عليها يدل على دقة نظره في علم الحقوق والشرائع، ولهذا عينته الحكومة في لجنة امتحان المحامين. ولا أعلم أن برّز في فن أو علم مخصوص فاق فيه الأقران ولكنه تلقى ما تلقاه من كل فنُ يفْهَم، وعَقِل بحيث إذا أراد الاشتغال به عملاً أو تأليفًا أو تعليمًا يتسنى له أن ينفع نفعًا لا ينظر من الذين صرفوا فيه أعمارهم. ألا تراه كيف ألف كتابًا في طبائع الاستبداد لم يكتب مثله فيلسوف في الشرق ولا في الغرب فيما نعلم وكما سمعنا من كثيرين لهم اطلاع واسع في مؤلفات فلاسفة الغرب وكتابه. على أن الفقيد لم يتعلم شيئًا من علوم النفس والأخلاق والسياسة وطبائع الملل والفلسفة في مدرسة، وإنما عمدته في هذه العلوم ما طالعه فيها من المؤلفات والجرائد التركية والعربية. أرأيت عقلاً يتصرف هذا التصرف الذي يفوق فيه الحكماء والفلاسفة في علم لم يأخذه بالتلقي وهو أصعب العلوم البشرية وأعلاها. كيف يكون أثره لو تربى وتعلم في مدارس منتظمة كمدارس أوروبا الجامعة وكان عنده من مواد العلم ومعرفة الأمة والحكومة بقيمة صاحبه مثلما في أوروبا. وبالجملة إنك لم تكن تذاكره في شيء ولا علم إلا ويشاركك فيه على بصيرة.

عمله ووجهته

كانت وجهة الفقيد في كل عمل عمله أو حاوله هي المنفعة العامة فأول شيء ولاَّه وجهه هو إنشاء جريدة في بلاد لم تكن تعرف الجرائد الأهلية ولم تكن بضاعة الكتب رائجة فيها ولو كان في بلاده حرية للجرائد لكان في (الشهباء) الأثر المحمود ، ولكن البلاد التي تحكم بالاستبداد كالأرض الموبوءة لا تحيا فيها الجرائد، ولذلك لم تنجح جريدة من الجريدتين اللتين أنشأهما لأن نفسه الأبية لم تستطع إرضاء الحكام فيما يكتب . وهكذا كان شأنه في وظائفه: ولي رياسة البلدية فكان أول عمل عمله للبلدان أن وضع على طرق المدينة من خارجها سلاسل من الحديد تمنع الجمال التي كانت تسدّ الطرقات وتمنع المارين من التردد في حوائجهم وجعل لهذه الجمال التي تُحْمَل إلى البلد ومنه مكانًا أو أمكنة مخصوصة ، وكانت مصلحة (القبان) قد حصرت في واحد من الأغنياء يأخذها من البلدية بالالتزام ولا يتجاسر على الزيادة عليه أحد لتقربه من الرؤساء فلما علم أن الرئيس الجديد لا يصدّه التقرب إليه عن خدمة المصلحة عرض عليه أربعين ألف قرش أو أكثر يعطيه إياها رشوة كل عام في مقابلة سكوته عنه فلم يقبل الفقيد أن يأخذ لنفسه شيئًا ولكنه قبل أن يكون المبلغ إعانة لصندوق البلدية فعلم الوالي بهذه الزيادة في الصندوق وسعى في أن يكون له سهم منها فأبى عليه الفقيد ذلك فعزله. وهكذا كانت سيرته مع الحكام في كل وظائفه أو جلها: يتصدى للإصلاح فيصدونه عنه لأجل منفعة مالية أو لتقليل نفوذه فلا يتم له عمل.

وكان أول عمل عمله في إدارة مجلس البلدية هو قطع عرق الرشوة من العمال الذين يباشرون الأعمال والمصالح ويسمون الجاويشية ولكنه زاد في راتبهم؛ لعلمه بأن الذي يضطر أكثر العمال إلى الرشوة هو قلة الراتب. وكان من ظلم الوالي بعد عزل الفقيد من رياسة البلدية أن أرجع راتب الجاويشية كما كان وألزم صاحب الترجمة بدفع ما كان زاده لهم في مدته إلى صندوق البلدية كما ألزمه بدفع ما أنفق على سلاسل الحديد التي منع بها الجمال من طرق المدرسة؛ لأن الوالي أمر بإزالتها عقيب عزله ثم عاد فأمر بإعادتها بعد زمن قريب ولكنه لم يعد إلى الفقيد الغرامة التي ظلمه بها. ولما عين رئيسًا لكتاب المحكمة الشرعية كانت المحكمة في أسوإ الأحوال في الصورة والمعنى، فكان ينفق على إصلاحها من جيبه حتى إنه استحضر لها السجوف والأستار من بيته ومنع اختلاط النساء بالرجال إذ جعل لكلٍّ مكانًا ينتظر فيه دوره للتقاضي ورَتَّبَ الأوقات ونظَّم الدفاتر.

وكان صاحب عزيمة قوية لا يهاب حاكمًا ولا يخاف ظالمًا وعزيمته هي التي جنت عليه فقد كان نجح في عمله عندما عين مديرًا ومفتشًا لمصلحة حصر الدخان كما تقدم في السيرة الرسمية حتى وقع النزاع بنيه وبين عارف باشا والي حلب يومئذ فبطل العمل عمل الفقيد في ضبط هذه المصلحة ما عجزت عنه إدراتها العمومية والحكومة جميعًا حتى كانت تخسر في ولاية حلب دون سائر بلاد الدولة، وكان المشتغلون بتهريب الدخان البلدي وبيعه في حلب سبعمائة رجل فعين لهم رواتب ومنعهم من التهريب بحكمة عجيبة وسيأتي مجمل خبره في عداء الوالي عند الكلام على بعض الصعوبات التي لقيها في طريقه.

كانت مدة الاتفاق الأول مع مصلحة حصر الدخان ثلاث سنين فانفصل من إدارة العمل والتفتيش بعد سنتين بالسبب الذي ألمعنا إليه ، ولثقة الفقيد بنفسه واقتداره على العمل ذهب إلى الأستانة بعد عزل عارف باشا من ولاية حلب فعقد اتفاقًا آخر مع المصلحة والحكومة مدته عشر سنين وكان أراد أن يضم إلى ولاية حلب متصرفًا فعقد اتفاقًا آخر مع المصلحة والحكومة مدة عشر سنين وكان أراد أن يضم إلى ولاية حلب ومتصرفية الزور ولايتي بيروت وسورية فلم يرض له ذلك من استشاره من الأقربين فرجع عنه. وقد نجح أيضًا في المرة الثانية ولكن حدثت بعد أربع سنين الفتنة الأرمنية فنهب الأرمن الدخان من عدة بلاد وقتلوا موظفي المصلحة فكان الفقيد يخسر في الشهر بضعة عشر ألفًا من الليرات فتوسل بذلك إلى الآستانة بحل العقد وإبطال الاتفاق فتم له ذلك بعد عناء وخسارة عظيمة ولإخلاصه بحب المصلحة العامة كانت أكثر وظائفه فخرية أي بغير راتب كما عرف من الترجمة الرسمية ويزيد على هذا أنه كان يبذل شيئًا من ماله فوق ما أخذه من راتب بعض الوظائف لأجل ترقية العمل وإتقانه، وهذا خلق لم يعرفه الشرق في هذا العصر.

مشروعاته

طلب من الحكومة عدة امتيازات بأعمال عظيمة لم تكن تخطر لأهل بلاده على بال، منها إنشاء مرفأ في السويدية وطريق حديدي منها إلى حلب. ومنها جلب نهر الساجور إلى حلب لأن ماء المدينة قليل، ولو تم هذا العمل لأحييت به أرض واسعة فكانت جنات وحدائق. ومنها أن عينًا خوارة في سفح جبل بين أرمنان وأدلب قد أغرقت أمواهها تلك الأرض فجعلتها مستنقعات تضر الناس ، ولا يأوي إلى غاباتها إلا الخنزير البري فذهب الفقيد إليها واختبر حال الأرض والعين اختبارًا هندسيًّا زراعيًّا فعلم أنه يمكن جر مائها إلى أدلب القليلة الماء وتجفيف تلك المستنقعات فتصير نافعة وتحيا أرض أدلب ويحيا أهلها فطلب بذلك امتيازًا.

ومنها إنارة حلب وبيره جك ومرعش و أورفه بالكهربائية بواسطة شلال يحدثه من نهر العاصي في محل اسمه المضيق بالقرب من دركوش تابع لجسر الشغور وكان اختبر المكان اختبارًا هندسيًّا فعلم أن إحداث الشلال فيه ممكن. ومنها استخراج معدن نحاس من أرغنه التابعة لولاية حلب. وقد حال دون إعطاء بعض هذه الامتيازات ما يحول كل مصلحة عامة يطلبها الوطنيون كالرشوة ونحوها. وقد كان أعطى امتياز استخراج النحاس واشتغل به ثلاثة سنين ونيف وبعد ذلك أرادت حكومة الولاية إبطاله لأمر ما فأدخلت مع الفقيد في العمل بعض الأجانب وتوسلت بذلك إلى إبطاله.

خدمته للناس وللحكومة

كان اتخذ له مكانًا بين داره ودار الحكومة سماه المركز يأوي إليه وكلاء الدعاوي فكان يؤمه أصحاب الحاجات والقضايا يستشيرون صاحب الترجمة في حل عقد المشكلات، ويستضيئون برأيه في دياجير المهمات، وكان في الغالب يفضل بينهم بالتراضي ويغنيهم عن المحاكمة والتقاضي فإن احتيج في قضية إلى الحكومة يندب له من يراه أهلاً لها من الوكلاء المحامين، وإن كانت عظيمة الشأن أن يندب نفسه ويحاكم المبطل حتى يحق الحق لصاحبه. وقد كان قُصَّادُ ذلك المركز يكادون يزيدون على قصاد دار الحكومة، وكانت الحكومة نفسها تستشيره في الشئون الغامضة تعتمد على رأيه.

مقاومة الحكام له

ورث الفقيد عن سلفه السادة الأمراء علو الهمة وقوة العزيمة وعدم المبالاة بالأخطار فهو من سلالة السيد إبراهيم الصفوي الأردبيلي المهاجر إلى حلب وما حديث الصفوية في الإمارة بمجهول. بهذا كان رحمه الله تعالى لا يهاب الحكام ولا يداريهم مع أن حكومتهم في الحقيقة استبدادية. وهذا هو الذي أحبط أعماله في بلده وذهب بثروته. غَاضَبَ عارف باشا أحد ولاة حلب فأغرى بعض الناس بأن يكتب إلى الأستانة شاكيًا من سيئات الوالي شارحًا لهم فعلم الوالي بذلك فعمل مكيدة لحبس الفقيد وضبط أوراقه وزوَّر عليه ورقة سماها (لائحة تسليم ولاية حلب إلى دولة أجنبية) وطلب محاكمته عليها، وحكمُ القانون في هذه الجريمة الإعدامُ ولكنهم غلطوا في معاملته بالحبس وطلب الاستنطاق غلطًا قانونيًّا ما كان ليخفى على الفقيد فكتب إلى الأستانة كتابة مطولة يظهر فيها أن خروج حكومة الولاية عن حدود القانون هو من دلائل تحاملها عليه وتحريها ظلمه، وطلب أن يحاكم في ولاية أخرى فأجيب طلبه وحُوكم في بيروت فحكم ببراءته وما زال يتتبع الوالي حتى عزل بعد عودته إلى حلب وكان هو أول من بشره بالعزل بواسطة قاضي الولاية ثم إنه أخرجه من حلب بإهانة عظيمة؛ لأنه أوعز إلى أصناف الفقراء الذين كانوا يسمون الفقيد أباهم لنصرته إياهم فاجتمعوا عند داره بهيئات غريبة فترك أهله وخرج كالهارب وسافر إلى الأستانة وتبعه الفقيد ليحاكمه ولكنه لم يكد يصل إليها حتى مات قهرًا.

وكان الشيخ أبو الهدى أفندي الشهير من أعدائه ويقال أن السبب الأول في ذلك إباء الفقيد أن يصدق على نسب الشيخ أبي الهدى هذا، وإن الشيخ أبا الهدى صار نقيب أشراف حلب وكانت هذه النقابة من قبل في آل الكواكبي. ومن آداب الفقيد العالية أنه كان هنا يثني على صفات الشيخ أبي الهدى الحسنة كالمروءة والكرم والذكاء والثبات وقلما كان يخوض بانتقاده إلا مع الخواص الذين يعرفون الحقائق فكانت عداوتهما عداوة العقلاء.

خسر الفقيد بتلك المحاكمة ألوفاً من الجنيهات وخسر أضعافها بإدارة شركة انحصار الدخان للمرة الثانية أيضاً ؛ لأن الحكومة مكلفة بحفظ أماكن الشركة فلما حدثت فتنة الأرمن امتنع الوالي عن إرسال العساكر لمنع نهب الأرمن مال الشركة وخسر بعدم مداراة الحكام غير ذلك من المزارع والأرض منها مزرعة جفتلك جميل باشا الوالي التي اشتراها منه الفقيد فاعتدى عليها زعماء التركمان بإغراء خفي حتى أخذوها ومنها مزرعة جفتلك كانت مستنقعات تابعة للأراضي الأميرية فألف لها شركة وأخذها من الحكومة وجففها فأغرى المغرون بعض عشائر الأكراد بالتعدي على حصته فحاكمهم فحكم لهم عليه بالمساعدة الخفية، وفي أثر ذلك سافر مهاجرًا إلى مصر.

سياسته ورأيه في الإصلاح

لم يكن الفقيد في اشتغاله بخدمة بيته وبلده وحكومته غافلاً عن شؤون المسلمين العامة فقد كان يقرأ الجرائد التركية والمصرية حتى الممنوعة التي كانت تدخل إلى حلب كغيرها بوسائط خفية. ولما هاجر إلى مصر كان أول أثر له فيها طبع سجل جمعية أم القرى وكان يقول: إن لهذه الجمعية أصلاً، وأنه هو توسع في السجل ونقحه ست مرات آخره عند طبعه منذ سنتين ونيف أي عقيب قدومه إلى مصر. وقد قال لنا مرة: إن الإنسان يتجرأ أن يقول ويكتب في بلاد الحرية ما لا يتجرأ عليه في بلاد الاستبداد بل إن بلاد الحرية تولد في الذهن من الأفكار والآراء ما لا يتولد في غيرها. ومن يقرأ الكتاب يظن أن صاحبه صرف معظم عمره في البحث عن أحوال المسلمين وتاريخهم في عقائدهم وعلومهم وآدابهم وتقاليدهم وعاداتهم ومنه يعلم رأي الفقيد في الإصلاح وقد كنا معه على وفاق في أكثر مسائل الإصلاح حتى إن صاحب الدولة مختار باشا الغازي اتهمنا بتأليف الكتاب عندما اطلع عليه وربما نشير إلى المسائل التي خالفنا الفقيد فيها في هامش الكتاب عند طبعه وأهمها الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية.

أما آراؤه السياسية فحسبنا منها كتاب طبائع الاستبداد الذي يكاد يكون معجزة للكتاب السياسيين . وقد زعموا أن معظم ما في هذا الكتاب مقتبس من كتاب لفليسوف إيطالي في الظلم . ومن كان له عقل يميز بين أحوال الإفرنج الاجتماعية وأحوالنا وذوقهم في العلم وذوقنا يعلم أن هذا الوضع وضع حكيم شرقي يقتبس علم الاجتماع والسياسة في حالة بلاده حتى كأنه يصورها تصويراً ، وإذا لاحظ مع ذلك أن هذا الكتاب كان مقالات مختصرة نشرت في المؤيد ثم مدها صاحبها مد الأديم العكاظي وزاد فيها فكانت كتابًا حافلاً يتجلى له علمه الأول بصورة أوضح وأجلى ، وإذا علم بعد هذا كله أنه نقحه بعد الطبع فحذف منه قليلاً وزاد فيه كثيراّ يعلم علم اليقين أن ينبوع علم هذا الرجل صدره وأنه كان يزداد في كل يوم فيضاناً وتفجيراً، نعم إن قال في مقدمته : إن بعضه مما درسه ، وبعضه مما اقتبسه، وإننا نعلم أنه لم يولد إنسان عالمًا ولكن فرقاً عظيماً بين من يحكي كلام كغيره كآلة الفوتغراف وبين من يُحَكِّم عقله في علوم الناس فيأخذ ما صح عنده وينبذ ما لا يصح . من كان له مثل هذا العقل الحاكم في كليات العلوم فهو الفيلسوف إن كان اجتهاده هذا في العلوم العقلية والكونية وهو الإمام إن كان اجتهاده في العلوم الدينية.

وجهته الأخيرة

وجه همته أخيرًا إلى التوسع في معرفة حال المسلمين ليسعى في الإصلاح على بصيرة فبعد اختباره التام لبلاد الدولة العلية تركها وعربها وأكرادها وأرمنها، ثم اختباره لمصر ومعرفة حال السودان منها ساح منذ سنتين في سواحل إفريقية الشرقية وسواحل آسيا الغربية، ثم أتم سياحته في العام الماضي فاختبر بلاد العرب التي كانت موضع أمله أتم الاختبار فإنه دخلها من سواحل المحيط الهندي وما زال يوغل فيها حتى دخل في بلاد سوريا واجتمع بالأمراء وشيوخ القبائل وعرف استعدادهم الحربي والأدبي وعرف حالة البلاد الزراعية وعرف كثيراً من معادتها حتى إنه استحضر نموذجًا منها. وقد انتهى في رحلته الأخيرة إلى كراجي من موانئ الهند وسخر الله له في عودته سفينة حربية إيطالية حملته بتوصية من وكيل إيطاليا السياسي في مسقط فطافت به سواحل بلاد العرب وسواحل إفريقيا الشرقية فتيسر له بذلك اختبار هذه البلاد اختبارًا سبق به الإفرنج ، وكان في نفسه رحلة أخرى يتم بها اختباره للمسلمين وهي الرحلة إلى بلاد الغرب ولكن حالت دونه المنية التي تحول دون كل الأماني والعزائم.

وفاته

توفي في القاهرة متأثرا بسم دس له في فنجان القهوة عام 1902حيث دفن فيها.

رثاه كبار رجال الفكر والشعر والادب في مصر ونفش على قبره بيتان لحافظ إبراهيم:

هنا رجل الدنيا هنا مهبط إلتقى هنا خير مظلوم هنا خير كاتب
قفوا وأقرأوا أم الكتب وسلموا عليه فهذا القبر قبر الكواكبي

مؤلفاته

طبائع الإستبداد، انقر على الصورة لتنزيل الكتاب.

ألف العديد من الكتب منها:

مرئيات

<embed width="320" height="240" quality="high" bgcolor="#000000" name="main" id="main" >http://media.marefa.org/modules/vPlayer/vPlayer.swf?f=http://media.marefa.org/modules/vPlayer/vPlayercfg.php?fid=b0bec75acf0845530a7" allowscriptaccess="always" allowfullscreen="false" type="application/x-shockwave-flash"/</embed>

المصادر

المراجع

  • التعريف بالنثر العربي الحديث، د.الأشتر (ص 131 و41)
  • المشرق العربي في العهد العثماني، د. عبد الكريم رافق، ط 5، جامعة دمشق
  • مجلة المنار ـ المجلد [‌ 5 ] الجزء [‌ 7 ] صــ ‌ 276 ‌ غرة ربيع الثاني 1320 ـ 7 يوليو 1902

وصلات خارجية