بشير الجميّل

بشير بيير الجميّل
Presidentbashirgemayel.jpg
رئيس لبنان المنتخب
في المنصب
23 أغسطس 1982
سبقه إلياس سركيس
خلفه أمين الجميّل
تفاصيل شخصية
وُلِد {10 نوفمبر 1974
الأشرفية، بيروت
توفي 14 سبتمبر 1982
الأشرفية، بيروت
الحزب القوات اللبنانية
الزوج صولناج الجميّل
الدين مارونية كاثوليكية

بشير الجميل (10 نوفمبر 1947 - 14 سبتمبر 1982) كان سياسي وقائد عسكري لبناني. تم انتخابه لرئاسة لبنان ولكنه اغتيل قبل تسلمه المنصب.

حياته

بشير الجميّل هو الابن الأصغر من بين أربع بنات وولدين لبيار الجميّل، مؤسس ورئيس حزب الكتائب اللبنانية وهو أخ لأمين الجميل الذي أصبح رئيسا للجمهورية فيما بعد.كان لديه حلم وهو مشروع تأسيس دولة لبنانية كبيرة يحميها جيش كبير لتكون دولة مستقلة تدير شؤونها بنفسها وكان من أشد معارضين التدخل الخارجي بلبنان. بالإضافة الى ذلك كان معروف بحبه المتطرف لأبناء بلده جميعا وكان من المعروف عنه أنه يحب كل شخص يحمل الهوية اللبنانية. دائما كان ينادي بأن اللبنانيين هم شعب واحد فينيقي ودمهم هو دم واحد وجيناتهم واحدة. في عام 1976 كوّن تحالف للميليشيات اليمينية المسلحة سميّ بالقوات اللبنانية وهي الذراع العسكري للجبهة اللبنانية وهو تحالف الأحزاب اليمينية المعارضة للوجود الخارجي آنذاك وهي حزب الكتائب وتيار المردة وحزب الوطنيين الأحرار وحراس الأرز والتنظيم ,واحزاب اخرى ما عرف بعد تأسيس تيار المستقبل واستشهاد الرئيس رفيق الحريري بقوى الرابع عشر من آذار، كانت القوات تتألف في أغلبيتها من مقاتلين من الكتائب

المقالة الرئيسية: معاهدة 17 أيار

من قرية بكفيا في قضاء المتن. تدرج في حزب الكتائب حتى أصبح قائده العسكري، ومن ثم أسس القوات اللبنانية التي تقلد منصب رئاستها حتى مقتله، على يد ناشط في الحزب القومي السوري يدعى حبيب الشرتوني أدى إلى نسف حزب الكتائب بأكمله. تزوج من صولانج توتنجي والذي أصبح اسمها بعد الزواج صولانج توتنجي الجميل . ولديه من الأبناء ثلاثة هم نديم ، يمنى ، مايا التي اغتيلت وهي عمرها سنتين بمحاولة تفجير لسيارة والدها والتي كان يعتقد أنه موجود بها لكنها هي التي اغتيلت برفقه ثلاثه من مرافقي الرئيس بشير الجميل. اغتيال رئيسين لبنانيين قبل وصولهما الى القصر الرئاسي/بيار عطالله/2 تشرين الأول الرئيس المنتخب بشير الجميل دفع ثمن مقاومته الاطماع السورية في لبنان الرئيس رينيه معوض: اريق دمه لأنه اراد تطبيق اتفاق الطائف بلا اراقة دماء.

اغتيال رئيسين لبنانيين قبل وصولهما الى القصر الرئاسي

بشير الجميل وأرييل شارون في 1982، قبيل اغتيال بشير الجميل.

الرئيس المنتخب بشير الجميل دفع ثمن مقاومته الاطماع السورية في لبنان

مقدمة

مسلسل الاغتيالات السياسية لرجال السياسة في لبنان طويل ويمتد طوال حقبة الحروب الاهلية والاقليمية. واذا كانت الغالبية الساحقة من اللبنانيين قد وجهت اصابع الاتهام علنا الى النظام الامني السوري في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فإن الحدس العام اللبناني وغير اللبناني، كان يكثر في الكلام اليومي غير العلني من توجيه الاتهام الى النظام نفسه في كثير من الاغتيالات.

في هذا الملف عن اغتيال الرئيسين الشهيدين بشير الجميل ورينيه معوض، نستعيد حادثتي اغتيال الرئيسين اللذين لم يتمكنا من الوصول الى القصر الرئاسي الجمهوري في بعبدا. لم يتمكن بشير الجميل من الوصول الى القصر الرئاسي وسقط شهيدا في الطريق الى بعبدا رغم ان الياس سركيس اصر عليه للمجيء الى قصر بعبدا والاقامة فيه صونا لأمنه ومن اجل حمايته الشخصية. اما الرئيس رينيه معوض فقد منع من الذهاب الى القصر بسبب تحصن رئيس الحكومة الانتقالية العماد ميشال عون فيه ورفضه تسليم القصر الى الرئيس المنتخب، فكان ان اصبح الرئيس الاول لجمهورية الطائف لقمة سائغة للمتربصين به وما اكثرهم في تلك المرحلة من الذين ارادو اسقاط الاتفاق وعدم السير في تنفيذه، ولكل اسبابه الخاصة.

ليست الاغتيالات السياسية غريبة عن تاريخ لبنان ومن لم يقتله الولاة العثمانيون في دمشق وعكا، كانت النزاعات بين الامراء والمشايخ والاقطاعيين كفيلة بتصفيته والقضاء عليه. امير لبنان فخر الدين المعني الثاني الكبير قضى خنقا هو وعائلته في البوسفور على يد العثمانيين، وامير لبنان الاخر بشير الشهابي وصل الى الحكم على جثث الامراء الاخرين من آل شهاب وجنبلاط وفي مقدمهم الشيخ بشير جنبلاط والامير يوسف الشهابي واولاده، وانتهى الامر بالامير بشير الى الموت في المنفى القسري الذي اختاره له العثمانيون وحلفائهم في جزيرة مالطا. ولم يشأ العثمانيون الذين استمر احتلالهم للشرق حوالى 400 عام، ان يغادروا لبنان دون ان يعلقوا العشرات من الزعماء والمثقفين والصحافيين اللبنانيين على اعواد المشانق

لم يعرف اللبنانيون اغتيال الرؤساء خلال حقبة الانتداب الفرنسي ولا خلال عهد الاستقلال، ورغم الازمات الكبيرة التي عصفت بلبنان بدءا من التمديد للرئيس بشارة الخوري والتحرك الشعبي الكبير ضده، وصولا الى عهد الرئيس شارل حلو وما انتهى اليه. لم يتعرض اي رئيس لمحاولة اغتيال مباشرة واقتصر الامر على هجوم مسلح شنته المعارضة المسلحة على القصر الرئاسي في القنطاري خلال عهد الرئيس كميل شمعون. ويقال ان ذلك كان السبب الرئيسي الذي حسم خيارات شمعون لجهة طلب تدخل اجنبي وتحديدا اميركي بعدما ايقن انه يواجه اخطارا حقيقية. الرئيس سليمان فرنجية كان الرئيس الاول الذي تعرض لمحاولة اغتيال مباشرة بواسطة القصف المدفعي العنيف الذي تولاه "جيش لبنان العربي" بقيادة الضابط المنشق عن الجيش احمد الخطيب، من مرابض مدفعية 155 ميلليمتر الثقيلة التي نقلت عن الحدود الجنوبية المواجهة لأسرائيل ونصبت في في منطقة خلدة لقصف قصر الرئاسة في بعبدا. انتقل الرئيس فرنجية بعدها الى بلدة الكفور في كسروان كي لا يسقط ضحية القصف وتسقط الجمهورية في الفراغ. اما خلفه الرئيس الياس سركيس فتعرض للقصف المدفعي العنيف مرات عدة واتهم الجيش السوري بقصف القصر للتأثير على الرئاسة الاولى والفوز منها بتنازلات. وعلى ذمة اللواء سامي الخطيب الذي كان القائد المفترض "لقوات الردع العربية" او السورية، ان الرئيس الياس سركيس قيل له ان الجيش السوري قصف القصر وكان يصدق هذه الرواية، ولكن تبين للخطيب وبعد معاينة موقع سقوط القذائف ان مصدرها هو مدفعية بشير الجميل. ويتابع الخطيب ان الرئيس سركيس كان يخشى جانب السوريين وبشير الجميل وهكذا فأن الجانبين لم يوفروه بالقصف؟ ويؤكد الخطيب انه اعطى الاوامر بأستنفار قوات الردع العربية مرات عدة بناء على طلب من مدير المخابرات اللبنانية جوني عبدو، من اجل الدفاع عن قصر بعبدا بناء على معلومات عن هجوم قد تشنه القوات اللبنانية. اغتيال الرئيس رينيه معوض بقيت تفاصيله غامضة رغم وضوح الجهة المستفيدة من الجريمة، لكن وفي اغتيال بشير وعلى ذمة احد الذين كانوا الى جانب رئيس جهاز الامن والاستخبارات في القوات اللبنانية ايلي حبيقة فأنه وفور علمه بوقوع الانفجار في الاشرفية، ضرب يده على الطاولة وصرخ بعصبية: "هيدا الشرتوني عملها" ولكن كان قد فات الاوان. وبعد ثمانية اشهر قام حبيقة بتسليم المنفذ حبيب الشرتوني الى الدولة اللبنانية. وعندها اعلن الشرتوني بكل جرأة وشجاعة : "انها طريقة شخصية للاشتراك في الحرب، هذا من الحرب والصراع في لبنان. انا لست مأجورا ولم اتقاضى في مقابل عملي مالا او اي شيء". وعندما سئل هل قرار الاغتيال والتنفيذ هو قرار حزبي قيادي، اجاب: "لا، في الحقيقة ان العملية تمت بيني وبين الشخص المسؤول المدعو نبيل العلم مسؤول الاستخبارات في الحزب السوري القومي، ما كنت مقتنعا بالامر لكن المسؤول استطاع اقناعي سياسيا بعد الاجتياح الاسرائيلي، ونفذت العملية، وكان في استطاعتي تنفيذها قبل هذا الوقت لأني كنت مقيما في المبنى منذ سنوات"

عند اعتقال الشرتوني اعلنت الشعبة الخامسة في "القوات اللبنانية"، او اعلام القوات ان "القومي السوري حبيب الشرتوني نفذ جريمة اغتيال بشير الجميل وعلاقته وثيقة بالاستخبارات السورية". ولم توجه "القوات" ولا الكتائب اصابع الاتهام الى الحزب القومي رغم العداء الكبير بين الحزبين، ولا فعلت الدولة اللبنانية التي بقي الشرتوني في عهدتها تسعة سنين مما حصر مسؤولية العملية بين منفذها حبيب الشرتوني والمسؤول عنه نبيل العلم فقط.

في ايلول 1992 نشرت جريدة "الحياة" وتحت عنوان "التفاصيل الكاملة لاغتيال بشير الجميل" اربع حلقات عن الاغتيال تضمنت المقابلة الوحيدة لحبيب الشرتوني، وفيها ان محاولات عدة جرت لأغتيال الجميل اهمها في شباط 1980 لكنها فشلت واودت بحياة ابنته الطفلة مايا ومرافقيها. واضافت "ان المعلومات المتوافرة لديها تقول ان العلم توجه وبعد التأكد من نجاح العلمية الى دمشق حيث امضى يومين او ثلاثة ثم انتقل الى برلين الشرقية". وذكر حبيب الشرتوني للحياة انه لم يذكر اسم نبيل العلم في التحقيقات الا بعد اسبوعين من اعتقاله وهذا ما سهل عليه مجالات السفر. وبعد ذلك عاد العلم الى بيروت وشارك في اجتماعات حزبية عدة لكنه يقيم الان (اي عام 1992) في احدى الدول العربية في شمال افريقيا والارجح انها ليبيا. بقي الشرتوني في السجن منذ عام 1982 الى عام 1990 عندما قام الحزب السوري لاقومي بتحريره، وتروي "الحياة" ان العماد ميشال عون ومن موقعه رئيسا للحكومة العسكرية ورث ملف اغتيال بشير الجميل. الذي كان قد نقل الى سجن روميه من سجن وزارة الدفاع. وتمضي "الحياة" في روايتها معتبرة ان الحروب التي شهدها عهد عون ادت الى فرض الحصار على المناطق التي يسيطر عليها. وقام الحزب السوري القومي الاجتماعي بأيصال التموين الى مناطق عون عن طريق معبر ضهور الشوير-بكفيا "كي لا يدفع المواطنون في المتن ثمن الصراع السياسي المحتدم، وترافقت هذه التحركات غير العلنية مع اتصالات سرية بين انصار عون وقيادة الحزب السوري لاقومي تناولت العديد من المسائل من بينها طبعا اطلاق سراح الشرتوني".

وتقول "الحياة" ان عون فض هذا الطلب بداية لكنه واظهارا لحسن نيته تجاه الحزب القومي سمح لبعض المسؤولين الحزبيين بزيارة الشرتوني في سجن رومية. وتنسب "الحياة" الى مصادرها ان عون الغى السجن الانفرادي للشرتوني وسمح بالزيارات وادخال الاطعمة والالبسة في حين ان الشرتوني كان يحتاج الى العلاج. وعندما اجتاح الجيش السوري المناطق التي كان يسيطر عليها عون، قامت وحدات مشتركة من الحزب القومي والقوات الخاصة السورية بالتسلل الى سجن روميه حيث عمدت الى تحييد الحرس واطلاق سراح الشرتوني، الذي اختفت اثاره منذ ذلك الحين الى ان نشر مذكراته في جريدة "الحياة". وضاعت حادثة الاغتيال في غياهب النسيان والاحداث العاصفة التي تضرب لبنان باستمرار، ولم يبقى من الحادثة بعد 25 عاما الا قداس سنوي وذكرى تحييها "مؤسسة بشير الجميل" وحزبا الكتائب والقوات اللبنانية اللذين خرج بشير الجميل من صفوفهما. اضافة الى "لجنة اصدقاء حبيب الشرتوني" التي ارادت الدفاع عما قام به فكان نصيب عدد من اركانها الملاحقة القضائية.

صولانج الجميل: النظام السوري قتله

النائبة صولانج الجميل تختصر المسألة بأن قتلة الرئيس المنتخب ارادو منع قيامة لبنان من ازماته ومشكلاته وتقول:"اعتبرت ومنذ اليوم الاول ان النظام السوري هو المسؤول عن اغتيال بشير الجميل، ولا شك لدي في هذا الامر. واخر المعلومات المتوافرة لدينا ان نبيل العلم تقول انه موجود في سوريا، اما حبيب الشرتوني فليس الا اداة للتنفيذ". وتضيف : "النظام السوري لا يريد للبنان ان يستعيد عافيته ولا يريد قيامة الدولة الحرة والسيدة والمستقلة لذلك فهو يريد اسقاط كل الرموز الوطنية الحرة وازالتها من الوجود. بشير الجميل رفض الهيمنة السورية على بلاده فقتلوه،

اسوة بكمال جنبلاط والمفتي حسن خالد ورينيه معوض وغيرهم وصولاً الى رفيق الحريري الذي وصل الى قناعات بشير الجميل بعد 24 عاما، وايقن ان النظام السوري يريد اللبنانيين اذلاء لديه وعندما واجههم قتلوه".

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي سجعان القزي الذي كان مستشارا سياسيا للرئيس المنتخب بشير الجميل ومن الفريق المقرب اليه، ان اغتيال بشير الجميل وقع عام 1982 في اوج الصراع الاميركي-السوفياتي في لبنان والشرق الاوسط، وفي مرحلة حساسة، وكان الغطاء الاسرائيلي يرتفع تدريجا عن الدور السوري في لبنان بعد اغتيال الرئيس المصري انور السادات واهتزاز مشروع السلام العربي-الاسرائيلي. وهكذا فأن اغتيال بشير الجميل يدخل في صلب هذه المواجهة. خصوصا انه اختار كقائد للمقاومة المسيحية اللبناية التزام ما كان يسمى استراتيجية العالم الحر القائمة على الديموقراطية والحريات وحقوق الانسان وحق تقرير المصير للشعوب. ومن هذا المنظار يعتبر القزي ان اغتيال الجميل لم يكن عائليا او ثأريا بدليل ان الذين اغتالوه لم يفعلوا ذلك عندما كان زعيما لفئة لبنانية بل عندما اصبح رئيسا للجمهورية قادرا على وضع لبنان في مسار العالم الحر، في مواجهة الاتحاد السوفياتي وسوريا ضمنا التي كانت رأس الحرية السوفياتية في الشرق الاوسط.

ويمضي القزي تأكيدا على صحة مقاربته بأن اغتيال بشير اعقبه اغتيال سياسي لعهد شقيقه الرئيس امين الجميل، مما يعني ان الهدف كان وضع حد لأصطفاف لبنان في معسكر العالم الحر. ويخلص القزي الى انه انطلاقا من هذه القرأة فقط "يصبح واضحا ان الذي خطط للأغتيال ونفذه كان النظام السوري عبر احد اجنحة الحزب السوري القومي. ورغم ان هناك اطرافا عاديين يعتقدون بضلوع اسرائيل في الاغتيال، الا انني لا اعتقد ان سوريا اعطت اسرائيل هذه الفرصة كما ان التحليل الموضوعي لا يسمح بأستناج كهذا". يقطع القزي ان بشير الجميل لم يكن في وارد ان يكون رئيسا منفذا للسياسة الاسرائيلية، ويرد مجموعة من النقاط للتأكيد على ما يقول:

  • اولا: الخلاف الذي وقع في نهاريا بين مناحيم بيجن والجميل على خلفية تعامل رئيس الوزراء الاسرائيلي مع الرئيس المنتخب.
  • ثانيا: توجه الجميل فورا وبعد انتخابه نحو الادارة الاميركية وابلاغه موفدها فيليب حبيب انه يعول على العلاقة مع الادارة الاميريكة لبناء الدولة السيدة والمستقلة.
  • ثالثا: اقدم بشير الجميل وفي اليوم التالي لأنتخابه على وضع مشروع انفتاح على سوريا وتفاوض معها، من اجل تصحيح العلاقات وبرمجة الانسحاب السوري في شكل سلمي واقامة علاقات طبيعية بين الجانبين.
  • رابعا: ابلغ الجميل الاسرائيليين انه سيفاوض على السلام معهم في اطار عربي شامل، وابلغ المملكة العربية السعودية ومصر انه قرر تكليف رئيس الحكومة الاولى في عهده الاشراف على هذه المفاوضات كي لا يقال ان السلام مع اسرائيل مشروع فرضه المسيحيون على سائر اللبنانيين.

بدوره يعتبر العميد في الاحتياط طنوس معوض، الذي كان ايضا صديقا للرئيس بشير الجميل ان النظام السوري هو المسؤول عن قتل بشير "ايا كانت اداة التنفيذ". ويقارن معوض بين الرئيسين الشهيدين ويقول :"استخدم النظام السوري كل الاحزاب والقوى للوصول الى غايته، وهو لا زال يستعمل كل هذا الخليط لتنفيذ مآربه. وعندما تبين له ان بشير الجميل يريد بناء دولة للمسيحيين والمسلمين يحميها جيش كبير وقادر ورئاسة قوية قاموا بقتله، تماما مثلما فعلوا مع الرئيس رينيه معوض الذي كان يحمل مشروعا كبيرا وحلما لبناء لبنان على قاعدة التحرك في اتجاه بناء دولة المؤسسات والقانون". ويكشف معوض ان الرئيس بشير الجميل زار النائب رينيه معوض شاكرا بعد انتخابه، وتمنى عليه ان يكون وزير خارجية حكومته الاولى مؤكدا له انه سيحكم بواسطة الجيش اللبناني وان لا وجود للميليشيات بعد اليوم في اجندته

الأسد طلب عدم عقد جلسة انتخاب بشير

يرى سامي الخطيب ان العامل الامني هو الذي اوصل بشير الجميل الى الرئاسة وهو الذي قتله، واذ ينفي الخطيب ان يكون قد توسع في التحقيق في ملف الاغتيال، محيلا الامر على مدير الاستخبارات اللبنانية انذاك سيمون قسيس، الذي حقق مع الشرتوني وتوصل الى المنفذ المباشر. بدوره يرى ادمون رزق، ان قاتل بشير الجميل معروف ولقد اعترف القوميون السوريون صراحة بالعملية وفاخروا بتنفيذها. والى جانب ذلك "قب الاسرائيليون الباط" على العملية مما سهل تنفيذها في حين كان السوريون ضد انتخابه وقرر حافظ الاسد عدم عقد جلسة الانتخاب بالقوة واتصل برئيس مجلس النواب كامل الاسعد طالبا منه عدم عقد الجلسة، لكن الاسعد رفض ذلك وقرر عقدها "لأن مجلس نواب 1972 كان حرا ولبنانيا، ولم يكن يتلقى اوامر من احد (...)".

العملية مسؤولية أفراد لا أحزاب

تتذكر السيدة صولانج الجميل معاناتها خلال 25 عاما في متابعة ملف اغتيال زوجها، وخصوصا خلال سني الهيمنة السورية الخمسة عشر، وتروي انها تقدمت بادعاء شخصي في القضية :"وفجأة اخذ اناس يقرعون بابي ويسألونني بخبث لماذا تقدمت بأدعاء شخصي؟، ومن بينهم مسؤولين لبنانيين كبار. وكنت اجيبهم عندما يقتل ابنك او شقيقك او احد افراد عائلتك الاقربين فهل ترفع دعوى شخصية ام لا ؟". لكن المفارقة ان السيدة الجميل لم تضمن ملف القضية اي شكوى ضد الحزب السوري القومي الاجتماعي، معتبرة ان الحزب كان منقسما الى مجموعات، وان من يتحمل المسؤولية هم افراد منه تلقوا تعليمات للقيام بعملية ارهابية. وهي تعتبر ان العملية لم تصدر بقرار لا عن مكتب سياسي ولا عن مجلس قيادة. اما عن "قبة الباط" الاسرائيلية على عملية الاغتيال او بمعنى اخر عدم توفير الحماية الامنية والاستخباراتية للرئيس المنتخب، فترى وبعد 25 عاما ان هناك تفسيرات عدة وكلام كثير قيل عن الموضوع، ولكن برأيها: "المجرم معروف، ومن يريد خراب لبنان دائما هو النظام السوري، والصحيح ان بشير اصطدم مع مناحيم بيجن على قاعدة ان السلام مع اسرائيل شأن لبناني عام وليس ملكا لقرار المسيحيين، وبشير الجميل كان حريصا جدا على اشراك الولايات المتحدة الاميركية والمملكة العربية السعودية وغيرهم في تفاصيل التطورات اللبنانية منذ ان اصبح رئيسا".

سلمت الجميل ملف الدعوى الى الدولة اللبنانية مدركة ان غالبية المسؤولين لا يجرؤون على فتحه، واستمرت في ملاحقة القضية بمناسبة او من دونها، ولكن من دون جدوى. ولم تحاول الاتصال بالقيادة السورية ولا بأصدقائهم، ورغم التحذيرات التي كانت تتلقاها : "أياك والاشارة الى السوريين في اغتيال بشير"، استمرت في ملاحقة الملف في كل مناسبة. وهي تعول اليوم على المحكمة الدولية لتأخذ حقها من قتلة زوجها "ولكي يتضح للرأي العام العربي والعالمي ان النظام السوري مسؤول عن قتل كل رجالات لبنان من كمال جنبلاط الى وليد عيدو، والقاتل واحد رغم تعدد المنفذين والصمت والعرب الذي فرضه السوريون علينا".

اغتيال رئيسين لبنانيين قبل وصولهما الى القصر الرئاسي

الرئيس رينيه معوض: اريق دمه لأنه اراد تطبيق اتفاق الطائف بلا اراقة دماء كادر: نائلة معوض: لا يمكن فهم استشهاد الرئيس معوض الا من منظار اغتيال المصالحة الوطنية ومشروع الدولة السيدة والحرة والمستقلة التي رفضها السوريون. كادر: كان ضابط المخابرات السورية جامع جامع يسير دائما في طليعة موكب الرئيس المنتخب رينيه معوض، متقدما عن سيارته نحو 200 متر. وعند وقوع الانفجار قرب ثانوية رمل الظريف كان جامع قد وصل الى محاذاة منزل الرئيس سليم الحص فتابع سيره كأن شيئا لم يكن. مقدمة : مسلسل الاغتيالات السياسية لرجال السياسة في لبنان طويل ويمتد طوال حقبة الحروب الاهلية والاقليمية. واذا كانت الغالبية الساحقة من اللبنانيين قد وجهت اصابع الاتهام علنا الى النظام الامني السوري في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فإن الحدس العام اللبناني وغير اللبناني، كان يكثر في الكلام اليومي غير العلني من توجيه الاتهام الى النظام نفسه في كثير من الاغتيالات. في هذا الملف عن اغتيال الرئيسين الشهيدين بشير الجميل ورينيه معوض، نستعيد حادثتي اغتيال الرئيسين اللذين لم يتمكنا من الوصول الى القصر الرئاسي الجمهوري في بعبدا. لم يتمكن بشير الجميل من الوصول الى القصر لارئاسي وسقط شهيدا في الطريق الى بعبدا رغم ان الياس سركيس اصر عليه للمجيء الى قصر بعبدا والاقامة فيه صونا لأمنه ومن اجل حمايته الشخصية. اما الرئيس رينيه معوض فقد منع من الذهاب الى القصر بسبب تحصن رئيس الحكومة الانتقالية العماد ميشال عون فيه ورفضه تسليم القصر الى الرئيس المنتخب، فكان ان اصبح الرئيس الاول لجمهورية الطائف لقمة سائغة للمتربصين به وما اكثرهم في تلك المرحلة من الذين ارادو اسقاط الاتفاق وعدم السير في تنفيذه، ولكل اسبابه الخاصة. الوزير والنائب السابق ادمون رزق والذي كان مقربا من الرئيس الشهيد يعتبر "ان رينيه معوض قتل بسبب عدم استطاعته الاقامة في قصر بعبدا الذي كان يحتله ميشال عون الذي ادى هوسه الرئاسي ادى الى تدمير الجمهورية الاولى والاحتلال السوري للبنان".

النائبة والوزيرة نائلة معوض تعتبر انه يمكن فهم اغتيال رينيه معوض في ضوء ما يحصل اليوم من حوادث، وتعود بالذاكرة الى العام 1998 لتعيد رسم المشهد السياسي ايام اغتيال زوجها الذي لا يختلف في رأيها كثيرا عن الوضع الحالي بعد 18 عاما. وتجزم معوض ان اي شخص لم يحضر الى السعودية من دون التنسيق والتشاور مع مرجعيته، من اجل اقرار الاتفاق الذي جرى العمل على اعداده طوال سنتين من الاجتماعات المتواصلة وعلى خطين متوازيين.

الاول في ما كان يسمى المنطقة الغربية من بيروت بواسطة لجنة برئاسة حسين الحسيني ولجنة ثانية في بكركي ضمت رينيه معوض ونصري معلوف وممثل عن داني شمعون واخر عن العماد ميشال عون وغيرهم، ولم يقر اي بند من دون العودة الى البطريرك الماروني، الى ان جرى الاتفاق على وثيقة الوفاق الوطني التي لحظت تنازل كل الفئات من اجل الوصول الى حل لبناني برعاية عربية.

وتمضي معوض الى التأكيد ان الطائف عالج غالبية المشكلات التي اختلف عليها اللبنانيون، مثل العلاقة مع سوريا، واعادة انتشار جيشها تمهيدا للانسحاب في ايلول 1992 ، الى الديموقراطية التوافقية والقيم المشتركة وتعزيز استقلالية القضاء وبسط سلطة الدولة على كامل اراضيها واحترام حقوق الانسان. لكن ايا من هذه القرارات لم يطبق، وبقي الاتفاق حبرا على ورق، لأن النظام السوري لم يكن راضيا عنه رغم موافقته العلنية عليه، لانه ليس صناعة سورية. وتقول معوض:"كان واضحا خلال عام 1982 ان لبنان لا بد ان يحتل موقعا متقدما في العولمة الآتية الى عالمنا، نظرا الى ما يتمتع به اللبنانيون من حداثة وتنوع وتقدم وصداقات عميقة في كل ارجاء العالم العربي والعالم الاوسع. الى جانب ذلك كان لبنان وما يمثله من قيم التعددية والديموقراطية والحرية نموذجا مستعادا في اتفاق الطائف من غياهب الحروب الاهلية والصراعات الاقليمية. وهذا ما اراد رينيه معوض انجازه من خلال شبكة صداقاته مع كل الفئات اللبنانية. وهاجس انجاز المصالحة الوطنية كان دائما في فكر الرئيس الشهيد ورؤيته.

لذلك لم يساوم رينيه معوض في حياته على اي من الثوابت اللبنانية وراهن، هو الآتي من زغرتا، على قيام مؤسسة الجيش وبناء الدولة السيدة الحرة والمستقلة ذات الانتماء العربي الاصيل والمتفاعلة مع سوريا على قاعدة الاحترام المتبادل. وهو في هذا لامس مشاعر كل اللبنانيين دون استثناء وخاطب امانيهم في الوصول الى الدولة الحقيقية. لكن السوريين رفضوا ذلك والعماد عون اعلن التمرد على قرارات الطائف بذريعة انه ضد الهيمنة السورية والدفاع عن سيادة لبنان، فانتهى به الامر بعد استشهاد الرئيس رينيه معوض الى تقديم الذريعة للسوريين لأجتياح المناطق الخارجة عن سيطرتهم واحكام قبضتهم الكاملة على لبنان". تؤكد الوزيرة معوض، وهي المؤتمنة على الكثير من اسرار الرئيس الشهيد، ان رينيه معوض رفض قطعا العملية العسكرية ضد المناطق التي كان يسيطر عليها عون وكان واثقا من قدرته على استيعاب الجيش والتفاهم مع عون على آلية للحل، لكن عون رفض ذلك فكان الاجتياح السوري في 13 تشرين الاول 1990

انا اعينّ الوزراء لا انتم

يروي العميد في الاحتياط طنوس معوض الذي كان مستشارا امنيا وعسكريا للرئيس معوض، انه ايقن بعد جلسة الانتخاب، ان الرئيس المنتخب رئيس بدون قصر ولا حرس جمهوري ولا جيش تحت امرته ولا جهاز مخابرات. وبأختصار، لا شيء لديه في مواجهة اعداء الطائف الداخليين والخارجيين الذين عملوا على مواجهته واسقاطه. ويعتبر العميد ان :"الرئيس الشهيد كان مقداما وذا معنويات مرتفعة وكان يراهن على مناقبية كبار الضباط في الجيش وفي الاجهزة الامنية الاخرى. لكن شجاعته لم تكن لتحميه من القتلة، فهو كان مكشوفا تماما امامهم وفي وضع صعب نتيجة اقامته في المنطقة الغربية من بيروت التي كانت تعج بخليط كبير من الاحزاب والتنظيمات وعملاء الاجهزة الامنية المختلفة.

كل ذلك في كفة، وفي الاخرى بواكير الخلافات بين النظام السوري والرئيس معوض والتي بدأت تطل برأسها. اراد السوريون تعيين 20 وزيرا من جماعتهم الخلص والاحزاب الموالية لهم، لكن الرئيس رفض توزيرهم، وقال لهم : "كل وزرائي ضد اسرائيل ولكنني انا اعينهم مع الرئيس سليم الحص لا انتم". فأخذت الخشية السوريين وايقنوا انهم امام الياس سركيس اخر يرفض التنازل والمساومة وقادر على الرفض وصاحب باع طويل وحنكة في العمل السياسي، اضافة الى انه يحظى بدعم منطقة كبيرة ومؤثرة هي زغرتا-الزاوية وما تمثله على المستوى المسيحي والوطني في لبنان". يعتبر العميد معوض ان الخلاف مع السوريين كان حقيقيا فقد اراد الرئيس الشهيد انهاء الحرب وتطبيق اتفاق الطائف فعلا لا قولا، والوصول الى مصالحة حقيقية بين اللبنانيين. وعندما عرض الرئيس السوري حافظ الاسد بواسطة نائبه عبد الحليم خدام استخدام الجيش السوري لأنهاء تمرد العماد ميشال عون، اجابه الرئيس معوض شاكرا انه لا يريد اسقاط نقطة دم واحدة. لكن المشكلة الاكبر ان الرئيس الشهيد وثق بالرئيس حافظ الاسد وكان على قناعة ان الاتفاق السعودي-السوري الذي تجلى في اتفاق الطائف كان يحظى بمباركة الرئيس السوري وانه سيساعده على تنفيذه. ويقول: "حذرت الرئيس من جملة امور حصلت، منها نشر مقابلة مع السيدة نائلة معوض في صحيفة تشرين السورية علما ان هذه المقابلة لم تجر، ثم نشروا تصريحا للرئيس معوض في جريدة الثورة وسارع الرئيس الشهيد الى نفيه ".

لا تترك بعبدا

يقول النائب والوزير السابق ادمون رزق: "رفض الرئيس معوض السير في الخط السوري وكان يريد اعادة انتاج السلطة وتركيب البلاد على قاعدة الوحدة مع الجميع وتشكيل حكومة مصالحة وطنية تضم الجميع لطي صفحة الحرب. لكن العماد ميشال عون رفض مسهلا اغتيال رينيه معوض وجعله لقمة سائغة لقاتليه". ويضيف: "لقد اراد القتلة من اغتيال رينيه معوض ان يفرغوا الرئاسة الاولى ويحولوا لبنان الى اشلاء، وعون سهل عليهم ذلك". ويشبه رزق وضع الرئيس المنتخب رينيه معوض بوضع الرئيس المنتخب بشير الجميل الذي كان في وضع غير آمن ويرفض الاقامة في قصر بعبدا رغم الحاح الرئيس الياس سركيس عليه في ذلك. في حين ان معوض كان يشعر بالتهديد وتحوط به ظروف غير آمنة لكنه لم يكن يستطيع الاقامة في قصر بعبدا وكان عليه ان يبقى معرضا للاخطار تأتيه من كل ناحية. يرى العميد معوض ان السوريين اذكياء في تركيب الشائعات وتقاطعت مصلحتهم مع العماد ميشال عون الذي كانت له مصلحة في البقاء في قصر بعبدا، ويؤكد ان الرئيس الشهيد شعر بالقهر عندما فوجئ بصورته على "تلفزيون لبنان" التابع لعون مذيلة بعبارة "عميل سوري". ولكن رغم كل ذلك رفض استخدام القوة واصر على الخيارات السلمية لحل الامور العالقة. وبعد مرور 18 عاما على حادثة الاغتيال يؤكد العميد معوض ان احد رفاقه الضباط اتصل به من المنطقة الشرقية الى اهدن ليبلغه غداة انتخاب معوض، ان احد وزراء الحكومة العسكرية العونية بلغه ان العماد ميشال عون "يضب اغراضه" استعدادا لمغادرة قصر بعبدا وتسليمه الى الرئيس رينيه معوض، وان اتفاق الطائف ماشي. ويضيف العميد معوض: "ابلغت الرئيس الشهيد بذلك ففرح للخبر معتبرا ان الامور تسير في منحاها الطبيعي. وعندما وصلنا الى بيروت اتصل بي الضابط نفسه واجتمعت به عند نقطة المتحف، حيث ابلغني مرة جديدة ان الوزير العسكري زاره مرة جديدة وقال له، ان الرئيس السوري حافظ الاسد ارسل موفدا خاصا الى العماد ميشال عون في بعبدا طالبا منه البقاء في القصر الجمهوري وعدم تسليم اي شيء الى الرئيس معوض "لأن سوريا لا تريد الطائف ايضا".

وصلتنا تهديدات عدة

تؤكد عائلة الرئيس الشهيد معوض ان ملف الاغتيال لا يتضمن اي ورقة او معلومة او تحقيق في الجريمة التي هزت لبنان. وعندما حضر الخبراء الالمان الى لبنان للكشف على سيارة المرسيدس التي استشهد فيها الرئيس تبين لهم ان محرك السيارة سرق من مرآب ثكنة الحلو حيث كانت مودعة منذ يوم الانفجار. وتتذكر الوزيرة معوض ان الرئيس الشهيد وصلته تهديدات من جهات عدة بعضها من "حزب الله" واخرى من الفصائل الفلسطينية وكل المستفيدين من غياب مؤسسات الدولة اللبنانية وامكان اعادتها الى الحياة. "لم اكن مقتنعة بداية ان السوريين قتلوا الرئيس، لكنني اليوم اجد اننا في مواجهة الاوضاع عينها التي ادت الى استشهاده. ليس صحيحا اليوم ان المسالة هي سباق بين المرشحين للوصول الى الرئاسة الاولى، بل الاصح ان يقال ان هناك ارادة سورية بتطيير هذا الاستحقاق وموقع الرئاسة الاولى ما لم يتأمن رئيس سوري الميول والهوى. وهذه هي المسألة: الصراع بين منطق الدولة واللا دولة ولبنان الوطن ام لبنان الساحة، لبنان المنضوي تحت مظلة الشرعية الدولية ممثلة بالنقاط السبع التي تشكل استكمالا لأتفاق الطائف وترجمة له ولبنان المحاور والمنصة لإطلاق الصواريخ. وما نواجهه اليوم هو طموحات حزب ولاية الفقيه للسيطرة وللانقلاب على القيم التي يزخر بها لبنان الوطن لجهة تكريس اعتراف سوريا بلبنان دولة سيدة مستقلة وبسط سلطتها على اراضيها (...)".

وتمضي معوض في مراجعة ذكرياتها المتصلة بالحاضر وتقول:"عندما استرجع تلك الايام اتذكر الاخطار الكثيرة التي تهددت رينيه معوض وهي تتهددنا اليوم ايضا، ولا يمكن فهم اغتيال رينيه معوض الا من خلال الرغبة في اغتيال روح المصالحة الوطنية والتفاهم بين اللبنانيين"

ازالوا معالم الجريمة كما في اغتيال الحريري

لا توجد حتى اليوم في سجلات القضاء اللبناني اي ورقة عن جريمة اغتيال الرئيس رينيه معوض الذي استشهد في ذكرى استقلال لبنان، وتحول اشلاء مع مرافقيه. لكن عائلة الرئيس الشهيد واصدقاءه ومحبيه يملكون الكثير من المعلومات التي لو عمد المحققون الى جمعها لتوصلوا الى أدلة بينة عن هذه الجريمة التي اودت بحياة الرجل الذي كان يرفض اهراق نقطة دم واحدة. تقول السيدة نائلة معوض ان ما عزز قناعتها بان النظام السوري ليس بعيدا عن اغتيال الرئيس، هو "ان هذا النظام كان يهيمن على القضاء وليس على القضاة في شكل كامل، فاحسن استغلال القضاء وسيلة لتعزيز هيمنته على الحياة اللبنانية، لذلك لا توجد اي ورقة في ملف الجريمة". وعلى غرار وقائع اغتيال الرئيس رفيق الحريري ترى نائلة معوض انه جرى تنظيف مكان الانفجار فورا وازيلت كل الادلة لطمس معالم الجريمة التي استخدمت فيها احدث نوع من المتفجرات انذاك.

ولما لم يكن لدى الاجهزة اللبنانية المعدات اللازمة فقد عرضت نائلة معوض على الدولة انذاك الاستعانة بخبراء على نفقتها، وابلغ عدد من السفراء الاجانب السلطة اللبنانية انهم على استعداد للمساعدة وارسال الخبراء اذا طلبت الحكومة اللبنانية ذلك، لكن شيئا من هذا لم يحصل. وعندما حضر خبراء شركة المرسيدس لمعرفة نوعية المتفجرات التي دمرت سيارتهم المصفحة وتفوقت عليها، كانت السيارة قد سرقت من مرأب قوى الامن الداخلي مع سيارة الرانج روفر التي كان يستقلها عناصر المواكبة. وتضيف معوض :"بعد انتخاب الرئيس معوض في القليعات وذهابنا الى اهدن جاءنا احدهم وقال ان شقيقه عضو في الحزب الشيوعي وطلب منه وضع عبوة امام منزل الرئيس في اهدن،

سألنا لاحقا عن الموضوع لكننا لم نحصل على اي نتيجة. لاحقا قال لي الرئيس سليم الحص انه ارسل عينات من السيارة الرئاسية الى الخارج، ولكن الى اين ؟ لا اعرف، ولم نعرف حتى اليوم نتيجة ذلك. طالبت بالتحقيق عبر وسائل الاعلام فاتصل بي الرئيس الهرواي، وسألني: هل طلبت مني شيئا ولم انفذه؟ فأجبته هذه واجباتك كرئيس للجمهورية لكنه لم يفعل شيئا. وانا لا الوم القضاة الذين اسندت اليهم القضية، بدءا من اسعد دياب الى سعيد ميرزا بعد سنتين من وقوع الجريمة. وبأختصار لم يتجاوبوا معنا في اي مرحلة رغم اننا عرضنا دفع كلفة التحقيق كاملة".

ويروي العميد معوض في كتابه "18 يوما من عمر لبنان" تفاصيل الايام القليلة التي امضاها رينيه معوض رئيسا قبل استشهاده، وسكت عن الكثير من الكلام الذي كان ممنوعا قوله، وخصوصا لجهة تورط السوريين في الجريمة، لكنه اليوم يقول ان النظام السوري، ومن خلال اغتيال معوض، استطاع تحويل اتفاق الطائف الى طائف سوري. وينقل عن لسان الاخضر الابراهيمي في لقاء جمعهما في واشنطن حيث كان الراوي ملحقا عسكريا، "ان الرئيس الياس الهراوي طرد اللجنة العربية المكلفة متابعة تنفيذ اتفاق الطائف، وقال الهراوي شخصيا للابراهيمي انا متزوج من حافظ الاسد زواج ماروني ولا اريد لجانا عربية ولا غيره وتفضلوا حلوا عني (...)". النائب والوزير السابق سامي الخطيب الذي كان قائدا للجيش خلال انتخاب الرئيس معوض لا يوافق على مقولة ان النظام السوري اغتال معوض ويقول :"لا ارى ذلك، علما انه في العمل الامني والاستخباراتي لا يمكن تبسيط الامور لأن الاستخبارات الفاعلة تنفذ مآربها عن طريق اعدائها، ولا استبعد العامل الاسرائيلي في عملية الاغتيال ولكنني اكرر ان كل ذلك هو افتراضات وليس معلومات". ويرد العميد معوض على الخطيب بأن "هذه النظرية مش راكبة. فلو كان السوريون من اتى بالرئيس معوض لكان الاسرائيليون ربما حاولوا قتله لكن معوض هو رئيس سيادي فرض نفسه على الرئيس السوري، وكان حافظ الاسد واضحا عندما ابلغ الرئيس سليمان فرنجية ان رينيه معوض فرض عليه بقوة السعوديين والاميركيين. وكل كلام عن قيام الاسرائيليين بأغتيال معوض هو مثل الادعاء ان السوريين لم يقتلوا احدا في لبنان".

جامع جامع في الموكب

تقاطعت المعلومات التي جمعها العميد معوض واصدقاء الرئيس الشهيد، ان الجريمة جرى تنفيذها بواسطة مجموعة مشتركة من القوميين السوريين والاشتراكيين الخارجين عن ارادة احزابهم والذين جندتهم الاستخبارات السورية. "لدينا اسماء مشبوهين متورطين في العملية، ولكننا لن نسلمها الا عندما يصار الى فتح الملف بجدية". وفي معرض توضيح كلامه يضيف قرينة اخرى :"الغريب ان القيادة السورية ارسلت الرائد جامع جامع للمشاركة في مواكبة الرئيس. والمفارقة ان جامع جامع كان يسير دائما في طليعة الموكب متقدما عنه حوالى 200 متر واكثر. وعندما وقع الانفجار مستهدفا موكب الرئيس معوض قرب ثانوية رمل الظريف كان جامع قد وصل الى محاذاة منزل الرئيس سليم الحص، فتابع سيره وكأن شيئا لم يكن، رغم ضخامة الانفجار، الى ان وصل الى المقر الرئاسي. وعندما سئل عن مصير الرئيس معوض اجاب: "ما بعرف". حاولت لاحقا الاتصال بهذا الضابط والتحدث اليه لكنه كان يرفض دائما ويتهرب من الكلام. وسرعان ما تولى مسؤولية الاستخبارات السورية في الضاحية الجنوبية واصبح عميدا خلال عشر سنين، ثم اصبح لاحقا مسؤولا عن المنطقة التي قتل فيها الرئيس رفيق الحريري، اليست هذه مفارقة غريبة؟!". بعد 18 عاما على جريمة الاغتيال تكرر السيدة نائلة معوض الكلام على اهمية الدولة: "ولا دولة دون قضاء ودون محاسبة المجرمين والقتلة والمحكمة الدولية هي الطريق الوحيد لحصول كل مواطن على حقه وحمايته من مسلسل الاغتيالات". وتضيف "استشهاد رينيه معوض وما يحصل اليوم يسلط الضوء على معاني استشهاده لجهة اسقاط مشروع الدولة التي حلم بها رينيه معوض".

بشير الجميل والكرسي الشاهد!!

المكان: نهاريا- اوتيل كارلتون-الطابق الرابع-غرفة رقم 414

الزمان: 1-9-1982 أي منذ 25 سنة بالتمام والكمال ! منذ 9125 يوما! وعلى هذه الكرسي بالذات التي اجلس عليها الآن! وامام هذه الطاولة التي اكتب من على متنها! جلس الشيخ بشير الجميل "الرئيس اللبناني المنتخب" امام رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك مناحيم بيغن، وكان اللقاء العاصف، والحوار الاخير، قبل اغتيال الحلم واستشهاد الامل! وضياع الفرصة التاريخية لقيامة لبنان!! تريثت قليلا قبيل الجلوس على تلك الكرسي "الذي ما زال محفوظا وبحالة جيدة-وربما سيباع بالمزاد العلني" ثم انتابني شعور هز اركان جسدي! بعثر افكاري، حطم فؤادي..! لكنه ما لبث ان تحول الى شعور من نوع آخر! كأنه تيار كهربائي تغلغل في عروقي! نفحات من الفخر والمجد! وشحنات من العزة والشهامة! وذبذبات من الكرامة والعنفوان! تسري في الروح، تصعق الجسد، فتخال ان هالة البشير تلف المكان! وتملأه بأريج الصدق والحرية!

شخصيته الكاريزمية، صوته الهادر، نظراته المتوقدة، إيماءاته المعبرة، قامته الفتية، وجهه المميز، حضوره المسيطر، وغيابه الحاضر دائما!... كل ذلك اجتمع في غفلة من الزمن ضمن ارجاء تلك الغرفة المجللة بطيف البشير!! في مثل هذا اليوم سطر الشيخ بشير مواقف قلما اتخذها زعيم آخر! وامام من؟ امام مناحيم بيغن الذي يلقب "بالرجل الحديدي" لتصلب مواقفه وعناده وقوة شكيمته، حتى ان احد الصحافيين الإسرائيليين قال ان بيغن وبعد عدة لقاءات مع بشير الجميل همس لاحد مستشاريه: ان الجلوس بمواجهة ستالين او تشرشل او موسوليني لأهون بكثير من مواجهة هذا الشاب الطموح المدعو بشير الجميل!! اما ما دار من نقاش حاد في ذلك اليوم، فما زال في ارشيف العديد من الصحف والاذاعات، وقد نشر في عدة كتب ومؤلفات، واهمها كتاب " اسرار الحرب اللبنانية" لمؤلفه الفرنسي آلان مينارغ، اضافة الى ما ذكره اشهر الكتاب والمحللين الاسرائيليين، امثال زئيف شيف وايهود يعاري وشيمون شيفر وغيرهم... وكلهم اجمعوا لا بل اعترفوا بمواقف بشير وجرأته وشجاعته ولباقته وسعة اطلاعه ومصداقيته وذكائه الحاد وسرعة بديهته واناقته وتهذيبه وحسن تصرفه في مختلف المواقف... وعلى سبيل المثال، وردا على سؤال طرحه بيغن بغرور وكبرياء ان لم نقل بعنجهية واستعلاء! اجابه البشير بصراحته المعهودة: نحن لم نقاتل ونقدم مئات الشهداء لنختار من سيحكمنا! انتم ام السوريين! اريد ان احكم نفسي!

وفي نفس الجلسة عندما طالب بيغن باقامة علاقات كاملة ومفتوحة، حتى تفضي الى معاهدة سلام وباسرع وقت ممكن (وهنا بدأ الخلاف) لم يرفض بشير الفكرة! لكنه اراد ان يبقي التحالف على اساس رسمي وعملي، الى ان تتهيأ الظروف لعقد اتفاقية سلام كامل وشامل، والى حين الأخذ برأي النصف الآخر من اللبنانيين!! وحينها قال ايضا: في القريب العاجل سوف ابعث برئيس حكومتي المسلم ليفاوضكم!! هذا غيض من فيض من مواقف الرجال، التي يحتاجها لبنان اليوم وكل يوم !

كم نحن بحاجة الى منقذ ومخلص في هذه المحنة؟! كم نحن بحاجة الى رئيس مثل بشير الجميل في هذه الظروف؟!

وكما قالت السيدة صولانج الجميل بالامس القريب: ان الشعب اللبناني وبعد 25 سنة، لم ينس بشير الجميل يوما واحدا! اما اميل لحود فسينساه الشعب والتاريخ بعد 25 ساعة من نهاية حكمه! حقا ان الشعب يقرر والتاريخ يحكم!

يحكم من هو خالد خلود الأرز في عمق الزمن!!

ومن هو عابر عبور الغيمة في سماء تموز!

فتحية الى روحك الطاهرة ايها البشير.

تحية الى التراب الذي حضن هامتك

تحية الى الاشجار التي تظلل طيفك

تحية الى النعش الذي حوى عظام العظام!

وتحية الى الضريح الذي يرشح بزيت الكرامة! وميرون العنفوان!!


آراء معارضة

حتى لا ننسى ما مثّل (ويمثّل) بشير الجميل .. إرث الفاشية اللبنانية

يبدو ان صورة بشير الجميل تخضع لعملية تجميل وتغيير خصوصا وان جيلا من اللبنانيين واللبنانيات لم يعاصروا مرحلة صعود الرجل. وبرنامج المؤسسة اللبنانية للارسال في "كلام (بعض؟) الناس" الخاص بذكرى "انتخابه" ونعم "الانتخاب" ، كان أقرب الى التطويب والتبخير منه الى التوثيق. ويريدوننا ان نصدق ان استفتاء الكاميرا هكذا وبالصدفة في شوارع لبنان لم يجد الا معارضا واحدا لبشير الجميل. وساد ترتيب البرنامج خلل فاضح في دعوة ثلاثة مريدين وأتباع للجميل مقابل معارض (شديد التهذيب) واحد، لكن هكذا تتم الموازنة في منطق اليمين الطائفي و"الطائفي" من "الطائفة" لا من "الطائف" على الارجح. وكم كان جميلا ان معدي (او معدات) البرنامج وجدوا تلك الصورة لبشير عندما كان فتى وهو يصافح جمال عبد الناصر لإدراجها في مقدمة البرنامج مع ان هناك صورا عديدة للرجل في سنوات "نضجه" وهو يصافح رجالات اسرائيل بمن فيهم شارون ما غيره وكان (فعل ماض؟) صديقا للعائلة يزورهم في السراء والضراء في بكفيا. لكن علائم تلك المرحلة يعاد رسمها من جديد، والأدوار تعاد كتابتها.

ولقد تعمد جوزيف أبو خليل متجاهلا حضور ذاكرة اللبنانيين التوسع في الافاضة عن لقاءات قليلة عقدها مع عبد الحليم خدام بالنيابة عن بشير من دون ان يذكر للجمهور أخبار لقاءاته العديدة مع الاسرائيليين، وكيف كانوا يستدعونهم، ويذهبون طائعين في مراكب في عرض البحر. ونذكّر ابو خليل كيف انه كان من المتحمسين للعلاقة مع اسرائيل وكيف انه توجه في 12 آذار 1976 عبر البحر لإجراء لقاء مع رابين وآلون، وجمع بعد ذلك بين رجل من مخابرات الجيش الاسرائيلي (وهو الآن وزير الدفاع الاسرائيلي) وبين أمين وبشير الجميل، اللذين كانا يدعوان بنيامين بن اليعازر ب"فؤاد" وهو الاسم الذي كني به عندما كان في العراق. والحقائق أشياء عنيدة كما يقال، ولن تستطيع أجهزة الدعاية اليمينية في لبنان ان تطمرها. وكتاب كرستن شولتز عن سياسة اسرائيل السرية نحو لبنان وكتاب آيان بلاك عن حروب اسرائيل السرية، اضافة الى مراجع اخرى، وثقا لتاريخ العلاقة بالتفصيل.

وتعمل اجهزة الدعاية المتعاطفة مع بشير الجميل على تصوير تحالفه مع اسرائيل وكأنه كان عرضيا او أنه ما كان الا لمحاربة المقاومة الفلسطينية في لبنان، وكأن هدف محاربة الوجود الفلسطيني في لبنان هو هدف مشروع. وحتى لو أقررنا بوجود اخطاء للقيادات الفلسطينية في لبنان فان هذه الاخطاء تصغر اذا ما قيست بآثام اليمين الكتائبي والشمعوني في لبنان الذي كان مسؤولا أكثر من غيره ليس فقط عن اشتعال الحرب الاهلية بل عن تسعيرها واستمرارها. ولسوء حظ اجهزة الدعاية النشطة في ال إل.بي.سي. فان الوثائق الصهيونية تنشر،

وهي دامغة في إدانتها لليمين الكتائبي. والشعب اللبناني يجب ان يعلم خلافا لأقاويل جوزف ابو خليل وغيره ان العلاقات الاسرائيلية الكتائبية بدأت قبل ظهور منظمة التحرير الفلسطينية بسنوات وقبل ظهور ياسر عرفات على الساحة اللبنانية، او على اي ساحة. والمؤرخ الاسرائيلي بني مورس نشر مقالة في مجلة "دراسات في الصهيونية" في ربيع 1984 وثق فيها للعلاقة بين حزب الكتائب وبين اسرائيل بين أعوام 1948 و1951 وكان "أبو الزعيم" طفلا آنذاك حتى لا نحمله فوق طاقته. وكانت الدولة الصهيونية تمد هذا الحزب "الوطني"، والذي ابتذل كلمة السيادة لكثرة ما استهلكها لغايات سياسية وطائفية، بالاموال لدعم حملاته الانتخابية. وكان الياس ربابي صلة الوصل مع الصهاينة آنذاك يحاول محرجا في اجتماعاته مع الصهاينة تفسير وتسويغ بعض الانتقادات الخجولة التي تصدر عن أركان الحزب ضد اسرائيل. وكانت القيادة الكتائبية الطائفية تنظر الى التحالف مع اسرائيل كتحالف استراتيجي بين عقيدتين متشابهتين في الصفات الفاشية وفي احتقار "العنصر" العربي. ولم تصرح القيادة اليمينية عن مكنوناتها الا بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 عندما ظنت انه سيتسنى لها اليوم السيطرة على مقدرات البلد بالتحالف الذيلي مع اسرائيل. وهل تذكرون (وتذكرن) عبارة "المحاكاة الحضارية" بين لبنان واسرائيل والتي قالها شارل مالك في اول مهرجان كتائبي بعد الاجتياح؟ وهل تذكرون (وتذكرن) ان حامي السيادة اللبنانية الحالي أمين الجميل تعامل مع اتفاقية 17 أيار الذليلة لا، لن ننساها كأهم اولوية وطنية، حتى أهم من تحقيق الوفاق الوطني؟ لهذا كم يبدو المشهد مقززا عندما يدلي أمين الجميل الذي استقبل ارييل شارون في دارته في بكفيا بدلوه في موضوع الانتفاضة الفلسطينية؟

ولا شك في ان الحزب الذي ما اعترض يوما على خروقات السيادة عندما تأتي من الغرب ومن اسرائيل وغالبا بدعوة لجوجة منه وهذا الكلام ينطبق على اليمين اللبناني اليوم حارب الوجود الفلسطيني (الوجود، مسلحا وغير مسلح) في لبنان لانه رأى فيه خطرا على برنامجه للسيادة الطائفية ولان القوى الخارجية التي ارتبط معها منذ انشاء دولة اسرائيل دفعته الى لعب هذا الدور. وليس هناك ما يشرف في دور محاربة واستفزاز بشير الجميل للوجود الفلسطيني خصوصا وانه كان معروفا عنه عنفه. وهو صرّح بعد اجتياح 1982 لمجلة "تايم" انه يفكر جديا بتحويل كل المخيمات الفلسطينية الى حدائق للحيوانات او الى ملاعب تنس. وهذا الذي يقولون اليوم انه لم يكن طائفيا (ودليلهم انه أحب واستلطف بعض المسلمين (ومسلمة واحدة) الذين استسهل جرهم وراءه) كان مسؤولا شخصيا عن أبشع الجرائم الطائفية أثناء الحرب، وهو يوم السبت الاسود الذي راح ضحيته مئات من الابرياء، وهذا الحدث ساهم الى حد كبير في دفع قيادته، خصوصا بعد وفاة القائد العسكري الكتائبي وليم حاوي بعدما "زلت رجله" كما قال الحزب. ولا ينقذ هذا الذي حاولوا تسويقه لنا وهو حي، كما يحاولون اليوم تسويقه لنا وهو ميت، من الخزي انه اختلف مرة في ذلك اللقاء الشهير في نتانيا مع بيغن عندما عاد خائبا واشتكى لوالده انهم لم يحترموه. فهذا الخلاف يحدث بين اي دولة وبين حلفائها وعملائها، كما يحدث ان يختلف حميد كرزاي مع الولايات المتحدة. والخلاف مرده الى محاولة ترتيب وضع البيت الداخلي طائفيا ليتسنى له فرض برنامجه للسيادة الطائفية.

ويقولون لنا انه عشق الحرية. جميل. ألهذا يسمون المجازر التي ارتكبها بحق حلفائه في الطرف المسيحي بأنها "معركة توحيد البندقية"؟ أو يذكرون انه خطف مدير تلفزيون لبنان شارل رزق لاعتراضه على نشرة أخبار؟ وداعي الديمقراطية المزعوم هل كان له ان يصل الى سدة الرئاسة من دون اجتياح اسرائيلي للبنان، ومن دون الرشاوي والتهديدات ل"ممثلي الامة"؟ وهل حكم مناطقه الا بالحديد والنار، على طريقة الصهيونية؟ وليمتنعوا عن تصويره لنا بأنه كان مثال رب العائلة الزاهد، فكتاب صديقته الصهيونية برباره نيومن موجود في المكتبات وفيه ما يقول الكثير عن من تربّى على مقولة "الله، الوطن، العائلة".

ولن يغشنا انه في خطاب واحد او اثنين له تكلم كلاما يتضمن مبادئ "تقدمية". فلا غرابة في هذا على الاطلاق. ففي الفكر السياسي هناك تفريق بين "التقدمية" وبين ما يسمى ب"الشعبوية" وهو ركن اساسي في العقيدة الفاشية ويدعو الى تحقيق شعارات العدالة الاجتماعية وانصاف العمال بهدف نشر العقيدة في القطاعات الشعبية. ومن منظور الفكر السياسي فان فكر بشير الجميل وما مثله يطابق بالكامل الفكر الفاشي: عبادة الفرد الزعيم الاوحد، التنظيم المفرط والتراتبية الحديدية، الغلو في نشر عبادة وتأليه الوطن والتقاليد المتوارثة خصوصا تلك التي تتعارض مع التقدم والتنوير، بث مبادئ عنصرية في القومية تعتمد على تفوق عنصر على آخر، الايمان بالذكورة والرجولة على نمط مجتمعات القرون الوسطى وعلى حساب المساواة بين الجنسين، الارتكاز على أكثر من جهاز أمن لنشر الرعب وبسط السيطرة، تحديد خدمة الوطن وفق آراء "الحزب القائد" ووصم كل من يختلف مع الحزب خصوصا من اليسار ب"الخيانة"، تمجيد العنف الممارس وربطه بطقوس شبه دينية، كما ان فكر الحزب، خصوصا في كتابات وخطب بشير (وهناك خطاب طائفي صارخ له لم ينشر الا بعد اغتياله) ورفاقه من قيادة القوات اللبنانية (مثل وليد فارس الذي يكتب اليوم في مجلة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة)، ينضح بالاصولية المسيحية حتى انه يمكننا القول ان هذا الفكر يماثل الفاشية الاوروبية الجديدة، او ما يسمى ب"اليمين الجديد".

وهناك طبعا حديث عن عدم مشروعية الاغتيال السياسي كوسيلة تغيير، خصوصا في منطقتنا المثخنة بجروح الاغتيالات والقتل. ومن المفيد ان يصل شعب لبنان الى الالتقاء على نبذ العنف كوسيلة تغيير بعد سنوات الحرب الاهلية الضروس، من دون الانتقاص طبعا من حق الشعب العربي كله في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي أينما وجد، ولو في بستان صغير. وكما استعملت وسائل الاغتيال السياسي في أكثر من تجربة في مقاومة الاحتلال (فرنسا والجزائر وفييتنام)، فان هناك من ينظر الى اغتيال بشير الجميل (وان سماه سليم عبو ب"روح الشعب" في كتاب له صدر بالفرنسية) كجزء لا يتجزأ من مقاومة الاحتلال الاسرائيلي. واذا كان انصار بشير الجميل مصرّين (ومصرات) على إحياء برنامجه، فعلى معارضيه الاصرار على رفض برامج خلفاء بشير الجميل، خصوصا ما رشح منها في لوس انجلس. ولهذا، فان ابو اياد لم يقصد التباهي عندما قال ان "طريق فلسطين تمر في جونيه". بل كان عليه ان يزيد ان طريق تحرير لبنان من الاحتلال والاختراق الاسرائيلي يمر في جونيه وفي كل المدن والقرى في لبنان، وصولا الى لوس انجلس.

المصادر

http://www.ssnp.com/News_Center/Articles/bashir.htm

http://www.clhrf.com/southlebanon/georgeelias.bachir13.9.07.htm

Crystal Clear app Community Help.png هذه بذرة مقالة عن حياة شخصية تحتاج للنمو والتحسين، فساهم في إثرائها بالمشاركة في تحريرها.