ميگل ده سرڤانتس

ميغيل دي ثيربانتِس

ميگِل دي ثيربانتِس سابـِدرا (Miguel de Cervantes Saavedra) عاش (قلعة الهنارة 1547م- مدريد 1616م) هو كاتب أسباني. اشتهر بروايته "دون كيخوته دي لامانشا" أو "دون كيشوت" (1605-1615م)، وهي شخصية مغامرة حالمة تصدر عنها قرارات لاعقلانية. تركت حياة "ثيربانتِس" الحافلة بالأحداث أثرا بليغا في أعماقه، وتجلى ذلك في طغيان روح السخرية والدعابة على أعماله. يُعتبر من بين أشهر الشخصيات الإسبانية في العالم، وقد كرمته بلاده فوضعت صورته على قطعة الـ50 سنتا الجديدة.

نص كتاب دون كيشوت انقر على الصورة للمطالعة

حياته

في 9 أكتوبر 1547، وجريا على العادة الأسبانية بتسمية كل طفل باسم القديس الذي يحتفل بذكراه في يوم ميلاده، عمد خالق دون كخوتة وسانشو بانزا باسم »ميجل دي سرفانتس« في »القلعة«. وقد اضاف-وربما اضاف أبوه أيضا- اسم سافيدرا، من الأسرة القشتالية التي تزاوج فيها أسلافه الغاليسيون في القرن الخامس عشر. وكان الأب طبيبا غير مرخص، ثقيل السمع قليل المال، ينتقل من بلد إلى بلد ليجبر العظام ويطبب الاصابات الخفيفة، ويبدو أن الصغير ميجل صحبه إلى بلد الوليد، ومدريد، واشبيلية. أما تعليم الصبي فلا نعرف عنه شيئا، فيلوح انه لم يحظ بتعليم عال برغم مولده في مدينة جامعية، ومن ثم لم تطهره الدراسات الكلاسيكية ولا زحمته، واضطر إلى التقاط معرفته بالحياة من العيش فيها. وأول ما نملك من الحقائق عنه بعد سجل عماده أن معلما من مدريد نشر عام 1569 مجلدا احتوى ست قصائد بقلم »تلميذنا العزيز المحبوب« سرفانتس. وفي سبتمبر من تلك السنة قبض على المدعو ميجل دي سربانتس بتهمة الاشتراك في مبارزة، ونفي من أسبانيا عشر سنوات يعاقب دونها بقطع يده اليمنى. وفي ديسمبر نجد فنانا ميجل يخدم في بيت كبير من رجال الكنيسة في روما. وفي 16 سبتمبر 1571 نرى ميجل هذا، ربما مدفوعا (مثل كامؤنش) بتفضيل الخدمة العسكرية فرارا من السجن، مبحرا من مسينا على السفينة »ماركيزا« في أسطول دون جوان النمساوي. وحين التحم الأسطول بالترك في ليبانتو كان سرفانتس مريضا بالحمى في عنبر سفينته، ولكنه وضع على رأس اثني عشر رجلا في زورق إلى جوار السفينة لأنه أصر على لعب دوره، وأصيب بثلاثة جروح من طلقات نارية، جرحين في صدره والثالث أعجز يسراه عجزا مستديما-»لنصرة الحق« على حد قوله. وأعيد إلى المستشفى بمسينا ودفعت له الحكومةالأسبانية اثنتين وثمانين دوكاتية. ثم شارك في معارك حربية أخرى- في نافارينو، وتونس، وجوليتا (لاجوليت). وأخيرا سمح له بالعودة إلى أسبانيا، ولكن قرصان البربر أسروه هو وأخاه رودريجو في رحلة العودة إلى الوطن (26 سبتمبر 1575) وباعوهما في سوق الرقيق بالجزائر. واقنعت الرسائل التي حملها من دون جوان وغيره آسريه بأنه رجل ذو حيثية، فطلبوا عنه فدية كبيرة. وظل ميجل أسرا خمس سنوات مع ان أخاه أطلق سراحه في عام 1577. وحاول الهروب غير مرة. ولكنه لم يجن من محاولاته غير تشديد النكير عليه. وصرح الداي وهو الحاكم المحلي، بأنه »إذا استطاع أن يؤمن حراسة ذلك الأسباني المعطوب الذراع فقد أمن عاصمته وعبيده وسفنه (17)« وكافحت أمه لتجمع الخمسمائة كراون التي طولب بها للافراج عنه، وضحت أخواته بمهورهن في هذا السبيل، وأخيرا (في 19 سبتمبر 1580) أفرج عنه، وبعد رحلة مضنية لحق بأسرة أمه في مدريد.

كان مملقاً عاجزاً، لذلك لم يكن أمامه من سبيل الرزق غير العودة إلى الانخراط في الجيش. وهناك من الدلائل ما يشير إلى أنه مارس الخدمة العسكرية في البرتغال والأزوره. ووقع في غرام سيدة نبيلة تصغره بثمانية عشر عاما ولا تملك غير أسمائها الكثيرة: كاتالينا دي بالاكيو سالازار إي فوزميديانو الإسكيفية. وتحت الحاح الحب والفاقة كتب سرفانتس رواية رعوية تسمى »غلاطية« باعها بمبلغ 1.336 ريالا (668 دولارا؟). وتزوجته السدة الآن (1584)، فقدم إليها ابنة غير شرعية وأقنعها بأن تربيها كأنها ابنتها، وكانت قد ولدتها له حسناء عابرة قبل سنة(18). أما كاتالينا نفسها فلم تنجب. وكانت تعنفه بانتظام على فقره، ولكنها ظلت وفية له فيما يبدو، وعمرت بعده، وحين ماتت طلبت ان تدفن إلى جواره.

ولم تأت غلاطية بمزيد من الريالات؛ كان رعاتها مسرفين في بلاغتهم. إلا حين ينطقون بالشعر، ومع أن سرفانتس كان ينوي كتابة بقية لها، ومع أنه ظل إلى النهاية يعتبرها اروع ما كتب، فإنه لم يجد قط الوقت أو الحافز لاتمامه. ثم جرب كتابة التمثيليات طوال خمسة وعشرين عاما، فألف نحو ثلاثين منها، وكان رأيه أنها ممتازة، وهو يؤكد لنا أنها »مثلت كلها دون ان يعرض عليه أي جزاء(19)« ولكن واحدة منها لم تستهو الجماهير أو تلمس عرقا من ذهب. لذلك ارتضى وظيفة متواضعة في إدارة تموين الجيش والبحرية (1587)، وسافر بصفته هذه إلى عشرات المدن تاركا زوجته في البيت. وقد ساعد في تموين الأرمادا الجبار. وفي عام 1594 عين جابياً لغرناطة. وسجن في أشبيلية لمخالفات في حساباته، وأفرج عنه بعد شهور ثلاثة، ولكنه طرد من خدمة الحكومية. ومكث عدة سنين في فقر مدقع بأشبيلية وهو يحاول الارتزاق من قلمه. ثم قبض عليه مرة أخرى في أرجا ماريللا وهو يجوب أسبانيا. وتقول الرواية أنه في سجنه وفي بؤسه واصل تأليف كتاب من أكثر الكتب مرحا في العالم. فلما عاد إلى مدريد باع لفرانسسكو دي روبلز مخطوطة »حياة ومغامرات دون كخوته دي لامانشا الأشهر« فنشرت عام 1605. وهكذا، وبعد ثمانية وخمسين عاما من الكفاح، بلغ سرفانتس شاطئ التوفيق.

ورحب كل الناس- عدا النقاد- بالكتاب مهرجانا من الفكاهة والفلسفة. وتقول رواية قديمة ان فيلب الثالث »لاحظ وهو واقف يوما بشرفة قصره في مدريد طالبا بيده كتاب على ضفة مانزاناريس المقابلة. وكان الطالب يقرأ، ولكنه بين الحين والحين كان يقطع قراءته ويلطم جبينه لطمات عنيفة تصحبها حركات لا حصر لها من النشوة والطرب. وقال الملك »إن الطالب إما ان يكون مجنوناً وإما إنه يقرأ... دون كخوته(20)«.

إن في هذه الصفحات الثمانمائة مآخذ كما في كل رائعة- فحبكة الرواية ليست غاية في البراعة- سلسلة من الأحداث المترابطة. تكشفها حكايات مقحمة غير متصلة بالموضوع، خلو من الخطة خلو الفارس الذي »يواصل سفره على ظهر جواده مرخيا له العنان ليمضي حيث شاء«. وبعض خيوط الحبكة متروك عند أطراف مفكوكة أو شديدة التعقيد، مثل ضياع حمار سانشو، وظهوره ثانية دون تعليل. ويصبح السرد بين الحين والحين مملا، والنحو غير دقيق، واللغة مفتقرة إلى الصقل. ويقول الجغرافيون إن جغرافية الرواية مستحيلة. ولكن ما اهمية هذا كله؟ فكلما مضينا في القراءة مشدودين بجذب لطيف خلال المعقول وغير المعقول، ازداد عجبنا من أن سرفانتيس استطاع وسط كل شدائده أن يجمع معا مثل هذا المشهد العريض من المثالية والظرف وأن يقرب قطبي الخلق الإنساني المتباعدين في مثل هذا التراكب المنير. أما الأسلوب فهو ما ينبغي أن يكون عليه أسلوب قصة طويلة-لا سيل مرهق من البلاغة، ولكن جدول صاف جار، يتألق هنا وهناك بعبارة حلوة، كقوله »كان له وجه كالبركة(21)« وأما القدرة على اختراع الأحداث فتمضي إلى النهاية، واما معين أمثال سانشو فلا ينضب، وآخر قطعة من الفكاهة او التفجع لا تقل جمالاً عن أولها. هنا، في هذا »التاريخ الجاد أعظم الجد، المجلجل، الدقيق، الناعم، الفكه« على حد قول سرفانتيس، نلتقي بحياة أسبانيا وشعبها، موصوفين بحب يبقى بعد أن ينقضي عدم التحيز، وبمئات التفاصيل الصغيرة التي تخلق هذا الكل الملهم، وتفعمه بالحياة.

ويلجأ سرفانتس إلى حيلة قديمة فيزعم لنا أن »تاريخه« مأخوذ عن مخطوطة لمؤلف عربي سماه السيد حامد بن أنجلي. وتفصح المقدمة عن هدفه، وهو أن يصف في »هجو للفروسية الجوابة... سقوط ودمار ذلك الكوم البشع من روايات الفروسية... التي افتتن به أكثر الناس على نحو عجيب«. وقد فعل تشوسر مثل هذا في حكايات كنتربري (»شعر السر توباس«)، ورايليه في »جرجانتوا«، وبولتشي في »المورجانتي مادجوري«، وهزأ تيوفيلو فولنجو وغيره من شعراء التخليط بين اللاتينية واللغة القومية بالفرسان، وسخر أريوستو في أورلندو فوريوزو« من أبطاله الرجال والنساء. على أن سرفانتس لا يرفض روايات الفروسية جملة، فهو ينقذ من النار بعضها، ومثل » روايته »غلاطية«ن وهو يدخل في قصته بعض مغامرات الفروسية. ونرى في نهاية القصة أن هذا الدون الفارس، بعد عشرات الهزائم والضربات المخزية، وهو بطل القصة الخفي.

وبصوره سرفانتس سيدا ريفيا خصب الخيال، أذهلته القصص التي جمعها في مكتبته، فدجج نفسه بالسلاح من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وارتدى سترة الفارس وخرج على فرسه روزاننتي ليذود عن حياض المظلومين ويصلح الفساد ويحمي العذارى والأطفال. أنه يمقت الظلم ويحلم بماض ذهبي يوم لم يكن هناك ذهب، »يوم كانت هاتان الكلمتان القتالتان »مالي« فوارق مجهولة، كل الأشياء كانت مشتركة في ذلك العصر المقدس... كله كان تآلفا واتحادا، كله كان حبا وصدقة في الدنيا«(22). وجريا على قواعد الفروسية ثراء يكرس سلاحه، لا بل حياته، لسيدة نبيلة تدعى دولتسينيا ديل توبوزو. ومع أن عينه لم تقع عليها قط، فقد كان في وسعه ان يتصورها تجسيداً كاملاً للطهارة المحتشمة والجمال الرقيق. »نحرها مرمر، وثدياها رخام، ويداها عاج. والثلج ينكسف بياضه إذا دنا من صدرها«(23) أما وقد ملأه هذا الرخام صلابة، وبعث فيه هذا الثلج دفئا، فهو ينطلق ليهاجم عالما حفل بالشرور. وهو في هذه المعركة غير المتكافئة لا يشعر بأن أعداءه أعز منه نفرا »فأنا وحدي أعدل مائة منهم« وبينما يلازم سرفانتس ذلك »الفارس ذا الوجه البائس« متنقلا بين الفنادق الصغيرة وطواحين الهواء، بين المصارف والقذرة والخنازير المذعورة، تنتهي به الصحبة إلى حبه قديساً كما يحبه مجنوناً، وفي كل هذه المغامرات الفاشلة والكبوات الأليمة يظل الدون المثال الحي للأدب والعطف والسماحة. وأخيرا يتغير المجذوب على يد خالقه، فيصبح فيلسوفا يتحدث-حتى وهو يتردى في الوحل-حديثا عاقلا سويا، ويغفر الإساءات للدنيا التي عجز عن فهمها، ثم يغيظنا من سرفانتس أنه يواصل خبطه وتحطيمه التزاما بخطته المرسومة. ثم نعطف على الفارس الذي ينقشع الوهم عن عينيه حين يؤكد له سانشو إن الدولتسنيا ديل توبوزو الوحيدة التي تعرفها بلدتها ليست سوى »خادمة متمنطقة«، هي صبية بدينة، مفتولة العضل، مسترجلة، من أصل متواضع. ويجيب الفارس بحكمة ذهبية، فيقول لسانشو، »إن الأصل يشرف بالفضيلة، إنما أصل الفتى ما قد حصل«(25).

والشيء الذي يفتقر إليه الدون هو روح الفكاهة، وهو خير جوانب الفلسفة. ومن ثم يعطيه سرفانتس تابعا مرافقا أصله عامل من عمال المدينة الأقوياء، وابن من أبناء الريف، هو سانشوبانزا، ويؤمن الفارس خدماته بأن يعده بالطعام والشراب، ويحكم ولاية في الممالك التي يزمعان فتحها. فأما سانشو فرجل ذو إدراك بسيط وشهية طيبة، يظل محتفظا بسمنته إلى آخر صفحة في القصة برغم إشرافه دائما على الموت جوعا، إنسان كريم النفس يحب بغلته كأنها »نفسه الثانية« ويقدر »عشرتها الحلوة«، أن ليس الفلاح الأسباني النموذجي، فهو سخي في النكتة زاهد في الوقار، إنما هو-كأي اسباني تحرر من سعار اللاهوت-طيب القلب محب للخير، حكيم دون ثقافة او تعليم، وفيّ لسيده في دنيا العذاب هذه وسرعان ما ينتهي إلى أن الدون رجل مجنون، ولكنه هو أيضاً ينتهي إلى أن يحبه، يقول في ختام القصة »لقد لازمت مولاي الطيب وصاحبته هذه الشهور الطوال، والآن اصبحنا نحن الاثنين واحداً«(26)، وهذا حق، لأنهما ليسا سوى جانبين لإنسانية واحدة.أما الفارس فينتهي هو أيضاً إلى احترام حكمة تابعة لأنها اعمق جذورا إن لم تكن نبيلة كحكمته. ويعبر سانشو عن فلسفته بأمثال يقفو بعضها بعضا حتى لتكاد تخنق تفكيره: »إن الدجاجة والمرأة تضيعان إذا سرحتا، »بين قول المرأة نعم وقولها لا، لا أوافق على أن اضع سن دبوس، فالواحد منهما قريب جداً من الآخر«، إن الطبيب يبذل نصيحته بجسه نبض جيبك«، »كل إنسان كما صنعه الله، وكثيرا ما يكون أسوأ«(27) ولعل سرفانتس استعمل مجموعة مختارة من هذه الأمثال التي عرفها بأنها »عبارات قصيرة صيغت من خبرة طويلة«(28) ويعتذر سانشو عن هذا »الاسهال« في الحكم بأن هذه المأثورات تسد حلقه ولا بد أن تنطلق، بترتيب ورودها على خاطره. ويستسلم الدون لهذا الفيض الدافق فيقول »حقا، يبدو انك لست أعقل مني... أشهد انك انسان مختلط العقل، إنني اصفح عنك، وقد فعلت«(29).

كان للتوفيق الذي أصابته »دون كيخوته« الفضل في ظفر سرفانتس براعيين لأدبه، الكونت ليموس وكردينال طليطلة، أجريا عليه معاشا صغيرا يسر له أن يعول زوجته، وابنته غير الشرعية، وأخته الأرملة، وابنة أخته. وبعد شهور من نشر كتابه قبض عليه هو وكل أفراد أسرته لشبهة اشتراكهم في مقتل جاسباردي ازبليتا على باب بيت سرفانتس. وأرجفت الشائعات بأن جاسبار كان يعشق ابنته، ولكن التحقيق لم يسفر عن شئ، فأفرج عنهم جميعا. ومضى سرفانتس يكتب الجزء الثاني من »دون كخوته« في غير عجلة. وفي عام 1613 قطع هذا الجهد المحبب بنشر اثنتي عشرة قصة »مثالية جديدة« جاء في مقدمتها »لقد وصفت هذه القصص بأنها مثالية، ولو تأملها القارئ لما وجد فيها قصة لا تعطيه مثالا نافعا«(30). وأولهما قصة عصابة من اللصوص تعمل في انسجام مثالي مع رئيس شرطة اشبيلية، وقصة أخرى اسمها »ندوة الكلاب« تصف سلوك تلك المدينة واخلاقها. وفي التمهيد للمجموعة صور سرفانتس نفسه بهذه العبارات: إن الرجل الذي ترونه هنا بمحياه النسري، وشعره الكستنائي، وجبينه الهادئ الطلق، وعينيه اللامعتين، وأنفه المعقوف المتناسب، ولحيته الفضية التي كانت ذهبية منذ أقل من عشرين عاما، وشاربه الكبير... واسنانه التي لا تستحق الاحصاء، وقامته الريعة؛ وكتفيه طفيفي الانحناء، وبنيته الثقيلة بعض الشىء... أجيز لنفسي أن أقول لكم إنه مؤلف »غلاطية« و »دون كخوته دلا مانشا«)31).

ولكنه فوجئ عام 1614 بظهور الجزء الثاني من »دون كخوته«، لا بقلمه، بل بقلم سارق مجهول انتحل اسم »أفيللانيدا«. وقد هزأت المقدمة من جراح سرفانتس، وطربت للحيلة المتقنة التي ستقضي على جزء سرفانتس الثاني. وعجل الكاتب المنزعج بانجاز كتابه ونشره عام 1615، وابتهج القراء الأسبان حين وجدوا هذه التتمة ترقي إلى مستوى الجزء الأول خيالا وقوة ومرحا، ففي كل هذه الصفحات الخمسمائة الجديدة احتفظ الكاتب بتشويقه للقارئ حتى النهائية، وهي نهاية حزينة ان لم تكن أليمة، وبدا للبعض أن حظ الدون وتابعه العاثر في بلاط الدوق، وملك شانسو على ولايته، والقصة المؤلمة التي روى فيها كيف ضرب عجزه- كل هذا من شأنه أن يجعل الجزء الثاني هو النصف الأفضل. فحين يولي سانشو حاكما على باراتاريا يتوقع الكل منه أن يتجاوز كل ما اثر عن الحكام من حماقات. ولكنا نجد على النقيض من ذلك أن طيبته وفطنته، وأن نظمه واصلاحاته البسيطة العادلة؛ وأن قراره الحكيم في دعوى هتك العرض(32)-كل هذا يخجل واقع الحكم المعاصر له. ولكن قوي البشر الذي لا يعرف رحمة ولا هوادة تطغى عليه؛ وأخيرا ترهقه ارهاقاً يكرهه على التخلي عن منصبه والعودة مرتاحاً إلى حياته تابعا للدون.

ولا يبقى بعد ذلك إلا أن يهرب الفارس مثل هذا الهرب من دنيا الأحلام إلى دنيا الواقع. إنه يخرج في طلب المغامرات الجديدة، ولكنه يهزم هزيمة عارمة؛ ينتزع المنتصر فيها تعهدا منه بأن يمضي إلى داره ويعيش سنة في هدوء لا شأن به بالفروسية. ويوافق المحارب المتعب، ولكن تبدد أوهامه يجفف ينابيع حياته. فيرسل في طلب أصدقائه إلى جواره، ويوزع الهدايا عليهم؛ ويكتب وصيته، وينبذ الفروسية الطوافة الباحثة عن المغامرات، ويدع روحه تنحسر انحسارا شديدا. ويعود سانشو إلى اسرته؛ ويفلح حديقته قانعا قناعة رجل خير من الدنيا ما يكفي ليجعله عارفا بقدر بيته. وفي النهاية يلوح أن هذه الواقعية الطيبة تنتصر على مثالية مولاء المغرقة في الأوهام برغم سماحتها. ولكن الأمر في حقيقته غير هذا. فروح الفارس هي صاحبة الكلمة الأخيرة في القبرية التي أوصى بأن تكتب له. »إذا كنت لم أحقق جلائل الأعمال فإنني مت في سبيلها«. وهكذا يتبين أن الواقعي يعيش إلى أن يدركه الموت؛ ولكن المثالي يبدأ عندها الحياة.

ونشر سرفانتس في السنة التي بقيت له في أجله ثماني تمثيليات، ولم يؤيد الزمن تقديره لها، ولكنه قدر تقديرا عظيما »لانومانسيا«ن وهي قصيدة تمثيلية فيها قوة وفيها جمال، تحي ذكرى مقاومة تلك المدينة الأسبانية للحصار الروماني (133 ق.م). وكان له كفارسه وهمه الذي يسنده؛ فظن أن الأجيال القادمة ستكرمه أولاً لتمثيلياته، وتكلم في غيرة لا تليق به وإن غفرناها له عن لوبي دي فيجا الذي وفق توفيقاً هائلاً، ثم كتب وهو يحتضر تقريباً، قصة أخرى من قصصه بعد أن هزأ بأكثر الروايات الغرامية »برسيليس وسجموندا«. وقبل أن يموت بأربعة أيام أهداها إلى كونت ليمور قائلا:

»مسحت بالأمس المسحة المقدسة الأخيرة، واليوم أخط هذا الإهداء، ليس في الوقت متسع، وعذابي يزيد، والآمال تتضاءل... فوداعاً للمزاح إذن، وداعاً فكاهاتي البهيجة، وداعاً أصدقائي المرحين، لأنني أشعر بأنني أموت، ولا أمنية لي إلا أن أراكم سعداء في الحياة الأخرى(33). ومات في 23 ابريل 1616 .

كان قد تنبأ على طريقته « المميزة أن كتابه »دون كخوته« سيباع منه ثلاثون مليون نسخة. وابتسم العالم لسذاجته، ثم اشترى ثلاثين مليونا. لقد ترجمت القصة العظيمة إلى لغات أكثر من أي كتاب باستثناء الكتاب المقدس. وفي أسبانيا يعرف أبسط القرويين من هو دون كخوته، وهو عموما، خارج الكتاب المقدس أيضاً، »أكثر شخوص الأدب كله حياة وفتنة وشهرة(34)«، وأكثر واقعية من ألف علم من أعلام التاريخ المستكبرين. وقد استطاع سرفانتس، بجعل قصته هذه صورة لآداب السلوك، أن يرسى أساس الرواية الحديثة، ويفتح الطريق لقصاصين مثل لوساج، وفيلدنج، وسموليت، وستيرن، ورفع هذا اللون الجديد إلى مقام الفلسفة إذ جعله يكشف عن طبائع البشر ويلقي الضوء على ما خفي من أخلاقهم.


المصادر

معلومات إضافية

  • Miguel de Cervantes (Modern Critical Views) / ed. Harold Bloom., 2005
  • Cervantes' Don Quixote: a casebook / ed. Roberto González Echevarría., 2005
  • The Cambridge companion to Cervantes / ed. Anthony J Cascardi., 2002
  • Cervantes's Don Quixote (Modern Critical Interpretations) / ed. Harold Bloom., 2001
  • Critical essays on Cervantes / ed. Ruth S El Saffar., 1986
  • Cervantes; a collection of critical essays / ed. Lowry Nelson., 1969
  • 'Cinco personajes fugaces en el camino de Don Quijote' / autora Giannina Braschi; Cuadernos hispanoamericanos, ISSN 0011-250X, Nº 328, 1977, pags. 101-115.
  • Frederick A. de Armas, Quixotic Frescoes: Cervantes and Italian Renaissance Art Book online
</dl>

مراجع أونلاين

</dl>

وصلات خارجية


خطأ لوا في وحدة:Authority_control على السطر 346: attempt to index field 'wikibase' (a nil value).