مستخدم:مذكرات الفريق جمال الفيصل في الوحدة والانفصال

نتائج إذاعة البلاغ رقم 9:
أولاً: على الصعيد العسكري
عندما أذيع البلاغ رقم 9 اعترض عليه بعض الضباط الانفصاليين الذين لم ترق لهم تسوية الأمور والإبقاء على حكومة الوحدة ، فاتصلوا برفاقهم الذين اتفقوا مع المشير وطلبوا منهم إلغاء البلاغ رقم 9 والسير بعملية الانفصال حتى النهاية وقد حدثني العميد فيصل سري الحسيني بأن المقدم مهيب الهندي اتصل من معسكر قطنا بالمقدم عبد الكريم النحلاوي في قيادة الجيش وطلب منه إلغاء الاتفاق وتنفيذ عملية الانفصال وهدده بالزحف على دمشق وتقويض مبنى القيادة على رؤوس الضباط الذين يحاولون الاتفاق مع المشير. وهكذا تراجع الانفصاليون عن الاتفاق الذي تم معهم وامتنعوا عن سحب الدبابات المحاصرة للقيادة وإعادتها إلى معسكراتها، وبالعكس فقد دخلت بعد مصفحات قوى البادية إلى الساحة الداخلية لمبنى القيادة. ثم امتنعت والمشير عامر عن إذاعة البيان رقم 10 بإنهاء حالة التمرد ، وهكذا فقد عادت الأمور إلى ماكانت عليها في الصباح قبل الاتفاق على حل الموضوع وتأزم الموقف من جديد. وعندها طلب العقيد موفق عصاصة بلسان رفاقه تسفير الوزراء العسكريين أكرم ديري ، جادو عز الدين ، طعمة العودالله ، وأحمد حنيدي للقاهرة فوافق المشير على سفرهم وسافروا فعلاً على طائرة عسكرية خاصة.
ثانياً: على الصعيد المدني
عند إذاعة البلاغ الأول الذي أذاعه الانفصاليون من محطة إذاعة دمشق قامت في دمشق بعض المظاهرات الهزيلة المنظمة تهتف هتافات معادية للوحدة. أما بعد إذاعة البلاغ رقم 9 فقد عمت مظاهرات الفرح والابتهاج كافة شوارع دمشق واتجهت باتجاه قيادة الجيش الأول لتعبر عن بهجتها وسرورها بإنهاء الخلاف وتسوية الأمور ، إلا أن الانفصاليين منعوها من الوصول إلى مبنى القيادة بعد أن اتفقوا على المضي بعملية الانفصال وإلغاء اتفاقهم مع المشير.
السفر إلى القاهرة:
عندما قرر الانفصاليون إلغاء اتفاقهم مع المشير ذهبت إلى مكتبي ووقفت فيه برهة وجيزة من الزمن وسألت الله أن يلهمني إلى سلوك الطريق السوي وعندها غمرتني موجة من ارتياح الضمير والاطمئنان النفسي وقررت البقاء على موقفي المؤيد للوحدة ومساندة المشير حتى يصل سالماً إلى أهله. ثم دخلت إلى مكتب المشير وبقيت لجانبه إلى أن دخل العقيد عصاصة وطلب من المشير السفر للقاهرة كما دخل العقيد محمد منصور وطلب مني البقاء في دمشق ثم تبعه اللواء عبد الكريم زهر الدين (وقد ظهر للمرة الأولى) وطلب مني بإلحاح البقاء في دمشق واستلام البلد بصورة تامة والتصرف بمقدراتها، وأعلمني بأن الضباط الانفصاليين يطلبون عدم سفري للقاهرة وعندها أجبته : (يا عبد الكريم لقد أقسمت يمين الولاء للجمهورية العربية المتحدة وسأبر بقسمي وإن الرجال تعرف بمواقفها الحاسمة في الفترات الحرجة من حياتها، وإن العمل الذي قام به الضباط الانفصاليون سيكون له نتائج سيئة جداً على مستقبل الأمة العربية تفوق نتائج حروب المغول وتحطيم الخلافة العباسية كما تفوق نتائج الحروب الصليبية. وإنكم بعملكم الذي قمتم به اليوم قد حطمتم الوحدة العربية وقضيتم عليها لفترة طويلة من الزمن لا يعلم إلا الله مدتها)
وعند ذلك ذهبت إلى مطار المزة مع المشير عامر يرافقنا اللواء عبد الكريم زهر الدين والعقيد موفق عصاصة . وفي المطار وقبل إقلاع الطائرة طلب مني اللواء زهر الدين عدم السفر والبقاء في دمشق ، ولكني رفضت طلبه ودخلت الطائرة. وعند إقلاع الطائرة نظرت إلى غوطة دمشق وتألمت لأن ضباط الانفصال حطموا الوحدة تلبيةً لنزعات شخصية ونزوات فردية تحقيقاً لأطماع مادية سعى إليها بعض أبناء هذا البلد المجاهد المناضل.
نهاية أحداث يوم الانفصال من مذكرات الفريق جمال فيصل - تم بعونه تعالى
تكريس الانفصال ، كتب الفريق :
في اليوم التالي ليوم الانفصال أعلن عن تشكيل وزارة سورية انفصالية برئاسة السيد مأمون الكزبري ذو الميول الأمريكية ورئيس مجلس نيابي سابق في عهد الشيشكلي. تظاهرت هذه الوزارة بالدعوة لقيام وحدة بينما كانت تعمل على تعميق جذور الانفصال ، وكان من أولى الأعمال التي قامت بها حكومة الكزبري :
إصدار قانون بتشكيل المجلس العدلي لمحاكمة الوحدويين السوريين . وللمجلس العدلي تاريخ بغيض في سوريا حيث شكله الفرنسيون لمحاكمة الوطنيين السوريين وقمع الحركات الوطنية.
توقيع مرسوم بإحالتي على التقاعد اعتباراً من يوم 29/9/1961.
الدعاوى المقدمة للمجلس العدلي ضد قائد الجيش الأول:
كان من المألوف أن يقوم رؤساء الأركان منذ عهد حسني الزعيم بتوقيف الأشخاص الذين يعارضون سياستهم في سجن المزة العسكري ، إلا أنني امتنعت خلال فترة قيادتي للجيش عن توقيع أوامر التوقيف كما منعت الشعبة الثانية من توقيف الأشخاص دون محاكمة. ومن ثم فقد أنيط أمر التوقيف بوزير الداخلية بناءً على تفويض من رئيس الجمهورية وفقاً لأحكام قانون الطوارئ . كما أنني قد خولت صلاحية التوقيف في منطقة الجبهة وفقاً للقانون المذكور، إلا أنني لم أستعمل صلاحيتي هذه مطلقاً.
أما التوقيفات التي كانت تتم في سجن المزة العسكري فقد اتفقت مع وزير الداخلية على أن يرفق كل مذكرة توقيف بكتاب يبين فيه أن التوقيف قد تم يناءً على أمره ووفقاً لقانون الطوارئ. وكان لهذا التدبير الأثر القانوني الكبير عندما أقيمت دعاوى التوقيف غير القانوني وحجز الحريات على قائد الجيش الأول بعد الانفصال. ونتيجة التحقيق القضائي الذي قام به قضاة المجلس العدلي تقرر عدم مسؤوليتي عن التوقيفات المذكورة.
مقابلة الرئيس ناظم القدسي وموقفه من الوحدة وموقف ضباط الانفصال من الوحدة:
اتصل معي وزير الدفاع هاتفياً وقال لي حرفياً : (يا سيادة الفريق إنني أتكلم معك من مكتب فخامة الرئيس ناظم وبحضوره لأعلمك بأن فخامة الرئيس قد درس الإضبارة كمحامي ويهنئك على حرصك ودقتك كما يعلمك أن موقفك كان قانونياً وأنك غير مسؤول لذا فسوف يصدر قرار بإلغاء كافة الإجراءات والتحقيقات) ثم أردف قائلاً: (إن فخامة الرئيس ينتظرك في مكتبه في الساعة الحادية عشرة من صباح الغد
.
قابلت الرئيس ناظم القدسي في مكتبه حيث أعلمني بأنه مستاء من تصرف ضباط الجيش ثم قال في حديثه : ( حاولت كثيراً إعادة الوحدة إلا أن موقف الضباط لا يسمح بإعادة الوحدة وإن الوفد الذي ذهب لمقابلة عبد الناصر عاد وكانوا جلوساً هنا -وأشار إلى الأماكن التي كانوا جالسين عليها- وأعلمني الوفد أن عبد الناصر شيوعي لذلك فلا يمكن إعادة الوحدة معه).
ثم سألني الرئيس ناظم عن رأيي في بعض المواضيع التي تتعلق بكفاءة الجيش فشرحت رأيي بصورة مفصلة ، وعند ذلك نظر إلي وقال: (إنني مطلع على كل ذلك وإن الذي قلته صحيح ولكن ما بيدي حيلة وإني على استعداد للذهاب إلى القاهرة وإعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي ولكن الضباط لا يوافقون على ذلك))
jamal
كتب الفريق:
في أوائل شهر آذار من عام 1958اتصل بي العقيد عبد المحسن أبو النور وطلب مني مقابلة المشير عامر والذي طلب مني بدوره أن أترك قيادة الدرك التي انتدبت إليها لمدة سنة وأعود للجيش ، كما طلب مني المشير مقابلة اللواء حليم كاتم أسرار الجيش لإطلاعي على الأوامر الجديدة التي أعدها المشير وإعطاؤه رأيي فيها.ذهبت إلى مكتب اللواء حليم وقدم لي ثلاث قوائم:
القائمة الأولى تتعلق بإحالة 70 ضابطاً على التقاعد.
القائمة الثانية تتعلق بتعيين :
العقيد عبد المحسن أبو النور (مصري) معاوناً لقائد الجيش
العقيد أحمد زكي (مصري) رئيساً للشعبة الأولى
العقيد محمد اسطمبولي (سوري) رئيساً للشعبة الثانية
العقيد أكرم ديري (سوري) رئيساً للشعبة الثالثة
العقيد ألبير عرنوق (سوري) رئيساً للشعبة الرابعة في قيادة الجيش الأول .
كما أطلعني على بعض النشرات التي تتعلق بانتداب بعض الضباط إلى بعض المراكز المدنية أو إلى القيادة بالقاهرة.ولدى عودتي إلى مكتب المشير عامر أبديت له الملاحظات التالية :
إن قانون الجيش السوري لايسمح للقائد العام (المشير عامر) بإحالة الضباط على التقاعد قبل بلوغهم السن القانونية، لذلك فإن قائمة التسريحات غير قانونية ولا يمكن تنفيذها.
يُفضّل أن يرافق تعيين العقيد عبد المحسن أبو النور والمقدم أحمد زكي تعيين ضابطين سوريين في مراكز مماثلة في قيادة الجيش المصري.أما إجراء التنقلات فهذا من صلاحيتك باعتبارك قائداً عاماً ووزيراً للحربية.
ثم أعلمني المشير عامر بأنه سيصدر أمراً بتعييني نائباً لقائد الجيش الأول كما سيصدر أمراً باعتبار رئيس الأركان السوري اللواء عفيف البزري قائداً للجيش الأول في الجمهورية العربية المتحدة ، وفعلاً فقدر صدرت كافة الأوامر المتعلقة بالنقل والتعيين ، أما قائمة الإحالة على التقاعد فقد صدرت بعد عيد الفطر بعد أن تم تعديل قانون الجيش وتعديل سلم رواتب التقاعد ليصبح 75% من الراتب الذي يتم تقاضيه أثناء الخدمة.
خلال إقامة المشير عامر في دمشق تدارس مع اللواء البزري الذي رفع لرتبة فريق إجراء بعض التعديلات على قانون الجيش السوري وقانون التقاعد بغية التقارب بين القوانين السورية والمصرية ، وبغية توحيد الخطوط الكبرى في قوانين الجيشين . وبعد سفر المشير إلى القاهرة تابع اللواء حليم كاتم أسرار الجيش مناقشة القانونين المذكورين مع مختلف رؤساء الدوائر ، وكان التعديل ينصب بالدرجة الأولى على مايلي:
أ- إعطاء الحق للقائد العام (المشير عامر) بإحالة الضباط على التقاعد.
ب- إعطاء الحق للقائد العام بانتداب الضباط إلى مختلف وزارات الدولة.
ج- تشكيل لجنة للضباط تقوم بدراسة التنقلات والترفيعات والانتداب .
أما قانون التقاعد فقد أجريت عليه بعض التعديلات الهامة وأبرزها :
أ- إحالة الضابط على التقاعد حتماً إذا لم يرفع إلى درجة أعلى بعد قضاء مدة معينة في الرتبة السابقة (وقد أحيل على التقاعد وفقاً لهذه المادة عدد كبير من الضباط).
ب- إعطاء الحق للقائد العام بتحديد مبلغ الراتب التقاعدي.
ج- زيادة الراتب التقاعدي زيادة ملحوظة بشكل لا يختلف كثيراً عن الراتب الفعلي.
وجود ضباط مصريين في قيادة الجيش السوري :
بعد تشكل القيادة المشتركة للجيشين السوري والمصري مساء 6/11/1955 والتي كنت فيها رئيس الوفد السوري ،كان في سورية العقيد عبد المحسن أبو النور الملحق العسكري المصري ورئيس الوفد المصري للقيادة المشتركة يعاونه أحمد زكي والمقدم علوي. وكان العقيد عبد المحسن على اتصال دائم مع ضباط القيادة السورية الذين كانوا يتهافتون عليه ليكون صلة الوصل بينهم وبين عبد الناصر وكان يجمع المعلومات عن الضباط وكفائتهم وميولهم السياسية وثقافتهم العسكرية، بالإضافة إلى أن النقيب مصطفى حمدون رئيس الشعبة الأولى في حينها قد سلم المقدم أحمد زكي سجلاً للضباط يحوي على كافة المعلومات حتى المعلومات الخاصة بالنقيب حمدون والتي كان يدونها مقابل أسماء الضباط البعثيين لأنه كان بعثياً والضباط الحزبيين عموماً. لذلك تمكن العقيد عبد المحسن أبو النور من معرفة أسماء الضباط البعثيين مع المعلومات الكافية عن كل منهم بواسطة خطيئة ارتكبها النقيب مصطفى حمدون. وعندما قيام الوحدة اتفق المشير عامر مع اللواء البزري على تعيين العقيد عبد المحسن أبو النور كمعاون لقائد الجيش وتعيين أحمد زكي رئيساً للشعبة الأولى (شعبة التنظيم والإدارة) وهكذا فقد استلم المصريون المركزين الرئسيين في الجيش.
الخلاف بين المشير عامر والفريق البزري :
عند قيام الوحدة اتفق المشير عامر مع اللواء عفيف البزري على تعيين أحمد زكي رئيساً للشعبة الأولى (شعبة التنظيم والإدارة) . ثم طلب البزري من المشير عامر لاحقاً تعيين المقدم أحمد حنيدي رئيساً للشعبة الأولى ، كما طلب إجراء بعض التعيينات الأخرى إلا أن المشير لم يستجب لطلبه هذا وفسر ذلك (حسب ما قال لي لاحقاً) بأن البعثيين كانوا يرون إسناد هذا المركز إلى ضابط منهم على اعتبار أن الرئيس السابق لهذه الشعبة (مصطفى حمدون) كان منهم وأن تعيين أحمد حنيدي سيعتبر تحيزاً لفئة دون أخرى . وتقرر أخيراً بحث الموضوع في القاهرة مع الرئيس عبد الناصر . إلا أن كل من الفريقين بقي متشبثاً برأيه مما دعا البزري إلى الاستقالة وعين في هيئة تخطيط الجمهورية لكنه وجد نفسه بدون عمل مما اضطره للعودة إلى سورية وطلب إحالته على التقاعد. وتم استلامي لقيادة الجيش الأول في الإقليم السوري في صباح 24/3/1958 .
الضباط المصريون في الجيش السوري :
كان الجيش السوري يعاني من نقص في الأفراد وخاصة الضباط ، لذلك فقد رأى المشير تلافي هذا النقص بانتداب عدد من الضباط المصريين للعمل في وحدات الجيش السوري مما جعل الضباط السوريين يشعرون بالتنافس غير البريء والمشوب بشيء من التململ. وإني لأذكر أن سلوك الضباط المصريين كان فيه شيئاً من العجرفة والتعالي على زملائهم السوريين .كما أن الضباط السوريين الذين انتدبوا إلى القاهرة كانوا يقضون أوقاتهم بدون عمل جدي أو أنهم كانوا يعاملون كعناصر من الدرجة الثانية ، وقد لفتت نظر المشير لهذا الأمر ولكنه لم يقم بأي شيء حاسم وكانت أمورهم تسير من سيء إلى أسوأ.ومما لا شك فيه أن الضباط السوريين تعودوا على السلطة أو التسلط منذ الانقلاب الأول لذلك فقد كان الضابط السوري يرى في نفسه شيء من الغضاضة عندما كان يعامل معاملة يشوبها الفتور.
استلام وأعمال قيادة الجيش الأول :
منذ صباح 24/3/1958 وحتى يوم الانفصال واجهتني صعوبات كبيرة وكبيرة جداً استغرقت مني عملاً يومياً من 10-12 ساعة وتم إنجاز مايلي :
استيعاب الأسلحة الروسية.
إنشاء المستودعات للأسلحة والذخائر والمحروقات والإمداد والتموين والمهندسين.
بناء الثكنات والمطارات والمساكن الملحقة بها.
إعادة تنظيم الجيش (مدرعات-إشارة-مدفعية-مشاة-احتياط).
وضع برامج التدريب (تدريب الطيارين-البحارة-كلية الأركان-قادة الكتائب-الإيفادات إلى روسيا).
وضع خطط العمليات الهجومية والدفاعية في الجبهات، توحيد المدارس، توحيد المظليين.
إعادة تنظيم الشؤون الإدارية، التوجيه المعنوي.
معالجة نتائج الإنزال الأمريكي في لبنان والإنزال البريطاني في الأردن، وثورة العراق.
تحسين الوضع المادي والمعنوي لوحدات الجبهة وتأسيس نوادي الضباط فيها ، وبناء القرى الأمامية النموذجية المزودة بالماء والكهرباء.
تأسيس المعامل لتأمين التجهيزات والألبسة، تأسيس ورشات صيانة الآليات والدبابات والأسلحة والذخائر.
إحداث المستشفيات الميدانية ، معمل الأطراف الصناعية ، بنك الدم ، مدينة أبناء الشهداء ومدارسها.
تأليف المعجم العسكري بالمصطلحات العسكرية بثلاث لغات (العربية والفرنسية والانكليزية) لتوحيد مصطلحات الجيوش العربية .
وكانت أهم الإنجازات:
إنشاء المستودعات : خوفاً من انقطاع الإمداد بالأسلحة الروسية قام الجيش السوري بشراء كميات كبيرة زائدة عن الحاجة من الأسلحة والذخائر. لذا تم إنشاء مستودعات مستقلة لكل من الذخائر والأسلحة والمعدات والدبابات وورش إصلاحها ، ومستودعات مستقلة لكل من المحروقات ، الألبسة ، وذلك لاحتوائها والحفاظ عليها من التلف في العراء.
إعادة تنظيم الجيش واستيعاب صفقات الأسلحة : تمت إعادة النظر بتشكيلات الجيش وتنظيم وحداته وخاصةً وحدات المدرعات والمدفعية التي تضاعفت تشكيلاتها بمعدل 300%، وقمت بالاحتفاظ بالأسلحة التي زادت عن حاجة الوحدات بشكل فني وخصصتها لتسليح ألوية الاحتياط . كما تم بناء ثكنات جديدة رافقت تضخم الجيش وتم تحسين المطارات وتوسيعها بالإضافة إلى التجهيزات الحديثة التي أدخلت إلى كافة المطارات. كما تم بناء مدن سكنية للضباط والأفراد و مراكز لقيادات الأسلحة البحرية والطيران.وقد شمل التنظيم كل ألوية الجيش بعد إدخال الإسلحة الثقيلة إلى تشكيل ألوية المشاة والمدرعات والمشاة المحمولة بحيث أصبح اللواء وحدة قتالية يمكنها القتال بصورة مستقلة مع أسلحة الدعم الداخلة بتشكيلها . أما بالنسبة لسلاح الطيران فقد تم شراء الطيارات الليلية وبدأ الطيارون بالتدرب عليها في روسيا ومصر. وقد تم إنشاء خط ثاني من ألوية الاحتياط للدفاع عن المدن والمراكز الحيوية . وقد استغرقت إعادة تنظيم الجيش وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً يفوق حد التصور.
وضع برامج التدريب: بعد أن تم تجهيز الجيش بالأسلحة الجديدة تمت إعادة النظر في برامج ومناهج التدريب من حيث الأسلوب والطريقة والتنفيذ. مما اضطرنا إلى إعادة النظر في برامج كافة الكليات والمدارس وبرامج تدريب الوحدات ، وهذا التبديل فرض علينا بناء حقول رمي جديدة لأسلحة المشاة والدبابات والمدفعية وخاصة مدفعية م/ط (المضادة للطائرات) وتجهيز هذه الحقول بالمعدات الجديدة. أما تدريب سلاح البحرية والقوات الجوية فقد ألقي على عاتق السلاح البحري المصري والقوات الجوية المصرية بغية توحيد الأساليب وطرق العمل المشترك. كما تم نقل المدارس بغية توحيدها إلى الإقليم الجنوبي الذي تتوفر لديه الإمكانيات الجيدة أكثر مما هو متوفر لدى الإقليم الشمالي ، وشمل التدريب في سورية الوحدات المحاربة وما يتبع ذلك من مدارس المشاة والإشارة والمدفعية والمهندسين ، كما تم توحيد وحدات المظليين في كلا الإقليمين.
تأسيس كلية الأركان وقادة الكتائب: تم إنشاء كلية الأركان وكلية قادة الكتائب لمختلف صنوف الأسلحة الأرضية درست فيها لأول مرة في تاريخ الجيش تعاون الأسلحة المختلفة في القتال وكيفية استعمالها.وضع خطط العمليات:أعيد النظر بكافة خطط العمليات الحربية وتم وضع الخطط الجديدة (الدفاعية-الهجومية ، الرد على عمليات محددة والتصدي لها) وفق تنسيق مشترك مع الإقليم الجنوبي .
دعم حركات التحرر العربية :
ثورة 14 تموز في العراق والعلاقات مع الجمهورية العربية المتحدة:
في الصباح الباكر من يوم 14 تموز 1958 اتصل بي هاتفياً المقدم محمد اسطمبولي رئيس شعبة المخابرات الحربية وأعلمني عن قيام انقلاب عسكري في العراق أطاح بالنظام الملكي التابع لبريطانيا وأعلن قيام النظام الجمهوري، هذا كل ما علمته عن انقلاب العراق في ساعته الأولى. وفوراً أعلمت المشير عامر ببرقية أرسلتها إلى القاهرة وطلب مني في جوابه عليها تأييد الانقلاب وعند ذلك اتصلت بزعماء الانقلاب هاتفياً عن طريق هاتف دير الزور-البوكمال وخلال الاتصال علمت أن زعيم الانقلاب هو الزعيم عبد الكريم قاسم وأن قائد اللواء الذي نفذ عملية الانقلاب هو العقيد عبد السلام عارف وقد سبق لهذين الضابطين أن تعرفا على بعض الضباط السوريين عندما كانا على رأس اللواء العراقي الذي جاء للدفاع عن الأردن أثناء العدوان الثلاثي على مصر
.
اتصلت بالزعيم عبد الكريم قاسم وطلب مني دعم حركته الانقلابية كما أعلمني أن السيد فائق السامرائي سيصل إلى دمشق للاتصال معنا وفعلاً وصل السيد السامرائي إلى دمشق مساء اليوم التالي وقابلته وطلب تزويد العراق بالأسلحة والذخائر بريطانية الصنع
.
حدث ذلك بينما كان الرئيس عبد الناصر يقوم بزيارة يوغوسلافيا وكان قد غادرها باتجاه الاسكندرية عن طريق البحر فأعلمه الرئيس تيتو بأن الأسطول السادس الأمريكي قد انتشر في أرجاء البحر الأبيض المتوسط فعاد الرئيس إلى يوغوسلافيا وسافر منها إلى روسيا واجتمع مع خورتشوف الذي أبلغه تأييده المطلق . وأثناء إقامته في روسيا علم بخبر الإنزال الأمريكي في لبنان والبريطاني في الأردن ثم عاد إلى سوريا جواً عن طريق إيران
.
وفي نفس اليوم الذي وصل فيه الرئيس عبد الناصر إلى دمشق وصل العقيد عبد السلام عارف إليها مع وفد عراقي وأمام قصر الضيافة بدمشق خطب الرئيس عبد الناصر معلناً تأييده لثورة العراق كما أعلن العقيد عبد السلام عارف أن العراق يعتمد على تأييد الرئيس عبد الناصر وشعب الجمهورية العربية المتحدة كما أعلن عن استعداد العراق للانضمام إلى الوحدة السورية المصرية وكان يتكلم بلغة سليمة تخللها بعض الآيات القرآنية. وفي المساء عقد اجتماع بين الرئيس والوفد العراقي في منزل المشير عامر بدمشق ثم طلب مني الرئيس الاجتماع بالوفد العراقي المرافق للعقيد عبد السلام عارف وتم الاتفاق مع الوفد العراقي على تزويد العراق بالأسلحة الانكليزية وذخائرها من مصر وخاصة المدافع الساحلية لحماية ميناء شط العرب ومدافع الميدان وكانت تنقل بالبواخر من مصر إلى اللاذقية في سوريا ومنها إلى دمشق ومن دمشق إلى بغداد على متن السيارات العراقية وبالمقابل كانت السيارات العراقية تحمل عند مجيئها من العراق بصفائح البنزين المخصص للطائرات لأن سوريا كانت تعاني نقصاً بالوقود. وخلال عمليات النقل هذه كانت الاتصالات البرقية مستمرة بيني وبين الزعيم عبد الكريم قاسم وكانت عبارة عن طلبات عراقية يجري تلبيتها بسرعة. وخلال الأيام الأولى من الانقلاب العراقي أرسلت أحد الضباط للاطلاع على تقارير حلف بغداد التي كان يرسلها الملحق لعسكري العراقي في دمشق العقيد صالح مهدي السامرائي أثناء فترة الانقلابات السورية العديدة وخلال قيام حكومة نوري السعيد في العراق بالدعوة لمشروعي سوريا الكبرى ثم الهلال الخصيب الساعية لضم سوريا إلى الملكية العراقية وعاد الضابط لدمشق وهو يحمل ثلاث حقائب مملوءة أخذها من مقر حلف بغداد في العاصمة العراقية فيها معلومات مفصلة عن بعض السياسيين والعسكريين السوريين والصحف السورية المتعاملة مع النظام العراقي مع تفصيلات عن المبالغ المدفوعة لهذه الجهات وكثير من التقارير الاستخباراتية عن الوضع السياسي في سوريا ووضع الجيش السوري وقطعاته وأمتنع عن ذكر هذه الأسماء . ثم تم تعيين المقدم عبد المجيد فريد من ضباط الإقليم الجنوبي يعاونه المقدم طلعت صدقي كملحق عسكري للجمهورية العربية المتحدة في بغداد
.
وفي الأشهر الأولى لقيام الثورة العراقية دب الخلاف بين زعيمي الثورة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف ، فالزعيم عبد الكريم قاسم ويؤيده الشيوعيون ورجال الحزب الوطني الديمقراطي كان يميل لانتهاج سياسة يسارية بينما كان عبد السلام عارف ويؤيده القوميون العرب والبعثيون يطالبون بالوحدة التامة مع مصر وسوريا. وتفاقم الخلاف بينهما وأدى لخلاف بين العراق والجمهورية العربية المتحدة لعبت فيه الأهواء السياسية والميول الحزبية لعبة غير شريفة إلى أن وصل الأمر إلى مهاترات إذاعية وانتهى الأمر بتنحية عبد السلام عارف واستئثار عبد الكريم قاسم بالسلطة مع مجموعة من الضباط اليساريين على رأسهم العقيد المهداوي رئيس المحكمة العسكرية التي قامت بمحاكمة رجالات العهد الملكي بالعراق
معالجة الإنزال الأمريكي في لبنان:
كان لبنان قبيل الثورة العراقية مسرحاً لاضطرابات داخلية بسبب السياسات الغربية التي اتبعها رئيس الجمهورية السيد كميل شمعون وقد انفجرت هذه الاضطرابات بشكل علني إثر اغتيال الصحفي السيد نسيب المتني المعروف بسياسته العربية وأخذت هذه الاضطرابات شكلاً طائفياً كما انقلبت إلى حرب أهلية طائفية بين المسيحيين والمسلمين. وخشي الرئيس شمعون من أن تنتقل عدوى الثورة إلى لبنان فاستدعى الوحدات العسكرية الأمريكية للقيام بإنزال في لبنان . وقد قامت الجمهورية العربية المتحدة بمد يد المساعدة إلى العناصر الوطنية التي كانت تنادي بالشعارات العربية فأمدتهم ببعض الأسلحة للدفاع عن أنفسهم ، إلا أن الثورة بدأت ولم تنتهي إلا بانتهاء مدة ولاية الرئيس شمعون وانتخاب اللواء فؤاد شهاب قائد الجيش اللبناني رئيساً للجمهورية والذي عمل على إحلال الوفاق بين مختلف الأحزاب اللبنانية. وأثناء تلك الأحداث قامت الحكومة اللبنانية بطرد السوريين العاملين في لبنان والذين يبلغ تعدادهم أكثر من مئتي ألف عامل . وخلال فترة بقاء القوات الأمريكية في لبنان اتخذ الجيش السوري بعض التدابير الوقائية العسكرية وانتشرت الوحدات المحاربة على طول الحدود بين سوريا ولبنان
وخلال زيارة الرئيس عبد الناصر الثالثة في دمشق اجتمع مع الرئيس اللبناني فؤاد شهاب على الحدود السورية اللبنانية وقد تم الاجتماع في كوخ خشبي أقامه الجيش الأول على الحدود بينما كان الثلج يهطل بكثرة في مكان الاجتماع وقد تم في الاجتماع المذكور تصفية كافة المسائل التي نتجت عن الجرب الأهلية في لبنان. كما تم تصفية الذيول التي خلفها دخول القوات الأمريكية إلى الأراضي اللبنانية بعد ثورة 14 تموز في العراق
.
وكان من أهم الأمور التي تم الاتفاق عليها:
إقرار مبدأ عروبة لبنان.
السماح للعمال السوريين بالعودة إلى لبنان.
تعهد الجانب اللبناني بالقضاء على التآمر ضد مصالح الجمهورية العربية المتحدة.
مكافحة العناصر الهدامة والجاسوسية العالمية التي كانت تعمل من لبنان ضد الجمهورية العربية المتحدة.
جمع الأسلحة وإعادتها إلى سوريا.
وبعد انتهاء الاجتماع عاد الرئيس عبد الناصر إلى دمشق ثم سافر بالطائرة بصورة مكتومة من أحد المطارات الحربية
الإنزال البريطاني في الأردن:
بعد قيام ثورة العراق قام الملك حسين ملك الأردن باستدعاء الوحدات البريطانية لحماية نظامه فقام الجيش البريطاني بإنزال قطعات عسكرية بريطانية في الأردن عبر إسرائيل مما وضع على عاتق الجيش الأول أعباء عسكرية أخرى حيث اضطر إلى نشر القوات العسكرية على الحدود الأردنية السورية وبقيت هذه الوحدات بالإضافة إلى الوحدات التي انتشرت على الحدود اللبنانية مدة شهرين توقفت خلالها برامج التدريب كما توقفت عملية تنظيم الجيش
نقل أسلحة من سورية إلى مصر:
بعد أن ساءت العلاقات مع العراق في عهد عبد الكريم قاسم ومن ثم مع روسيا توقفت روسيا عن إمداد مصر بالأسلحة ، واستمر توريد السلاح المتعاقد عليه سابقاً إلى سورية. وكانت مصر تؤمن حاجتها من قطع الغيار من مستودعات الجيش السوري . وكانت مصر على معرفة بمحتويات مخازن الجيش السوري لأن قادة الأسلحة كاموا يقومون بإحصاء الموجود منها في المستودعات أثناء قيامهم بجولاتهم التفتيشية ، كما أن القيادة كانت على اطلاع على محتويات الصفقة الروسية إلى سورية. وكانت عملية النقل تتم بإصدار الأمر من مكتب القائد العام بالقاهرة بنقل المعدات وإبلاغه إلى معاون قائد الجيش. و قد تم نقل بعض ذخائر الهاون 120 وذخائر المدفعية م/ط . وعندما أعلمني قائد سلاح الإشارة بأنه تلقى أمراً بنقل 50 جهاز لاسلكي معدة لألوية الاحتياط ألغيت أمر النقل ولم أنفذه وطلبت من مديرية التسليح وبقية المصالح عدم تنفيذ الأوامر المتعلقة بنقل الأسلحة والمعدات والذخائر من سورية إلى مصر إلا إذا كانت موقعة مني شخصياً وبعد أن يقوم بالاتصال معي هاتفياً لتأكيد التوقيع. وبعد ذلك تم شحن 150 سيارة مدرعة من ناقلات الجنود ب.ت.ر من روسيا إلى مصر وأدخلت في ملاك الفرقة الرابعة المصرية لإتمام النواقص ، وتبين ذلك عندما قمت بإجراء جرد عام على الصفقات الروسية تبين بعده نقص السيارات المدرعة المذكورة ولدى الاستفسار من الجانب الروسي عنها أعلمنا بأنها شحنت إلى مصر .
قابلت المشير عامر وبحثت معه الأمر وأظهرت له بأن ما حدث يجب أن لا يمر لأن المدرعات المذكورة معدة للجيش الأول وأن أثمانها دفعت من الميزانية السورية، وأن الجيش الأول بحاجة إليها لإتمام ملاكاته بعد ان أعيد تنظيمها. وعندئذٍ أصدر المشير أمره بإعادة المدرعات وهكذا انتهت القضية ولكنها تركت أثراً سيئاً في نفوس الضباط السوريين ، كما تركت أثراً عميقاً في نفس كل من المشير عامر والفريق علي عامر ثم ساءت علاقتي بهما بعد ذلك
.
مناورات الجيش الأول ومعركة التوافيق (هذه الفقرة من خارج مذكرات الفريق):
أ- المناورات
يذكر العدد 407 من مجلة الجندي الصادر بتاريخ 2/6/1959 تنفيذ الجيش الأول في ربيع عام 1959 بقيادة الفريق جمال الفيصل أول مناورة كبرى في تاريخ الجيش السوري على مستوى كامل قطعات الجيش وبأساليب جديدة لرفع التنسيق بين قطعاته وجاءت نتيجة المناورة ناجحة تماماً وساهمت في رفع جاهزية الجيش ومعنوياته. تلا ذلك ولأول مرة في تاريخ الجيوش العربية إجراء المناورة البحرية لجيوش الجمهورية العربية المتحدة
.
ب- معركة التوافيق
كانت استراتيجية الجمهورية العربية المتحدة عسكرياً تقتضي بمحاصرة الكيان الصهيوني بجيشين قويين من الشمال والجنوب والعمل على رفع التنسيق بين الجيشين إلى حين المواجهة الحاسمة ، إلا أن اليهود لم يتوقفوا عن الاعتداء على القرى السورية الجنوبية فكانت معركة التوافيق في شباط عام 1960 والتي تصدت فيها كتيبة الحرس الوطني في القطاع الجنوبي من الجيش الأول في قرية التوافيق قرب الحمة والتي كان يرأسها النقيب شحود الأتاسي و سرية الهاون 120 بإمرة عدنان صافي ، كانت معركة ذات أهمية شديدة لانتصار الجيش السوري فيها على الجيش الاسرائيلي نصراً ساحقاً، كان من نتائجها أن عززت هذه المعركة الخوف في نفوس القادة الصهاينة من الجيش الأول . بدأت المعركة في منتصف الليل عندما هاجم العدو منطقة التوافيق بقوة تفوق ثلاثة أضعاف قوة الكتيبة السورية المتمركزة هناك وشن هجومه بأسلحة متعددة (مشاة محمولة، ودبابات، كتائب هندسة، ومدفعية، وطيران) واستمرت الواقعة ساعات أربع حتى الرابعة صباحا وانتهت بانسحاب العدو خاسئاً تحت وطأة المقاومة الشديدة للوحدات السورية الباسلة ، فخسر السوريون ثلاثة جنود استشهدوا وسقط منهم خمسة جرحى، بينما مني العدو بأضعاف هذه الخسائر إذ كبدت قواته خمسين قتيلا ومئة جريح مع الفارق الكبير في حجم القوات المهاجمة والقوات المدافعة، فكان درسا للعدو وللوحدات السورية في تاريخ الحرب العربية-الاسرائيلية ونموذجا يحتذى من البسالة والمقاومة، وتوقفت على إثر المعركة الاعتداءات اليهودية على القرى السورية
.
الانفصال :
امتازت أشهر تموز وآب وأيلول من عام 1961 باضطراب الأحوال في دمشق للأسباب التالية:
تذمر الوزراء المستقيلون وإطلاقهم لمختلف أنواع الشائعات التي تنتقد تصرفات المصريين.
إصدار القوانين الاشتراكية.
توحيد الوزارة ونقل الوزراء السوريين إلى القاهرة.
نقل بعض ضباط المخابرات.
سوء المواسم الزراعية الناتجة عن الجفاف الذي ضرب سورية في أعوام 58-59-1960.
إغلاق أسواق السعودية والعراق في وجه المنتجات الصناعية السورية بسبب الخلافات السياسية.
أدى نقص المواسم الزراعية إلى نقص وجود القطع النادر والذي كانت تحصل عليه سورية من بيع هذه المحاصيل. وبالتالي أدى ذلك إلى نقص السلع الضرورية المستوردة من الخارج في الأسواق. وبالنتيجة هبوط القيمة الشرائية لليرة السورية.
إقبال المصريين على شراء السلع الضرورية المستوردة ونقلها من دمشق إلى القاهرة بسبب افتقار مصر لهذه السلع أيضاً.
سوء تصرف بعض المسؤولين العسكريين المصريين التي أتيت على ذكرها سابقاً.
نشاط العملاء الذين يعملون بوحي من الدول الغربية لإساءة سمعة الدولة وعبد الناصر.
كل هذه الأمور أدت إلى تعيين المشير عبد الحكيم عامر نائباً لرئيس الجمهورية في دمشق وإعطائه صلاحيات رئيس الجمهورية. وقد تعددت زيارات المشير لدمشق وباشر في معالجة الوضع على الشكل التالي:
الحد من سلطة رجال المخابرات وإغلاق بعض مكاتبهم.
محاولة إعطاء بعض التفسيرات الخيرة لقانون الإصلاح الزراعي في كل ما يتعلق بحصة أفراد العائلة الواحدة وخاصةً فيما يتعلق برجال العشائر.
الإسراع في صرف تعويضات الأسهم التي شملها قانون التأميم.
إصلاح الوضع في سورية بصورة عامة.
خلاف المشير عامر مع السراج
اعتقد وزير الداخلية السوري ورئيس المجلس التنفيذي عبد الحميد السراج أن مجيء المشير عامر إلى دمشق معناه سحب السلطة منه وتقليص صلاحياته وخاصةً بعد أن أبدى السراج معارضته لنقله من دمشق للقاهرة . وقام عبد الناصر باستدعائهما للقاهرة لحل الخلاف وأصر السراج على موقفه ثم عاد لدمشق وكان مستاءاً جداً من المعاملة التي لقيها بالقاهرة. فاجتمع بأعضاء الاتحاد القومي بدمشق وأعلمهم بنبأ استقالته لخلافه مع المشير وكأنه يريد منهم دعمهم في موقفه، إلا أن بعض من اجتمع بهم نقل إلى المشير أقوال السراج فاجتمع المشير أيضاً بأعضاء الاتحاد القومي وشرح موقفه
.
بعدها دعا الرئيس عبد الناصر السراج للسفر ثانيةً للقاهرة فسافر مع المشير بنفس الطائرة ولكن الرئيس فشل في إقناعه بتسوية الخلاف وأصر السراج على الاستقالة وعاد لدمشق .
وأثناء وجود السراج في القاهرة للمرة الأولى بعد أن استدعاه الرئيس قدم أحد عناصر المخابرات الحربية تقريراً ذكر فيه أن السراج طلب من أحد ضباط المخابرات المدنية (تنفيذ المتفق عليه في حال عدم عودته من القاهرة)، وعندئذٍ حامت الشبهات حول عناصر مخابرات وزارة الداخلية وخاصةً العسكريين القدماء منهم فاستدعي بعضهم إلى دورة عسكرية تدريبية وأبعد البعض الآخر عن المخابرات كما تم نقل الأسلحة الموجودة في مستودعات وزارة الداخلية في دمشق ودير الزور. وكان هذا التقرير سبباً في عدم الاطمئنان إلى عناصر المخابرات واتهامهم للتحضير بالقيام بانقلاب عسكري.
أخبار عن انقلاب
الخبر الأول: ذكر لي المشير عامر في بيته أن الشيخ أحمد كفتارو أبلغه بأن المقدم مهيب الهندي قد طلب من الملازم موصلي الاشتراك معه بانقلاب وأن الملازم أقسم اليمين على القرآن بعدم إفشاء السر وقام باستشارة الشيخ كفتارو عن الطريقة التي يتحلل بها من قسمه . ثم أضاف المشير بأنه أوفد أحمد علوي والعقيد اسطمبولي رئيس المخابرات الحربية للتحقيق بالموضوع ، وأنه ينتظر عودتهما لمعرفة حقيقة الأمر . وبعد حوالي الساعة عاد الضابطان المذكوران وأعلما المشير بأن الموضوع لا يستحق الاهتمام ولا يوجد أي شيء مريب وأقول للحقيقة بأني صدمت من هذا التدبير
.
الخبر الثاني: في منتصف شهر أيلول 1961 تلقى العقيد جاسم علوان هاتفاً من شخص مجهول طلب منه الانتباه للوائه ومراقبة ضباطه ، فقام العقيد جاسم علوان مع عدد من الضباط باستعراض أسماء ضباط اللواء ولم يرتابوا بأحد منهم (علماً بأن اللواء المذكور هو الذي قام بعملية الانفصال).
الخبر الثالث: تقدم اثنان من ضباط الطيران الحربي في الجيش الأول كلٍ بتقرير يتهم فيه أحدهما الآخر بالمشاركة بالتخطيط بانقلاب لإنهاء الوحدة . ولدى بحث التقريرين مع رئيس شعبة المخابرات الحربية العقيد محمد اسطمبولي اقترح العقيد تشكيل لجنة من ضباط شعبة المخابرات الحربية للتحقيق وقد حدث الانفصال قبل أن تتمكن اللجنة المذكورة من القيام بالتحقيق المطلوب.
الخبر الرابع: في أوائل شهر أيلول من عام 1961 قابلني في فندق بلودان في الساعة الرابعة مساءً السيد خالد العظم رئيس وزراء سورية الأسبق وأعلمني أن أكرم الحوراني قد اتصل معه بواسطة أحد أنصاره وأطلعه على عزمه على القيام بانقلاب عسكري وطلب منه الاشتراك به. ولكن السيد العظم أعلمه بأنه من مؤيدي الوحدة وأنه متأكد من أن إسرائيل ستهاجم سورية في اليوم الأول لحدوث انفصال . ثم سلمني طلباً يطلب فيه رفع الحجز عن بيته وعن أثاث بيته . وعند انتهاء المقابلة مباشرةً اتصل معي هاتفياً المقدم علي شفيق مرافق المشير عامر وأعلمني أن المشير يود مقابلتي ، فذهبت لبيته في بلودان وأبلغته أني اجتمعت منذ برهة مع السيد العظم وأعلمته عما دار بيني وبينه. و بعد أسبوع أصدر الرئيس عبد الناصر أمراً برفع الحجز عن ممتلكات السيد العظم.
استنفار وحدات الجيش الأول:
على إثر ورود الإخباريات عن احتمال وقوع انقلاب عسكري في دمشق أمر المشير عامر بحجز الوحدات العسكرية في ثكناتها واستنفارها ثم خفف الاستنفار إلى النصف بعد انقضاء الأسبوع الأول من الإخباريات ، كما أعيد النظر بتوزيع الضباط على القيادات وخاصة قيادات الوحدات المتمركزة في قطنا والقابون والقطيفة
.
وقد تبين لرئيس شعبة المخابرات ولكاتم الأسرار أن توزيع الضباط يوحي بالثقة التامة وأن الوحدات المذكورة لا تشكل أي خطر على الوحدة وعلى العكس فإنها تشكل ضماناً للوحدة :
-
فاللواء 72 للمشاة بقيادة العقيد جاسم علوان مضمون ويمكن الاعتماد عليه إلى أقصى الحدود (علماً بأن هذا اللواء هو الذي قام بتنفيذ الانفصال بقيادة رئيس أركان اللواء المقدم مهيب الهندي بينما كان العقيد جاسم علوان قائد اللواء يقضي أوقاته متنقلاً بين مكاتب قيادة الجيش).
-
اللواء 18 بقيادة حسين القاضي مضمون ويمكن الاعتماد عليه إلى أقصى الحدود (مع العلم أنه في صباح يوم الانفصال 28 أيلول 1961 بينما كان اللواء ذاهباً إلى منطقة الضمير للقيام ببعض المناورات التقى برتل من سيارات الهجانة المصفحة بقيادة المقدم حيدر الكزبري قادماً إلى دمشق لتنفيذ عملية الانفصال وعند المقابلة بين حسين القاضي والكزبري اتفق الاثنان على أن يذهب كل منهما في حال سبيله واتفقا على القول بأنهما لم يتقابلا مطلقاً).
-
اللواء 70 المدرع وهو بإمرة ضابط مصري بالوكالة ، لاسبيل للشك فيه (إلا أنه استسلم عند أول نداء وجه إليه يوم الانفصال).
-
كتائب المدفعية والمدفعية الصاروخية بإمرة قادة كتائب مصريين (لم يتمكنوا من السيطرة على جنودهم واستسلموا عندما طلب منهم الاستسلام يوم الانفصال).
-
سرية المراسم المكلفة بحراسة الأركان بقيادة أحد الضباط المتحمسين للوحدة كان مريضاً في مشفى المزة العسكري وعندما علم بخبر الانقلاب ترك المشفى وجاء إلى وحدته رغم مرضه وجرد جنوده من ذخيرة البنادق والرشاشات وتعاون مع الانفصاليين
تنفيذ عملية الانفصال:
في مساء يوم الأربعاء 27 أيلول 1961 ذهبت إلى مكتبي كالمعتاد وقد حضر لزيارتي الوزيران طعمة العود الله وأحمد حنيدي وغادرا مكتبي في الساعة العاشرة مساءً
.
وقد لاحظت في ذلك الوقت غياب المقدم عبد الكريم النحلاوي عن القيادة لأن من عادته أن يقدم لي معاملات لجنة شؤون الضباط مساء كل يوم، ولدى السؤال عنه علمت بأنه قام بزيارة الوزير جادو عز الدين في منزله .
الاستطلاع الجوي فوق اسرائيل:
تم الاتفاق مع قيادة القوات الجوية على أن تقوم الطائرات العربية بعملية استطلاع جوي فوق المطارات الاسرائيلية والتقاط الصور الفوتوغرافية لتلك المطارات على أن تبدأ العملية من المطارات الموجودة في سيناء ومنطقة القنال ودمشق في الساعة الثالثة والعشرون من مساء يوم 27 أيلول 1961 . وفعلاً قامت الطائرات بالوقت المحدد بالاستطلاع ثم عادت من مهمتها سالمة ، وأبلغني قائد القوات الجوية السورية العقيد موفق عصاصة بنجاح عملية الاستطلاع في الساعة الرابعة والعشرون من اليوم المذكور. ثم ذهبت إلى بيت المشير وأعلمته بانتهاء عملية الاستطلاع ونجاحها. وهكذا بينما كنا نسهر الليالي للاستعداد للعمليات الحربية القادمة مع إسرائيل كان أعداء الوحدة يستعدون للقضاء عليها
.
التنفيذ الفعلي للانفصال:
ذهبت إلى منزلي في حي المزرعة بعد أن أبلغت المشير بنجاح عملية الاستطلاع في الساعة الواحدة من صباح يوم الخميس 28 أيلول 1961 . وفي الساعة الثانية اتصل معي هاتفياً العقيد محمد اسطمبولي و أعلمني أن معسكر الفدائيين في حرستا تعرض لإطلاق النار من قبل بعض وحدات اللواء 72 الذي يرأسه العقيد جاسم علوان وأن العقيد علوان موجود معه في مكتبه في قيادة الجيش . وفور سماعي للنبأ ارتديت ثيابي بسرعة وقدت سيارتي بنفسي إلى قيادة الجيش في ساحة الأمويين، وعند مدخل القيادة وجدت بانتظاري العقداء محمد اسطمبولي ، جاسم علوان وأحمد زكي وقد كرر العقيد اسطمبولي أقواله السابقة وأضاف عليها العقيد جاسم علوان بأنه قام بتفتيش لوائه في الساعة الثانية عشرة واستقبله رئيس أركانه المقدم مهيب الهندي وأن الوضع كان طبيعياً في اللواء وأنه حاول بعد وصوله لدمشق الاتصال مع المقدم مهيب الهندي أكثر من مرة ، وأخيراً اتصل معه وقال له المقدم مهيب: (إن كل شيء قد انتهى وعلى المصريين مغادرة دمشق وإننا نرفض الوحدة ونريد الاتحاد). وعندئذٍ اتضح لي بعض الأمور أهمها
-
أن اللواء المميز 72 الذي تحتفظ به القيادة لصيانة وحماية الوحدة هو الذي قام بضربها .
-
أن العقيد جاسم علوان كان غائب الفطنة بحيث أنه لم يلاحظ شيئاً مريباً عندما قام بزيارة لوائه قبل ساعتين من تنفيذ الانفصال مع أن اللواء في ذلك الوقت كان يستعد للحركة باتجاه دمشق وأنه كان في تلك الأثناء يتمون بالمحروقات والذخائر وتوزيع المهمات على كتائبه وتجهيز الدبابات بالمدخرات وهذه الأمور تستغرق مدة ثلاث ساعات على أقل تقدير .
-
أن العقيد محمد اسطمبولي رئيس شعبة المخابرات الحربية لم يتمكن من استجواب الضابطين الطيارين حول الانقلاب الذي ذكراه في تقريريهما رغم مضي 15 يوم.
لقد حدث ما توقعته فعلاً عندما طلبت من المشير عامر الموافقة على نقل العقيد محمد اسطمبولي من رئاسة شعبة المخابرات إلى مركز آخر لأن العقيد اسطمبولي على طيب عنصره غير قادر على إدارة شعبة المخابرات الحربية في وقت تتعرض فيه الجمهورية لاضطرابات داخلية.
عندما أعلمني العقيد جاسم علوان أن المقدم مهيب الهندي مشترك بمؤامرة الانفصال اتجه تفكيري فوراً إلى المقدم عبد الكريم النحلاوي ورفاقه من الضباط. صعدت إلى مكتبي وباشرت باستدعاء ضباط القيادة من منازلهم وبعد فترة وجيزة حضر المشير عبد الحكيم عامر بعد أن تلقى نفس الهاتف الذي تلقيته من العقيد اسطمبولي واستمع إلى أقواله وأقوال جاسم علوان وأحمد زكي ثم أصدر أمره باستدعاء الوزراء العسكريين طعمة العود الله، جادو عز الدين، أحمد حنيدي، وأكرم ديري.
وفي الساعة الثانية والنصف صباحاً انقطع الاتصال مع دوريات الشرطة العسكرية التي كانت تعمل على محوري دمشق-قطنا و دمشق-القابون-عدرا .
وفي الساعة الثالثة والنصف وصلت وحدات حرس البادية إلى منزل المشير عامر وابتدأت بإطلاق النار الكثيف عليه. وفي هذه الأثناء حاولت الاتصال بالعقيد عواد الباغ رئيس أركان الجبهة ولم أتمكن من الاتصال بأي من ضباط قيادة الجبهة المكلفون بصيانة الحدود وحراستها. اتصلت بالعقيد رفعت خيري قائد لواء السويداء وأعلمته بنبأ الانقلاب العسكري وطلبت منه إرسال بعض وحداته لتحرير القيادة التي كانت قد حاصرتها دبابات اللواء 72 فأجابني بأنه سينفذ الأمر فوراً. ولكني علمت بعد ذلك أنه كان يقوم باعتقال الضباط المصريين وبالتحضير لمساندة الانفصال في نفس الوقت الذي كان يعدني فيه بمساندة الوحدة والإبقاء عليها.
في تمام الساعة الرابعة اتصل معي هاتفياً العقيد موفق عصاصة قائد القوات الجوية السورية وأعلمني أن بعض وحدات المشاة قد احتلت مطار المزة العسكري وعلمت بعد ذلك أنه كان يتفق مع الانفصاليين في نفس الوقت الذي كان يتصل فيه معي هاتفياً.
في تمام الساعة الرابعة والنصف تم للانفصاليين محاصرة مبنى القيادة ومحطة الإذاعة والهاتف الآلي ومركز الشرطة العسكرية، كما قام المشير عامر بإرسال برقية إلى الرئيس عبد الناصر يعلمه فيها بنبأ الانقلاب ويطلب مساعدته.
في تمام الساعة الخامسة صباحاً اجتمع ضباط الانفصال وطلبوا مقابلتي ، فذهبت لمقابلتهم عند مدخل القيادة الرئيسي وفوجئت عندما وجدت كل من العقيد موفق عصاصة ، العقيد محمد منصور الذي قدم من اللاذقية ، العقيد عبد الغني دهمان (قائد منطقة دمشق) ، المقدم حيدر الكزبري الذي كان من المفروض أن يكون في دير الزور لتفقد أحوال الثكنات الشرقية ودراسة إصلاحها وترميمها ، المقدم النحلاوي ، المقدم عبد ربه ، النقيب حناوي ، والمقدم زهير عقيلي. وعند مقابلتي حاولوا استمالتي إلى جانبهم وابتدروني بالقول : (نحن خدامك ونأتمر بامرك وأنت رئيسنا وقائدنا) ثم أخذ أحدهم طرف ردائي وقبله وقال : ( نحن تلاميذك ونطلب منك استلام مقدرات البلد والتحكم فيها كيفما تشاء ولن نخالف لك أمراً). فأجبتهم بالحرف الواحد : (إنكم الآن تقومون بإشعال النار وسوف تحرقون أيديكم وتحرقون البلد معكم فما هي غايتكم ؟).
-
العقيد موفق عصاصة: (نريد تبديل الوحدة باتحاد يشترك فيه لبنان والأردن).
فأجبته إن الوحدة قائمة فلا تقوموا بتحطيمها وأن لبنان له وضع خاص ولا يمكن أن يشترك بأي اتحاد مع البلاد العربية وكذلك بالنسبة للأردن وأن هذا الأمر سياسي ويتعلق بالرئيس عبد الناصر.
-
العقيد عبد الغني دهمان: (نريد التخلص من المصريين).
فأجبته بأن التخلص من المصريين لايجب أن يكون سبباً لتحطيم الوحدة وأن الضباط المصريين أشخاص يصيبون ويخطئون كغيرهم، وهذا الأمر تسهل معالجته.
-
المقدم عبد الكريم نحلاوي: (نريد إجراء بعض الإصلاحات ضمن الجيش وإن حركتنا عسكرية بحتة كما نطلب إعادة الذهب السوري الذي أخذه المصريون من البنك المركزي في دمشق).
فأجبته أنني لا أمانع في إجراء بعض الإصلاحات ضمن الجيش، أما الذهب فإنه لايزال موجوداً في صناديق البنك المركزي بدمشق.
-
المقدم زهير عقيلي: (إن الوضع الاقتصادي سيء جداً ونريد العمل على تحسينه والتخلص من الضباط المصريين).
ثم اختتمت الحديث ووعدتهم بنقل مطالبهم فوراً إلى المشير عبد الحكيم عامر. ولدى بحث الأمر مع المشير طلب مقابلة المقدم عبد الكريم نحلاوي مدير مكتبه في دمشق والذي يتمتع بثقته . وفي الحال طلبت منه الحضور ، فحضر بعد أن أخذ رفاقه ثلاثة ضباط مصريين كرهائن حتى عودته من مقابلة المشير. وعند دخول النحلاوي إلى مكتب المشير جردته من بندقيته واختلى مع المشير لنصف ساعة وبعد خروجه عاد الضباط الرهائن ، ثم طلب الضباط الانفصاليون مقابلتي للمرة الثانية. وتمت المقابلة في أحد مكاتب شعبة المخابرات في الطابق الأرضي من مبنى القيادة. وقبل مقابلتي لهم حاول السيد أكرم الديري التفاهم معهم لكنه فشل وعاد والدم يسيل من ساقه، وأعلمنا أن المقدم حيدر الكزبري أطلق عليه النار عندما انتهره قائلاً: (أنت آخر من يحق له أن يتكلم). وعند نزولي لمقابلة الضباط للمرة الثانية شاهدت الوزير السابق أمين النفوري والعقيد المتقاعد محمود بنيان كانا قد جاءا لاستطلاع جلية الأمر إلا أن المقدم النحلاوي طردهما.
اجتمعت مع ضباط الانفصال وكرروا أمامي أقوالهم السابقة ، واقترحت عليهم الاجتماع مع المشير عامر فوافقوا على مبدأ الاجتماع وأعلمتهم أني لن أسمح لهم مطلقاً بإساءة معاملته باعتباره من رموز الوحدة القائمة، ثم جردتهم من أسلحتهم وأعلمتهم أنهم سيمرون على جثتي قبل الإساءة له. ولدى اجتماعهم به تقدموا إليه بالمطالب التالية:
المطلب الأول: إعادة الذهب إلى صناديق البنك المركزي. فأجابهم المشير أن الذهب موجود فعلاً في صناديق البنك المركزي في دمشق وبإمكانهم التأكد من ذلك بتفقد صناديق البنك المذكور.
المطلب الثاني: استبدال الوحدة باتحاد تدخل فيه كافة الدول العربية وخاصة السعودية والأردن ولبنان . فأجابهم المشير بأن هذا حلم من أحلام الجمهورية العربية المتحدة ولكن الدول المذكورة لن توافق على ذلك. وعلى كل حال فإن هذا الأمر من اختصاص الرئيس عبد الناصر وبإمكانكم السفر إلى القاهرة على متن طائرة عسكرية خاصة وبحث الأمر معه، ولكن الانفصاليين تنازلوا عن مطلبهم هذا ولم يوافقوا على السفر إلى القاهرة.
المطلب الثالث: ترحيل الضباط الآتية أسماؤهم إلى القاهرة وهم : اللواء أنور القاضي (مصري)، العقيد أحمد زكي (مصري)، العقيد أحمد علوي (مصري)، العقيد محمد اسطمبولي (سوري). فوافق المشير على ترحيلهم وقد تم ترحيلهم فعلاً على طائرة سورية إلى القاهرة.
المطلب الرابع: ترحيل كافة الضباط المصريين الموجودين في سورية وإعادة الضباط السوريين الموجودين في مصر. فوافق المشير على هذا المطلب وكلفهم بتنفيذه على أساس أن الطائرة التي تقوم بنقل الضباط المصريين تعود إلى دمشق محملة بالضباط السوريين.
المطلب الخامس: تعديل لجنة الضباط . فوافق المشير على التعديل المطلوب وطلب منهم تعيين أسماء اللجنة التي يريدونها وفعلاً فقد تم تشكيل اللجنة المذكورة من قبل الضباط الانفصاليين وقام المشير بتوقيعها ثم قاموا بتوزيعها وتعميمها.
المطلب السادس: إجراء بعض التنقلات بين الضباط القادة في قيادة الجيش والأسلحة والوحدات الأخرى . فأجابهم المشير بأنه يوافق على التعديلات والتنقلات التي يريدونها وفعلاً فقد تم تنظيم قائمة بالتنقلات المطلوبة وضعها الضباظ الانفصاليون ومهرها المشير بتوقيعه ثم قاموا بتعميمها وتنفيذها.
وفي نهاية الاجتماع تم الاتفاق على الأمور التالية:
أولاً:إعلان الاتفاق من قبل الانفصاليين بإصدار البلاغ رقم 9 الذي قمت بوضع كلماته.
ثانياً: أن يقوم الانفصاليون بفك الحصار عن القيادة وسحب الدبابات والمصفحات وإعادتها إلى معسكراتها.
ثالثاً: أن يقوم المشير عبد الحكيم عامر أو الفريق جمال فيصل بإلقاء البيان رقم 10 الذي يعلن انتهاء الخلاف وعودة الأمور إلى مجراها الطبيعي.
رابعاً: أن تقوم وحدات دمشق العسكرية بعرض عسكري في اليوم التالي 29 أيلول 1961 للبرهنة على إنهاء الاختلاف وبيان تماسك وحدة الجيش.
وبذلك يكون الاختلاف قد انتهى بصورة نظرية، وقد باشرت فعلاً بتحضير نص البيان رقم 10 المفروض إذاعته بعد انسحاب الوحدات إلى مراكزها.
وبعد أن تم الاتفاق مع الانفصاليين على كافة الأمور العسكرية اتصل معي هاتفياً الرئيس عبد الناصر وأوصاني بالمشير خيراً ، كما أعلمني أنه يعتمد علي اعتماداً كلياً لحل الأزمة والمحافظة على سلامة المشير. ثم اتصل بالمشير الذي أعلمه بأن الأمور في طريق الحل والتسوية وأنه في طريق التفاهم مع الضباط الانفصاليين لإيجاد مخرج للأزمة. وفي تلك الأثناء اتصل معي العميد حكمت الداية من حلب وأعلمني أنه يؤيد القيادة الوحدوية وأنه لا يعترف بالانفصاليين وكذلك كان موقف العقيد ماجد ماميش.
البلاغ رقم 9:
تمت إذاعة البلاغ رقم 9 بعد أن قام الانفصاليون بإجراء بعض التعديلات عليه على الشكل التالي
(إن القيادة العربية الثورية للقوات المسلحة التي دفعها الشعور بالخوف على وحدة الصف العربي وحماسها للقومية العربية وتأييدها لها ودفاعاً عن مقوماتها تعلن للشعب العربي الكريم أنها لاتنوي المس بما أحرزته القومية العربية من انتصارات وتعلن أنها لمست عناصر انتهازية مخربة تريد الإساءة لقوميتنا فقامت بحركتها المباركة تلبيةً لرغبة الشعب العربي وآماله وأهدافه ، وأنها عرضت قضايا الجيش على سيادة المشير نائب الرئيس والقائد العام للقوات المسلحة الذي تفهم أمور الجيش على حقيقتها واتخذ الإجراءات المناسبة لحلها لصالح وحدة القوات المسلحة والجمهورية العربية المتحدة. وقد عادت الأمور العسكرية إلى مجراها الطبيعي اعتماداً على ثقتها بحكمة القائد العام للقوات المسلحة وقائد الجيش الأول الذين يحققان أهداف القوات المسلحة والجمهورية العربية المتحدة)
نتائج إذاعة البلاغ رقم 9:
أولاً: على الصعيد العسكري
عندما أذيع البلاغ رقم 9 اعترض عليه بعض الضباط الانفصاليين الذين ل