عمرو بن العاص

عمرو بن العاص
573-589
محل الميلاد مكة، شبه الجزيرة العربية
محل الوفاة مصر.
الولاء Flag of Afghanistan pre-1901.svg الخلفاء الراشدون.
Umayyad Flag.svg الخلافة الأموية.
فرع/الخدمة Flag of Afghanistan pre-1901.svg جيش الخلفاء الراشدون
Umayyad Flag.svg جيش الأمويين
سنوات الخدمة 634 - 6
الرتبة قائد عسكري
حاكم مصر (642-644)، (657-664)
الوحدة الفتح الإسلامي لفلسطين
الفتح الإسلامي لمصر, حروب الفتنة الأولى

عمرو بن العاص (و. ح. 573 - ت. 6 يناير 664)، هو قائد عسكري عربي مسلم اشتهر لقيادته الجيوش الإسلامية لفتح مصر عام 640. عاصر النبي محمد، وكان أحد صحابته، بعد دخوله للإسلام في سنة 8 هـ. أسس الفسطاط وجعلها عاصمة لمصر، وبنى مسجد عمرو بن العاص الذي يعتبر أول مسجد في أفريقيا. وكان عمرو بن العاص داهية من دهاة العرب، وصاحب رأي و فكر، و فارساً من الفرسان, أرسلته قريش إلى الحبشة ليطلب من النجاشي تسليمه المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة فرارا من الكفّار وإعادتهم إلى مكة لمحاسبتهم وردهم عن دينهم الجديد فلم يستجب له النجاشي ورده خائبا.

نسبه

هو أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم، من بني سهم، ينتهي نسبه إلى كعب بن لؤي، من كنانة. فهو قرشي القبيلة، مكّي السكن، وكان بنو سهم في الجاهلية والإسلام يحتلون مكانة مرموقة، وكانت لهم سمعة حسنة؛ إذ كان الناس يحتكمون إليهم في خصوماتهم، كما كانت لهم الرئاسة على الأموال التي تأتي إلى آلهتهم.

كان والده العاص بن وائل تاجراً غنياً، يُعد من سادات قريش وأصحاب الشرف والرفعة فيها، تولى القضاء في الجاهلية فنال احترام الناس وتقديرهم. أما أمه فهي سلمى ابنة حرملة، كانت تلقب بالنابغة، وهي من عنزة، وكانت قد سبيت وبيعت في سوق عكاظ ثم بيعت ثانية وثالثة، واشتراها أخيراً العاص بن وائل فأولدها ابنه عمراً، فكان لعمرو إخوة عدة وأخت واحدة من أمه.

حياته المبكرة

نشأ عمرو في بيت مترف، وكان فصيح اللسان، قوي الحجة، ثابت الجنان، قوي البنية ماهراً بالقتال بالسيف وبضروب الفروسية، حاضر البديهة، محباً للشعر ويقرضه أحياناً، عمل أول أمره بالتجارة وأكسبه ذلك سعة الأفق ومعرفة الناس، إضافة إلى إطلاعه على أوضاع البلاد التي تاجر معها وأحوالها، وقد أهّله ذلك ليكون رسول قريش مع عبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي ملك الحبشة، ليطلبا منه طرد المسلمين الذين كانوا قد هاجروا إلى بلده فراراً بدينهم، وإعادتهم إلى مكة، فأجرى النجاشي مقابلة بينهما وبين ممثل المهاجرين جعفر بن أبي طالب أخفق فيها عمرو وصاحبه، فحاول عمرو إقناع النجاشي ثانية بإخراجهم من بلاده ولكنه رفض، وأمر أن يرد عليهم ما حملاه من هدايا قريش له ولبطارقته. وقد كان لهذه المهمة أثر في نفسه، لما لمسه من المسلمين من إيمان بعقيدتهم ومحبة بعضهم لبعض.

ذهابه لمصر قبل الإسلام

يروي المقريزي في المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار:

وقال ابن عبد الحكم‏:‏ فلما كانت سنة ثمان عشرة من الهجرة وقدم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الجابية خلا به عمرو بن العاص واستأذنه في المسير إلى مصر وكان عمرو قد دخل في الجاهلية مصر وعرف طرقها ورأى كثرة ما فيها وكان سبب دخوله إياها أنه قدم إلى بيت المقدس لتجارة في نفر من قريش فإذا هم بشماس من شمامسة الروم من أهل الإسكندرية قدم للصلاة في بيت المقدس فخرج في بعض جبالها يسيح وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه وكانت رعية الإبل نوبًا بينهم فبينا عمرو يرعى إبله إذ مرّ به ذلك الشماس وقد أصابه عطش شديد في يوم شديد الحرّ فوقف على عمرو فاستسقاه فسقاه عمرو من قربة له فشرب حتى روي ونام الشماس مكانه وكانت إلى جنب الشماس حيث نام حفرة فخرجت منها حية عظيمة فبصر بها عمرو فنزع لها بسهم فقتلها فلما استيقظ الشماس نظر إلى حية عظيمة قد أنجاه اللّه منها فقال لعمرو‏:‏ ما هذه‏.‏

فأخبره عمرو أنه رماها فقتلها فأقبل إلى عمرو فقبّل رأسه وقال‏:‏ قد أحياني الله بك مرّتين‏:‏ مرّة من شدّة العطش ومرّة من هذه الحية فما أقدمك هذه البلاد‏.‏

قال‏:‏ قدمت مع أصحاب لي نطلب الفضل في تجارتنا فقال له الشماس‏:‏ وكم تراك ترجو أن تصيب في تجارتك قال‏:‏ رجائي أن أصيب ما اشتري به بعيرًا فإني لا أملك إلا بعيرين فآمل أن أصيب بعيرًا آخر فتكون ثلاثة أبعرة فقال له الشماس‏:‏ أرأيت دية أحدكم بينكم كم هي‏.‏

قال‏:‏ مائة من الإبل فقال له الشماس‏:‏ لسنا أصحاب إبل إنما نحن أصحاب دنانير قال‏:‏ تكون ألف دينار فقال له الشماس‏:‏ إني رجل غريب في هذه البلاد وإنما قدمت أصلي في كنيسة بيت المقدس وأسيح في هذه الجبال شهرًا جعلت ذلك نذرًا على نفسي وقد قضيت ذلك وأنا أريد الرجوع إلى بلادي فهل لك أن تتبعني إلى بلادي ولك عليّ عهد اللّه وميثاقه أن أعطيك ديتين لأنّ اللّه عز وجل أحياني بك مرّتين فقال له عمرو‏:‏ أين بلادك‏.‏

قال‏:‏ في مصر مدينة يقال لها الإسكندرية فقال له عمرو‏: لا أعرفها ولم أدخلها قط فقال له الشماس‏:‏ لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها فقال له عمرو‏:‏ تفي لي بما تقول ولي عليك بذلك العهد والميثاق فقال له الشماس‏:‏ نعم لك واللّه عليّ العهد والميثاق أن أفي لك وأن أردّك إلى أصحابك فقال له عمرو‏:‏ كم يكون مكثي في ذلك قال‏:‏ شهرًا تنطلق معي ذاهبًا عشرًا وتقيم عندنا عشرًا وترجع في عشر ولك عليّ أن أحفظك ذاهبًا وأن أبعث معك من يحفظك راجعًا فقال له عمرو‏:‏ انظرني حتى أشاور أصحابي في ذلك فانطلق عمرو إلى أصحابه فأخبرهم بما عاهد عليه الشماس وقال لهم‏:‏ تقيمون عليّ حتى أرجع إليكم ولكم عليّ العهد أن أعطيكم شطر ذلك على أن يصحبني رجل منكم آنس به فقالوا‏:‏ نعم وبعثوا معه رجلًا منهم فانطلق عمرو وصاحبه مع الشماس حتى انتهوا إلى مصر فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير ما أعجبه فقال عمرو للشماس‏:‏ ما رأيت مثل ذلك ومضى إلى الإسكندرية فنظر عمرو إلى كثرة ما فيها من الأموال والعمارة وجودة بنائها وكثرة أهلها فازداد عجبًا ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيدًا فيها عظيمًا يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم ولهم كرة من ذهب مكالة يترامى بها ملوكهم وهم يتلقونها بأكمامهم وفيما اختبروا من تلك الكرة على ما وصفها من مضى منهم أنها من وقعت الكرة في كمه واستقرّت فلما قدم عمرو الإسكندرية أكرمه الشماس الإكرام كله وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه وجلس عمرو والشماس مع الناس في ذلك المجلس حيث يترامون بالكرة وهم يتلقونها بأكمامهم فرمى بها رجل منهم فأقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو فعجبوا من ذلك وقالوا‏:‏ ما كذبتنا هذه الكرة قط إلا هذه المرّة ا أترى هذا الأعرابيّ يملكنا‏.‏

هذا ما لا يكون أبدًا وإنّ ذلك الشماس مشى في أهل الإسكندرية وأعلمهم أنّ عمرًا أحياه مرّتين وأنه قد ضمن له الذي دينار وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم ففعلوا ودفعوها إلى عمرو فانطلق عمرو وصاحبه وبعث معهما الشماس دليلًا ورسولًا وزوّدهما وأكرمهما حتى رجع هو وصاحبه إلى أصحابهما فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها ورأى منها ما علم أنها أفضل البلاد وأكثرها أموالًا فلما رجع عمرو إلى أصحابه دفع إليهم بيما بينهم ألف دينار وأمسك لنفسه ألفًا قال عمرو‏:‏ وكان أوّل مال اعتقدته وتأثلته‏.‏

إسلامه

عاد عمرو بن العاص إلى مكة ليبلغ قريشاً رفض النجاشي الاستجابة لطلبها بطرد المسلمين من بلاده، ثم أخذ يتتبع أخبار المسلمين في مكة والمدينة، ثم مضى إلى الرسول محمد ليسلم على يده، وكان برفقته خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، وذلك في السنة الثامنة للهجرة.

وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص". قدّر النبي ما تميز به عمرو من ذكاء ومواهب وحسن رأي، فعقد له على سرية عرفت باسم سرية ذات السلاسل [1] مؤلفة من ثلاثمئة رجل، وأرسله لإخضاع قضاعة، وتآلف أقارب أم والده لأنها كانت من قبيلة بَلِيّ وليدعوهم إلى الإسلام، ثم أمدّه الرسولr بمئتين من المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، فلما وصل المدد رغب عمرو بن العاص في إمارة الجيش، فاستجاب أبو عبيدة لرغبته خوفاً من الفرقة وعملاً بتوجيهات الرسول له، ألاّ يختلف مع ابن العاص لئلاّ يؤدي ذلك إلى إضعاف المسلمين وانقسامهم، وعرفت هذه الحملة بذات السلاسل لأنها جرت عند ماء معروف بهذا الاسم.

عاد عمرو إلى المدينة بعد أن حقق الهدف الذي أُرسل من أجله، وكان الرسول قد أرسله من قبل أيضاً في مئة من المسلمين إلى قبيلة هذيل لهدم صنمها المسمى سواع ثم كلفه الذهاب إلى عُمان لدعوة ولدي الجُلَنْدَى (جَيْفَر وعَبّاد) حاكمَي عُمان إلى الإسلام، وقد أقنع عمرو أصغر الأخوين باعتناق الإسلام واستعان به لإقناع أخيه الأكبر، فلما عرف الرسول بنجاح مهمته أوكل إليه جمع صدقات عُمان، فبقي في عمله نحو سنتين، ثم عاد إلى المدينة حين وفاة الرسول.

الفتح الإسلامي لبلاد الشام

عقد الخليفة أبو بكر الصديق أربعة ألوية لأربعة من القادة لتحرير بلاد الشام من سلطة الروم، كان أحدهم عمرو بن العاص ووجهه لتحرير فلسطين، وكان الوالي الرومي والقائد العسكري عليها يدعى أرتيون Aretion؛ وقد دعاه العرب بأرطبون، وكان من القادة المشهود لهم بالجرأة والكفاءة، واتخذ من أجنادين مركزاً لقيادته وحشد وحدات كثيرة من الجند في كل من بيت المقدس والرملة وغزة. تخوف عمرو بن العاص من هذه الحشود الكبيرة، فكتب إلى الخليفة عمر حينئذٍ يستشيره بما يفعله، فأجابه الخليفة "لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب" هادفاً من وراء ذلك إلى رفع معنوياته ولتشجيعه. وبدأت المعركة بين الطرفين، ولم تكن القوى المسلمة مكافئة للقوى البيزنطية، ومع ذلك فقد استطاع عمرو وجيشه هزيمة الروم.

شارك عمرو في معركة اليرموك، كان على ميمنة جيش العرب المسلمين، وأبدى بسالة وشجاعة في أثناء القتال مما زاد في شهرته واحترام الجند لقدراته. وعندما توجهت جيوش المسلمين لتحرير دمشق نزل عمرو بن العاص على باب الفراديس، فيما نزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي، وأبو عبيدة بن الجراح على باب الجابية.[2]

حروب الردة

مات الرسول وعمرو بعُمان، فأقبل حتى انتهى إلى البحرين فوجد المنذر بن ساوى في الموت، ثم خرج عنه إلى بلاد بني عامر فنزل بقُرَّة بن هبيرة وهو يقدم رِجلاً إلى الردة ويؤخر أخرى ومعه جيش من بني عامر، فأكرم قُرَّة مثواه، فلما أراد عمرو الرحلة خلا به قرة وقال: يا هذا، إن العرب لا تطيب لكم نفسًا بالإتاوة، فإن أعفيتموها من أخذ أموالها فتسمع لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم. فقال عمرو: أكفرت يا قرة؟ أتخوفنا بالعرب؟! فوالله لأُوطِئَنَّ عليك الخيل في حفش أمك. ومر بمسيلمة الكذاب فأعطاه الأمان، فقال له عمرو: "اعرض لي ما تقول". فذكر مسيلمة بعض كلامه، فقال عمرو: "والله إنك لتعلم إنك من الكاذبين" فتوعده مسيلمة.[3]

ولما وصل عمرو المدينة وعقد أبو بكر أحد عشر لواء لحرب أهل الردة، عقد لعمرو وأرسله إلى قضاعة، وكان قد حاربهم في حياة النبي في غزوة ذات السلاسل، وكانت قضاعة قد ارتدت بعد وفاة النبي، فلما أنفذ إليهم أبو بكر جيشًا بقيادة عمرو، سار عمرو بجيشه في الطريق الذي سلكه من قبل حتى وصل بلاد قضاعة، فأعمل السيف في رقابهم وغلبهم على أمرهم، فعادوا إلى الإسلام، وعاد هو إلى المدينة حاملاً لواء النصر.

الفتح الإسلامي لمصر

مسار الفتح الإسلامي لمصر..[4]

عقد الخليفة عمر بن الخطاب في أثناء وجوده في بلاد الشام اجتماعاً في الجابية، حضره كبار القواد للتداول في أوضاع البلاد المحررة وذلك عام 18 هـ/639م، وقد انتهز عمرو بن العاص الفرصة ليعرض على الخليفة فكرة تحرير مصر، وطلب منه أن يأذن له بالسير مع جنوده ليقوم بالمهمة، وأقنع الخليفة بذلك محتجاً بأن وجود الروم في مصر يهدد دوماً المسلمين وخاصة في فلسطين، وأخبره بما تحتويه مصر من خيرات؛ إذ إنه عرفها عندما كان يعمل بالتجارة في الجاهلية فقد زارها مرات عدة وتعرف معظم أقاليمها ومدنها.

نزل الخليفة عند رغبة عمرو ووضع تحت أمرته 4000 جندي وقال له:
«إني مرسل لك رسالة، فإذا وصلتك قبل دخول تخومها فعليك أن تنصرف مع جندك، وإذا استلمتها بعد دخولك حدودها فامض لوجهتك واستعن بالله واستنصره»

ويبدو أن عمرو أخَّر استلام كتاب الخليفة حتى وصل إلى مشارف العريش، وعمل بموجبه وتابع سيره فحرر المدينة من دون كبير عناء عام 18 هـ/639م، وأخذ يتوغل في الأراضي المصرية حتى وصل إلى مدينة الفرما، وكان اسمها بلوزيم Pelusium، فحاصرها نحو شهر وفتحها عام 19 هـ/640م، ثم انتقل منها إلى مدينة بلبيس التي سقطت بيد عمرو بعد شهرين من القتال.

توجه عمرو بعد ذلك إلى أم دنين، وكان اسمها Tendonia، حيث نشب القتال بينه وبين الروم الذين سارعوا إلى التحصّن في بابليون، فضرب عليهم الحصار وطلب من الخليفة إرسال مدد فأمده بأربعة آلاف رجل فيهم بعض كبار الصحابة كالزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، ومسلمة ابن مخلد، وعبادة بن الصامت وجميعهم من المشهود لهم بالجرأة والشجاعة، إلا أن المدد تأخر فأوقف عمرو القتال، وسار مع بعض جيشه نحو إقليم الفيوم لإخضاعه كما قرر فتح أم دنين، فلما علم بوصول المدى سارع لملاقاة الروم، وكانوا بقيادة تيودورس وهو أخو الامبراطور البيزنطي هرقل وتحت إمرته نحو 20 ألف مقاتل ودام القتال بين الجيشين، وتمكن عمرو من خصمه بفضل الخطة الحربية التي وضعها، القائمة على مفاجأة العدو، بوضع كمائن كانت تدخل المعركة في الوقت المناسب، وتحسمها.

لم يبق أمام عمرو سوى حصن بابليون والإسكندرية، فضرب الحصار على حصن بابليون نحو سبعة أشهر، جاعلاً من هليوبولس (عين شمس) مركزاً لقيادته.

طال الحصار وساءت أحوال الروم المحاصرين ويئسوا من وصول مدد لهم، فطلب المقوقس (قيرس) من عمرو إرسال وفد للتفاوض معه، واتفق الطرفان المتفاوضان على بنود للصلح، بعث بها المقوقس إلى سيده الامبراطور، فرفضها ونقم على المقوقس واتهمه بالجبن والخيانة، وأمره بالقدوم إليه، ثم جرده من منصبه ونفاه.

تتالت الهزائم على فرق جيش الروم، فعاد الامبراطور لاستدعاء المقوقس من منفاه وسمح له بالتفاوض من جديد مع عمرو، وعقد الصلح، وخاصة بعد أن سقطت الاسكندرية بأيدي المسلمين عام 21هـ/642م، وقد أسفرت المفاوضات عن تعهد الروم بدفع الجزية وألا تعود جيوشهم ثانية إلى مصر أو أن يحاولوا استردادها.

لم يفِ الروم بتعهدهم فأخذوا يشجعون عملاءهم في الإسكندرية، ثم أرسلوا لمساعدتهم أسطولاً مؤلفاً من 300 سفينة، فتمردوا، فقضى عليهم عمرو وسيطر على الاسكندرية وهدم أسوارها واستولى على مراكبهم.

حاكم مصر

وما إن هدأت الأعمال العسكرية حتى أخذ الجنود يبنون قرية صغيرة دعيت بالفسطاط (أي الخيمة) في المكان الذي نصب فيه عمرو بن العاص خيمته عند محاصرته لبابليون، ثم اتسعت حتى أصبحت مدينة كبيرة، كما بُنيَّ فيها مسجد عمرو بن العاص، وكان أول أمره متواضعاً في شكله ومظهره، قليل المساحة، وقد أمر فيما بعد الخليفة الوليد بن عبد الملك بهدمه وتجديد بنائه وتوسيع رقعته.

استقر عمرو بالاسكندرية ليراقب ما يقوم به الروم من تحركات بحرية، كما أخذت الإمدادات العسكرية تصل إليه تباعاً من المدينة فعمل على استغلال طاقاتها وحماستها، وذلك بالتوسع غرباً، فاستسلمت له بَرقة صلحاً مقابل جزية معينة، ثم حاصر طرابلس حتى استسلمت، كما هاجم مدينة صُبراته حيث التقى ببعض زعماء البربر الذين دانوا له بالطاعة ومنهم زعيم قبيلة لُواته.

عاد عمرو إلى الاسكندرية ليستقر فيها ويدير شؤونها، وقد تفرغ لإعمار مصر فأعاد حفر قناة، كانت تصل البحر الأحمر بنهر النيل، وكانت قد شقت زمن الفرعون نخاو، ولكنها أهملت فيما بعد فتراكم فيها الطمي وأصبحت غير صالحة للعمل، وقد أطلق عليها عمرو بن العاص بعد إصلاحها اسم خليج أمير المؤمنين، كما أنشأ مقاييس عدة للنيل وفي أماكن مختلفة من ضفتيه.

ساس عمرو في أثناء حكمه لمصر الناس بالعدل، وتقرب من المصريين عامة من دون التمييز بين الأقباط والمسلمين، وكان بطريرك القبط مقصياً عن منصبه ورعيته بسبب خلافة المذهبي مع الروم (البيزنطيين) وبقي متوارياً عنهم ثلاثة عشر عاماً، فما أن استقر الأمر لعمرو بن العاص قربه منه وأعاده إلى منصبه، وكلف الأقباط جباية الخراج وأشاع الأمن والطمأنينة في ربوعهم، وسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية، وعوّضهم عمّا هُدِمَ من ديارهم، وما نهب الروم أموالهم، فحظي بمحبة المصريين عامة.

بقي عمرو طوال خلافة عمر بن الخطاب حاكماً على مصر، ومدّة وجيزة من خلافة عثمان بن عفان، الذي عزله وعين عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكان عمر بن الخطاب قد ولاه على الصعيد وإقليم الفيوم.

وصف عمرو لمصر

وصف عمرو بن العاص الرجل الذى عاش فى صحراء العرب وبراريها أرض مصر فقال: [6]

«أن أرض مصر تتجلى فى كل سنة لسكانها فى أربعة خلع: الأولى منهن إذ رويت بماء النيل تصير كلولة بيضاء، فإذا إنكشف ماء النيل عن أرضها ظهرت كعنبرة سوداء، فإذا زرعت أرضها كزمردة خضراء، ثم يظهر بها من الأزهار ألوان مختلفة تروق الناظر وتشرح الخاطر، فإذا دناحين الحصاد زرعها ظهرت كصفيحة من الذهب وهى جنان نخيل ذات ألوان وأعناب صنوان وغير صنوان وأغصان النارنج تحمل أكرامن من ذهب وأصناف المحمضات من أعجب العجب وبها مراتع ومزارع ومصايد بحار ومفانص وحوش وقد أجمع الفضلاء المتنزهين والندماء المتفرجين أنه ليس فى جميع الأقاليم مثل مصر فى بحر نيلها الجارى الذى يطلع فى أوان القيظ الذى تجف الأنهار بإذن الله تعالى ويهبط عند الإحتياج إلى زرع الأرض ويقف على حد واحد لا يهبط إلى نهاية الهبوط بل يتم جارياً لتسير فيه السفن بحرياً وقبلياً وشرقياً وغربياً لا يعلم من أين أتى وإلى أين يذهب فسبحان الله العظيم الذى فضل أقليم مصر على سائر الأقاليم.»

عزله والرجوع إلى مكة

عاد عمرو بن العاص بعد عزله إلى مكة، ولم يكن على وفاق مع الخليفة عثمان، بالرغم من نصيحته له أن يتبع بالسير في أمور الدولة نهج سابقيه عمر وأبي بكر.

نقد

دوره في فتنة معاوية وعلي

رفع المصاحف

نصح عمرو بن العاص معاوية بن أبي سفيان أن يأمر جنده برفع المصاحف على أسنة الرماح لإيقاف القتال والاحتكام إلى ما جاء في القرآن الكريم، وقد نجم عن ذلك انقسام في صفوف أنصار علي بين مؤيد ومعارض. كما خدع أبا موسى الأشعري ممثل علي بن أبي طالب في أمر التحكيم، إذ ثبت عمرو صاحبه في الخلافة، مخالفاً للاتفاق الذي تم بين الممثلين اللذين قررا خلع الطرفين معاوية وعلي ودعوة المسلمين إلى اختيار خليفة بدلاً عنهما.

رفض الخوارج الوضع الجديد[7] فقرروا اغتيال علي ومعاوية وعمرو بن العاص في وقت واحد، إلا أن هذا القرار لم ينفذ إلا بعلي بن أبي طالب، وأخفق المكلفان الآخران في تحقيق هدفهما. ورغب أكثر الناس من العراقيين وأهل الشام بكمالهم إلى المصالحة والمسالمة مدة لعله يتفق أمر يكون فيه حقن لدماء المسلمين، فإن الناس تفانوا في هذه المدة، ولا سيما في هذه الثلاثة الأيام المتأخرة التي آخر أمرها ليلة الجمعة وهي ليلة الهرير.

كل من الجيشين فيه من الشجاعة والصبر ما ليس يوجد في الدنيا مثله، ولهذا لم يفر أحد عن أحد، بل صبروا حتى قتل من الفريقين فيما ذكره غير واحد سبعون ألفا خمسة وأربعون ألفا من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفا من أهل العراق.

قصة التحكيم

كان لعمرو بن العاص أثر كبير في الخلاف الذي نشب بين علي بن أبي طالب ومعاوية ابن أبي سفيان، إذ استطاع معاوية أن يغري عَمراً بالانضمام إليه، وقد تجلى دهاء ابن العاص في حرب صفين عندما بدأت بوادر الهزيمة تتضح في جيش الشام، إذ نصح معاوية أن يأمر جنده برفع المصاحف على أسنة الرماح لإيقاف القتال والاحتكام إلى ما جاء في القرآن الكريم، وقد نجم عن ذلك انقسام في صفوف أنصار علي بين مؤيد ومعارض. كما خدع أبا موسى الأشعري ممثل علي بن أبي طالب في أمر التحكيم، إذ ثبت عمرو صاحبه في الخلافة، مخالفاً للاتفاق الذي تم بين الممثلين اللذين قررا خلع الطرفين معاوية وعلي ودعوة المسلمين إلى اختيار خليفة بدلاً عنهما.

رفض الخوارج الوضع الجديد فقرروا اغتيال علي ومعاوية وعمرو بن العاص في وقت واحد، إلا أن هذا القرار لم ينفذ إلا بعلي بن أبي طالب، وأخفق المكلفان الآخران في تحقيق هدفهما.

إن مواقف عمرو هذه، وما نجم عنها من ظهور خلافات في صفوف أنصار علي بن أبي طالب، إضافة إلى نجاح سياسته في معاملة المصريين، جعلت بعض المؤرخين يعدونه أحد دهاة العرب الأربعة.

نشأ خلاف بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان أثناء حرب صفين عندما بدت بوادر الهزيمة تتضح في جيش الشام، وتراوض الفريقان بعد مكاتبات ومراجعات يطول ذكرها على التحكيم، وهو أن يحكِّم كل واحد من الأميرين - علي ومعاوية - رجلا من جهته ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة للمسلمين.[8] فوكل معاوية عمرو بن العاص، وأراد علي أن يوكل عبد الله بن عباس ولكنه منعه القراء ممن ذكرنا، وقالوا: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري.

ثم أخذ الحكمان من علي، ومعاوية، ومن الجندين، العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كليهما عهد الله وميثاقه أنهما على ما في هذه الصحيفة، وأجلا القضاء إلى رمضان وإن أحبا أن يؤخرا ذلك على تراض منهما.

وشهد على التحكيم من جيش علي: عبد الله بن عباس، والأشعث بن قيس الكندي، وسعيد بن قيس الهمداني، وعبد الله بن الطفيل المعافري، وحجر بن يزيد الكندي، وورقاء بن سمي العجلي، وعبد الله بن بلال العجلي، وعقبة بن زياد الأنصاري، ويزيد بن جحفة التميمي، ومالك بن كعب الهمداني، فهؤلاء عشرة.

وأما من الشاميين فعشرة آخرون وهم: أبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ومخارق بن الحارث الزبيدي، ووائل بن علقمة العدوي، وعلقمة بن يزيد الحضرمي، وحمزة بن مالك الهمداني، وسبيع بن يزيد الحضرمي، وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية، ويزيد بن الحر العبسي.

مبارزته مع علي بن أبي طالب

في معركة صفين كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه كثيرًا ما يتقدم بين الصفوف داعيًا إلى المبارزة، فبدا له يومًا أن يدعو معاوية لمبارزته فأيهما غلب فالأمر له، وتحقن دماء الناس، فنادى: يا معاوية، فقال هذا لأصحابه: اسألوه ما شأنه؟ قال: أحب أن يبرز لي فأكلمه كلمة واحدة. فبرز معاوية ومعه عمرو، فلما قارباه لم يلتفت إلى عمرو، وقال لمعاوية: ويحك علام يقتتل الناس بيني وبينك؟ [9] ابرز إليّ، فأينا قتل صاحبه فالأمر له، فالتفت معاوية إلى عمرو فقال: ما ترى يا أبا عبد الله ؟ أبارزه؟ فقال عمرو: لقد أنصفك الرجل، واعلم أنك إن نكلت عنه لم تزل سُبة عليك وعلى عقبك ما بقي عربي، فقال معاوية: يا عمرو ليس مثلي يخدع نفسه، والله ما بارز ابن أبي طالب رجلاً قط إلا سقى الأرض من دمه. ثم تلاحيا وعزم معاوية على عمرو ليخرجن إلى علي، إن كان جادًا في نصحه، ولم يكن مغررًا به طمعًا في مآل أمره، فلما خرج للمبارزة مكرهًا وشد عليه عليُّ المرهوبة، رمى عمرو بنفسه عن فرسه، ورفع ثوبه وشَغَرَ برجليه فبدت عورته [10] [11] [12] فصرف عليٌّ وجهه عنه وقام معفرًا بالتراب هاربًا على رجليه، معتصمًا بصفوفه، فصرف علي وجهه عنه وارتُثَّ، فقال القوم: أفلت الرجل يا أمير المؤمنين. قال: وهل تدرون من هو؟ قالوا: لا. قال: فإنه عمرو بن العاص، تلقاني بعورته فصرفت وجهي.[13]

وذكر القصة أيضًا ابن الكلبي، كما ذكرها السهيلي في الروض الأنف، وقال عن قول علي (إنه اتقاني بعورته فأذكرني الرَّحِمَ): "ويُروى مثل ذلك عن عمرو بن العاص مع علي يوم صفين، وفي ذلك يقول الحارث بن النضر الشهمي رواه ابن الكلبي وغيره:

أفي كل يوم فارس غير منته ... وعورته وسط العجـاجة بادية

يكف لها عنه عليٌّ سـنانه ... ويضحك منه في الخلاء معاوية

والرد على هذا الاتهام كالآتي:

فراوي الرواية الأولى نصر بن مزاحم الكوفي صاحب وقعة صفين شيعي جَلْد، لا يستغرب عنه كذبه وافتراؤه على الصحابة، قال عنه الذهبي في الميزان: نصر بن مزاحم الكوفي رافضي جَلْد، متروك، قال عنه العقيلي: شيعي، في حديثه اضطراب وخطأ كثير. وقال أبو خيثمة: كان كذابًا. وقال عنه ابن حجر: قال العجلي: كان رافضيًّا غاليًا، ليس بثقة ولا مأمون. وأما الكلبي هشام بن محمد بن السائب الكلبي، فقد اتفقوا على غلوه في التشيع. قال الإمام أحمد: من يحدث عنه؟! ما ظننت أن أحدًا يحدث عنه. وقال الدارقطني: متروك.

وفاته

حين حضرته الوفاة، ومرض مرض الموت، فدخل عليه ابنه عبد الله، فوجده يبكي، فقال له: يا أبتاه! أما بشرك رسول الله صلى الله عليه و سلم بكذا؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه و سلم بكذا؟ فأقبل بوجهه فقال: أني كنت على أطباق ثلاث (أحوال ثلاث)، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله صلى الله عليه و سلم مني، ولا أحب إلى أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار.[14] فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه و سلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال فقبضت يدي، فقال: "مالك يا عمرو؟" قال: قلت: أردت أن أشترط. قال: "تشترط بماذا؟" قلت: أن يغفر لي، قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟"، وما كان أحد أحب إلى من رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأنني لم أكن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة. ثم ولينا أشياء ما أدرى ما حالي فيها، فإذا أنا مت، فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا على التراب شنًّا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور (الوقت الذي تذبح فيه ناقة)، ويقسم لحمها؛ حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي).

ودفن عمرو بن العاص في سفح جبل المقطم، وكانت آخر كلماته:

«اللهم أنك أمرتني فلم أأتمر، وزجرتني فلم أنزجر، ولا بريء فأعتذر، ولا مستكبر بل مستغفر لا إله إلا أنت»

قراءات إضافية

  • Butler, Alfred J. The Arab Conquest of Egypt and the Last Thirty years of Roman Dominion Oxford, 1978.
  • Charles, R. H. The Chronicle of John, Bishop of Nikiu: Translated from Zotenberg's Ethiopic Text, 1916. Reprinted 2007. Evolution Publishing, ISBN 978-1-889758-87-9. Evolpub.com

انظر أيضا

المصادر

المراجع

  • ابن عبد البر النمري القرطبي، الاستيعاب في معرفة الأصحاب (مكتبة المثنى، بغداد، د.ت).
  • شهاب الدين العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة (مؤسسة الرسالة، مطبعة السعادة، مصر 1328هـ).
  • تقي الدين المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (مكتبة المثنى، بغداد).
  • الفرد، بتلر، فتح العرب لمصر (مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1365هـ/1946م).
  • البلاذري، فتوح البلدان (شركة طبع الكتب العربية ، مطبعة الموسوعات، القاهرة 1319هـ/1907م).
  • ابن خلكان، وفيات الأعيان (دار صادر، بيروت 1978).