قصة

من معرفة المصادر

  • [[________________
مجلي أبو العلا

قصة قصيرة بقلم : محمد همام فكري mhammamf@gmail.com ما أقسى أن ترى الأشياء وفقاً لتفسيرك الخاص ! ومن زاوية واحدة , ولأن الأمر كذلك , فإن حياة "مجلي أبو العلا" من كفرعيوط, تحولت إلى لوحة أشبه بالرسوم المسطحة , الخالية من البعد الثالث , رجل له وجه واحد في زمن المتغيرات. غريب أن يبقى كذلك وهو الآن يقترب من الأربعين ، ولكن مظهره يوحي إليك بإنه تجاوز الستين , يوشك على الإنتهاء من مناقشة الدكتوراة التي يزحف إليها بثقة الكاشف عن سره , موظف في هيئة البحوث الزراعية , كان حلمه أن ينال الدرجة التي نالها رؤساءه , وكثيراً ما كان يعتقد أن المشرف لا يرغب في ان يجيزه الدرجة , خشية أن يأخذ مكانه , فترهل في رسالته حتى كادت أن تنفلت أوراقها من تحت أبطه , يكفي أن تقول له ما عنوان الرسالة يا دكتور مجلي , فيتلو عليك سطرين لا يعلق بذهنك منها شيئاً غير كلمة تأثير مادة مش عارف إيه على مش عارف إيه في وقت نضوج نبات مش عارف إيه, حسب طريقة مش عارف مين , هذا ما تركه العنوان في ذهني ولا أظنه سوف يقدم جديداً للبشرية , لإن مثل هذه العناوين تجعلك تشك في جدواها. مجلي ابو العلا وضوح كالشمس لا تستطيع أن تفتح عينيك في عينيه , صفاء كصفحة السماء الخالية من الغيوم, وانفعالات نهر يتدفق في هدوء , لكنه يبعث على الضجر , سليقة بكر , لا تخلو من المواجهة الفجة , لكنك لا تستطيع أن تختصم معه , حتى وإن قالها صريحة في الوجه , نختلف في الرأي ويبقى على حاله , مجلي المتجلي هكذا كنت أقول له, وكثيراً ما قال لي الحياة تعطي الناس غير الذي يرغبون . تزوج من ابنة عمه , على غير ما أراد , وعمل في إدارة البحوث الزراعية وكان حلمه ان يتدرج في سلك التدريس , سكن في بيت ابيه مع أخوته , وكان يحلم بفيلا منفرداً , وفي جميع الأحوال كان يفكر بصوت عالي , المصيبة أن يفكر المرء بصوت مسموع , ويطلب من الأخرين أن يكتموا سره ! ولأن الأمر كذلك .. ، أقسم بالله العظيم أنه لم تربطني بالسيد / مجلي أبو العلا .. أدنى علاقة جوهرية , إنها حتمية الصدفة التي جمعتنا , كم من البشر نعرفهم في حياتنا صدفة , يظهرون إلى جوارنا أو نظهر إلى جوارهم فيحسب الأخرون أننا معهم أو انهم معنا , والأمر لا يعدو أن يكون صدفة , لقد كان مجلي أبو العلا شخصاً هامشياً في حياتي , ولكنني اعتقد انه كان حريصاً علي بقدر أوفر من حرصي عشرات المرات , ولانه من ذلك النوع الذي لا تستغن عنه قاصداً , تحول إلى لزمه في حياتي , كان يفاجأني في طريقي إلى منزلنا في قرية كفرعيوط , فيتلقفني في احضانه معاتباً تقصيري , وكنت اعتذر له , ويقبل على مضض وهو يقبض على يدي , وعينيه تخترق عيني , أستمع لما كان يقول , وانا شارد في مشاغلي , وعندما يفاجأني بلزمته المعتادة مش كده ولاإيه أقول له كده فعلاً , أتظاهر بالانتباه، وأنا منه براء . نعم تجاورنا صدفة , جمعتنا قرية صغيرة كفر عيوط . التي تنام في واحة من النخيل على شاطئ النيل , ويقال ان اول من سكنها رجل يدعى عيوط , ويدعي مجلي ابو العلا ان عيوط هذا هو جده الأعلى , كان يقول لنا ذلك من باب التميز علينا وقت ان كان ذلك مدعاة للتميز , وكأنه يقول لنا انكم جميعاً تعيشون في ضيافة جدي , وكنت لا أبالي , حتى لا يستغرق في ذلك , صدفة أيضاً كان بيتهم الطيني يقبع تحت كتف منزلنا على الطريق الذي ينتهي إلى الغيطان , ولأن الأمر كذلك , ملئنا طفولتنا لعب ومغامرات , ركبنا جريد النخيل ودورنا في الطرقات المتربة نسابق الريح وهي تتكسربين سيقاننا الضعيفة, شببنا معاً صبية صغار يعفرون الطرقات حيوية .. وككل البسطاء الذين جمعتهم قريتنا تدفقنا في طرقاتها كما تتدفق المياه في مجرى النهر الصغير, يجمعنا كُتاب سيدي الشيخ ابو حديد في الصباح نحفظ القرآن من أعناقنا التي تتمايل بين يدي سيدي الشيخ أبو حديد, وفي المساء نلتقي عند أقدام الجسر، نتبادل الأحاديث والأحلام بحجة الاستذكار، نجلس على سور الجسر نستقبل نسمات المساء الباردة , وأفواج البهائم وهي عائدة آخر النهار تحت غيمة الغبار, وعندما تختلط انفاسنا بعبق أريج أشجار الكافور ورائحة الروث نشعر أننا أبناء هذه القرية . ولأن أحلامنا كانت كأفق الليل ليس لها حدود ، كنا نتوشح بدفء الأمنيات نهديها للنجوم المتلالئة في سماء قريتنا , وعندما يستغرقنا الليل نطلق النكات والضحكات صافية وهي تتصاعد هنا وهناك .. حتى إذا دخل الليل ندخل فيه , وعند منتصف الليل ننصرف , وكل منا يفرك عينيه , بعد أن نتواعد على اللقاء في طابور الصباح .. نزحف إليه في كسل شديد نطلب العلم في الكراس . وعندما عبرنا القرية إلى المدينة حملتنا دراجاتنا كل صباح إلى المدرسة التي تقع بين المدينة وثلة القرى المتناثرة حولها, نسير متجاورين في حبور نداوي وعرة الطريق عكس الرياح باجترار حديث المساء , حتى يجمعنا الجسر لنكمل الحديث الذي لا ينتهي أبداً .. ولأن الأمر كذلك كان مجلي أبو العلا يحلم أن يكون وزيراً نعم وزيرًا للاقتصاد .. وأحياناً يزيد ويقول بل رئيساً للوزراء , هذه رغبة أبي كل الوزراء جاءوا من القرى النائية , وقريتنا نائية .

فأكتم ضحكتي وفي خبث فطري أقول له هيئتك وزير يا مجلي , هنيئاً لمصر بأمثالك , فينظر إلى في ثقة وسذاجة جميلة, ويعيد وأعيد  حتى كاد أن يصدق كل منا الأخر..   
توهم فصدق نفسه وكدت أصدقه, وعندما تمادى في الحديث.. 

- قال لي الوزير له مستشارون وسوف تكون أحدهم يا محمود , نعم ستكون مستشاري الأول .

عندها  قررت أن أبتعد,  نعم أبتعد,  أسلم للمرء أن ينأى بنفسه عندما تشطح الأفكار فلا وكس ولا شطط , وزير ابن ابو العلا . 

اختلقت معه مشكلة صبيانية عندما نظرت تجاهنا صبية جميلة ذات صباح , فظن انها تبستم له , وحاولت أن أقنعه أنها تبتسم لي , فرفض وافترقنا وفي نفس كل منا شيء يحمله للآخر، وعندما تجاوزنا المدرسة للجامعة , ذهب كل منا لحاله , لكن عينيه كانتا معلقتين علي , ولكني لم أستطع أن أنظر تجاهه . كانت الحياة قادرة على أن تمنحني رفيقاً جديداً اتكأ عليه , فعرفت رفقاء كثيرين صدفة ولأن الأمر كذلك انقطعت صلتي به , أو كادت , إلا صدفة ، وكلما تشكلت وزارة اتذكر مجلي أبو العلا ولا يتذكره غيري . كنت أتتبع أخباره في فضول وكأنني انتظر ان يسطع نجمه ذات يوم , كدت أن اصدقه , حتى التقينا هنا عند رأس الطريق المؤدي إلى الجسر , نظر كل منا للآخر وعندها ألقى بنفسه في أحضاني وأخذ يجهش بالبكاء, كأنه كان ينتظر قدومي من سنين , وهو يضمنى في حميمية , ويهزني , وفي فمه تحشرجت الكلمات , غدت همهمات متداخلة , ظننها عتاب , لكنه كان يقول ما لم افهمه .لكنه عندما هدأ وقعد على سور الجسر , أراح رأسه على راحة يده اليمنى , سند ظهره على سور الجسر الذي اصبح متهالكاً , وقال لي . ما أقسى أن تتبعك الخطوات المجهولة وتتربصك العيونأينما ذهبت , في الطريق ,في العمل , في المسجد ,عند صديق .. أشعر أن هناك من يراقبني يا محمود ماذا ؟ نعم هناك من يشاركني خطواتي أينما سرت , في كل خطوة أخطوها تتبعها خطوة مجهولة كأنها أصفاد تقيد خطواتي, وجوه كثيرة تتبدل وعيون واسعة تبتلعني كل صباح .. تغرس أسنانها في لحمي . وكلما حاولت أن أواجه الرجل المتربص بي لم أجده ,كان يذوب في الناس, ثم سرعان ما يظهر من جديد , يلبس قناع آخر ويعود ليتبعني , واحيانا اشعر انه يعيش في داخلي ... أنني مراقب يا محمود يا أخوية , ورحمة أبوك أنا مراقب من قبل جهات عليا .

ظننت أن الأمر مجرد صدفة , لدرجة أنني أقنعت نفسي بإنها لربما تكون صدفة  أن تنتظم حياة رجل أخر وفق حياتي اليومية .. يصحو حين أصحو .. ويسير في نفس الطريق الذي اسير فيه .. وعندما اعرج بسرعة في احد المنحنيات اجده خلفي واحيانا يسبقني , وعندما نتحاذى يرمقني في ذكاء المنتصر ثم يختفي , وعندما ابحث عنه يظهر ثانية , ويقهقه في وجهي, وعينيه تقول لي : لماذا تسير أمامي ؟ 

هذه تهيؤات يا مجلي .... - أمهلني سأكمل لك .. وفي المساء .. عندما أذهب إلى المسجد يقفز من تحت الأرض رجل آخر يتبع خطواتي وعندما اهم بدخول المسجد .. يخلع نعليه قبلي .. واحسه يجلس خلفي مباشرة , وهو يتنحنح , واشعر أنه يسابقني في القراءة فأسابقه فيردني الصغير والكبيربأعواعهم الحادة, وبعد أن أنتهي لاسلم على الحضور, يفر خارجاً من المسجد ، وعندما سألت من هذا الرجل أجابني الجميع .. ربما يكون غريب سكن مؤخراً في القرية , ترى هل هو غريب فعلاً يا محمود , أم رجل من إياهم ؟ فلم استطع أن أقول له إلا رجل من إياهم يا مجلي , وزدت محزراً : خلي بالك يامجلي , ولم انتظر حتى أرى تعابير وجهه , فقد كنت على عجل من أمري ...................... -- ]]