حروب محمد علي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حروب مصر في عهد محمد علي: نظرة عامة في تلك الحروب من الوجهة القومية

ان حروب مصر في عهد محمد علي باشا هي التي مكنتها من تحقيق استقلالها القومي ولولا تلك الحروب لما تكون ذلك الاستقلال ورجعت البلاد الى عهد الحكم التركي وبقيت زمنا لا يمكن تقديره ولاية تحكمها تركيا كما كانت تحكم سائر ولايات السلطنة العثمانية، يتعاقب عليها الولاة كل سنة أو سنتين.

ففي ميدان الحروب تكونت الدولة المصرية الحديثة، وحقق استقلالها، وكذلك قضت سنة الله في الامم ان لا يأتيها استقلالها رغدا، بل تخوض اليه غمار المتاعب والضحايا والآلام تناله بالقوة، وتحافظ عليه بالقوة، واذا ما تراخت قوة الامة واعتراها الوهن والضعف، أو تطوحت وركبت متن الشطط، او تخاذل أبناؤها وتفرقت كلمتهم، التوى عليها القصد، واستهدف استقلالها للخطر، ولا يلبث ان تعصف به أطماع الغزاة والمستعمرين، وقضت سنة الله في خلقه ان الدول الفتية لا تتكون ولا تنشأ إلا في ميادين القتال والنضال، وما المعاهدات التي تعترف بوجود الدول الحديثة واستقلالها الا منظمة ومقررة لنتائج الحروب والانقلابات التي تيحقق فيها ذلك الاستقلال.

فتلك الحروب التي خاضت مصر غمارها في عهد محمد علي هي السبيل التي اوصلتها الى تحقيق استغلالها، وتأليف وحدتها، وحفظ كيانها، وبلوغ مركزها الدولي، والمكانة التي نالتها بين الدول هي ثمرة تلك الحروب أولا.

على هذا الاعتبار ننظر الى حروب مصر في عهد محمد علي، فهي من الوجهة القومية سبيل الاستقلال الذي نالته في تاريخها الحديث، وما الوقائع، والمعارك، والأسماء، والحوادث التي تخللتها الا معالم لهذا السبيل، لذلك وجب علينا ان نستعرض هذه الحروب ونتابع وقائعها، ونتبين نتائجها في تكوين مصر المستقلة.[1]


الحملة الانجليزية سنة 1807

ان الحملة الانجليزية على مصر سنة 1807 كانت اول حرب اشتبكت فيها مصر دفاعا عن كيانها، وكانت فاتحة سعدية لحروب مصر في ذلك العصر، لأنها انتهت باخفاق انجلترا فيما كانت ترمي اليه من احلال مصر، وقد استوفينا الكلام عن تلك الحرب في الفصل الثاني.

الحرب الوهابية 1811-1819

ان جزيرة العرب، هي اول ميدان لحروب مصر الخارجية في عهد محمد علي، وكانت الحرب فيها من اشق الحروب التي خاضت غمارها واطولها مدى ومن اكثرها ضحايا ومتاعب، حردت مصر في خلالها حملات عدة كلفتها الضحايا الكثيرة في الارواح والاموال، ولقى فيها الجنود الشدائد والاهوال في قطع المراحل البعيدة المترامية بين الفيافي والقفار، ونالتهم المتاعب والأوصاب، من وعورة الطرق، وشدة القيظ، وتضطرم به الارض والسماء، الى قلة المؤونة وندرة المياه وفقدانها في معظم الجهات، الى محاربة عدو مستبسل بذلك النفس والنفيس دفاعا عن وطنه.

تحملت مصر في الحرب الوهابية خسائر جسيم’، وان فداحة تلك الخسائر لتدعونا ان نتساءل عن السر في اهتمام محمد علي باشا بخوض غمار تلك الحرب الضروس، وبذل ما اقتضته من الجهود والضحايا، واحتمال أعبائها سنوات عدة متوالية بلا هوادة ومن غير ان يتردد في متابعتها او يثنيه عنها ما اصاب الجيش في بعض ادوارها من الهزائم والمهالك، بل كان كلما اخفقت حملة جرد الاخرى حتى بلغ النصر والظفر.

نتساءل عن ذلك وخاصة لان الحرب الوهابية قد تبدو غير ضرورية ولا لازمة لمصلحة مصر، ولم يخض غمارها الا استجابة لنداء تركيا، فان حكومة الاستانة ما فتئت في مختلف المناسبات تدعوه الى تجريد جيوشه لمحاربة الوهابيين، طلبت اليه ذلك في أواخر ديسمبر سنة 1807 قبل أن يمضي عامان على ولايته، اذ ورد اليه فرمان بتجديد ولايته واسناد منصب الدفتردار (مدير الشئون المالية) الى ابنه ابراهيم، وتكليفه في الوقت ذاته ارسال الجنود الى الحجاز لقمع الفتنة الوهابية، وجددت تركيا هذا الطلب بل ذلك الامر سنة 1808، ثم جملته عليهم بالوجه القبلي وعاد الى القاهرة في سبتمبر سنة 1810 ألفى رسولا من الاستانة يحمل اليه رسالة جديدة تقضي بتكليفه الاسراع في تجريد الجيش لمحاربه الوهابيين، فلم يستطع وقد قرغ من محاربة المماليك ان يتمحل الاعذار القديمة في التاجيل والتسويف، وبادر الى الاستجابة، وأبدى اهتماما كبيرا بتهيئة معدات الحرب في الحجاز، ومن يومئذ اعتزم السير بالحملة حتى تصل الى غايتها وهي القضاء على الدولة الوهابية في شبه جزيرة العرب، فما هي اذن مصلحة مصر ومصلحة محمد علي باشا في الاقدام على تلك الحملة الشاقة؟

ان محمد علي لم يكن ليغفل عما بينه وبين تركيا من سوء الظن المتبادل، ولم يغرب عن ذهنه ان حكومة الاستانة سمعت غيرة مرة لتقتلعه من عرش مصر، وان القوة هي التي ردت يدها وحالت دون تحقيق مرادها، ولكنه لى أخيرا نداءها في الحملة على الحجاز لانه رأى في خوضه غمار الحرب الوهابية تمكينا لسلطته ورفعا لشأنه وشأن مصر وأعلاء لمكانتها.

ذلك أنه لم استفحلت الدعوة الوهابية انفذت تركيا لاخمادها حملات عدة رجعت بالخيبة والفشل، وتعطلت شعائر الحج، وامتنع ورود عشرات الآلاف من الحجاج من انحاء الشرق، فتزلزلت هيبة تركيا واثرت هذه الحالة فيها تأثيرا كبيرا، ووقع الشك في مقدرة السلطان العثماني على الاضطلاع بمهمة حامي الحرمين الشريفين تلك التي كانت تجعل لتركيا المقام الممتاز بين المماليك الاسلامية.

فرأى محمد علي انه اذا نجح حيث اخفقت تركيا واستطاع بقوة جيشه ان يقضي على دولة الوهابيين، ويستخلص منهم الاراضي المقدسة، فلا جرم ان يتوطد مركزه وتسمو مكانته حيال تركيا، فلا تعود تفكر في عزله او تغييره، ولا تستطيع ان تعامله معاملة سائر الولاة الذين كانت تتصرف فيهم بالعزل والنقل، بل يدعوها تطور الحوادث الى ان تعامله معاملة الند للند، او الحليف للحليف، ويتدرج مركزه من وال تابع الى حاكم مستقل، اضف الى ذلك انه اذا لم يلب دعوة السلطان وتأهب لمحاربة الوهابيين فان ذلك يكون مبررا لفعلته، ولم يكن مركزه بعد قد استقر حتى لا يحسب حسابا لاوامر الاستانة، بل كان عليه ان يتقي شرها حتى ترسخ دعائم ملكه.

فالحرب الوهابية كانت اذن وسيلة لتوطيد مركز محمد علي، كما أنها سبيل لرفع شأن مصر واعلاء مكانتها، وتمهيدا لتتبوأ المركز الذي نالته من بعد بين الدول.

واغلب الظن ان فكرة الانفصال عن تركيا وتحقيق استقلال مصر قد بدأت تملك عليه مشاعره من ذلك العهد، وانه اخذ يعمل لها من طريق الفتح والحرب، وليس ثمة حرب تعلي مكانة مصر ونيلها مركزا ممتازا وتكسبها عطف الشرق والعالم الاسلامي مثل الحرب الحجازية، فقد كان الغرض منها انقاذ الحرمين الشريفين من حكم فرقة الوهابية، وتجديد ما بين الامم الاسلامية من الصلات الادبية والاقتصادية، واعادة مناسك الحج وتأمين السبيل للحجاج الذين يأتون كل عام من مشارق الارض ومغاربها.

واذا رجعت الى الماضي وتذكرت ما فعله علي بك الكبير رئيس المماليك عندما تولى حكم مصر سنة 1763 تجد انه عندما سعى الى الاستقلال والتخلص من الحكم العثماني واعلن انفصاله عن تركيا وعزل الوالي كان اول ما وجه اليه عزمه ان جرد جيوشه على جزيرة العرب وفتح معظمها وبسط نفوذه على الحجاز، فاستحق اللقب الذي اسبغه عليه شريف مكة وهو "سلطان مصر وخاقان البحرين".

فمحمد علي قد خاض غمار الحرب الوهابية لا لمصلحة تركيا، بل تثبيا لمركزه،واعلاء لشأن مصر، وقد حققت الايام صدق نظره، اذ عظمت منزلته حيال تركيا خلال الحرب الوهابية وبعد انتهائها، وعلت مكانة مصر الحربية والسياسية، وامتدت سلطتها الى جزيرة العرب، وانبسطت رفعتها واتسعت حدودها، فان الجيوش المصرية التي جردها محمد علي لحرب الوهابية لم تنسحب منها بعد كسر الوهابيين، بل ظلت تحتلها واخذت الحكومة المصرية تبسط سلطتها في اصقاع الجزيرة وتنصب لها الحكام وقواد الجند، كما ان تركيا كافأت محمد علي باسناد سلطانها في اصقاع الجزيرة وتنصب لها الحكام وقواد الجند، كما ان تركيا كافأت محمد علي باسند مشيخة الحرم المكي وولاية جدة الى ابنه ابراهيم، فاتسع فعلا نطاق مصر، وضمت اليها بلاد الحجاز ونجد والعسير وجزءا من اليمن ثم وصلت سيادتها الى شاطئ الخليج الفارسي، اي ان نفوذ مصر قد امتد الى معظم جزيرة العرب، وظل كذلك الى ان اضطربت الاحوال السياسية سنة 1840 واضطرت مصر الى سحب جنودها كما سيجئ بيانه.

وكان لمحمد علي اغراض اخرى محلية ادركها من الحملة الوهابية، اهمها التخلص من طوائف الجنود الأرناءود والدلاة الذين الفوا التمرد والشغب، فقد رأيت كيف ازداد طغيانهم وتمردهم حتى صاروا خطرا على الامن وعقبة دون استقرار سلطة الحكومة فكانت الحملة الوهابية خير فرصة انتهزها محمد علي ليقذف بتلك الطوائف المتمردة الى الاصقاع النائية من جزيرة العرب، لعله في غيبتهم يستطيع ان يدخل النظام الجديد في الجيش المصري، وقد سعى الى ذلك فعلا خلال الحملة الوهابية وان كانت ظروف الاحوال لم تمكنه من انفاذ مشروعه فأرجأه الى سنة 1820 كما سنذكره في حينه.

وكذلك كانت الحملة ذريعة لاطلاق الحكومة في فرض ما تشاء من الضرائب والاتاوات من غير ان يجد الشعب مسوغا للاعتراض عليها، فان حجة محمد علي باشا فيما فرضه اثناء الحملة الوهابية من مختلف الضرائب والاتاوات الفادحة ان الحكومة في حاجة الى المال لانفاقه على حرب مقدسة ترمي الى استرداد الحرمين الشريفين وتأمين سبيل الحج، فهي من هذه الناحية جهاد مفروض وكذلك الانفاق عليها.


تلك هي البواعث التي جعلت محمد علي يقدم على تلك الحرب الشاقة، والآن لنقل كلمة عن الوهابية ونشأتها، ثم نتكلم بعد ذلك عن الحملة ووقائعها.


الدعوة الوهابية

ظهرت الدعوة الوهابية في جزيرة العرب حوالي منتصف القرن الثامن عشر على يد زعيمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولذلك نسبت اليه وسمي أتباعه وأنصاره الوهابيين.

ولد محمد بن عبد الوهاب سنة 1115 هـ (1703م) في العيينة من بلاد نجد، ونشأ بها وقرأ القرآن وحفظه، وتلقى العلم عن أبيه الذي تولى القضاء في بعض بلدان العارض، وحج الى بيت الله الحرام وهو بعد في سن الشباب، ثم قصد الى المدينة المنورة واقام بها نحو شهرين، ثم عاد الى بلده واشتغل بدراسة الفقه على مذهب الامام احمد بن حنبل، وكان حاد الفهم، شديد الذكاء، سريع الادراك والحفظ قوي الرغبة في العلم، رحل في طلب العلم فقصد الى البصرة والحجاز مرارا، وجاء الحسا وكانت آهلة بالمشايخ والعلماء، وطالت اقامته بالبصرة يتلقى فيها العلم ويقرأ كثيرا من كتب الحديث والفقه واللغة، فاتسع في كل ذلك، ثم عاد الى ارضه وموطنه.

كان محمد بن عبد الوهاب حنبلي المذهب، يميل الى الشدة في التعاليم الدينية، ولا يأخذ بالرخص، فاستنكر كثيرا من البدع الفاشية بين المسلمين ورأى فيها شركا بالله، فدعا الى التوحيد وصنف فيه كتابا، وحدثته نفسه ان ينقي الدين ويخلصه مما دخله من البدع، فدعا قومه الى نبذها وطرح كل ما لم يرد في القرآن والسنة من الاحكام والتعاليم، والرجوع بالدين الى فطرته وبساطته الأولى، وقد أخذ دعوته من طريقة الإمام ابن تيمية، فالمذهب الوهابي هو في أصوله المذهب الحنبلي، والفكرة التي دعا اليها محمد بن عبد الوهاب في اصلها وجوهرها فكرة صالحة، لكنه غلا فيها وتشدد، حتى صار اساسها تكفير كل من لم يأخذ أخذه ولا يتبع تعاليمه، واعتباره مشركا بالله، ومن هنا جاءت تسمية الوهابيين للمخالفين لهم مشركين، ومثل هذه الدعوة قد تصادف نجاحا وتجد لها الاتباع في بلاد فطر اهلها على الخشونة والبداوة، ولكنها تتعارض ومقتضيات الحضارة والعمران.

فمن تعاليم الوهابية تحريم لبس الحرير وشرب الدخان والتنباك، وكذلك تحريم اقامة المزارات ونصب القباب على القبور واعتبارها مخالفة لاحكام الدين ثم الدعوة الى هدمها، وغير ذلك من التعاليم المنطوية على التشدد والغلو، على ان هذا الغلو لم يسئ الى الدعوة الوهابية بمقدار ما اساء اليها انصارها في القسوة وارتكابهم الفظائع مع مخالفيهم في المذهب والعقيدة.

دعا محمد بن عبد الوهاب قومه الى الاخذ بتعاليمه، فنالت دعوته نجاحا بين اهل نجد، واخذ يكسب الاعوان والانصار خلال عدة من السنوات دون ان تأبه له الحكومة العثمانية، ولكن حدث يوما ان قدمت اليه امرأة متهمة بالزنى، وثبت عليها التهمة، فأمر برجمها فقتلت على الفور، ولم تكن هذه العقوبة مما تسيغه النفوس، فاحدثت استياء شديدا وانتهى نبؤها الى حاكم الحسا التي تمتد سلطته الى العيينة، فأرسل يتهدد الشيخ بالقتل اذا لم يرجع عن طريقته، ولما علم بذلك أنصاره اقبلوا يعرضون عليه ان ينزل بينهم ويكون في حماهم، فرحل الى مدينة الدرعية اذ كان اميرها محمد بن سعود، فأعجب الامير بدعوته واعتنقها، وأوى اليه محمد بن عبد الوهاب.

كانت الدرعية من أكبر بلاد نجد، فرأى فيها محمد بن عبد الوهاب خير مثابة لنشر دعوته، واخذت من ثم تستفيض بين القبائل.

واعلن الامير محمد بن مسعود مناصرته للتعاليم الوهابية، وتعاهد والزعيم على التعاون على نشر الدعوة على ان يؤيد سيادة الامير بين العرب (سنة 1157 هـ 1744م)، ومن يومئذ اتخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب الدرعية مقرا له، واخذ يبث منها دعوته وكان يأتي اليه فيها اتباعه ومناصروه يتلقون عنه، واخذ هو كذلك يوفد الرسل الى البلاد لنشر دعوته الى التوحيد، وأيد الأمير محمد بن سعود هذه الدعوة بحد السيف، فدعا القبائل والبلاد المجاورة الى الاخذ بها أو يقاتلهم، فلم تمض عدة من السنوات حتى عمت الدعوة معظم بلاد نجد، وحارب الأمير قبائل عدة كانت تناوئ الوهابية إلى أن توفى سنة 1765.

مخلفه في تلك السنة ابنه الامير عبد العزيز بن سعود ، وكان من اشد انصار الدعو’، فاصابت في عهده نوا وانتشارا، وامتد نفوذه السياسي الى معظم بلاد نجد وتجاوزها الى بعض أنحاء الحجاز واطراف العراق، وتوفي محمد بن عبد الوهاب سنة 1296 هـ (1792م) بعد أن قويت دعوته واستفاضت بين القبائل.

وقد حاول شريف مكة الشريف غالب بن مساعد ان يصد دعوة الوهابيين ونفوذهم بقوة السيف والقتال، وزحف رجاله على نجد لكنه انهزم امام قوات عبد العزيز وعاد الى الحجاز.

وظلت الدعوة بعد وفاة زعيمها ومؤسسها تنمو وتطرد بفضل تأييد عبد العزيز لها، وتنكيله بالقبائل التي لا تدين بها، فامتد نفوذ الوهابيين الى ولاية البصرة، وزحفوا على كربلاء مثابة الشيعة واستولوا عليها سنة 1801، وامعنوا في اهلها قتلا، ونهبوا المدينة وهدموامسجد الحسين بن علي رضي الله عنه، وأخذوا ما في قبته من النفائس والجواهر.

ضج المسلمون في سائر الاقطار وخاصة الشيعة من غزوة كربلاء وما ارتكبه الوهابيون فيها من فظائع، فجاء الدرعية شيعي متنكر واغتال الامير عبد العزيز وهو قائم يصلي العصر في جامع الدرعية (سنة 1803).

فخلفه ابنه سعود في الامارة ، واستمر الوهابيون في قوة ومنعة، ولم يستطع الولاة الترك الغبة عليهم في عهد عبد العزيز ولا في عهد سعود، فان سليمان باشا والي العراق جرد حملة على الحسا لمحاربة الوهابيين فعادت الحملة مدحورة.

وصل سعود بن عبد العزيز في فتوحاته الى حدود مسقط، وامتد نفوذه الى شواطئ الخليج الفارسي، واعتزم فتح الحجاز، فجرد جيوشه على الشريف غالب، وزحف الوهابيون على الطائف التي تعد مفتاح مكة فاحتلوها سنة 1216 هـ 1802 م، ثم دخل سعود مكة ظافرا بعد ان جلا عنها الشريف غالب وجنوده الى جدة (محرم سنة 1218 هـ - 1893 م).

وكتب سعود الى السلطان سليم الثالث سلطان تركيا ينبئه بهذا الفتح ويخبره أنه قد هدم القباب التي فوق القبور، ويطلب اليه منع مجئ المحمل الى دمشق او القاهرة "فان ذلك ليس من الدين في شئ".

وفي هذه الرسالة، واخراجه من كان بمكة من الترك، اعلان بتقلص ظل السلطنة العثمانية عن مكة.

واستولى الوهابيين على المدينة بعد فتح مكة بسنتين، ونهبوا نفائس الحرم النبوي وما فيه من الجواهر، وكانت قيمتها لا تقدر بمال، ذكر الجبرتي ما ذاع عن قيمتها فنقل انها "ملأت أربع سحاير من الجواهر المحلات بالماس والياقوت العظيم القدر، من ذلك اربعة شمعدانات من الزبرجد وبدل الشمعة قطعة ماس مستطيلة يضئ نورها الظلام، ونحو مائة سيف قراباتها ملبسة بالذهب الخالص المطعم بالماس والياقوت، ونصالها من الزبرجد والبشم، وسلاحها من الحديد الموصوف وعليها دمغات باسم الملوك والخلفاء السالفين".

امتدت دعوة الوهابيين الى عسير واليمن واتجهت انظارهم الى الشام، فزحفوا عليها ووصلوا في زحفهم الى حدود فلسطين، ولكن دعوتهم لم تلق في سورية تاييدا لما ارتكبوه من القسوة والفظائع ومنعهم المحمل الذي يصحبه الحجاج من دخول مكة، وقد خرج عبد الله باشا العظم والي الشام بالمحمل فمنعه الوهابيين من التقدم وقتلوا جنوده ونهبوا الحجاج.

تعطلت مراسم الحج السنوية واضطربت تركيا بازاء امتداد دعوة الوهابيين واستيلائهم على الحرمين الشريفين ومنعهم الحجاج الذين لا يتعبون تعاليمهم من الحج وانتصارهم على الولاة في العراق والشام، فاستنجدت بمحمد علي باشا وطلبت اليه محاربتهم، وكان نفوذهم في ذلك الحين قد بلغ أقصى مداه، ولم تجي سنة 1811 التي جهز فيها محمد علي جيشه لقتالهم حتى كان سلطانهم قد امتد من اقصى الجزيرة الى اقصاها.

معدات الحملة

اتخذ محمد علي جهة القبة القريبة من القاهرة معسكرا للحملة الى ان يتم تجهيزها، وعقد لواءها لنجله أحمد طوسون باشا وكان في السابعة عشر من عمره، ورتب له ابوه حفلة حافلة لالباسه خلعة القيادة وانتقاله الى معسكر الحملة، ولما وقعت مذبحة المماليك بالقلعة في اليوم الذي كان محددا لها أول مارس سنة 1811 ارجئت الحفلة الى يوم 30 مارس، ففي اليوم المعهود تحرك موكبه من القلعة الى معسكر الحملة بالقبة واخذت الحكومة تجهزها بالرجال والعتاد وقطعت في ذلك ستة اشهر ونيفا الى ان صارت على اهبة الرحيل، وبلغ عدد رجالها 8000 مقاتل منهم ستة آلاف من المشاة وألفان من الفرسان بينهم الكثير من البدو.

وتولى ادارة مهماتها السيد محمد المحروقي كبير تجار مصر، وكان له في اعدادها وتجهيزها ورسم خططها شأن كبير، قال الجبرتي في هذا الصدد لمناسبة رحيله الى الحجاز: "وفيه – 12 رمضان سنة 1226 – (30 سبتمبر 1811) خرج السيد محمد المحروقي ليسافر صحبة الركب وخرج في موكب جليل لانه هو المشار اليه في رياسة الركب ولوازمه واحتياجاته وامور العربان ومشايخهم، واوصى الباشا ولده طوسون باشا امير العسكر بألا يفعل شيئا من الأشياء الا بمشورته واطلاعه، ولا ينفذ أمرا الا بعد مراجعته".

كان خط سير الحملة ان تقلع السفن بالجنود المشاة من ثغر السويس الى ينبع ميناء المدينة المنورة، اما الفرسان وعلى رأسهم طوسون باشا فيسيرون برا عن طريق برزخ السويس فالعقبة حتى يبلغوا ينبع فيلتقوا بالمشاة بها ومن هناك يزحف الجيش الى وجهته.

وقد استوجب نقل المشاة والمهما بحرا نشاء عمارة بحرية من السفن، لان مصر لم يكن لها الى ذلك الحين اسطول في البحر الاحمر (ولا في البحر الابيض) فاعتزم محمد علي انشاء اسطول لنقل الحملة، وأبدى في سبيل ذلك من علو الهمة ما جعله مضرب الامثال في قوة الارادة ومضاء العزيمة، ذلك ان كل المهمات والاخشاب والمواد اللازمة لانشاء الاسطول كانت تنقصه، فجلب الاخشاب من اشجار مصر، واستكملها من الخارج وخاصة من الاناضول، وبادر الى نشاء السفن في ترسانة بولاق، وجمع لهذا الغرض كل من استطاع جمعهم من صناع المراكب، وتولى الاشراف بنفسه على العمل، فأخذ الصناع يقطعون الاخشاب ويفصلونها قطعا ويضعون على كل قطعة رقما خاصا بها، ثم تنقل على ظهور الجمال الى السويس لتركب هناك، ويقال ان عدد الابل التي استخدمت لهذا الغرض بلغ ثمانية عشر الفا، ولم تمض عشرة أشهر حتى انشئ بالسويس ثمانية عشر مركبا كبيرا تسع أكثر ما أعد للحملة من الجنود والمؤن والذخائر والمهمات.

وباشر محمد علي ترحيل الحملة ومهماتها من السويس، فأقلعت بها السفن يوم 30 سبتمبر سنة 1811 قاصدة ينبع، وعاد هو إلى القاهرة، ثم ارتحل طوسون باشا من بركة الحاج يوم 6 أكتوبر يقود حملة الفرسان يتبعها عدد كبير من الابل تحمل ما تحمل من المهمات والمؤونة والذخائر.

وكان يصحب الحملة طائفة من الصناع من كل حرفة، وصحبها السيد محمد المحروقي مدير المهمات كما قدمنا، ومضى معها اربعة من العلماء من أئمة المذاهب الاربعة، وهم السيد أحمد الطحطاوي الحنفي، والشيخ محمد المهدي الشافعي، والشيخ الخانكي المالكي، والشيخ المقدسي الحنبلي، وكان مقررا سفر السيد حسن كريت نقيب أشراف رشيد (الذي كان له شان في مقاومة الحملة الانجليزية سنة 1807) ، والشيخ علي خفاجي من علماء دمياط، ولكنهما اعتذارا من مصاحبة الحملة فأعفيا من السفر.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقائع الحملة

قلنا ان الحرب التي خاضت مصر غمارها في حصاري جزيرة العرب وجبالها من اشق الحروب وأصعبها، لان الجيش المصري واجه قوة الوهابية في اوجها، وعلى راسهم امير شديد المراس قوي الشكيمة بعيد النظر وهو الامير (سعود بن عبد العزيز) الملقب بسعود الكبير، يمتاز موقفه بانه يحارب حربا دفاعية، في بلاده ومفاوزه، وبين معاقله ورجاله، على ان الجيش المصري قد وجد معاضدة من سكان الثغور الحجازية كجدة وينبع، لان انقطاع طريق الحج ألحق بهم ضررا كبيرا، اذ كانت ارزاقهم تأتيهم من الحجاج، فكانوا ناقمين على الوهابيين ودعوتهم، وكذلك أشراف مكة، وخاصة الشريف غالب، فان نفوذ الوهابيين قد محق سلطته، وان كانوا قد سمحوا له بالاقامة في مكة، وفضلا عن ذلك فان محمد علي ونجليه طوسون وابراهيم استطاعوا ان يستميلوا اليهم بعض رؤساء القبائل من انصار الامير سعود بالعطاء والوعود، فكانت هذه الرسائل من العوامل التي أيدت مركز الجيش المصري في الحملة على الحجاز.

احتلال ينبع

وصلت الحملة بطريق البحر الى ميناء ينبع فاحتلتها دون مقاومة تذكر، ولم يكن بها سوى حامية من ثلثمائة من الوهابيين فر قائدهم وبعض رجاله ووقع الباقون قتلى وأسرى.


احتلال بدر

ثم جاء طوسون باشا بطريق البر يتقدم فرقة الفرسان، فلما وصلت الفرقة (أكتوبر سنة 1811) وتلاقت وحدات الجيش أمر طوسون بالزحف على المدينة فتحرك الجيش من ينبع وسار الى بدر وكان الوهابيون ممتنعين بها، فاشتبك بهم في معركة دامت ساعتين انتهت باحتلال بدر وارتد الوهابيون الى وادي الصفراء حيث تحصنوا بها واقاموا الاستحكامات لملاقاة الجيش المصري.

هزيمة الصفراء

زحف طوسون على وادي الصفراء في قوة تبلغ ثمانية آلاف من الجنود وهاجمها الجند حتى صاروا الى طرق ضيقة يشرف عليها الوهابيون من علي، فانهالت القذائف على الجنود وفتكت بهم فتكا ذريعا، فانقلبت الصفوف الاولى منهزمة، ووقع الذعر فيما وراءها، فاختل نظام الجيش وكانت عليه الهزيمة، وتشتت الجند تاركين مضاربهم واثقالهم ومدافعهم وتراجعوا يرمي بهم الرعب قاصدين الساحل.

كانت هذه الواقعة هزيمة كبرى فقد فيها الجيش المصري نحو ستمائة قتيل، وفقد معظم مدافعهم وذخيرته وأرزاقه، ورجعت فلوله بغير نظام الى ينبع، وقتل منهم عدة آلاف في الطريق بحيث لم يبق من الجيش بعد أن رجع الى ينبع غير ثلاثة آلاف، ولو أن الوهابيين الذين دافعوا عن وادي الصفراء كانوا أكثر عددا وأكثر دراية بفنون القتال لتعقبوا جيش طوسون باشا بعد الهزيمة وكان من المحقق ألا ينجو منه أحد.

بعث طوسون بنبأ هذه الهزيمة الى أبيه، ونسبها الى اختلاف قواده وتقصيرهم وكان أكثر الجنود والضباط الهاربين من الأرناءود، ثم طلب طوسون المدد كي يسد الفراغ الذي وقع في صفوف الجيش، فتأثر محمد علي باشا لهذه الهزيمة تاثرا شديدا، وأرسل يستدعي رؤساء الجيش المسئولين عنها، وعاد بعضهم الى مصر من تلقاء أنفسهم، فغضب عليهم محمد علي وأقصاهم من مراكزهم ونفاهم من مصر، وكان منهم صالح قوش رئيس الجند الأرناءود الذي كان له شأن خطير في مذبحة المماليك بالقلعة.

لم تضعضع هذه الهزيمة من عزيمة محمد علي باشا، بل قابلها بالجلد والثبات، واخذ يعد العدة لارسال حملة جديدة إلى الحجاز، قال الجبرتي في هذا الصدد:

"ولما حصل ذلك لم يتزلزل الباشا واستمر على همته في تجهيز عساكر أخرى وبرزوا الى خارج البلدة".

واضطر محمد علي باشا للقيام بنفقات الحملة الى فرض ضرائب جديدة، فاستوفى الضريبة من باقي الاطيان الموقوفة، وطلب اتاوة من القرى، وكان الفلاحون بمنزلة من الضنك والفاقة، فاذن لهم ان يؤدوها غلالا، وأمكنه ان يمون منها الجيش المصري في الحجاز.

موقف طوسون باشا

بقى الوهابيون بعد انتصارهم في واقعة الصفراء في معاقلهم لا يفكرون في مهاجمة طوسون باشا بينبع، واكتفوا بتحصين المدينة، وانتهز طوسون هذه الغفلة واخذ في فترة انتظار المدد من مصر يستميل القبائل الضاربة بين ينبع والمدينة بالمال والهدايا، وقد رأى ان هذه الوسيلة أعود عليه بالنفع من الانتصار على الوهابيين في معركة بل معارك، كما أنها هي الوسيلة الفعالة في التغلب عليهم، وقد نجح فعلا في خطته هذه، وارسل له محمد علي باشا صناديق الأموال والكساوي لتفريقها على رجال القبائل، فمهدت له السبيل للاستيلاء على المدينة ومكة.


احتلال الصفراء

تلقى طوسون باشا المدد، فتحرك قاصدا المدينة، وانضم اليه كثير من القبائل من عرب جهينة وحرب، واحتل الصفراء بدون مقاومة بفضل مؤازرة العرب الموالين له. قال الجبرتي في هذا الصدد: "في 24 رمضان سنة 1227 (أول أكتوبر سنة 1812) وردت هجانة مبشرون باستيلاء الاتراك على عقبة الصفراء والجديدة من غير حرب بل بالمخادعة والمصالحة مع العرب وتدبير شريف مكة (الشريف غالب)، ولم يجدوا بها أحدا من الوهابيين، فعندما وصلت هذه البشائر ضربوا مدافع كثيرة تلك الليلة من القلعة".

فتح المدينة

تابع الجيش سيره حتى بلغ أسوار المدينة، وكانت الرحلة اليها شاقة مضنية تكبد فيها الجنود المتاعب والأهوال لوعورة الطرق وبعد المسافات واشتداد الحر، فأمر الجنود أن يسيروا في الليل ويستريحوا في النهار، قطع الجيش في رحلته ثلاث ليال حتى بلغ المدينة، فضرب عليها الحصار، وتفادى اطلاق القنابل عليها خشية أن تصيب الحرم النبوي الشريف، فاستعاض عن الضرب بوضع لغم تحت سور المدينة استعدادا لنسفه، وانذر السكان بأن يلزموا بيوتهم حتى لا يصيبهم مكروه، وفي الموعد المضروب أشعل اللغم فنسف جزءا كبيرا من السور وفتح ثغرة دخل منها الجنود، فقتلوا من أدركوهم من الحامية الوهابية واحتلوا المدينة’، فكان احتلالها اول انتصار كبير للجيش المصري في حرب الحجاز، وأرسل طوسون مفاتيح المدينة الى ابيه في مصر وبشره بهذا النصر المبين ، فأذيع الخبر في العاصمة وأطلقت المدافع من القلعة ابتهاجا بهذه البشرى.

قال الجبرتي في هذا الصدد: "في 10 ذي الحجة سنة 1227 يوم الاضحى وردت هجانة من ناحية الحجاز وعلى يدهم البشائر بالاستيلاء على قلعة المدينة المنورة، ونزول المتولي على حكمهم، وان القاصد الذي أتت بشائره وصل الى السويس وصحبته مفاتيح المدينة، فحصل الباشا (محمد علي) بذلك سرور عظيم، وضربوا مدافع وشنكا بعد مادفع العيد، وتقدم المصريون فاحتلوا الحناكية شمالي المدينة.

فتح مكة

(يناير سنة 1813)

عاد طوسون باشا الى ينبع وأقلع منها الى جدة فاحتلها، واستقبله بها الشريف غالب وسار منها الى مكة فدخلها دخول الظافر، وكان لمعاونة الشريف غالب وقبائل عرب الحجاز التي استمالها بالمال أثر كبير في استيلاء الجيش المصري عليها.

وقد وردت الأنباء الى مصر بفتح مكة فزينت المدينة خمسة أيام متواليات ابتهاجا بهذا الفتح المبين.

قال الجبرتي: "وفي يوم الثلاثاء 7 صفر سنة 1228 (9 فبراير سنة 1813) وردت بشائر من البلاد الحجازية باستيلاء العساكر على جدة ومكة من غير حرب، فضربوا مدافع كثير، ونودي في صبح بزينة المدينة ومصر وبولاق، فزينت خمسة أيام أولها الأربعاء وآخرها الأحد".

احتلال الطائف

وبعد أن وطد طوسون باشا مركزه في مكة تقدم الى الطائف فاحتلها في 29 يناير سنة 1813.


تحرج موقف الجيش المصري

رأيت مما تقدم مبلغ ما ناله الجيش المصري من الانتصارات المتوالية، واحتلال المدينة ومكة وأهم مواقع الحجاز، على أن هاتيك الانتصارات لم تلبث أن أعقبها تحرج مركز الجيش، ذلك أن الأمير سعود بن عبد العزيز ظل منذ نزول الجيش المصري الى ينبع يرقب تطور القتال دون أن يخاطر فيه، وترك لبعض أنصاره الاشتباك مع الجيش المصري في المعارك المتقدمة، واخذ هو في خلال الفترة يدرس أساليب الجيش المصري في الحرب، ويتعرف مبلغ قوته، ويرسم الخطط، ويستعد لملاقاته في الوقت المناسب، فلما بلغه نبأ احتلال الطائف أمر قواته بالزحف، وكانت مؤلفة من جيشين، الأول يقوده هو بنفسه، والثاني بقيادة ابنه فيصل، فزحف الجيشان بمجموعهما على مكة والمدينة واخذ الوهابيون يقطعون المواصلات بين المدينتين.

أدرك طوسون حرج موقفه، فبادر الى ملاقاته، وشرع في مهاجمة المراكز التي احتشد فيها الوهابيون.


هزيمة الجيش المصري في تربة

اتخذ فيصل مدينة تربة معسكرا له واحاطها بالخنادق، فأنفذ طوسون باشا بقيادة مصطفى بك أحد قواده لمهاجمته فيها، فسار اليها مصطفى بك بجنوده وضربوا عليها الحصار، لكن الوهابيين انقضوا عليهم، وكانوا بقيادة سيدة من نبلائهم تدعى غالية. أثارت فيهم الحمية والحماسة فأعملوا في الجيش المصري قتلا الى أن وقعت عليه الهزيمة، وارتد بغير نظام الى الطائف بعد أن ترك مدافعه وذخيرته.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

اخلاء الحناكية

وفي الوقت نفسه أخذ الأمير (سعود بن عبد العزيز) في قوة من عشرين ألفا يهاجم الحناكية التي كانت ترابط بها حامية من الجيش المصري بقيادة عثمان كاشف، وهي تبعد عن المدينة بنحو عشرين فرسخا، فدافعت عنها الحامية دفاعا شديدا، لكنها اضطرت للتسليم أمام جموع الوهابية، فاحتل الوهابيون الحناكية وساروا قاصدين الزحف على المدينة. تغير الموقف الحربي، ورجحت كفة الوهابيين، فان هزيمة الجيش المصري في تربة واخلاء الحناكية قد أضعف مركز طوسون باشا، وأخذ الوهابيون يهاجمون المخافر الأمامية للجيش المصري بدون انقطاع أو هوادة.

خسائر الجيش

وزاد في حرج الموقف انتشار الامراض في الجيش المصري، وما أصاب الجنود من الاعياء لشدة القيظ وقلة المؤنة والماء، ورداءة الطقس والمتاعب الهائلة التي أنزلتها بهم المعارك، وقطع المراحل الشاسعة في صحراء الحجاز، ولم يكن في الجيش أطباء لمعالجة المرضى وتدبير الوسائل الصحية، ففتكت بهم الامراض فتكا ذريعا، وقد أصاب الجيش من المعارك والأمراض خسائر فادحة ، بلغت من بدء القتال نحو ثمانية آلاف قتيل، وفقد الجيش من مؤونته نحو خمسة وعشرين ألف رأس من الماشية، وتكلفت الحملة الى ذلك الحين 35000 كيس أي 175.000 جنيه، وهذا الاحصاء يدلك على ما تكبدته مصر من الضحايا والخسائر الجسيمة في الدور الأول وحده من الحرب الحجازية.

رأى طوسون باشا بعد تلك الخسائر ان يلزم خطة الدفاع، واعتصم هو وجيشه بمكةوالمدينة وجدة وينبع، وارسل الى أبيه بطلب المدد.


سفر محمد علي إلى الحجاز

(أغسطس سنة 1813)

تلقى محمد علي باشا هذه الأنباء بالجلد والثبات، وأجمع أن يسير بنفسه الى الحجاز لمتابعة القتال الى نهايته والقضاء على الوهابيين وبسط نفوذ مصر في جزيرة العرب، فحشد ما وسعه أن يحشد من الجنود في مصر، وفرض اتاوات على التجار، وجرد حملة جديدة، وسار الى الحجاز في شهر أغسطس 1813 ليقود الجيش المصري في تلك الحرب الآكلة.

أبحر محمد علي من السويس ونزل بجدة، فشدد وصوله من عزائم الجيش لما كان يبعثه في النفوس من القوة المعنوية، وأخذ أثناء مقامه في جدة يدريس الحالة عن كثب ليضع الخطة التي تضمن له الفوز والغلبة، ثم مضى قاصدا مكة وأدى مناسك الحج، ومن هنا جاء لقبه الحاج محمد علي.


اعتقال الشريف غالب

وكان أول ما اتخذه اعتقال الشريف غالب، ذلك أنه ارتاب في اخلاصه، ورأى منه تراخيا في معاونة الجيش المصري مما يحتمل ان يكون سببه رغبته في اطالة الحرب ليخدم مصالحه الذاتية، ووقر في نفسه ان مسلكه كان من أسباب استفحال الدعوة الوهابية، وان بقاءه في مركزه قد يحول دون فوز الحملة وسرعة وصولها الى غايتها، فأمر بالقبض عليه واعتقله في نوفمبر سنة 1813 وبعث به الى القاهرة، وولى ابن اخيه الشريف يحيى بن سرور.

وطد محمد علي مركزه في مكة ليجعلها بمنجاة من هجمات الوهابيين، ثم اعتزم السير لمهاجمتهم في معاقلهم فعهد الى ابنه طوسون باشا ان يتخذ الطائف قاعدة للزحف، فسار ومعه جيش من خمسة آلاف من المشاة وألف من الفرسان وستة من المدافع، وفيما هو يعد هذه المعدات كان سعود يرقب حركات خصمه، وامتنعت قواته في بيشه ورنيه وتربة فسار طوسون باشا من الطائف قاصدا الاستيلاء على تربة وضرب عليها الحصار ولكنه لم ينل منالا وكانت الحملة عليها شاقة منهكة للجنود مضنية لهم فساءت حالتهم ونفدت مؤونتهم.

فأكره طوسون على رفع الحصار عن تربة والارتداد بجنوده، فتعقبهم الوهابيون ورجع الجيش أدراجه الى الطائف بعد أن أحرق خيامه تفاديا من وقوعها في يد الأعداء.

احتلال قنفذه ثم إخلاؤها

وقد رأى محمد علي أن أهل العسير يناصرون الوهابيون ويناوشون وحدات جيشه في الحجاز، فأنفذ حملة الى ميناء قنفذه فاحتلتها وأمر بتحصينها توطئة للزحف على داخل البلاد، وأبقى بها حامية من ألف ومائتي جندي، ولكن هذه الحامية لم تلبث قليلا حتى اضطرت الى اخلائها، ذل أن قومندان الحامية فاته أن يحتل عين الماء التي تستقي منها البلدة فاحتلها العربان وقطعوا الماء عن الحامية، فأنفذ اليها القومندان كتيبة من الجنود لاستخلاصها ولكن العرب هاجموهم بقيادة زعيمهم (طامي بن شعيب) وردهم على أعقابهم فوقع الرعب في جنود الحامية ولم ير قائدهم وسيلة لانقاذهم من الظمأ سوى اخلاء المدينة والرجوع الى جدة فنجا من الحامية من استطاع النجاة بركوب السفن وقتل الوهابيون عددا كبيرا ممن أدركوهم قبل أن يتمكنوا من الفرار، وبذلك فشلت الحملة على قنفذة.

طلب محمد علي المدد من مصر

وبديهي أن هزيمة طوسون في تربة، واخلاء قنفذة، ومناوشات الوهابيين المستمرة لوحدات الجيش المصري، كان من شأن ذلك كله أن يبعث اليأس والقنوط، لكن محمد علي باشا كان ذا عزيمة حديدية لا تنثني أمام الصعاب مهما عظمت، وهذه العزيمة من أخص صفاته، وهي من عزيمة عظمته ومجده، فقابل هذه الهزائم بالثبات وعلو الهمة، وكان قد أرسل الى كتخدا بك في مصر (محمد لاظ لاظوغلي) يطلب اليه أن يوافقه بالمدد والمؤن، فأمده بسبعة آلاف من الجنود وسبعة آلاف كيس، وتحملت مصر في اعداد هذه الحملة الجديدة تضحيات جسيمة، فان الكتخدا بك نزولا على أمر محمد علي استولى على أملاك المتلزمين (فبراير سنة 1814) فتذمر الناس من هذا الارهاق وقصدوا الى المشايخ ليحولوا دون انفاذه، فذهبت شكاواهم عبثا، وجمع الكتخدا سبعة آلاف كيس من المصادرات وفرض الاتاوات واستطاع أن يجند السبعة الآلاف مقاتل من مختلف طبقات المجتمع بطريقة التطوع للخدمة العسكرية. وقد تأخذك الدهشة اذ تسمع في هذا المقام عبارة التطوع، لأن المفهوم أن مثل هذه الحملات البعيدة كان يحشد لها الناس بالقوة، ولكن ما ذكرناه مستفاد من رواية الجبرتي فقد أشار الى هذه الطريقة في حوادث ربيع الثانية سنة 1229 (مارس سنة 1814) بقوله: "وفي ليلة الاثنين سادسه حضر مميش أغا من ناحية الحجاز مرسلا من عند البااش باستعجال حسن باشا للحضور الى الحجاز، وكان قبل ذلك بأيام أرسل يطلب سعة آلاف عسكري وسبعة آلاف كيس، فشرع كتخدا بك في استكتاب اشخاص من اخلاط العالم ما بين مغاربة وصعايدة وفلاحي القرى ، فكان كل من ضاق به الحال في معاشه يذهب ويعرض نفسه فيكتبونه، وان كان وجيها جعله الكتخدا أميرا على مائة أو مائتين".

وفاة سعود بن عبد العزيز

وصل هذا المدد الى جدة، وفيما كان محمد علي باشا يتأهب للزحف ساعدته العناية الإلهية بوفاة خصمه الشديد البأس الأمير سعود بن عبد العزيز ، توفى بالدرعية في إبريل سنة 1814.

فخلفه في الأمارة نجله عبد الله بن سعود، ولم يكن على صفات أبيه من الشجاعة والاقدام وبعد النظر وعلو الهمة، بل كان على العكس شديد التردد ضعيف الفؤاد لين العريكة لا يميل الى الحرب والقتال، فكانت وفاة سعود بن عبد العزيز من الاسباب التي ساقتها الاقدار لنجاح محمد علي، وهكذا كان للحظ اثر كبير في حياة ذلك الرجل العظيم.

حصار الوهابيين الطائف

انفذ محمد علي عابدين بك احد قواد جيشه لاحتلال وادي زهران الذي يفصل اليمن عن الحجاز، فزحف ولم يلق بادئ الامر كبير مقاومة، ثم ما لبث الوهابيون ان عادوا يهاجمون الجيش المصري حتى اضطر الى الانسحاب ونالته الخسائر الفادحة، فكان انسحابه هزيمة للمصرييين، وظفرا للوهابيين، وتعقبه هؤلاء حتى الطائف واقبلوا بجموعهم الحاشدة وضربوا عليها الحصار وكان فيها طوسون باشا.

بلغ محمد علي هذا النبأ وهو في جدة فأخذ يعمل فكرة لانقاذ ابنه من الحصار فاهتدى الى حيلة حربية تدل على شدة ذكائه وحضور ذهنه، ذلك انه ركب في عشرين من رجاله وسار نحو الطائف، ووقف على جبل يشرف عليها، فشاهد مركزها وهي محصورة، وفيما هو كذلك جاءه رجاله بفارس عربي من الوهابيين وقع أسيرا في أيديهم، فلما رآه محمد علي أخذ يسأله عن قوات الوهابيين فيجيبه على ما يسأل، ثم عرض عليه أن يطلق سراحه على أن يحمل رسالة الى ابنه طوسون في الطائف، واخذ عليه موثقا أن يؤدي الرسالة، فوفى الرجل بعهده، وحمل الرسالة الى طوسون باشا فاذا هي تحوي الكلمة الآتية: "إني قادم اليك فأحضر وألحق بنا فوق الجبل".

رفع الحصار عن الطائف

وقد اطلع الوهابيون على فحوى الرسالة، فتوهموا ان جيشا عرموما قد أقبل لنجدة طوسون، وأنهم سيقعون حينئذ بين نارين، والحقيقة أنها خدعة ابتكرها محمد علي بايهام الوهابيين أنه اقدم في قوة كبيرة، وقد كان لهذه الخدعة أثرها الفعال في سير القتال، فان الوهابيين أجمعوا على الانسحاب ورفعوا الحصار عن الطائف.


التأهب لمعاودة القتال

عاد محمد علي ونجله الى مكة (يونيه سنة 1814) ومنها الى جدة واخذ في تدريب السبعة الآلاف من الجنود الذين بعث بهم الكتخدا بك، وبقى في جدة ثلاثة اشهر بعد العدة لاستئناف القتال، وفيما هو يتأهب للزحف شبت الثورة في قبائل البدو الضاربة بين ينبع والمدينة، وسببها أن حاكم المدينة قتل شيخ قبيلة حرب، فقامت القبائل للأخذ بالثأر وقطعت السبل بين جدة ومكة وينبع والمدينة وكادت الثورة تستفحل لولا ان عالجها محمد علي باشا بالحكمة فسار طوسون الى ينبع ومنها الى بدر حيث التقى برؤساء القبائل فعتهد لهم بعقاب حاكم المدينة عقابا يتكافأ مع جريمته فهدأت بذلك حدة غضبهم، وساعده على تهدئتهم ما بذله لهم من المال فكان من نتائج ذلك أن تخلوا عن وادي الصفراء الذي يحتلونه.

وفي خلال تلك الحادث تلقى طوسون باشا من المدينة نبأ وفاة حاكمها الذي شبت الثورة بين القبائل بسببه، فأذاع طوسون هذا النبأ بين القبائل وأفهمهم أن أباه هو الذي أمر بقتله عقابا له على فعلته، فهدأت القبائل وجنحت الى السلم وكفت عن قطع الطرق، وكان موسم الحج قد أقبل فصار طريق الحجاج مأمونا، وحج محمد علي للمرة الثانية واقبل الحجاج من مصر ومن سائر الاقطار الاسلامية وأدوا الفريضة آمنين مطمئنين.


واقعة بسل

(يناير سنة 1815)

وبعد أن تمت مراسم الحج ، تجددت الحرب، وأنفذ محمد علي جنود الى الطائف تمهيدا للزحف، وكان الوهابيون قد جمعوا من المقاتلة نحو عشرين ألفا حشدوهم بقيادة فيصل بن سعود بين بسل وتربه وكان لهم عدد ذلك احتياطي من نحو عشرة آلاف مقاتل، فزحف محمد علي في نحو أربعة آلاف مقاتل على بسل الواقعة بين الطائف وتربه، والتقى فيها بجيش الوهابيين (يناير سنة 1815) فدارت رحى القتال بين الفريقين واستعرت نار الحرب واستمرت المعركة من الفجر حتى المساء، وانتهت بهزيمة الوهابيين وقتل منهم نحو ستمائة وتشتت الباقون، وتعد واقعة بسل من أكبر وقائع الحرب الوهابية بل من اهم المعارك في تاريخ مصر الحربي.

احتلال تربه ورنيه ثم بيشه

تابع المصريون زحفهم بعد واقعة بسل فاحتلوا تربة ثم احتلوا كذلك رنيه وبيشه ولقى الجيش خلال هذه الغزوة متاعب هائلة ولم يكن غذاء الجنود في الغالب سوى التمر، وكان محمد علي يقاسمهم شظف العيش ليشجعهم على احتماله.


احتلال قنفذه

ثم رجع الى الشاطئ واحتل ميناء قنفذه وابقى فيها حامية مصرية وذهب منها الى جدة ومنها الى مكة تحف به اعلام الظفر.

احتلال الرس

وزوحف طوسون من المدينة على القسم الشمالي من نجد متشجعا بتلك الانتصارات، فبلغ في زحفه الى الرس احدى مدن نجد المهمة فاحتلها، ثم احتل الشبيبة الواقعة على طريق الدرعية عاصمة الوهابين، واستعد الجيشان فاخذ كل منهما يتأهب لمعركة فاصلة.

طلب الوهابيين الصلح

على ان طوسون رأى من المغامرة ان يبدأ بالهجوم لأنه أدرك انه امام قوات تفوقه عددا، فتشاور وقواد جيشه واتفقوا رأيا على الانسحاب الى المدينة، ولكنه لم يكد يستقر رأيه على هذا العزم حتى أوفد اليه الامير عبد الله بن سعود رسولا يعرض الصلح والطاعة، فدهش طوسون لهذه المفاجاة على حين كن يشعر بان مركز عدوه قوي منيع، لكن ضعف عبد الله بن سعود وما جبل عليه من التردد كان من اهم البواعث التي مالت به الى التسليم والخضوع.

فأجاب طوسون على طلب الصلح انه لا يستطيع ان يجيب الطلب الا بعد عرض الامر على والده، وانه يمنح الامير الوهابي هدنة عشرين يوما حتى يراجع والده، فقبل عبد الله بن سعود، وتهادن الفريقان ووقفت الحركات الحربية، وبقى كل جيش مكانه ينتظر الهدنة ان تنتهي.


رجوع محمد علي الى مصر

وفي غضون ذلك عاد محمد علي الى مصر فجأة: ذلك انه تلقى من مصر انباء شغلته واهاجت وساوسه، اذ علم منها ان ثمة مؤامرة دربها لطيف باشا في غيبته كما سيجئ بيانه، وبلغه كذلك ان حوادث خطيرة توشك ان تقع في اوروبا اذ الصراع بالغ اشده بين نابليون والدول المتألبة عليه، وعلم من الانباء الاخيرة ان نابليون بعد ان هزمه الحلفاء ونفوه الى جزيرة ألبا قد أفلت من منفاه ورجع الى فرنسا واسترد عرشه وسلطته، فخشى محمد علي ان تكون عودة نابليون سببا في تجدد الحرب والقتال في اوروبا واستهداف مصر لحملة جديدة اذ يفكر نابليون ثانية في غزوها، ومع ان هذه الفكرة لم يهجس بها نابليون بعد عودته من منفاه الا ان محمد علي كان شديد الحذر كثير الهواجس خوفا على مركزه، فاسرع بالرجعة الى مصر لكي يتقي المفاجات التي ليست في الحسبان وعاد عن طريق القصير فقنا فالقاهرة، وذكر الجبرتي نبأ عودته في حوادث رجب سنة 1230، فقال انه حضر الى الجيزة ليلة 15 رجب (23 يونيه سنة 1815).

مؤامرة لطيف باشا

اما مؤامرة لطيف باشا فحكايتها كما يذكرها جمهور المؤرخين انه كان من مماليك محمد علي شاب اسمه لطيف أغا قربه اليه واختصه وجعله امين خزانته، فلما جاءت الانباء باستيلاء الجيوش المصري على المدينة واستخلاصها من ايدي الوهابيين اوفده محمد علي الى الاستانة ليزف البشرى الى الديوان العالي، فانعمت الحكومة التركية على لطيف اغا برتبة الميرميران فصار لطيف باشا ، فداخله الزهو والخيلاء، وزين له بعض رجال المابين ان يأتمر بسيده ومنوه الاماني ووعدوه بالمساعدة على أن يخلفه في ولاية مصر، فقبل لطيف باشا هذه المهمة، وخيل له زهوه وغروره انها فكرة ناجحة، وخاصة لان محمد علي عازم على التوجه الى الحجاز فيكون غيابه خير فرصة لتنفيذ مهمته واعتلائه عرش مصر، وعاد الى القاهرة ونفسه مملوءة امالا كبارا، وبدا عليه في مصر من الغطرسة والكبرياء ما جعل الظنون تحوم حوله، واستشف محمد علي بثاقب نظره تغيرا في اطواره وحركاته، فارتاب في امره، وما أكثر ما يستهدف الناس للشبهات والريب في ذلك العصر، وزاد في ارتيابه ان كتخداه محمد لاظ أوغلي المشهور بكراهيته لجنس المماليك نقم على لطيف باشا كبرياءه وخيلاءه وما ناله من المزايا والرتب ، فألقى في روع محمد علي على أنه يسرف في بذل المال ويستكثر من الاتباع والمماليك فعسى ان يتخذهم جندا ويحدث بهم حدثا، فتزعزعت ثقة محمد علي فيه، ولما مضى الى الحجاز عهد الى محمط لاظ أوغلي ان يرقب حركات لطيف باشا واطلق له ان يتخذ ما يراه في شأنه، وكان الكتخدا معتزما التنكيل به، فأخذ يؤلب عليه رؤساء الحكومة مثل حسن باشا، وطاهر باشا، وطبوز اوغلي، ومحو بك ، ومحمود بك الدويدار، وكذلك أوغر عليه صدر اسماعيل باشا ابن محمد علي، وصمم على قتله بعد ان اخذ للامر عدته.

وفي اليوم الموعود باغته بدعوته الى اجتماع يعقد في القلعة للنظر في بعض الشئون، وخيره بين أن يحضر أو يغادر الديار المصرية، وكان لطيف يعلم ما وراء هذه الدعوة من المهالك، فحار في أمره، وبينما هو يفكر في حيلة ينجو بها أبصر فرأى بينه يحاصره نحو ألفين من الجنود جاءوا ليقبضوا عليه وأخذوا يطلقون الرصاص على داره، فعلم أن قد أحيط به، وفكر في الفرار ، فاستتر في مخبأ بداره ومعه نساؤه ومملوك له حتى جن الليل، فتسلل هو الى بيت خازنداره واختفى فيه.

أما العسكر فاقتحم جماعة منهم دار لطيف باشا وكشفوا مخابئها، وفتشوها تفتيشا دقيقا، فعثروا على النساء والمملوك، ولم يجدوا ضالتهم أي لطيف باشا، ولما كان الغد أراد لطيف أن يغادر بيت خازنداره خشية أن تقع عليه عيون الرقباء لقربه من بيته، فصعد الى سطح البيت، واعتزم ان يقفز من سطح الى سطح ليلوذ بالهرب، وبينما هو يقفز من سطح خازنداره ابصره احد الجنود المراقبين له فصاح به لينبه اليه الرقباء، فرماه لطيف باشا برصاصة جندلته، ولكنها ايقظت نظر الرقباء فتعقبوه، ولم تمض ساعات حتى القوا البض عليه فكبلوه وساقوه الى الكتخدا لمحاكمته.

فعقد الكتخدا ديوانا من كبار رؤساء الحكومة واتفقوا على اعدامه، وسبق لطيف باشا الى ساحة الاعدام تحت سلالم سراي القلعة وقطع رأسه.

ويلوح لنا ان ما ذكره جمهور المؤرخين من قبل ان قتل لطيف باشا يرجع الى ممالأته لحكومة التركية على انتزاع ولاية مصر من محمد علي مشكوك فيه، ولا يسهل تصديقه، لأن الوقت لم يكن مناسبا لخلع محمد علي وهو منصرف الى توجيه كل قواته لمحاربة الوهابيين، وحكومة الاستانة لم تكن في ذلك الحين تخشى بأس محمد علي بل كانت في حاجة اليه لتفرغ من الدولة الوهابية التي تنازعها السلطة والسيادة وتتهددها بانشاء دولة عربية قد تنتزع منها الخلافة، فمحمد علي كان وقتئذ مشمولا برضا الحكومة التركية، ولا يتفق منطق الحوادث مع تآمرها عليه في هذه الظروف.

وأغلب الظن ان محمد علي وحاشيته قد ساءهم الأنعام على لطيف باشا بالباشوية اذ لم يسبق للسلطان ان انعم بها على أحد بعد تولية محمد علي غير ابنائه، وأخذت بطانة البااش وخاصة كتخداؤه محمد لاظ أوغلي ينظرون بعين المقت والارتياب الى لطيف باشا، وزادهم مقتلا له ما بدا عليه من الغطرسة والخيلاء بعد عودته من الاستانة، وكان لاظ أوغلي معروفا عنه كرهه للماليك، ولطيف باشا كان في الاصل مملوكا، فحقد عليه واعتزم التنكيل به كما تقدم ، واتخذ تهمة المؤامرة وسيلة لانفاذ عزمه.

وقد ذكر الجبرتي حكاية المؤامرة، ولم يؤيدها في روايته، وكذلك لم يروها مانجان بلهجة تفيد اليقين.

مشروع الصلح واخفاقه

في خلال الهدنة التي عقدها طوسون باشا مع عبد الله بن سعود جاءه كتاب من والده ينبئه انه سافر الى مصر لشئون هامة وانه ترك له عددا عظيما من الجند بقيادة خازنداره، ويوصيه بالمبادرة الى الزحف على الدرعية عاصمة الوهابيين لاستئصالهم والقضاء عليهم. ورد خطاب محمد علي الى ابنه فارسل يستدعي الخازندار الى مدينة الرس قبل انقضاء اجل الهدنة، وتشاور طوسون باشا وقواد الجيش ورؤساء القبائل الموالية، واستقر رايه على قبول الصلح، واشترط لذلك شروطا اهمها ان تحت الجيوش المصرية الدرعية وان يرد عبد الله بن سعود كل ما اخذه الوهابيون من الحجرة النبوية من النفائس والجواهر وان يكون رهن اوامر طوسون باشا حتى اذا طلب اليه السفر الى اي جهة كائنة ما كانت اذعن للأمر، وان يؤمن سبل الحج ويكون خاضعا لحاكم المدينة، والا يتم تمام الصلح الا بعد عرضه على محمد علي باشا واقراره.

وارسل عبد الله بن سعود وفدا الى القاهرة ليعرض الصلح على محمد علي، ووصل الوفد الى مصر في سبتمبر سنة 1815، ولكن محمد علي اظهر تشددا ولم يرض بالشروط التي عرضها ابنه، وصمم على معاملة امير الوهابيين معاملة الخوارج والعصاة، ولعله كان يرمي الى بسط حكمه على جزيرة العرب، فرأى في بقاء ظل لدولة الوهابيين مهما تظاهر عبد الله بن سعود بالخضوع والولاء حائلا دون استقرار حكمه في الجزيرة، فآثر ان يمحق قوته ويأخذه أسيرا ليقضي على دولته القضاء الاخير، فطلب الى الوفد قبل ان يصفح عن اميرهم ان يرد جميع ما اخذه الوهابيون من نفائس الحرم النبوي وان يسلم الدرعية الى حاكم المدينة وان يحضر بنفسه ويذهب الى الاستانة ليكون رهن اوامر السلطان وليقدم له حسابا عن اعماله، وكان محمد علي يتوقع ألا تقبل شروطه القاسية وخاصة سفر عبد الله بن سعودالى الاستانة لان معنى ذلك تسليم عنقه الى يد الجلاد، وقد تحقق ما توقعه فان عبد الله بن سعود لما بلغه نبأ هذه الشروط ارسل يقول انه لم يبق لديه شيء من النفائس التي انتزعها أبوه حتى يرد منها شيئا، ورضى بأن يعين محمد علي نائبا عنه في الدرعية يولي قبض الخراج او ان يحدد الخراج بمبلغ معلوم يتعهد بأدائه، ورفض شرط الذهاب الى الأستانة.

فارسل محمد علي يتهدد بالحرب وينذره جيشا جرارا يكتسح بلاده ويخربها، وبذلك اخفقت مفاوضات الصلح، وتأهب عبد الله بن سعود للحرب والقتال ، وجرد محمد علي حملة جديدة على الحجاز بقيادة أكبر أنجاله ابراهيم باشا.

رجوع طوسون باشا الى مصر

علم طوسون باشا وهو في الحجاز بأنباء الفتنة العسكرية التي أثارها الجنود الأرناءود بالقاهرة وما وقع منها من النهب مما سيجئ بيانه، فقرر العودة الى القاهرة ، وسار من المدينة الى ينبع، ومنها الى السويس بحرا، وكان وصوله اليها في غاية شهر ذي القعدة سنة 1230، وقدم القاهرة يوم 5 ذي الحجة (8 نوفمبر 1815) ، وكان الاحتفال باستقباله عظيما بالغا، قال الجبرتي في هذا الصدد: "في رابع ذي الحجة سنة 1230 نودي بزينة الشارع الاعظم لدخول طوسون باشا سرورا بقدومه، ودخل من باب النصر، وعلى رأسه الطلخان وشعار الوزارة، وطلع الى القلعة وضربوا في ذلك اليوم مدافع كثيرة وشنكا وحراقات".

استئناف الحرب في الحجاز بقيادة ابراهيم باشا

أبدى محمد علي همة كبيرة في تجريد الحملة الجديدة، وظل ستة أشهر يعد معداتها، وعقد لواءها لابنه الاكبر ابراهيم باشا، فأمر بجمع المراكب في ساحل بولاق لنقل المؤونة والذخائر والمدافع والمهمات الى قنا ومنها تنقل برا الى ثغر القصير لتقلع منه الى ينبع بحرا، وسار ابراهيم باشا من بولاق يوم 5 سبتمبر سنة 1816 قاصدا قنا، ولما وصل الى اسيوط جند ألفين من الفلاحين لينضموا الى الحملة.

ولما بلغت الحملة الى قناة نقلت على ظهور الابل الى القصير، واعد ابراهيم باشا ستة آلاف جمل قدمها عرب العبابدة لهذه الغاية، فمضت الحملة الى ميناء القصير واقلعت بهم سفن الاسطول المصري الى ينبع، فبلغتها يوم 29 سبتمبر، وكان يصحب ابراهيم باشا ضابط فرنسي من ضباط اركان الحرب وهو المسيو فيسيير وطبيب وجراحان وصيدلي من الايطاليين.

ولم يكد يستقر به المقام في ينبع حتى سار الى المدينة، فادى فروض الزيارة النبوية، واخذ يستعد للزحف والقتال.

وفي اليوم الرابع من عيد الاضحى سار بجيشه وقصد الصويدرة شمالي المدينة واتخذها معسكره العام واخذ يجهز المعدات ويجمع الابل للزحف على نجد، ولكنه عانى من مصاعب كثيرة في بدء الحملة، منها ان معظم القبائل كانت ممائلة للوهابيين على محاربة الجيش المصري، فأخذوا يناشدون القوافل بين الصويدرة والثغور البحرية. فانفذ ابراهيم باشا لمحاربتهم قوة من الفي جندي القت بهم على مسيرة يومين واوقعت بهم الهزيمة.

ثم اخذ العرب يؤثرون الجانب المصري على الوهابيين لما لم يجدوا من هؤلاء منفعة او طائلا، فانضموا الى ابراهيم باشا وتعهدوا بتقديم ما يطلب من الابل وغيرها.

زحف ابراهيم باشا من الصويدرة وسارى الى الحناكية وعسكر بها وتحصن فيها، واتخذها نقطة ارتكاز لزحفه، ثم تحرك منها قاصدا الرس التي اتخذها عبد الله بن سعود معسكرا له، وكان الوهابيون قد احتلوها بعد عودة طوسون باشا الى مصر.

وفاة طوسون باشا

(سبتمبر سنة 1816)

رجع طوسون باشا الى مصر كما قدمنا، وبعد ان استقر به المقام تولى قيادة الفرق التي انفذها محمد علي لترابط على فرع رشيد، وكان غرض محمد علي توزيع الجنود في مختلف انحاء الوجه البحري حتى لا يكون احتشادهم في القاهرة خطرا الى النظام بعد ما بدا منهم من التمرد والعصيان، ولكي يلقى في روعهم انه لا يقصد تشتيتهم او معاقبتهم امر بأن يصحبهم في معسكراتهم الجديدة بعض ابنائه ورؤساء جنده، فتولى طوسون باشا قيادة بعض تلك الفرق كما قدمنا، واتخذ معسكره في برنبال الواقعة بالبر الشرقي للنيل تجاه رشيد، والتمس بها الراحة من عناء المعارك التي خاضها في الحجاز، فاخذ الموسيقيين والراقصين والراقصات والمغنيات ومجالس اللهو، وبقى بها الى ان عاجلته المنية ليلة 29 سبتمبر سنة 1816 اثر مرض ثار به فجاة، قيل انه نشأ من تهالكه على الملذات، ولم يمهله أكثر من عشر ساعات ثم فاضت روحه، فنقلت جثته بطريق النيل الى القاهرة ودفن في مقابر الامام الشافعي.

توفى طوسون وهو مقتبل الشباب اذ لم يتجاوز العشرين من عمره، فجزع أبوع على فقده جزعا شديدا وحزن الناس لوفاته لما كان عليه من الشجاعة والجود والميل الى الشعب.

حصار الرس

اشتبكت طلائع الجيش المصري بالوهابيين على مقربة من الرس، فكانت الغلبة للجيش المصري، لما امتاز به من النظام والتسلح بالبنادق الحديثة، ومعاونة العربان من قبيلة حرب.

هزم الوهابيون ورجعوا القهقري، وامتنع عبد الله بن سعود في الرس، فضرب عليها ابراهيم باشا الحصار، وجلب المدافع لرميها، واقام الاستحكامات حولها، لكنها كانت على قوة ومنعة، فاستمر الحصار ثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما دون أن ينال منها طائلا، ودافع عنها الوهابيون دفاع الابطال بالرغم من قتالهم جيشا مسلحا بالبنادق الحديثة، ولم يكن عندهم الا البنادق من الطراز العتيق الذي يطلق بالفتيلة، ومع ذلك صدوا هجمات الجيش المصري ثلاث مرات وكبدوه خسائر جسيمة، وبلغ عدد قتلاه مدة الحصار 2400 جندي، على حين لم يقتل من الوهابيين سوة 160 قتيلا، وهذا يدلك على فداحة الخسائر التي أصابت الجيش المصري في حصار الرس.

وقد ادرك ابراهيم باشا ان خسائره ستتفاقهم اذا هو استمر في الحصار، وان ذخيرته نقصت ومؤونته كادت تنفد، وأصبح الجيش هدفا للمجاعة. اضف الى ذلك ما خامر نفوس الجنود من الملل والياس، وما قاسوه من الشدائد والاهوال، ثم انتشار الامراض بينهم، وهبوب الزعازع والاعاصير التي كانت تقتلع الخيام فترمي بها فلا يجد الجنود وخاصة المرضى والجرحى مأوى لهم.

فاضطر ابراهيم باشا ان يرفع الحصار عن الرس، وان يقبل من عبد الله بن سعود شروطا لوقف القتال ما كان ليرضاها لو لم تمتنع عليه، فصالحه على ان يرفع الحصار عن المدينة وان يضع اهلها سلاحهم ويقيموا على الحياد، ولا يدخل الرس احد من جنود ابراهيم باشا او ضباط جيشه، ولا يجبر الاهالي على تقديم شي من المؤونة للجيش ، ولا يؤدوا اتاوة، وانه اذا استولى الجيش على مدينة عنيزة تسلم له الرس بدون قتال، وان لم يفلح يعود القتال ثانية.

سار ابراهيم باشا قاصدا عنيزة ، واحتل في طريقه الخبراء بعد ان ضربها بالمدافع عدة ساعات، واستراح الجيش بها احد عشر يوما، ثم سار الى عنيزة وحاصرها ستة ايام الى ان سلمها حاكمها محمد بن حسن على الا تؤسر الحامية الوهابية وان يؤذن لها بالذهاب انى شاءت بشرط ان تتخلى عما لديها من الاسلحة والذخائر والمؤوننة، فرضى ابراهيم باشا الشروط ودخل المدينة، ثم ارسل كتيبة من الجند لاحتلال الرس طبقا للشروط التي اتفق عليها من قبل.

كان لسقوط عنيزة بهذه السرعة اثر كبير في سير القتال، لانها من اهم مواقع نجد فتراجع عبد الله بن سعود الى الشقراء، واخذ يحصن الدرعية مخافة ان تتداعى بتاثير ضربات ابراهيم باشا ، وجنحت القبائل في بلاد القصيم الى التسليم خوفا من بطش ابراهيم واذعنت له.

(((((خريطة)))))))

فتح الشقراء

(يناير سنة 1818)

استأنف ابراهيم باشا الزحف، فاحتل بردية بعد قتال طفيف، وبقى بها شهرين تلقى في خلالها المدد من مصر، ثم سار في أواخر ديسمبر سنة 1817 قاصدا الشقراء، وهي من امنع بلاد نجد فوصلها يوم 13 يناير سنة 1818 وضرب عليها الحصار، واخذ يشدد في حصارها ويضربها بالمدافع حتى طلب اهلها التسليم، ورضى منهم الا ياخذ منهم اسرى وان يؤذن لهم بالذهاب حيث شاءوا على ألا يحملوا السلاح ثانيا لقتال الجيش المصري واذا نقضوا عهدهم استحل دماءهم.

ودخل ابراهيم باشا المدينة دخول الظافر يوم 22 يناير سنة 1818.

كان فتح الشقراء انتصارا كبيرا للجيش المصري لما لموقعها من الشان والخطر، ولما وصلت الى مصر انباء هذا الفتح قوبلت بابتهاج عظيم.

قال الجبرتي في هذا الصدد: " في أواخر ربيع ثاني سنة 1233 (فبراير سنة 1818) حضر مبشر من ناحية الديار الحجازية بخبر نصرة حصلت لابراهيم باشا وانه استولى على بلدة تسمى الشقراء، وان عبد الله بن سعود كان بها فخرج هاربا الى الدرعية ليلا، وان بين عسكر الاتراك والدرعية مسافة يومين، فلما وصل هذا المبشر ضربوا لقدومه المدافع من أبراج القلعة وذلك وقت الغروب من يوم الاربعاء سادس عشرينه".

فتح الدرعية

(سبتمبر سنة 1818)

انشا ابراهيم باشا في الشقراء مستشفى وترك بها فصيلة من الجنود، وسار قاصدا الدرعية عاصمة الوهابيين، وكانت تبعد عن المدينة المنورة التي اتخذها ابراهيم باشا قاعدة للحركات الحربية نحو 400 ميل، وهذا بذلك على عظم المراحل التي قطعها الجيش في الحرب والقتال.

فعرج في طريقه الى الدرعية على ضرمة اذ علم ان بها كثيرا من المؤونة والجياد، فامتنعت عليه، فضربها بالمدافع ودافع حاكمها واهلها عن مدينتهم دفاعا شديدا وقتلوا كثير من المهاجمين، واستمر القتال حتى طلب الحاكم التسليم على ان يخلي البلد، فاخلاها وترك الاهالي هدفا لبطش الجيش، وامر ابراهيم باشا بقتلهم عقابا لهم على ما كبدوا الجيش من الخسائر، فقتلوا جميعا.

بقى ابراهيم باشا شهرين في ضرمة حيث عاقته الامطار عن الزحف، ثم غادرها في 22 مارس سنة 1818 قاصدا الدرعية عاصمة الوهابيين، فخط تجاهها يوم 16 ابريل في جيش مؤلف من خمسة آلاف وخمسمائة من المشاة والفرسان مجهزين باثنى عشر مدفعا.

تتألف الدرعية من خمسة أحياء متجاورة يحيط بكل منها سور، فكانت المدينة محصنة تحصينا منيعا وفيها بعض المدافع يستعملها الوهابيون في القتال.

رتب ابراهيم باشا مواقع جنوده واعد العدة لمهاجمتها، وعاونه في رسم خط الحصار الضابط الفرنسي الذي يصحبه وهو المسيو فيسيير، وبدا ابراهيم يضرب المدينة بالمدافع، ولكنها امتنعت عليه ودافع عنها الوهابيون دفاع الابطال واشترك نساؤهم في القتال فكان دفاعا مجيدا.

استمر الحصار اكثر من شهرين والمدينة مستعصية على الجيش المصري، فبدا مركزه يتحرج، وزاد في حرجه ان الطبيعة اصابت الجيش بنكبة كادت تودي به لولا ثبات ابراهيم باشا وعزيمته الحديدية، فقد هبت عاصمة على معسكر الجيش يوم 21 يونيه سنة 1818 اطارت نارا كان احد الجنود يوقدها، فاندلعت النار على خيمة منصوبة على قرب من مستودع الذخيرة، فاحترقت الخيمة وامتدت نارها الى المستودع فانفجر لساعته ونسف الانفجار من القنابل والرصاص ما ذهب بنصف ذخيرة الجيش، فذعر الجنود لدوي الانفجار ولما اصاب الذخيرة من التدمير، وكادت تحل الهزيمة بالجيش ويختل نظامه لولا ان قابل ابراهيم باشا تلك الكارثة بالشجاعة والجلد، وما يؤثر عنه في هذا الموقف أنه قال لمن حوله: "لقد فقدنا كل شئ، ولم يبق لدينا الا شجاعتنا فلنتذرع بها ولنهاجم العدو بالسلاح الأبيض.

واخذ يشجع الضباط والجنود، وارسل يطلب الذخيرة من المواقع التي يحتلها الجيش المصري، كالشقراء، وبريدة، وعنيزة، ومكة والمدينة وينبع.

وعلم الوهابيون بما حل بذخيرة الجيش المصري، فقرروا الهجمة عليه لعلهم يأخذونه من ضعف، وهاجموهم فعلا في اليوم التالي، ولكن ابراهيم باشا احكم خطط القتال وامر جنوده بالاقتصاد في الذخيرة فرد الوهابيون على اعقابهم، واستمرت الحرب سجالا الى ان جاءته الذخيرة فسد بها النقص، وتلقى من ابيه رسالة بانه ممدة بثلاثة آلاف من المقاتلة بقيادة خليل باشا، فاعتزم ابراهيم باشا ان يضرب الضربة القاضية قبل ان يتلقى المدد لكي لا يشاركه خليل باشا في فخر الظفر الوهابية.

رواية الجبرتي

أشار الجبرتي الى تلك الحوادث بقوله:

"وفي منتصفه (رمضان سنة 1233 – يوليو سنة 1818) وصل نجاب واخبر بانه ابراهيم باشا ركب الى جهة من نواحي الدرعية لامر يبتغيه، وترك عرضيه (جيشه)، فاغتنم الوهابية غيابه وكبسوا على العرضي على حين غفلة وقتلوا من العساكر عدة وافرة، واحرقوا الجبخانة (الذخيرة) فعند ذلك قوى الاهتمام وارتحل جملة من العساكر في دفعات ثلاث برا وبحرا يتلو بعضهم بعضا في شعبان ورمضان، وبرز عرضي جيش خليل باشا الى خارج باب النصرة".

وقال في حوادث شوال من تلك السنة: "وفي ثامنة ارتحل خليل باشا مسافرا الى الحجاز من القلزم وعساكره الخيالة على طريق البر"، ومعنى هذا ان المشاة ذهبوا من السويس بحرا وسار الفرسان برا من طريق برزخ السويس الى الحجاز، فتأمل عظم المراحل التي كان يقطعها الجنود والمتاعب الهائلة التي كانوا يتكبدونها في تلك الحرب الشاقة.

قلنا ان ابراهيم باشا اعتزم ان يضرب الدرعية الضربة القاضية، فوجه قواته الى كل نواحي من احيائها، واحدا اثر آخر، فاستولى على الاول ثم على الثاني ثم على الثالث، وبذلك ضاق الخناق على الوهابيين، وكان الحصار قد دام خمسة اشهر، فراى عبد الله بن سعود ان ليس في مقدوره المقاومة بعد ان فدحته الخسائر ونالته الاوصاب من طول الحصار واهواله، فجنح الى الصلح والتسليم، وارسل يوم 9 سبتمبر سنة 1818 رسولا الى ابراهيم باشا يطلب وقف القتال حتى يتم الانفاق على الصلح.

فابتهج ابراهيم باشا لهذه الرسالة ابتهاجا عظيما، واذن بوقف القتال، ثم جاء عبد الله بن سعود بنفسه الى معسكر ابراهيم باشا، فتلقاه القائد العظيم بالحفاوة والاكرام، وتم الاتفاق بينهما على ان يسلم الدرعية الى البطل ابراهيم وان يتعهد بالابقاء عليها، والا يوقع بالوهابيين او ينالهم بضرر، وان يذهب عبد الله بن سعود الى مصر ثم الى الاستانة كما هي رغبة السلطان، فرضى عبد الله بن سعود بهذه الشروط، واستولى الجيش المصري على الدرعية بعد حصار دام نحو ستة أشهر، وبعد فتح الدرعية لم تلبث المدن الباقية من نجد ان سلمت وخضعت لقائد الجيش المظفر.

كان محمد علي في خلال تلك الوقائع قلقا على مصير الحملة التي يقودها ابنه في فيافي نجد ووهادها، وتاخرت عنه اخبارها، فاشتدت هواجسه ومرض بعينه وطلب من العلماء ان يقرءوا البخاري ويتوجهوا الى الله بدعواتهم مبتهلين ان ينصر جيشه، قال الجبرتي في حوادث رمضان سنة 1233 (يوليو سنة 1818): "وانقضى شهر الصوم والباشا متكدر الخاطر ومتقلق ومنتظر ورود خبر يسر بسماعه".

الى ان جاءته البشرى بانتصار ابراهيم باشا ودخوله الدرعية، فابتهج لهذه البشرى ايما ابتهاج، واطلقت المدافع من القلعة يوم 28 اكتوبر سنة 1818، اعلانا لهذا النصر المبين.


انتهاء الحرب الوهابية

انتهت الحرب الوهابية بانتصار الجيش المصري وبسط نفوذ مصر في بلاد العرب، وكانت هذه الحرب من اشق حروب مصر في عهد محمد علي واكثرها ضحايا واعظمها نفقات، وقد تخللتها هزائم ومواقف عصيبة كادت تقضي على الحملة المصرية ، فان الجيوش التي جردها محمد علي استهدفت للخطر في مواطن عدة وخاصة في هزيمة الصفراء الاولىن وحصار الرس عندما استعصت على ابراهيم باشا، وفي حصار الدرعية، وعندما التهمت النار ذخائر الحملة تحت اسوارها، ففي تلك المرات الاربع كادت الحملة المصرية تقع في الاسر لولا ان القيادة الوهابية كان يعودها الحزم والكفاية والنظام.

ومن الاسباب التي ادت الى اضمحلال قوة الوهابية ضعف عبد الله بن سعود والاموال التي بذلها طوسون وابراهيم ومحمد علي واشتروا بها ذمم البدو، فان القبائل التي انحازت الى جانب الجيش المصري قد عاونته معاونة كبيرة، ولولا ذلك لكانت مواصلاته عرضة للانقطاع ولما استطاع ان يقطع تلك المراحل الشاقة في بلاد مقفرة، اضف الى ذلك ان عزيمة محمد علي وابراهيم، وما احتمله الجيش المصري من الصبر على المشاق والاهوال، كل ذلك كان له الفضل الاكبر في ما ادركه من الفوز، وبفضل تلك التضحيات الجيسيمة امكن مصر ان تبسط نفوذها في مفاوز جزيرة العرب تلك التي يصعب على اي دولة ان تخضعها، وقد ظل هذا النفوذ مبسوطا على انحائها الى ان تقلص ظله في اواخر عهد محمد علي كما سيجئ بيانه.

الحفلات الحربية في عهد محمد علي

كان للانباء التي جاءت بفتح الدرعية وانتهاء الحرب الوهابية اثر ابتهاج عظيم في مصر، وقوبلت باحتفلات بالغة وصفها الجبرتي بقوله:

"في سابع ذي الحجة سنة 1233 (أكتوبر سنة 1818) وردت بشائر من شرق الحجاز بمراسلة من عثمان أغا الورداني امير الينبع بان ابراهيم باشا استولى على الدرعية والوهابية، فانسر الباشا لهذا الخبر سرورا عظيما، وانجلى عنه الضجر والقلق، وانعم على المبشر، وعند ذلك ضربوا مدافع كثيرة من القلعة والجيزة وبولاق والازبيكة، وانتشر المبشرون على بيوت الاعيان لأخذ البقاشيش، وفي ثاني عشر وصل المرسوم بمكاتبات من السويس وينبع ، وذلك قبيل العصر، فأكثروا من ضرب المدافع، وصادف ذلك شنك ايام العيد، وعند ذلك امر بعمل مهرجان وزينة داخل المدينة وخارجها وبولاق ومصر القديمة والجيزة، وشنك على بحر النيل تجاه الترسانة ببولاق".

وتجددت الحفلات في شهر محمر سنة 1234 (نوفمبر سنة 1818) لمناسبة ورود تفاصيل الانتصارات التي نالها ابراهيم باشا، واسهب الجبرتي في وصف تلك الحفلات مما يدلك على فخامتها وبهائها.

فقد نودي بزينة المدينة سبعة أيام، ونصبت السرادقات خارج باب النصر، ومن بينها سرادق محمد علي باشا وباقي الأمراء لمشاهدة الحفلات، وهي مناورات حربية تتخللها حركات فروسية قام بها الخيال والمشاة، واقترنت باطلاق المدافع بكثرةهائلة بحيث يتخيل الانسان اصواتها مع اصوات بنادق الخيالة المترامحين رعودا هائلة". وفي الليل كانت توقد المصابيح والمشاعل، وتطلق الصواريخ والحراقات ، وتضرب المدافع.

وبعد انقضاء السبعة الأيام اعدت حفلات أخرى في جهة بولاق تختلف في نظامها واوضاعها عن حفلات باب النصر، فهذه كانت برية ، أما حفلات بولاق فكان ميدانها النيل وشاطئيه، ولعلها لذلك كانت ابدع واروع، فقد استؤجرت الاماكن المطلة على البحر باجور مرتفعة لتزاحم الناس على مشاهدتها واستجلاء مناظرها، وكان قوام الحفلات مناورات بحرية تقوم بها السفن والمراكب تمثل فيها المعارك البحرية، ولبست بولاق حلة من الرونق والبهاء، واقبل الناس من كل صوب لمشاهدة معالم الزينة "وزين أهالي بولاق اسواقهم وحوانيتهم وأبواب دورهم، ودقت الطبول والمزامير والنقرازانات في السفائن وغيرها، وطبلخانة موسيقى الباشا تضرب في كل وقت، والمدافع الكثيرة تضرب في ضحوة كل يوم وعصره وبعد العشاء، وتوقد المشاعل وتعمل أصناف كل الحراقات والصواريخ والنفوط، وتتقابل القلاع المصنوعة على وجه الماء، ويرمون منها المدافع على هيئة المتحاربين".

ولعلك تلحظ من التامل في وصف الجبرتي لهذه الحفلات انها فاقت في جلالها وفخامتها كل ما تقدمها من الحفلات في مختلف المناسبات، ولم نجد فيما وصفه بعد ذلك من الحفلات لغاية انتهاء كتابة (سنة 1821) ما يدانيها في الروعة والبهاء، وهذا يدلك على عظم تقدير الشعب للانتصارت الحربية وما تستثيره في النفوس من روح الفخر والعزة، ولا جرم ان الحفلات الحربية هي مظهر من مظاهر تقدم الشعوب وتقديرها لمفاخرها القومية وتكريم الفضائل والاخلاق الحربية، فالحفلات التي وصفها الجبرتي تنطوي على هذه المعاني السامية، وليس عجبا ان تحتفل مصر بفتح الدرعية فان فتحها هو اعظم انتصار نالته في اول حرب خارجية خاضت غمارها في تاريخها الحديث، فالدرعية هي عاصمة الوهابيين، وبفتحها توجت حرب شاقة دامت سبع سنوات وكللت بالنصر والظفر.

مقتل عبد الله بن سعود

جاء عبد الله بن سعود الى مصر اسيرا فنزل القاهرة يوم 16 نوفمبر سنة 1818 وتلقاه محمد علي في قصره بشبرا فأكرم مثواه، ثم امر برحيله الى الاستانة، فوصلها وهناك قتل بامر السلطان.


تخريب الدرعية

لم يف محمد علي بعهود ابنه ابراهيم في شروط الصلح، فارسل اليه قبل مغادرته الحجاز يامره بهدوم حصون الدرعية واسوارها وتخريب منازلها وان يرسل الى القاهرة اخوة عبد الله بن سعود، فنزل ابراهيم على امر ابيه، وارسل اخوة ابن سعود وخرب الدرعية واحرقها.


عودة ابراهيم باشا الى مصر

بقى ابراهيم باشا بعد سقوط الدرعية يوطد نفوذه في تلك الاصقاع، وظل كذلك الى ان اعتزم العودة الى مصر، فرجع من طريق القصير فقنا، وانحدر في النيل حتى بلغ الجيزة يوم 9 ديسمبر سنة 1819، وقابل والده في قصره بشبرا، فضمه الى صدره مفتخرا بابنه العظيم، ثم دخل ابراهيم القاهرة من باب النصر في اليوم التالي دخول الظافر، وشق المدينة من باب النصر الى القلعة في موكب مهيب، واحتشدت الجماهير لمشاهدته وتحيته، وجاء محمد علي الى مسجد الغوري وشاهد موكب ابنه اثناء مسيره، ولما بلغ ابراهيم باشا القلعة استنأنف سيره في موكبه الى مصر القديمة وقصد من هناك الى قصره بجزيرة الروضة، وزينت المدينة ابتهاجا برجوع القائد الكبير، وظلت في افراح وزينات سبعة ايام متوليات او كما يقول الجبرتي: "استمرت الزينة والوقود والسهر بالليل، وعمل الحراقات، وضرب المدافع في كل وقت من القلعة، والمغاني والملاعب في مجامع الناس سبعة أيام بلياليها، في مصر الجديدة والقديمة وبولاق وجميع الأخطاط".


فتح سيوه

(فبراير سنة 1820)

كان محمد علي لا يفتأ يعمل لتوسيع تخوم الديار المصري والوصول الى حدودها الطبيعية، فمن ذلك انه جهز تجريدة من 1300 جندي بقيادة حسن بك الشماشرجي لفتح واحة سيوه، فسار اليها حسن بك يقود هذه الحملة ونشب قتال بينه وبين اهلها دام ثلاث سنوات وانتهى بهزمية الاهلين وخضوعهم وطلبهم الامان واعترافهم بالطاعة والولاء للحكومة المصرية (فبراير سنة 1820) ، وانضمت هذه المنطة من ذلك الحين الى حظيرة الوطن، وقد أبدى حسن بك الشماشرجي في تلك الحملة حزما ودراية.

ومما هو جدير بالملاحظة ان فتح سيوه وقع في اوائل سنة 1820 أي قبيل الحملة التي جردها محمد علي لفتح السودان، واغلب الظن انه اراد ان يأمن على حدود مصر الغربية قبل الزحف جنوبا.

وقد انتظمت شئون سيوه في عهد الحكم المصري، وقصدها رواد الاكتشاف وجابوا انحاءها لتعرف احوالها واكتشاف آثارها، وعاونهم حسن بك الشماشرجي في مهمتهم، ومن هؤلاء المسيو لينان دي بلفون، كبير مهندسي محمد علي، والمسيو دروفتي قنصل فرنسا العام في مصر، والمسيو ريتشي من اطباء ايطاليا وغيرهم، فكان الفتح المصري ممهدا السبيل للفتح العلمي والحضاري.

المصادر

  1. ^ الرافعي, عبد الرحمن (2009). عصر محمد علي. القاهرة، مصر: دار المعارف. {{cite book}}: Cite has empty unknown parameter: |coauthors= (help)