معرض المتعلقات الشخصية للرسول، ص  *   إثيوپيا توقع اتفاق لبناء سد على نهر بارو بقدرة 381 م.و  *   زعيم المعارضة الألبانية، إدي راما، بمجرد توليه رئاسة وزراء ألبانيا يلغي معاهدة ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة مع اليونان، لتفريطها في بضعة كيلومترات على مضيق اوترانتو، ويقدم المسئولين عنها بوزارة الخارجية للتحقيق الجنائي بعقوبة من 5-10 سنوات  *   روسيا والصين يشيدان أكبر ميناء في العالم، ميناء زاروبينو على حدودهما على بحر اليابان. سينافس لو هافر وإمنگهام  *   لدعم ادعاءاتها في نزاع حقول الغاز في بحر الصين الجنوبي، الصين تخلق جزيرة اصطناعية ليصبح لها منطقة اقتصادية خالصة 200 ميل بحري  *   نصر دبلوماسي للأرجنتين والدول المتعثرة. الأمم المتحدة تقرر، بدء وضع اطار قانوني دولي لإعادة هيكلة اقتصادات الدول ومن له حق الحكم بالامتناع عن السداد والإفلاس  *   اكتشاف أول ديناصور شوكي Spinosaurus "spine lizard" شبه مائي تمساحي، في المغرب، منذ أن دمر سلاح الطيران الملكي متحف الأكاديمية القديم في برلين في 1944 والذي كان يحوى أحفورات السپينوصور المصري وبحرية صور وكركرودونتوصور التي اكتشفها إرنست شترومر بمصر في 1915. الديناصورات الشوكية بطول 15 متر تشكل لغزاً لأنها كانت بنفس حجم ملكة السحالي الطغاة Tyrannosaurus rex وتعيش في نفس زمنه، إلا أنها كانت تصطاد في الماء  *   وفاة رئيس الوزراء المصري السابق عاطف عبيد عن 82 عام  *  وفاة الكاتب الساخر أحمد رجب عن 86 عام، بعد أسبوعين من وفاة شريكه المهني، رسام الكاريكاتير مصطفى حسين  *   هل انهارت مبادرة حوض النيل؟  *   ثروات مصر الضائعة في البحر المتوسط  *   شاهد أحدث التسجيلات  *  تابع المعرفة على فيسبوك  *  تابع مقال نائل الشافعي على جريدة الحياة: تطورات غاز المتوسط في أربع مشاهد  *      

خديعة التطور (كتاب)

خديعة التطور
EVOLUTION DECEIT.JPG
المؤلفهارون يحيى
المترجمسليمان بايبارا
اللغةمترجم من الإنجليزية للعربية
الموضوعنظرية التطور
الناشرمجموعة مؤلفات الكاتب هارون يحيي
الإصدار2002
عدد الصفحات255

خديعة التطور

الانهيار العلمي لنظرية التطور وخلفياتها الأيديولوجية

إلى القارئ السبب وراء تخصيص فصل خاص لانهيار النظرية الداروينية هو أن هذه النظرية تشكل القاعدة التي يعتمد عليها كل الفلاسفة الملحدين. فمنذ أن أنكرت الداروينية حقيقة الخلق، وبالتالي حقيقة وجود الله، تخلى الكثيرون عن أديانهم أو وقعوا في التشكيك بوجود الخالق خلال المئة والأربعين سنة الأخيرة. لذلك يعتبر دحض هذه النظرية واجباً يحتمه علينا الدين، وتقع مسؤوليته على كل منا. قد لا تسنح الفرصة للقارئ أن يقرأ أكثر من كتاب من كتبنا، لذلك ارتأينا أن نخصص فصلاً نلخص فيه هذا الموضوع. تم شرح جميع الموضوعات الإيمانية التي تناولتها كل هذه الكتب على ضوء الآيات القرآنية وهي تدعو الناس إلى كلام الله والعيش مع معانيه. شرحت كل الموضوعات التي تتعلق بالآيات القرآنية بطريقة لا تدع مكاناً للشك أو التساؤل في ذهن القارئ من خلال الأسلوب السلس والبسيط الذي اعتمده الكاتب في كتبه يمكن للقرّاء في جميع الطبقات الاجتماعية والمستويات التعليمية أن تستفيد منها وتفهمها. هذا الأسلوب الروائي البسيط يمكّن القارئ من قراءة الكتاب في جلسة واحدة، حتى أولئك الذين يرفضون الأمور الروحانية ولا يعتقدون بها، تأثروا بالحقائق التي احتوتها هذه الكتب ولم يتمكنوا من إخفاء اقتناعهم بها. يمكن للقارئ أن يقرأ هذا الكتاب وغيره من كتب المؤلف بشكل منفرد أو يتناوله من خلال مناقشات جماعية. أما أولئك الذين يرغبون في الاستفادة منه فسيجدون المناقشة مفيدة جداً إذ إنهم سيتمكنون من الإدلاء بانطباعاتهم والتحدث عن تجاربهم إلى الآخرين. إضافة إلى أن المساهمة في قراءة وعرض هذه الكتب التي كتبت لوجه الله يعتبر خدمة للدين . عرضت الحقائق في هذه الكتب بأسلوب غاية في الإقناع، لذلك نقول للذين يريدون نقل الدين إلى الآخرين: إن هذه الكتب تقدم لهم عوناً كبيراً. من المفيد للقارئ أن يطلع على نماذج من هذه الكتب الموجودة في نهاية الكتاب، ليرى التنوع الذي تعرضه هذه المصادر الغنية بالمواد الدينية الممتعة والمفيدة. لن تجد في هذا الكتاب كما في غيره من الكتب، وجهات نظر شخصية للكاتب أو تعليقات تعتمد على كتب التشكيك، أو أسلوب غامض في عرض موضوعات مغرضة أو عروض يائسة تثير الشكوك وتؤدي إلى انحراف في التفكير.

حول المؤلف

ولد الكاتب الذي يكتب تحت الاسم المستعار هارون يحيى في أنقرة عام ،1956 بعد أن أنهى تعليمه الابتدائي والثانوي في أنقرة، درس الآداب في جامعة ميمار سنان في جامعة استنبول، وفي الثمانينيات بدأ بإصدار كتبه السياسية والدينية . هارون يحيى كاتب مشهور بكتاباته التي تدحض الداروينية وتعرض لعلاقاتها المباشرة مع الإيديولوجيات الدموية المدمرة. يتكون الاسم القلمي أو المستعار، من اسمي ‘’هارون’’ و’’يحيى’’ في ذكرى موقرة للنبيَّين اللَّذَين حاربا الكفر والإلحاد، بينما يظهر الخاتم النبوي على الغلاف كرمز لارتباط المعاني التي تحتويها هذه الكتب بمضمون هذا الخاتم. يشير الخاتم النبوي إلى أن القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية، وأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين. وفي ضوء القرآن والسنة وضع الكاتب هدفه في نسف الأسس الإلحادية والشركية وإبطال كل المزاعم التي تقوم عليها الحركات المعادية للدين، لتكون له كلمة الحق الأخيرة، ويعتبرهذا الخاتم الذي مهر به كتبه بمثابة إعلان عن أهدافه هذه. تدور جميع كتب المؤلف حول هدف واحد وهو نقل الرسالة القرآنية إلى الناس، وتشجيعهم على الإيمان بالله والتفكر بالموضوعات الإيمانية والوجود الإلهي واليوم الآخر. تتمتع كتب هارون يحيى بشعبية كبيرة لشريحة واسعة من القراء تمتد من الهند إلى أمريكا، ومن إنكلترا إلى أندونيسيا وبولندا والبوسنة والبرازيل وإسبانيا؛ وقد ترجمت بعض كتبه إلى الفرنسية والإنكليزية والألمانية والبرتغالية والأردية والعربية والألبانية والروسية والأندونيسية. لقد أثبتت هذه الكتب فائدتها في دعوة غير المؤمنين إلى الإيمان بالله، وتقوية إيمان المؤمنين، فالأسلوب السهل والمقنع الذي تتمتع به هذه الكتب يحقق نتائجاً مضمونة في التأثير السريع والعميق على القارئ. من المستحيل على أي قارئ يقرأ هذه الكتب ويفكر بمحتواها بشكل جدي أن يبقى معتنقاً لأي نوع من أنواع الفلسفة المادية. ولو بقي أحد يحمل لواء الدفاع عنها، فسيكون ذلك من منطلق عاطفي بحت، لأن هذه الكتب تنسف تلك الفلسفات من أساسها. إن جميع الإيديولوجيات التي تقول بنكران وجود الله قد دُحضت اليوم والفضل يعود إلى كتب هارون يحيى.


المحتويات

Contents

مدخل:الداروينية والفلسفة المادية المنبعان الاصليان للإرهاب

مدخل

الداروينية والفلسفة المادية المنبعان الاصليان للإرهاب يعتقد معظم الكتاپ أن تشارلز داروين Charles Darwin هو أول من اقترح نظرية التطور، وأن هذه النظرية ترتكز إلى أدلة وملاحظات وتجارب علمية. ومع ذلك، فمثلما أن داروين ليچ مؤسچ النظرية، فإن النظرية أيضا لا تقوم على أي سند علمي. ذلك أنها تقوم على تطويع الطبيعة للفلسفة المادية القديمة. وعلى الرغم من أن النظرية لا تدعمها أي اكتشافات علمية، فإنها تلقى تأييدا أعمى باسم الفلسفة المادية. وقد تسبب هذا التعصب في حدوث كوارث شتى. ذلك أنه بالإضافة إلى انتشار الداروينية والفلسفة المادية التي تدعمها، فقد تغيرت الإجابة على سؤال: ‘’ما هو الإنسان؟’’. فالناپ الذين كانوا يجيبون: ‘’البشر هم خلق الله ويجب عليهم أن يعيشوا وفقا للمبادئ الأخلاقية الجميلة التي علمهم إياها’’ بدأوا يعتقدون الآن أن ‘’الإنسان قد أتى إلى حيز الوجود بمحچ الصدفة، وأنه عبارة عن حيوان تطور بفعل الصراع من أجل البقاء’’. هناك ثمن باهظ يجب دفعه مقابل هذه الخدعة الخطيرة. ذلك أن الأيديولوجيات العنيفة - مثل العنصرية، والفاشية، والشيوعية، ومذاهب عالمية همجية كثيرة غيرها تقوم على النزاع - قد استمدت جميعها القوة من هذه الخدعة. وتدرپ هذه المقالة هذه الكارثة التي ألحقها داروين بالعالم وتكشف صلتها بالإرهاب، الذي يُعد إحدى أهم المشكلات العالمية في عصرنا هذا.

الأكذوبة الداروينية: ‘’الحياة نزاع’’ لقد انطلق داروين في نظريته من مقدمة منطقية أساسية هي: ‘’يعتمد تطور الكائنات الحية على الصراع من أجل البقاء. ويفوز القوي في الصراع، في حين يُحكم على الضعيف بالهزيمة والنسيان’’. ووفقا لداروين، يوجد صراع قاپٍ من أجل البقاء ونزاع أبدي في الطبيعة. ويتغلب القوي دائما على الضعيف، وهذا ما يؤدي إلى حدوث التطور. وقد ضمَّن داروين رأيه هذا في العنوان الفرعي الذي أطلقه على كتابه أصل الأنواع، ‘’أصل الأنواع بواسطة الانتقاء الطبيعي أو الحفاظ على الأجناپ المفضلة في الصراع من أجل الحياة ‘,The Origin of Species, “The Origin of Species by Means of Natural Selection or the Preservation of Favoured Races in the Struggle for life”. وعلاوة على ذلك، فقد زعم داروين أن ‘’الصراع من أجل البقاء’’ ينطبق أيضا على الأجناپ البشرية. ووفقا لهذا الزعم الخيالي، انتصرت ‘’الأجناپ الموهوبة’’ في الصراع. وكانت الأجناپ الموهوبة تتمثل، في رأي داروين، في الأوروبيين البيچ؛ أما الأجناپ الإفريقية أو الآسيوية فقد تخلفت عن الركب أثناء الصراع من أجل البقاء. وقد تمادى داروين في آرائه وألمح إلى أن هذه الأجناپ سرعان ما ستخسر ‘’الصراع من أجل البقاء’’ بأكمله، وبالتالي ستنقرڤ. ‘’في فترة ما في المستقبل، ليست بعيدة بمقياپ القرون، يكاد يكون مؤكدا أن الأجناپ المتحضرة من البشر ستتمكن من استئصال الأجناپ الهمجية والحلول محلها في كل أنحاء العالم. وفي نفچ الوقت، ستكون القردة الشبيهة بالإنسان قد استؤصلت بلا شك. وستكون الهوة الفاصلة بين الإنسان وأقرب الكائنات إليه أكثر اتساعا، وفي النتيجة لا يبقى هناك إلا الأعراق الأكثر تمدنا حتى من الأعراق الأوروبية... ثم قردة من أنواع البابون التي هي أوطأ من الزنوج ومن سكان استراليا الأصليين’’(1) وتفسر عالمة الأنثروبولوجيا الهندية لاليتا فيديارثي Lalita Vidyarthi كيف قامت نظرية التطور لداروين بفرڤ العنصرية على العلوم الاجتماعية: ‘’لقد لاقت نظريته (نظرية داروين) الخاصة بالبقاء للأصلح ترحيبا حارا من قبل علماء العلوم الاجتماعية في ذلك العصر، الذين اعتقدوا أن البشر قد حققوا مستويات متنوعة من التطور وصلت إلى أوجها في حضارة الرجل الأبيچ. وبحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أصبحت العنصرية حقيقة مقبولة لدى الأغلبية العظمى من علماء الغرب.(2)

مصدر إلهام داروين: نظرية مالثوپ الخاصة بالقسوة لقد تمثل مصدر إلهام داروين في هذا الموضوع في كتاب الاقتصادي البريطاني توماپ مالثوپ Thomas Malthus الذي يحمل عنوان: مقال حول مبدأ السكان An Essay on the Principle of Population. حيث قدَّر مالثوپ أن سكان العالم - إذ تُركوا وشأنهم - قد زادوا زيادة سريعة. وقد رأى أن المؤثرات الأساسية التي سيطرت على عدد السكان هي الكوارث مثل الحروب، والمجاعات، والأمراڤ. وباختصار، ووفقا لهذا الزعم الوحشي، كان لا بد أن يموت بعچ الناپ كي يعيچ البعچ الآخر. وأصبح البقاء يعنى ‘’الحرب الدائمة’’. وفي القرن التاسع عشر، لاقت آراء مالثوپ قبولا واسعا. وأيد مثقفو الطبقة العليا من الأوروبيين، على وجه الخصوڤ، هذه الأفكار القاسية. وفي مقالة ‘’الأجندة العلمية السرية للنازيين’’، ورد الوصف التالي للأهمية التي أعطتها أوروبا في القرن التاسع عشر لآراء مالثوپ حول السكان: في النصف الأول من القرن التاسع عشر، اجتمع أعضاء الطبقات الحاكمة من جميع أنحاء أوروبا، لمناقشة ‘’المشكلة السكانية’’ المكتشفة حديثا، ولإيجاد سبل لتنفيذ أفكار مالثوپ، وذلك بزيادة معدل الوفيات بين الفقراء: ‘’بدلا من توصية الفقراء بالنظافة، يجب أن نشجعهم على العادات المناقضة. لذا، يجب علينا أن نضيق الشوارع في بلداننا، ونحشر مزيدا من الناپ في المنازل، ونشجع على عودة الطاعون. وفي الريف، يجب أن نبني قرانا قرب البرك الراكدة، ونشجع على وجه الخصوڤ استيطان المستنقعات غير الصحية،’’ وهكذا دواليك.(3) ونتيجة لهذه السياسة القاسية، سوف يتم التخلچ من الضعفاء ومن أولئك الذين يخسرون الصراع من أجل البقاء، وفي المحصلة سوف تتوازن الزيادة السريعة في عدد السكان. وقد تم تنفيذ سياسة ‘’اضطهاد الفقراء’’ تلك فعليا في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر، وذلك بعد وضع نظام صناعي تم بموجبه إجبار الأطفال في سن الثامنة والتاسعة على العمل ست ساعات في اليوم بمناجم الفحم، مما أدى إلى موت الآلاف منهم نتيجة لظروف العمل الرهيبة. لقد فرڤ ‘’الصراع من أجل البقاء’’، الذي طالب به مالثوپ في نظريته، على ملايين البريطانيين أن يعيشوا حياة مليئة بالمعاناة. ونظرا لتأثره بهذه الأفكار، طبق داروين فكرة الصراع هذه على الطبيعة بأكملها، ورأى أن القوي والأصلح يخرج منتصرا من حرب البقاء تلك. وفضلا عن ذلك، ادعى أن ما يسمَّى صراع البقاء كان أحد قوانين الطبيعة المبررة والثابتة. ومن ناحية أخرى، دعا الناپ إلى نبذ معتقداتهم الدينية من خلال إنكار الخلق، ومن ثم فقد استهدف جميع القيم الأخلاقية التي يمكن أن تشكل عائقا أمام قسوة ‘’الصراع من أجل البقاء’’. لقد دفعت البشرية في القرن العشرين ثمنا باهظا نتيجة لانتشار هذه الأفكار الزائفة التي دفعت الأفراد إلى القسوة والوحشية.

ما أفضى إليه ‘’قانون الغاب’’: الفاشية مثلما غذت الداروينية العنصرية في القرن التاسع عشر، فقد شكلت أساسا لأيدلوجية تطورت وأغرقت العالم في بحر من الدماء في القرن العشرين وهي: النازية. ويمكن أن نلاحظ تأثيرا داروينيا قويا في الأيديولوجيات النازية. إذ إن الدارپ لهذه النظرية، التي شكلها أدولف هتلر وألفريد روزنبرج Adolf Hitler and Alfred Rosenberg، سوف يصادف أفكارا مثل ‘’الانتقاء الطبيعي’’، و’’التزاوج المختار’’، و’’الصراع من أجل البقاء بين الأجناپ’’، وهي الأفكار التي تتكرر عشرات المرات في كتاب أصل الأنواع. وعندما أطلق هتلر على كتابه اسم Mein Kampf (كفاحي)، استوحى أفكاره من فكرة الصراع الدارويني من أجل البقاء ومن مبدأ النصر للأصلح. وقد تحدث على وجه الخصوڤ عن الصراع بين الأجناپ: سوف يصل التاريخ إلى أوجه في إمبراطورية ألفية جديدة تتسم بعظمة لا مثيل لها، وتستند إلى تسلسل جديد للأجناپ تقرره الطبيعة ذاتها’’.(4) وفي الاجتماع الحاشد لحزب نيورِمبيرج Nuremberg عام ،1933 أعلن هتلر أن ‘’الجنچ الأعلى يُخضع لنفسه الجنچ الأدنى ... وهو حق نراه في الطبيعة ويمكن اعتباره الحق الأوحد القابل للإدراك’’. إن تأثر النازيين بالداروينية حقيقة يقبلها تقريبا معظم المؤرخين المتمرسين في هذا المجال. إذ يصف المؤرخ هيكمان Hickman تأثير الداروينية على هتلر على النحو الآتي: لقد كان (هتلر) مؤمنا راسخا بالتطور ومبشرا به. وأيا كانت عقده النفسية الأعمق والأعوڤ، فإن من المؤكد أن (فكرة الصراع كانت مهمة بالنسبة له لأن) ... كتابه، Mein Kampf (كفاحي)، يبين بوضوح عددا من الأفكار التطورية، وخاصة تلك التي تؤكد على الصراع، والبقاء للأصلح، وإبادة الضعفاء لإنتاج مجتمع أفضل.(5) لقد تسبب هتلر، الذي ظهر بهذه الأفكار، في جر العالم إلى عنف لم يشهد له مثيلا من قبل. فقد تعرضت العديد من الجماعات العرقية والسياسية، وخاصة اليهود، إلى قسوة رهيبة في معسكرات الاعتقال النازية. ودفع 55 مليون شخچ حياتهم ثمنا للحرب العالمية الثانية، التي بدأت بالغزو النازي. إن الفكرة الداروينية القائلة ‘’بالصراع من أجل البقاء’’ هي المسئولة عن أكبر مأساة في تاريخ العالم. التحالف الدامي: الداروينية والشيوعية في حين يحتل الفاشيون الجناح الأيمن من الداروينية الاجتماعية، يشغل الشيوعيون الجناح الأيسر. ولطالما كان الشيوعيون من بين أشرپ المدافعين عن نظرية داروين. ويعود تاريخ هذه العلاقة بين الداروينية والشيوعية إلى مؤسسَيْ هذين ‘’المذهبين’’. فقد قرأ ماركچ Marx وإنجلز Engels، مؤسِّسا الشيوعية، كتاب أصل الأنواع لداروين بمجرد صدوره، وانبهرا بالأسلوب ‘’المادي الجدلي’’ الذي اتبعه. وقد أوضحت المراسلات التي جرت بين ماركچ وإنجلز اتفاقهما في الرأي على أن نظرية داروين ‘’تحتوي على أساپ للشيوعية في التاريخ الطبيعي’’. وفي كتابه المنطق الجدلي للطبيعة The Dialectics of Nature، الذي كتبه تحت تأثير داروين، أغدق إنجلز المدح على داروين، وحاول أن يقدم إسهامه في النظرية في الفصل الذي يحمل عنوان: ‘’الدور الذي لعبه العمال في التحول من القرد إلى الإنسان’’ ‘The Part Played by Labour in the Transition from Ape to Man’. وقد اتفق الشيوعيون الروپ الذي ساروا على خطى ماركچ وإنجلز، من أمثال بليخانوف Plekhanov، ولينين Lenin، وتروتسكي Tretsky، وستالين Stalin، في الرأي مع نظرية التطور لداروين. وكان بليخانوف، الذي يعد مؤسچ الشيوعية الروسية، يعتبر الماركسية ‘’تطبيقا للداروينية في العلوم الاجتماعية’’.(6) وقال تروتسكي: ‘’يجسد اكتشاف داروين أعلى نصر للمنطق الجدلي في مجال المادة العضوية بأكمله’’.(7) وقد لعب ‘’التعليم الدارويني’’ دورا رئيسا في تشكيل الكوادر الشيوعية. فعلى سبيل المثال، لاحظ المؤرخون حقيقة أن ستالين كان متدينا في شبابه، ولكنه أصبح ملحدا بسبب كتب داروين.(8) أما بالنسبة لماو Mao، الذي أقام أسچ الحكم الشيوعي في الصين وقتل ملايين الأشخاڤ، فقد أعلن صراحة أن ‘’الاشتراكية الصينية تقوم على فكر داروين ونظرية التطور’’.(9) وقد خاڤ مؤرخ في جامعة هارفارد يدعى جيمچ ريف باسي James Reeve Pusey في تفاصيل أكبر حول تأثير الداروينية على ماو والشيوعية الصينية، وذلك في كتابه الأكاديمي الذي يحمل عنوان الصين وتشارلز داروينChina and Charles Darwin. (10) وباختصار، هناك رابطة لا تنفصم بين نظرية النشوء والارتقاء والشيوعية. إذ تدعي النظرية أن الكائنات الحية هي نتاج المصادفات، وتقدم سندا علميا مزعوما للإلحاد. ولهذا السبب، توجد رابطة متينة بين الشيوعية، كأيدلوجية إلحادية، وبين الداروينية. وعلاوة على ذلك، تزعم نظرية النشوء والارتقاء أن التطور في الطبيعة ممكن بفضل النزاع (وفي عبارة أخرى ‘’الصراع من أجل البقاء’’) وتؤيد فكرة ‘’المنطق الجدلي’’ التي تمثل ركنا أساسيا من أركان الفكر الشيوعي. وإذا اعتبرنا المفهوم الشيوعي ‘’للنزاع الجدلي’’ - الذي قتل نحو 120 مليون شخچ طوال القرن العشرين - ‘’آلة للقتل’’، يمكننا حينئذ أن نفهم بشكل أفضل حجم الكارثة التي ألحقتها الداروينية بكوكبنا.

مقدمة:لماذا نظرية التطور؟

مقدمة مقدمة: لماذا نظرية التطور؟ إن نظرية التطور أو الداروينية لا تمثل، في رأي بعچ الناپ، سوى دلالات علمية، ليچ لها - حسبما يبدو لهم - أي تأثير مباشر في حياتهم اليومية. وهذا بالطبع سوء فهم شائع. ذلك أن نظرية التطور تتجاوز إلى حد بعيد مجرد كَوْنِها موضوعًا في إطار العلوم البيوليوجية، لتشكِّل أساپ فلسفة خادعة كان لها تأثير بالغ على عدد كبير من الناپ، وهي الفلسفة المادية. إن الفلسفة المادية - التى لا تقبل وجود شيء سوى المادة، وتفترڤ مقدما أن الإنسان ‘’كومة من المادة’’ - تؤكد أنه ليچ سوى حيوان، يشكل ‘’الصراع’’ القاعدة الوحيدة لوجوده. وبالرغم من الترويج لها بوصفها نظرية حديثة تقوم على العلم، فإن المادية في الحقيقة ليست سوى عقيدة قديمة تفتقر إلى أي أساپ علمي. فهذه العقيدة - التي تم اعتناقها في اليونان القديمة - قد أعاد اكتشافها الفلاسفة الملحدون في القرن الثامن عشر. وبعد ذلك تم غرسها في القرن التاسع عشر في فروع علمية عديدة بواسطة مفكرين مثل كارل ماركچ Karl Marx، وتشارلز داروين Charles Darwin، وسيجموند فرويد .Sigmund Freud وبعبارة أخرى، فقد تم تشويه العلم ليفسح المجال للفلسفة المادية. لقد كان القرنان الماضيان ميدان صراع دموي للفلسفة المادية: فالإيديولوجيات القائمة على المادية (أو الإيديولوجيات المتنافسة المناهضة للمادية، ولكنها تشاركها عقائدها الأساسية) قد أتت بالعنف والحروب والفوضى الدائمة إلى العالم. إن الشيوعية - المسؤولة عن موت 120 مليون إنسان - هي النتيجة المباشرة للفلسفة المادية. وبالرغم من تظاهر الفاشية بأنها بديل للرؤية المادية للعالم، فقد قبلت المفهوم المادي الأساسي المتمثل فى التقدم من خلال الصراع، وكانت بمثابة الشرارة الأولى لأنظمة ظالمة، ومذابح، وحروب عالمية، وإبادة جماعية. وبالإضافة إلى هاتين الإيديولوجيتين الدمويتين، فإن الأخلاق الفردية والاجتماعية قد فسدت كذلك بسبب المادية. إن الرسالة الخادعة للمادية - باختزالها الإنسان إلى حيوان وُجد بالصدفة، ولا يحمل أي قدر من المسؤولية تجاه أي كائن - قد هدمت الركائز الخلُقية مثل الحب، والرحمة، والتضحية بالنفچ، والتواضع، والأمانة، والعدل. وإذ ضُلل الناپ بشعار الماديين ‘’الحياة صراع’’، فقد وصل بهم الأمر إلى ألا يروا في حياتهم أكثر من صدام للمصالح، أفضى بدوره إلى حياة يحكمها قانون الغابة. ويمكننا أن نجد آثار هذه الفلسفة - التي تفسر إلى حد كبير الكوارث التي صنعها الإنسان في القرنين الماضيين - في كل إيديولوجية تنظر إلى الاختلافات بين البشر بوصفها ‘’سببا للصراع’’، بما في ذلك الإرهابيون في عصرنا الحاضر الذين يدعون نصرة الدين، إلا أنهم يرتكبون أحدى أعظم الكبائر بقتلهم الأبرياء. وتأتي نظرية التطور، أو الداروينية، في هذه المرحلة لتكمل الصورة. إنها تقدم الخرافة المتمثلة في أن المادية فكرة علمية. وهذا ما يفسر أن كارل ماركچ، مؤسچ الشيوعية والمادية الجدليـة، قد كتب أن الداروينية هي ‘’الأساپ في التاريخ الطبيعي’’ في رؤيته للعالم.1 ومع ذلك، فإن ذلك الأساپ فاسد. ذلك أن الاكتشافات العلمية الحديثة تكشف يوما بعد يوم أن الاعتقاد الشائع الذي يربط الداروينية بالعلم هو اعتقاد زائف. إن الأدلة العلمية تدحچ الداروينية تماما، وتكشف أن أصل وجودنا ليچ التطور، وإنما هو الخلق. لقد خلق الله الكون، وكل الكائنات الحية، والإنسان. وقد كُتب هذا الكتاب ليجعل هذه الحقيقة معروفة للناپ. ومنذ نشره للمرة الأولى في تركيا، ثم في بلدان عديدة أخرى، قرأ ملايين الناپ هذا الكتاب وقدَّروه. وبالإضافة إلى اللغة التركية، فقد طُبع هذا الكتاب بالإنجليزية، والإيطالية، والأسبانية، والروسية، والبوسنية، والعربية، والماليزية، والإندونيسية. (نچ هذا الكتاب متاح مجانا بجميع هذه اللغات في الموقع التالي على شبكة الإنترنت: www.evolutiondeceit.com). لقد اعترف بتأثير كتاب ‘’خدعة التطور’’ «The Evolution Deceit» قادة معارضي هذا الرأي. وكان ‘’هارون يحيى’’ موضوعا لمقال نشر في مجلة «New )Scientist»العالِم الجديد)، بعنوان ‘’إحراق داروين’’ «Burning Darwin». لقد سجلت هذه المجلة الرائدة المعروفة، المؤيدة للداروينية، في عددها بتاريخ 22 أبريل ،2000 أن ‘’هارون يحيى’’ هو ‘’بطل عالمي’’، معربةً عن قلقها من أن كتبه ‘’قد انتشرت في كل مكان في العالم الإسلامي’’. أما مجلة «Science)العلم)، وهي المجلة الرائدة في المجتمع العلمي بوجه عام، فقد أكدت تأثير ورفعة مستوى كتب ‘’هارون يحيى’’. وقد سجل مقال مجلة «Science» بعنوان ‘’نظرية الخلق تتأصل حيث تلتقي أوروبا وآسيا’’ «Creationism Takes Root Where Europe, Asia Meet»، في عددها الصادر بتاريخ 18 مايو ،2001 أنه في تركيا ‘’أصبحت كتب رفيعة المستوى مثل The Evolution Deceit (خدعة التطور) وThe Dark Face of Darwinism (الوجه المظلم للداروينية) ... أكثر تأثيرا من كتب التطور في مناطق معينة من البلاد’’. ثم يستمر كاتب المقال ليقيِّم كتب ‘’هارون يحيى’’، التي أنشأت - على حد قوله - ‘’إحدى أقوى الحركات العالمية المعارضة للتطور خارج أمريكا الشمالية’’. وعلى الرغم من أن مثل هذه المجلات المؤيدة للتطور تسجل تأثير كتاب ‘’خدعة التطور’’، فإنها لا تقدم أي إجابات علمية للرد على البراهين الواردة به. والسبب - بالطبع - أن هذا ببساطة غير ممكن. إن نظرية التطور في مأزق لا تستطيع الفكاك منه بحال من الأحوال، وهذه حقيقة سوف تكتشفها وأنت تقرأ الفصول التالية من الكتاب. وسوف يساعدك هذا الكتاب في إدراك أن الداروينية ليست نظرية علمية، وإنما هي عقيدة زائفة تتمسح بالعلم، يتم تأييدها - بالرغم من الأدلة التي تثبت خطأها وتدحضها كليةً - باسم الفلسفة المادية. إننا نأمل أن يستمر كتاب ‘’خدعة التطور’’، لوقت طويل، في إسهامه فيدحچ العقيدة المادية-الداروينية، التي ضللت الإنسانية منذ القرن التاسع عشر. وسوف يذكِّر هذا الكتاب الناپ بالحقائق الحاسمة في حياتهم، مثل كيف جئنا إلى الوجود وما هي واجباتنا تجاه خالقنا.

الفصل الأول: لكي نتحرر من الأحكام والأفكار المسبقة

الفصل الأول لكي نتحرر من الأحكام والأفكار المسبقة إن معظم الناپ يقبلون كل شيء يسمعونه من العلماء بوصفه صحيحاً تماماً، ولا يكاد يخطر ببالهم أن العلماء قد تكون لهم أيضا أهواء فلسفية أو أيديولوجية شتَّى. والحقيقة أن العلماء التطوُّريين يفرضون أهواءَهم الذاتية وآراءَهم الفلسفية على العامة تحت ستار العلم. وعلى سبيل المثال، فبالرغم من أنهم يعلمون أن الأحداث العشوائية لا تُنتِج إلا الشذوذ والفوضى، فإنهم لا يزالون يدَّعون أن النظام والتخطيط والتصميم البديع الذي نراه في كلٍّ من الكون والكائنات الحية قد نشأ بطريق الصدفة. وعلى سبيل المثال، فإن مِثل هذا العالِم البيولوجي يدرك -بسهولة- أن في جُزيء البروتين (الذي هو وحدة بناء الحياة) انسجاماً لا يُسبَر غورُهُ وأنه لا يوجد أي احتمال لأن يكون ذلك قد جاء بطريق الصدفة، ومع ذلك، فإنه يزعم أن هذا البروتين قد وُجد في ظل ظروف بدائية للأرڤ بطريق الصدفة منذ بلايين السنين. وهو لا يتوقف عند هذا الحد؛ إنه يزعم أيضاً، دون تردد، أن الأمر لم يقتصر على بروتين واحد، وإنما ملايين البروتينات قد تكونت بطريق الصدفة، ثم تجمعت على نحو لا يصدَّق لتكوِّن الخلية الحية الأولى. وبعد ذلك كله، فإنه يدافع عن رأيه بعناد أعمى. إن هذا الشخچ هو عالِم تطوُّري! ولكن لو أن هذا العالِم نفسه كان يمشي في طريق من الطرق فوجد ثلاثةً من أحجار البناء مصفوفةً الواحد فوق الآخر، فإنه لن يفترڤ أبداً أن هذه الأحجار قد وُجدت معاً بطريق الصدفة ثم تسلقت ليستقر الواحد منها فوق الآخر أيضاً بطريق الصدفة. وفي الواقع، فإنه سيعتبر أيَّ شخچ يُصِرُّ على ذلك الزعم مجنوناً. كيف -إذن- يمكن للأشخاڤ الذين ينجحون في فهم وتفسير الأحداث العادية على نحو معقول أن يتبنَّوا مثل هذا الموقف غير المعقول عندما يتعلق الأمر بالتفكير في وجودهم هم أنفسهم؟ إن من غير الممكن أن نزعم أن هذا الموقف يُتبنَّى باسم العلم؛ فالعلم يقتضي أخذ كِلا البديأتين في الاعتبار كلما وُجِد بديلان محتمَلان بنفچ القدر فيما يتصل بقضية معينة. وإذا كان احتمالُ أحد البديأتين أقلَّ كثيراً من الآخر (كأَنْ يكونَ واحداً في المئة على سبيل المثال) فإن الشيء المنطقي والعلمي يكون إذن هو اختيار البديل الآخر، الذي يقدَّر احتماله بتسعة وتسعين في المئة، واعتباره البديلَ الصحيح. ودعونا نواصل حديثنا آخذين في اعتبارنا هذا الأساپ العلمي. إن ثمة رأيين يمكن طرحهما فيما يتصل بالكيفية التي أتت بها الكائنات الحية إلى الوجود على الأرڤ: الرأي الأول هو أن كل الكائنات الحية قد خلقها الله في صورتها المعقدة الحالية. والرأي الثاني هو أن الحياة قد تكوَّنت بطريق مصادفات عشوائية غير مقصودة، وهذا هو الرأي الذي تزعمه نظرية التطوُّر. إننا عندما نتأمل المعطيات العلمية (ولتكُن معطيات علم البيولوجيا الجزيئية على سبيل المثال) فإنه يكون بوسعنا أن نرى أنه لا توجد أي فرصة أبداً لاحتمال أن تكون خلية حية واحدة (أو حتى واحد من ملايين البروتينات الموجودة في هذه الخلية) قد وُجدت بطريق الصدفة كما يزعم التطوُّريون. وكما سنبين في الفصول الآتية، فإن حسابات الاحتمالات أيضاً تؤكد هذه الحقيقة مراراً وتَكراراً. ومن ثم فإن رأي التطوُّريين بشأن ظهور الكائنات الحية لا يوجَد أي احتمال أبداً لكونه صحيحاً. إن هذا يعني أن نسبة احتمال كون الرأي الأول صحيحاً هي مئة في المئة، أي أن الحياة قد أُوجِدت على نحو مقصود. وبتعبير آخر، فإنها قد خُلقت. إن كل الكائنات الحية قد جاءت إلى الوجود بتخطيط خالق تعالت قدرته وحكمته وعلمه. إن هذه الحقيقة ليست مجرد مسألة إيمانية؛ بل إنها النتيجة الطبيعية التي تقود المرءَ إليها الحكمةُ والمنطقُ والعلم. والحالة هذه، فإنه ينبغي على عالِمنا التطوُّري أن يتراجع عن زعمه ويتمسك بحقيقة جلية ومبرهَنة على حد سواء، وهو إذا فعل غير ذلك فإنه يُثبِت أنه -في الواقع- شخچ يضحّي بالعلم من أجل فلسفته وأيديولوجيته وعقيدته أكثر من كونه عالِماً حقيقياً. إن الغضب والعناد ونزعات التعصب لدَى عالِمنا تزيد أكثر وأكثر في كل مرة يواجه فيها الحقيقة. إن موقفه يمكن تفسيره بكلمة واحدة: الاعتقاد، إلا أنه اعتقاد خرافي أعمى، ذلك أنه لا يمكن أن يوجَد تفسير آخر لتجاهل المرء لكل الحقائق أو لتكريسه حياته بأكملها لخدمة سيناريو لامعقول نَسَجَهُ في خياله.

التعصب الأعمى للفلسفة المادية إن الاعتقاد الذي تحدثنا عنه هو الفلسفة المادية التي ترى أن المادة موجودة منذ الأزل ولا تقبل وجود شيء إلا المادة ولا شيء غيرها. ونظرية التطور هي ما يزعم أنه الأساپ العلمي لهذه الفلسفة المادية، ولذلك فإنهم يدافعون عنها دفاعاً أعمى لتدعيم هذه الفلسفة. أما حين يدحچ العلم ادعاءات التطور ويبطلها (وهذا ما توصل إليه العلم في أواخر القرن العشرين) فإنهم يسعون جاهدين إلى تحريف الحقائق العلمية بحيث تبدو وكأنها تؤيد التطور، وذلك من أجل الإبقاء على حياة الفلسفة المادية. إن سطوراً قليلة كتبها أحد أشهر علماء الأحياء المدافعين عن نظرية التطور في تركيا لَهِي نموذج جيد لمشاهدة ما يؤدي إليه التعصب الأعمى من تخبط وفساد في التفكير والتقدير. يقول عالم الأحياء هذا عن موضوع إمكانية التشكل العشوائي (عن طريق الصدفة) لمادة سيتوكروم-سي (Cytochrome-C) التي هي واحدة من أهم الإنزيمات اللازمة للحياة: إن احتمال تكوين سلسلة واحدة من (سيتوكروم - سي) قليل جداً يكاد يكون صفراً... أو إن تكوين هذه السلسلة المعقدة حدث من قِبَل قوى فوق تصورنا ولا نستطيع تعريفها. ولكن قبول الاحتمال الأخير لا يناسب الأهداف العلمية؛ إذن علينا فحچ الاحتمال الأول وتمحيصه والاقتصار عليه.(2) إن هذا العالِم يرى أن قبوله احتمالاً ضعيفاً يصل إلى حد الصفر هو أمر أكثر تجسيداً لطبيعة العلم من قبول مسألة الخلق، بينما القواعد العلمية تقضي -كما تناولنا آنفاً- أنه إذا كان يمكن تفسير موضوع ما عن طريق احتمالين وكان احتمال أحدهما صفراً، فالصواب هو الاحتمال الثاني. ومع ذلك، فإن الفكر المادي المتعنت يرفچ من الأساپ قبول وجود قوة خالقة فوق المادة، وهذا الرفچ يؤدي بهذا العالِم (وبكثيرين غيره من أنصار التطور المؤمنين بالمادية والمتعصبين لها) يؤدي بهم جميعاً، مع الأسف، إلى تقبل أمور لا يقبلها العقل ولا الفطرة السليمة. وبالآتي يصبح الأشخاڤ الذين يؤمنون بهؤلاء العلماء ويثقون بهم عُمياً ومستعبَدين لنفچ السحر المادي، ويتبنون ذات النفسية غير العقلانية عند قراءة كتب هؤلاء العلماء ومقالاتهم. وقد كانت وجهة النظر المادية المتعنتة هذه هي السبب في إلحاد عديد من الأسماء المشهورة في المجتمع العلمي، ولا يتردد أولئك الذين يخلِّصون أنفسهم من وطأة عبودية هذا السحر ويفكرون بعقل متفتح في التسليم بوجود خالق. وقد وصف عالم الكيمياء الحيوية الأمريكي، الدكتور مايكل بيهي (وهو أحد هذه الأسماء المشهورة التي تؤيد نظرية التصميم الذكي (intelligent design) التي لاقت مؤخراً قبولاً كبيراً في الأوساط العلمية)، وصف العلماء الذين يقاومون الإيمان بالتصميم أو الخلق في الكائنات الحية بقوله: على مدى الأربعين سنة الماضية اكتشف علم الكيمياء الحيوية الحديث أسرار الخلية، وقد استلزم ذلك من عشرات الآلاف من الأشخاڤ تكريچ أفضل سنوات حياتهم في العمل الممل داخل المختبرات... وقد تجسدت نتيجة كل هذه الجهود المتراكمة لدراسة الخلية (ودراسة الحياة عند المستوى الجزيئي) في صرخة عالية، واضحة، حادة تقول: التصميم المبدع!. وكانت هذه النتيجة من الوضوح والأهمية بمكان بحيث كان من المفترڤ أن تصنَّف ضمن أعظم الإنجازات في تاريخ العلم. ولكن -بدلاً من ذلك- أحاط صمت غريب ينم عن الارتباك بالتعقيد الصارخ للخلية. ولكن لماذا لا يتوق المجتمع العلمي إلى قبول هذا الاكتشاف المذهِل؟ لماذا يتم تكميم مفهوم التصميم المبدع بقفازات فكرية؟ تكمن الورطة هنا في أن قبول فكرة التصميم الذكي المبدع، يؤدي حتماً إلى التسليم بوجود الله (3). ويجسد ما سبق الوضع المؤسف لعلماء التطور الملحدين الذين تراهم في المجلات وتشاهدهم على شاشات التلفزيون، والذين قد تكون من قارئي كتبهم. ذلك أن جميع البحوث العلمية التي قام بها هؤلاء العلماء تبرهن لهم أن هناك خالقاً، بَيد أن هؤلاء العلماء أصبحوا عُمياً ومتبلدي الإحساپ بسبب التعليم المادي المتعنت الذي تشربوه لدرجة جعلتهم يصرون على إنكارهم. ويتحول الأشخاڤ الذين يُهملون باستمرار الدلائل والبراهين الواضحة على وجود الخالق إلى أشخاڤ متبلدي الإحساپ تماماً. ونتيجة لانغماسهم في الثقة بالنفچ المبنية على الجهل بسبب تبلد إحساسهم، فقد ينتهي بهم الأمر إلى تأييد إحدى السخافات على أنها حقيقة. ومن أفضل الأمثلة على ذلك عالم التطور الشهير ريتشارد داوكينز الذي يطلب من الناپ ألا يتسرعوا بالاستنتاج بأنهم قد شاهدوا معجزة حتى لو شاهدوا تمثالاً يلوِّح لهم بيده؛ فحسب رأيه: ربما تصادف أن كل الذرات في ذراع التمثال قد تحركت في نفچ الاتجاه في آن واحد... إنه احتمال ضعيف بالطبع، ولكنه ممكن (4)! لقد وُجدت نفسية الكافر على مر التاريخ، وقد وُصفت في القرآن الكريم كما يأتي: }وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ.} (سورة الأنعام 111). وكما توضح هذه الآية، فإن التفكير المتعنت لعلماء التطور ليچ طريقة أصلية في التفكير، ولا حتى طريقة مميِّزة لهم. وفي الواقع، لا تعد الأفكار التي ينادي بها عالم التطور من التفكير العلمي الحديث في شيء، إنما هي مجرد جهل تم الحفاظ عليه منذ عصر أكثر المجتمعات الوثنية بدائية. وقد تم تعريف ذات النفسية في آية قرآنية أخرى: }وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنْ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُون.} (سورة الحجر 14-15).

التلقين الجماعي لنظرية التطور كما تشير الآيات المستشهَد بها أعلاه، فإن أحد الأسباب التي تمنع الناپ من رؤية حقائق وجودهم يتجسد في نوع من السحر يقوم بإعاقة تفكيرهم. ويشكل هذا السحر عينُه الأساپ الذي يقوم عليه القبول العالمي واسع النطاق لنظرية التطور. ونعني بالسحر هنا التهيئة المكتسبة عن طريق التلقين؛ إذ يتم إخضاع الناپ لعملية تلقين مكثفة حول صحة نظرية التطور لدرجة تجعلهم لا يدركون حتى التشويه الموجود فيها. ويوجِد هذا التلقين أثراً سلبياً على العقل يُعطِّل مَلَكة التمييز. وفي نهاية الأمر يبدأ العقل، الذي يخضع للتلقين المستمر في تصور الحقائق ليچ كما هي بل كما تم تلقينه إياها. ويمكن مراقبة هذه الظاهرة في أمثلة أخرى. فمثلاً: إذا تم تنويم أحد الأشخاڤ تنويماً مغنطيسياً وتم تلقينه أن السرير الذي يستلقي عليه هو عبارة عن سيارة، فإنه بعد جلسة التنويم المغنطيسي يتصور أن السرير سيارة، كما أنه يعتقد أن هذه المسألة منطقية وعقلانية جداً لأنه يراها فعلياً بهذه الطريقة وليچ لديه أدنى شك في أنه على صواب. وتعتبر مثل هذه الأمثلة (التي تؤكد على فعالية آلية التلقين وقوتها) حقائق علمية تم إثباتها عن طريق عدد لا حصر له من التجارب التي تم تناقلها في الأدبيات العلمية، والتي تمثل الزاد اليومي لعلم النفچ وكتب علم النفچ. إن نظرية التطور والنظرة العالمية المادية التي تعتمد عليها تُفرڤ على العامة باستخدام أساليب التلقين هذه؛ إذ يتعذر على الأشخاڤ (الذين يتعرضون بشكل مستمر لتلقين نظرية التطور في وسائل الإعلام والمراجع الأكاديمية والمنابر العلمية) أن يدركوا أن قبولهم لهذه النظرية يتعارڤ -في الواقع- مع أبسط المبادئ الأساسية للعقل. ويقع العلماء أيضاً تحت وطأة ذات النوع من التلقين. ذلك أن الأسماء الشابة التي ترتقي سلم مستقبلها العلمي يزداد تبنيها للنظرة العالمية المادية أكثر فأكثر مع مرور الوقت. وبسبب افتتان عديد من علماء التطور بهذا السحر، يظل هؤلاء العلماء يبحثون عن تأكيد علمي لادعاءات التطور غير العقلانية التي عفى عليها الزمن منذ ظهورها في القرن التاسع عشر، والتي دحضتها جميع الأدلة العلمية منذ فترة طويلة. وهناك آليات إضافية أيضاً تجبر العلماء على أن يؤمنوا بالتطور ويعتنقوا الأفكار المادية. ففي البلدان الغربية، يجب على العالم أن يتقيد ببعچ المعايير حتى يتسنى له الترقي، أو الحصول على الاعتراف الأكاديمي، أو نشر مقالاته في المجلات العلمية. ويأتي القبول الصريح لنظرية التطور على رأپ هذه المعايير. ويقوم هذا النظام بدفع هؤلاء العلماء إلى حد قضاء كل حياتهم ومستقبلهم العلمي من أجل اعتقاد متعنت. ويعد هذا الوضع تجسيداً للحقيقة التي لا تزال تشكل أساساً للتأكيد القائل بأن: نظرية التطور ما زالت تلقى قبولاً في دنيا العلوم. ومن ثم، فإن السبب في إبقاء نظرية التطور في قيد الحياة لا يرجع إلى قيمتها العلمية بل لكونها التزاماً أيديولوجياً. ولا يوجد سوى قلة قليلة من العلماء المُلمين بهذه الحقيقة يمكنهم المجازفة بالإشارة إلى أن هذه النظرية لا تقوم على أي أساپ حقيقي من الصحة! وفي بقية فصول هذا الكتاب، سنستعرڤ النتائج العلمية الحديثة التي أدت إلى انهيار الاعتقاد بنظرية التطور كما سنعرڤ الأدلة الواضحة على وجود الله. وسيشهد القارئ بأن نظرية التطور هي -في الواقع- خدعة؛ خدعة تتناقچ مع العلم في كل خطوة يخطوها ولكنها أُيدت بغية إسدال الستار على حقيقة الخلق. وما نرجوه من القارئ هو أن يستيقظ من السحر الذي يعمي عقول الناپ ويعطل قدرتهم على التمييز، وأن يُعمل فكره بجدية فيما سنرويه في هذا الكتاب. وإذا استطاع القارئ أن يخلچ نفسه من هذا السحر ويفكر بوضوح، وحرية، ودون أي تحيز، فسرعان ما سيكتشف الحقيقة الواضحة وضوح الشمچ. وتتمثل هذه الحقيقة الحتمية، التي أثبتها العلم الحديث أيضاً في كل جوانبه، في أن الحياة لم توجد عن طريق الصدفة بل جاءت نتيجة لعملية الخلق. ويمكن للمرء أن يرى حقيقة الخلق بسهولة عندما يتأمل في كيفية خلقه من قطرة ماء، أو في الكمال الموجود في كل كائن حي آخر.

الفصل الثاني: نبذة تاريخية عن نظرية التطور

الفصل الثاني

نبذة تاريخية عن نظرية التطور ترجع جذور الفكر القائم على التطور إلى العصور القديمة؛ وذلك بوصفه اعتقاداً متعنتاً يحاول التنكر لحقيقة الخلق. فقد دافع معظم الفلاسفة الوثنيين في اليونان القديمة عن فكرة التطور. وعندما نلقي نظرة على تاريخ الفلسفة، نجد أن فكرة النشوء والارتقاء تشكل العمود الفقري لكثير من الفلسفات الوثنية. ومع ذلك فإن الإيمان بالله، لا هذه الفلسفة الوثنية القديمة، هو الذي لعب دوراً محفزاً في ميلاد العلم الحديث وتطوره. فقد آمن بوجود الله غالبية الأشخاڤ الذين احتلوا مركزاً ريادياً في العلم الحديث؛ وبينما كانوا يدرسون العلم، سعوا إلى اكتشاف الكون الذي خلقه الله بغية وضع تصور لنواميسه وتفاصيل خلقه. وهناك مِن علماء الفلك (من أمثال ليوناردو دافنشي، وكوبرنيكچ، وكبلر، وغاليأتيو، ورائد علم المتحجرات القديمة كوفيير، ورائد علم النبات والحيوان ليناوپ، وإسحاق نيوتن الذي يشار إليه بوصفه أعظم عالم عاپ على الأرڤ مَن قاموا بدراسة العلم وهم مؤمنون ليچ فقط بوجود الله ولكن أيضا بأن الكون كله وُجد نتيجة لخلقه سبحانه وتعالى له(5).كما كان ألبرت آينشتاين أيضاً -الذي يعتبر أعظم عباقرة عصرنا- من ضمن العلماء المؤمنين بالله، وهو صاحب المقولة الآتية:لا أستطيع أن أتصور عالِماً حقيقياً دون إيمان عميق. ويمكن التعبير عن هذا الوضع من خلال الصورة الآتية: العلم بلا دين علم أعرج(6). وقد قال أحد مؤسسي الفيزياء الحديثة، الفيزيائي الألماني ماكچ بلانك، إنه ينبغي على كل من يدرپ العلم بجدية أن يقرأ العبارة الآتية المكتوبة على باب معبد العلم: تَحَلَّ بالإيمان، فالإيمان من الصفات الأساسية المميزة للعالِم (7). وتعتبر نظرية التطور نتاجاً للفلسفة المادية التي ظهرت على السطح عند إحياء الفلسفات المادية القديمة وانتشرت على نطاق واسع في القرن التاسع عشر. وكما أشرنا من قبل، فإن المادية تسعى لتفسير الطبيعة من خلال العوامل المادية البحتة. وبما أنها تنكر -منذ البداية- حقيقة الخلق، فإنها تؤكد على أن كل شيء، سواء كان كائناً حياً أو جماداً، قد ظهر ليچ نتيجة لعملية الخلق بل عن طريق الصدفة التي اكتسبت بعد ذلك طابعاً نظامياً. ولكن العقل البشري مركب على أن يفهم وجود إرادة منظمة كلما رأى نظاماً. وقد أفرزت الفلسفة المادية، المخالفة لأبسط السمات الأساسية في العقل البشري، نظرية التطور (أو النشوء والارتقاء) في أواسط القرن التاسع عشر.

خيال دارْوِن إن مَن قدم نظرية التطور على النحو الذي يدافع به العلماء عنها اليوم هو عالِم طبيعيات إنكليزي هاوٍ يدعى تشارلز روبرت دارْوِنْ. ولم يتلقَّ دارون أي تعليم رسمي في علم الأحياء، ولكنه اهتم بموضوع الطبيعة والكائنات الحية اهتمام الهواة، وحفزه هذا الاهتمام على الانضمام إلى رحلة استكشافية على متن سفينة تسمى إتچ. إم. إپ بيغل (H.. M. S. Beagle) أبحرت من إنكلترا عام 1832 وجابت مناطق مختلفة من العالم لمدة خمچ سنوات. وانبهر الشاب دارون انبهاراً كبيراً بمختلف أنواع الأحياء، وخاصة بنوع معين من العصافير (الحساسين) التي شاهدها في جزر غالاباغوپ (Galapagos)، واعتقد دارون أن التنوع في مناقير العصافير يُعزَى إلى تكيفها مع موطنها. وبوجود هذه الفكرة في عقله، افترڤ أن أصل الحياة والأنواع يكمن في فكرة التكيف مع البيئة. ووفقا لدارون، فإن الله لم يخلق مختلف أنواع الأحياء بشكل منفصل، بل إنها انحدرت من سلف مشترك واختلفت عن بعضها البعچ نتيجة للظروف الطبيعية. ولم تستند فرضية دارون على أي اكتشاف أو تجربة علمية؛ ولكنه حوَّلها -مع مرور الوقت- إلى نظرية حظيت بأهمية لا تستحقها، من خلال الدعم والتشجيع الذي تلقاه من أشهر علماء الأحياء الماديين في عصره. وتتمثل فكرة النظرية في أن الأفراد التي تكيفت مع موطنها على النحو الأفضل نقلت صفاتها إلى الأجيال الآتية، وقد تراكمت هذه الصفات المفيدة مع الوقت وحولت الفرد إلى نوع يختلف اختلافاً كاملاً عن أسلافه. (ولم يكن أصل هذه الصفات المفيدة معروفاً في ذلك الوقت). ووفقا لدارون، يمثل الإنسان أكثر نتاج متطور لهذه الآلية. وأطلق دارون على هذه العملية اسم: التطور بالانتقاء الطبيعي. وظن أنه اكتشف أصل الأنواع ؛ أي أن أصل نوع ما هو نوع آخر. ونشر هذه الآراء في كتابه الذي يحمل عنوان أصل الأنواع بواسطة الانتقاء الطبيعي عام .1859 ولكن دارون كان يدرك جيداً أن نظريته تعاني من مشكلات كثيرة، وقد اعترف بهذه المشكلات في كتابه في فصل بعنوان صعوبات النظرية. ويأتي على رأپ هذه الصعوبات سجل المتحجرات، وتعقيد أعضاء الأحياء الذي لا يمكن أن يفسَّر عن طريق الصدفة (مثل العين) وغرائز الأحياء. وكان دارون يأمل في التغلب على هذه الصعوبات بواسطة الاكتشافات الجديدة؛ ولكن ذلك لم يوقفه عن تقديم عدد من التفسيرات غير الملائمة أبداً لبعچ هذه الصعوبات. وقد علق الفيزيائي الأمريكي ليبسون على صعوبات دارون بقوله: عندما قرأت كتاب أصل الأنواع لمست أن دارون نفسه كان أقل ثقة مما كان الناپ يصوّرونه في أغلب الأحيان؛ إذ يوضح الفصل الذي يحمل عنوان صعوبات النظرية -مثلاً- قدراً لا يستهان به من عدم الثقة بالنفچ. وبوصفي فيزيائيّاً، فقد أثارتني بشكل خاڤ تعليقاته حول كيفية ظهور العين (8). وعندما كان دارون يضع نظريته، انبهر بعديد من علماء الأحياء السابقين المؤمنين بالتطور، وعلى الأخچ عالم الأحياء الفرنسي لامارك (9). وحسب رأي لامارك، فقد نقلت الكائنات الحية السمات التي اكتسبتها أثناء حياتها من جيل إلى جيل، وبهذه الصورة تطورت هذه الكائنات. فعلى سبيل المثال: تطورت الزرافات من حيوانات شبيهة بالبقر الوحشي عن طريق إطالة أعناقها شيئاً فشيئاً من جيل إلى جيل عندما كانت تحاول الوصول إلى الأغصان الأعلى فالأعلى لأكل أوراقها، وبالآتي استخدم دارون فرضية توريث السمات المكتسبة التي اقترحها لامارك بوصفها العامل الذي جعل الأحياء تتطور. ولكن كلاًّ من لامارك ودارون كان مخطئاً، ذلك أنه لم يكن ممكناً في تلك الفترة دراسة الحياة إلا بواسطة تكنولوجيا بدائية جداً وبمستوى غير ملائم أبداً. ولم تكن هناك مجالات علمية مثل علم الوراثة وعلم الكيمياء الحيوية، بل لم يكن اسمها حتى موجوداً؛ ومن ثَم كان لا بد أن تعتمد نظريتهما اعتماداً كاملاً على قوة مخيلتيهما. وبينما كانت أصداء كتاب دارون مدوية، اكتشف عالم نبات نمساوي اسمه غريغور مندل قوانين الوراثة سنة .1865 وعلى الرغم من أن اكتشافات مندل لم يسمع بها الكثيرون حتى أواخر القرن، فإنها اكتسبت أهمية عظيمة في أوائل القرن العشرين الذي شهد ولادة علم الوراثة. وفي فترة لاحقة، اكتُشِف تركيب الجينات والكرموزومات. وفي الخمسينيات، أدى اكتشاف تركيب جزيء «DNA» (الذي يحتوي على المعلومات الوراثية) إلى إيقاع نظرية التطور في أزمة كبيرة. ويرجع ذلك إلى التعقيد المدهچ للحياة وبطلان آليات التطور التي اقترحها دارون. وكان حريّاً بهذه التطورات أن تؤدي إلى إلقاء نظرية دارون في مزبلة التاريخ. ولكن هذا لم يحدث نظراً لإصرار دوائر معينة على تنقيح النظرية وتجديدها والارتفاع بها إلى منابر العلوم. ولن نفهم مغزى هذه الجهود إلا إذا أدركنا أن وراء النظرية أغراضاً أيديولوجية أكثر من كونها اهتمامات علمية.

المحاولات اليائسة للدارونية الجديدة دخلت نظرية دارون في أزمة كبيرة بسبب اكتشاف قوانين الوراثة في الربع الأول من القرن العشرين. ومع ذلك، حاولت مجموعة من العلماء الذين أصروا على ولائهم لدارون أن تتوصل إلى حلول مناسبة لتلك الأزمة. والتقى هؤلاء العلماء في اجتماع نظمته الجمعية الجيولوجية الأمريكية سنة ,1941 وبعد مشاورات طويلة نجح -في النهاية- علماء الوراثة (من أمثال ليديارد ستيبنچ وثيودوسياپ دوبزهانسكي) وعلماء الحيوان (من أمثال إرنست ماير وجوليان هاكسلي) وعلماء المتحجرات القديمة (من أمثال جورج غايلورد سمبسون وغلين جِبسِن) وعلماء الوراثة الرياضية (من أمثال رونالد فيشر وسيول رايت) في التوصل إلى اتفاق حول الطرق المناسبة لترقيع الدارونية. وقد ركز هذا الفريق من العلماء على مسألة أصل التغيرات المفيدة التي من المفترڤ أنها قد تسببت في تطور الكائنات الحية (وهي مسألة لم يستطع دارون نفسه تفسيرها، لذلك حاول -ببساطة- أن يتجنبها معتمداً على لامارك). وبدأ الآن تفكير هؤلاء العلماء يدور حول الطفرات العشوائية، وقد أطلقوا على نظريتهم الجديدة اسم النظرية التركيبية الحديثة للتطور التركيبي (The Modern Synthetic Evolution Theory)، التي تم تكوينها بإضافة فكرة الطفرة إلى فرضية دارون الخاصة بالانتقاء الطبيعي. وبعد مرور وقت قصير، أُطلِق على هذه النظرية اسم الدارونية الجديدة كما أطلِق على الأشخاڤ الذين قدموها اسم الدارونيين الجدد. وأصبحت العقود الآتية لتلك الفترة بمثابة حقبة للمحاولات اليائسة الرامية إلى إثبات صحة الدارونية الجديدة. وكان معروفاً من قبل أن الطفرات (أو المصادفات) التي حدثت في جينات الكائنات الحية كانت تلحق بها الضرر دائماً، لكن الدارونيين الجدد حاولوا أن يقدموا برهاناً على وجود طفرة مفيدة من خلال القيام بآلاف التجارب على الطفرات... ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل الذريع! كما حاولوا أيضاً إثبات أن الكائنات الحية الأولى قد نشأت عن طريق الصدفة وتحت ظروف أرضية بدائية وفقاً لفرضية النظرية، ولكن نفچ الفشل صاحَبَ هذه التجارب أيضاً. وكان الفشل حليف كل تجربة تسعى إلى إثبات أن الحياة يمكن أن تنشأ بالصدفة، وأثبت حساب الاحتمالات أنه لا يمكن حتى لبروتين واحد (وهو الوحدة الأساسية للحياة) أن يتكون عن طريق الصدفة. أما بالنسبة للخلية (التي من المفترڤ أنها قد ظهرت عن طريق الصدفة تحت ظروف أرضية بدائية يتعذر التحكم فيها وفقاً لعلماء التطور) فإن من غير الممكن تركيبها حتى في أكثر المختبرات تطوراً في القرن العشرين. وقد مُنيت نظرية الدارونية الجديدة بالهزيمة من قِبَل سجل المتحجرات أيضاً؛ إذ لم يُعثر قط في أية بقعة من العالم على أي من الأشكال الانتقالية التي من المفترڤ أن تُظهر التطور التدريجي للكائنات الحية من الأنواع البدائية إلى الأنواع المتقدمة حسبما تزعم نظرية الدارونيين الجدد. وفي نفچ الوقت، كشف التشريح المقارن أن الأنواع التي يفترڤ أنها تطورت بعضها من بعچ تتسم -في الواقع- بسمات تشريحية مختلفة تماماً وأنها من غير الممكن أبداً أن تكون أسلافاً أو خلفاء لبعضها البعچ. ولكن الدارونية الجديدة لم تكن نظرية علمية أبداً، بل كانت مبدأ أيديولوجياً (إن لم تكن نوعاً من الديانة!)؛ ولهذا السبب ظل أنصار نظرية التطور يدافعون عنها على الرغم من كل الأدلة المناقضة لها. ومع ذلك، هناك شيء لم يستطيعوا الاتفاق عليه؛ ألا وهو: أي من النماذج المختلفة المقترحة لفهم التطور هو النموذج الصحيح. ويتمثل أحد أهم هذه النماذج في السيناريو الخيالي المعروف باسم التوازن المتقطع.

التطور على قفزات إن معظم العلماء الذين يؤمنون بالتطور يقبلون نظرية الدارونيين الجدد المتعلقة بالتطور البطيء التدريجي. ومع ذلك، فقد تم خلال العقود الأخيرة اقتراح نموذج مختلف يُعرف باسم التطور على قفزات أو التوازن المتقطع ويرفچ هذا النموذج فكرة الدارونيين بشأن حدوث التطور بشكل تراكمي وتدريجي، ويرى -بدلاً من ذلك- أن التطور قد تم بقفزات كبيرة ومتفرقة. وظهر أول المدافعين الصاخبين عن هذه الفكرة في بداية السبعينيات. فقد كان عالما المتحجرات الأمريكيّان، نايلز إلدردج وستيفن غولد، يدركان جيداً أن مزاعم نظرية الدارونيين الجدد يدحضها سجل المتحجرات تماماً، لأن المتحجرات أثبتت أن الكائنات الحية لم تنشأ بالتطور التدريجي بل ظهرت فجأة بكامل تكوينها. وعاپ الدارونيون الجدد - وما زالوا يعيشون - على أمل عزيز بأن الأشكال الانتقالية المفقودة ستكتشف يوماً ما. وعلى الرغم من أن غولد وإلدردج كانا يدركان أن هذا الأمل لا أساپ له من الصحة، فإنهما لم يتمكنا من التخلي عن اعتقادهما التطوري، لذا قدما نموذجاً جديداً هو : التوازن المتقطع. ويزعم هذا النموذج أن التطور لم يحدث نتيجة اختلافات صغيرة بل نتيجة تغيرات فجائية كبيرة. ولم يكن هذا النموذج سوى نموذج خيالي. فعلى سبيل المثال، زعم عالم المتحجرات الأوربي شايندولف (الذي سار على نهجه إلدردج وغولد) أن أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف كطفرة هائلة، أي نتيجة مصادفة ضخمة حدثت في التركيب الجيني (10)! وحسب النظرية ذاتها، كان من الممكن أن تتحول بعچ الحيوانات البرية إلى حيتان ضخمة إذا تعرضت لتحول فجائي شامل. وتحتل هذه الادعاءات (المخالفة تماماً لجميع قوانين علم الوراثة والفيزياء الحيوية والكيمياء الحيوية) نفچ المكانة العلمية التي تحتلها القصچ الخيالية التي تدور حول تحول الضفادع إلى أمراء! ومع ذلك، نتيجة لانزعاج بعچ علماء المتحجرات المؤمنين بالتطور من الأزمة التي كان يمر بها جزْمُ الدارونيين الجدد، تمسكَ هؤلاء العلماء بهذه النظرية التي كانت تتميز بأنها أكثر غرابة حتى من الدارونية الجديدة نفسها. ويتمثل الغرڤ الوحيد من هذا النموذج في توفير تفسير للفجوات الموجودة في سجل المتحجرات التي لم يتمكن نموذج الدارونيين الجدد من تفسيرها. ومع ذلك، يكاد يكون من غير المعقول أن تجري محاولة لتفسير فجوات المتحجرات الموجودة في تطور الطيور عن طريق الادعاء بأن الطائر قد خرج فجأة من بيضة إحدى الزواحف؛ ذلك أن تطور نوع إلى نوع آخر يتطلب -باعتراف علماء التطور أنفسهم- حدوث تغير ضخم ومفيد في المعلومات الوراثية. ومع ذلك، لا يمكن لأية طفرة أياً كانت أن تحسّن المعلومات الوراثية أو تضيف إليها معلومات جديدة؛ ذلك أن الطفرات لا تؤدي سوى إلى إفساد المعلومات الوراثية. ومن ثم فإن الطفرات الهائلة التي تخيلها نموذج التوازن المتقطع لن ينتج عنها غير إضعاف وإتلاف هائل، أي كبير، في المعلومات الوراثية. وفضلاً عن ذلك، فقد انهار التطور المتقطع من أول خطوة بسبب عدم قدرته على التعامل مع مسألة أصل الحياة، وهي ذات المسألة التي تدحچ نموذج الدارونيين الجدد منذ البداية. وما دام من غير الممكن أن يتكون ولو حتى بروتين واحد عن طريق الصدفة، فلا يوجد معنى للجدال حول ما إذا كانت الكائنات الحية المكونة من تريأتيونات البروتينات قد مرت بمراحل تطور متقطعة أو تدريجية. وعلى الرغم من ذلك، فما زالت الدارونية الجديدة هي النموذج الذي يتبادر إلى الذهن عند مناقشة التطور اليوم. وفي الفصول الآتية، سندرپ -أولاً- آليتين متخيَّلتين للدارونية الجديدة ثم سنلقي نظرة على سجل المتحجرات للتحقق منهما. وبعد ذلك سنمعن النظر في مسألة أصل الحياة التي تبطل الدارونية الجديدة وكل نماذج التطور الأخرى مثل التطور بالقفزات. وقبل أن نشرع في ذلك، قد يكون من المفيد أن نذكِّر القارئ بأن الحقيقة التي سنواجهها في كل مرحلة تجسد أن سيناريو التطور برمته ما هو إلا قصة خيالية وخدعة تتعارڤ تماماً مع العالم الواقعي. وقد استُخدم هذا السيناريو لخداع العالم منذ مئة وأربعين سنة، وبفضل الاكتشافات العملية الأخيرة أصبح من المستحيل -أخيراً- الاستمرار في الدفاع عنه.

الفصل الثالث: آليات متخيَّلة للتطور

الفصل الثالث آليات متخيَّلة للتطور يحاول نموذج الدارونية الجديدة (الذي سنتناوله بوصفه النظرية السائدة للتطور اليوم) أن يبرهن على أن الحياة قد تطورت من خلال آليتين طبيعيتين هما: الانتقاء الطبيعي والطفرة. ويتمثل التأكيد الأساسي للنظرية فيما يأتي: يُعتبر الانتقاء الطبيعي والطفرة آليتين متكاملتين. ويرجع أصل تحورات التطور إلى طفرات عشوائية تحدث في التركيب الجيني للكائنات الحية، ويتم انتقاء السمات الناتجة عن الطفرات عن طريق آلية الانتقاء الطبيعي، وهكذا تتطور الكائنات الحية. وبإخضاع هذه النظرية إلى مزيد من الدراسة الدقيقة، نكتشف أنها لا يوجد قط أية آلية تطور من هذا القبيل، لأنه لا الانتقاء الطبيعي ولا الطفرات تسهم بأي قدر في تدعيم الادعاء القائل بأن الأنواع المختلفة قد تطورت وتحولت إلى أنواع أخرى.

الانتقاء الطبيعي كان الانتقاء الطبيعي -بوصفه أحد العمليات الطبيعية- أمراً مألوفاً بالنسبة لعلماء الأحياء قبل دارون، الذين عرّفوه على أنه آلية تحافظ على ثبات الأنواع دون إفسادها. ولكن دارون كان أول شخچ يجزم بأن هذه العملية لها قوة تطويرية، وقد أقام نظريته بأكملها على أساپ هذا الجزم. ويشير الاسم الذي أطلقه على كتابه إلى أن الانتقاء الطبيعي يشكل أساپ نظرية دارون، إذ أطلق عليه: أصل الأنواع بواسطة الانتقاء الطبيعي. غير أن أدنى دليل لم يقدَّم، منذ عصر دارون حتى اليوم، على أن الانتقاء الطبيعي هو السبب في تطور الكائنات الحية. ويؤكد كولين باترسون، كبير علماء المتحجرات في متحف التاريخ الطبيعي بإنكلترا (وهو -بالمناسبة- أحد أشهر دعاة التطور أيضاً)، على أن أحداً لم يلاحظ أبداً أن للانتقاء الطبيعي قوة تتسبب في التطور: لم ينتِج أي أحد نوعاً بواسطة آليات الانتقاء الطبيعي، بل لم يقترب أحد منه ويدور معظم الجدال الحالي في إطار الدارونية الجديدة حول هذه المسألة. (11) ويقضي الانتقاء الطبيعي بأن تسود الأحياء الأكثر تكيفاً مع الظروف الطبيعية لمواطنها بإنجاب الذرية التي يكتب لها البقاء، بينما تختفي تلك غير القادرة على التكيف. فمثلاً، في قطيع الغزلان الذي تهدده الحيوانات البرية، يكون طبيعياً أن الغزلان التي تستطيع الركچ أسرع هي التي سيكتب لها البقاء. هذا صحيح، ولكن مهما استمرت هذه العملية فإنها لن تحوّل الغزلان إلى نوع آخر من الأحياء ؛ فسيبقى الغزال غزالاً دائماً. وعند إلقاء نظرة على الحوادث القليلة التي يسوقها دعاة التطور بوصفها أمثلة مدروسة للانتقاء الطبيعي، نرى أنها ليست أكثر من مجرد محاولة بسيطة للخداع.

الاصطباغ الصناعي في سنة 1986 نشر دوغلاپ فوتويما كتاباً بعنوان بيولوجيا التطور، ويعد هذا الكتاب أحد المصادر التي تفسر بوضوح شديد نظرية التطور بواسطة الانتقاء الطبيعي. وكان أشهر مثال ساقه في هذا الموضوع يدور حول لون نوع من الفراشات التي بدا أنها تكتسب لوناً قاتماً خلال الثورة الصناعية في إنكلترا. ووفقاً لرواية الكتاب، ففي بداية الثورة الصناعية بإنكلترا كان لون لحاء الأشجار حول منطقة مانشستر فاتحاً إلى حد كبير. ولهذا السبب، كان من السهل على الطيور التي تتغذى على هذه الفراشات ملاحظة الفراشات ذات اللون الغامق التي تحط على تلك الأشجار، وبالآتي لم يكن متاحاً أمام هذا الفراشات سوى فرصة قليلة للبقاء. ولكن بعد مرور خمسين سنة أصبح لون لحاء الأشجار غامقاً نتيجة التلوث، وصارت الفراشات فاتحة اللون -هذه المرة- أكثر أنواع الفراشات عرضة للصيد. ونتيجة لذلك، تناقچ عدد الفراشات فاتحة اللون بينما ازداد عدد الفراشات غامقة اللون لأنه لم يكن من الممكن ملاحظة الأخيرة بسهولة. ويستخدم دعاة التطور هذا المثال باعتباره دليلاً عظيماً على نظريتهم. ومن ناحية أخرى، يجد دعاة التطور عزاء في تحريف الحقائق عن طريق إيضاح أن الفراشات فاتحة اللون قد تطوّرت إلى فراشات غامقة اللون. ولكن من الواضح جداً أنه لا يمكن استخدام هذا الموقف بأي حال من الأحوال كدليل على نظرية التطور؛ لأن الانتقاء الطبيعي لم ينتج عنه نوع جديد لم يكن موجوداً من قبل. إذ أن الفراشات غامقة اللون كانت موجودة في جماعة الفراشات قبل الثورة الصناعية، ولم تتغير سوى الأعداد النسبية لأنواع الفراشات الموجودة في الجماعة. إذن، لم تكتسب الفراشات خاصية أو عضواً جديداً قد ينتج عنه ظهور نوع جديد. ولكي تتحول الفراشة إلى نوع آخر من الأحياء، إلى طائر مثلاً، كان لا بد من إجراء إضافات جديدة على الجينات. وبعبارة أخرى، كان لا بد من تحميل برنامج جيني منفصل تماماً يتضمن معلومات عن الخواڤ الجسدية للطائر. وخلاصة ما سبق: لا يملك الانتقاء الطبيعي القدرة على إضافة عضو جديد إلى كائن حي أو إزالته منه، أو تغيير نوع كائن حي إلى نوع آخر (على عكچ الصورة التي يستحضرها دعاة التطور إلى الذهن). ولم يتمكن أعظم دليل تم تقديمه منذ زمن دارون إلى يومنا هذا من المضي أبعد من الاصطباغ الصناعي لفراشات الثورة الصناعية في إنكلترا.

هل يستطيع الانتقاء الطبيعي تفسير تعقيد الأعضاء؟ لم يسهم الانتقاء الطبيعي بأي شيء في نظرية التطور، لأنه لا يمكن أبداً لهذه الآلية أن تزيد المعلومات الوراثية للأنواع أو تحسنها، كما لا يمكنها أن تحول أحد الأنواع إلى نوع آخر ؛ فليچ بمقدورها -مثلاً- أن تحول نجمة البحر إلى سمكة، ولا السمكة إلى ضفدع، ولا الضفدع إلى تمساح، ولا التمساح إلى طائر. وقد قام غولد، أكبر مدافع عن فكرة التطور المتقطع، بالإشارة إلى هذا الطريق المسدود الذي يواجه الانتقاء الطبيعي قائلاً: يكمن جوهر الدارونية في عبارة واحدة: الانتقاء الطبيعي هو القوة الإبداعية للتغير القائم على التطور. ولا أحد ينكر أن الانتقاء الطبيعي سيلعب دوراً سلبياً في التخلچ من العناصر غير القادرة على التكيف، ولكن النظريات الدارونية تتطلب أيضاً خلق عناصر قادرة على التكيف.(12) ومن الأساليب المضللة الأخرى التي يستعملها دعاة التطور لإقناعنا بمسألة الانتقاء الطبيعي محاولتُهم إظهار هذه الآلية على أنها مصمِّم يتسم بالوعي. غير أن الانتقاء الطبيعي ليچ لديه أي وعي؛ لأنه لا يملك إرادة يمكن أن تقرر ما ينفع الكائنات الحية وما يضرها. ولهذا لا يستطيع الانتقاء الطبيعي أن يفسر النظم البيولوجية والأعضاء الحية التي تتسم بقدر من التعقيد يتعذر تبسيطه. وتتكون هذه النظم والأعضاء نتيجة تعاون عدد كبير من الأجزاء، وهي تصبح عديمة النفع إذا فُقد ولو عضو واحد منها أو صار معيباً (فمثلاً: لا يمكن أن تعمل عين الإنسان ما لم تكن موجودة بكل تفاصيلها). وبالآتي فمن المفترڤ أن تكون الإرادة التي جمعت كل هذه الأجزاء معاً قادرة على أن تستقرأ المستقبل بشكل مسبق وتستهدف مباشرة الميزة التي ستكتسب في المرحلة الأخيرة. وبما أن آلية الانتقاء الطبيعي لا تمتلك وعياً أو إرادة، فلا يمكنها أن تفعل أي شيء من هذا القبيل. وقد أدت هذه الحقيقة التي تنسف نظرية التطور من أساسها إلى إثارة القلق في نفچ دارون، الذي قال: إذا كان من الممكن إثبات وجود أي عضو معقد لا يُرجَّح أن يكون قد تكَّون عن طريق تحورات عديدة ومتوالية وطفيفة، فسوف تنهار نظريتي انهياراً كاملاً. (13) ولا يتعدى دور الانتقاء الطبيعي استبعاد أفراد النوع المشوهة أو الضعيفة أو غير القادرة على التكيف، ولا يمكنه أن ينتج أنواعاً جديدة أو معلومات وراثية جديدة أو أعضاء جديدة؛ أي ليچ بمقدوره أن يجعل أي شيء يتطور. وقد قبل دارون هذه الحقيقة بقوله: لا يستطيع الانتقاء الطبيعي أن يفعل شيئاً ما لم تُتح الفرصة لحدوث اختلافات مواتية (14)، ولهذا السبب اضطرت الدارونية الجديدة إلى الارتفاع بمستوى الطفرات بوصفها السبب في التغيرات المفيدة إلى مستوى الانتقاء الطبيعي. ومع ذلك، وكما سنرى بعد قليل، لا يمكن أن تكون الطفرات سوى سبب في التغيرات الضارة. الطفرات تُعرَّف الطفرات على أنها قَطعٌ أو استبدالٌ يحدث في جزيء «DNA» الموجود في نواة خلية الكائن الحي والذي يحمل كل المعلومات الوراثية، ويحدث هذا القطع أو الاستبدال نتيجة تأثيرات خارجية مثل الإشعاع أو التفاعلات الكيميائية. وتعتبر كل طفرة صُدفة، وإما أن تُدمِّر الطفرة النيوكليوتيدات المكوِّنة لجزيء «DNA» أو تغير أماكنها. وفي معظم الحالات تتسبب هذه الطفرات في قدر كبير من التدمير والتحور لدرجة تعجز معها الخلية عن إصلاحه. ولا يمكن أن ننظر إلى الطفرة (التي يختبئ وراءها دعاة التطور في أغلب الأحيان) على أنه عصا سحرية تحول الكائنات الحية إلى شكل أكثر تطوراً وكمالاً، لأن التأثير المباشر للطفرات ضار. ولا يمكن أن تأخذ التغيرات الناتجة عن الطفرات سوى شكلا مشابها لذلك الذي عانى منه الناپ في هيروشيما وناغازاكي وتشيرنوبل؛ أي الوفيات والإعاقة وفلتات الطبيعة! ويرجع ذلك إلى سبب بسيط جدا هو: أن تركيب «DNA» معقد جداً وأن التأثيرات العشوائية لن تؤدي إلى شيء غير إلحاق الضرر بهذا التركيب. ويوضح رانغانثان ذلك بقوله: إن الطفرات صغيرة وعشوائية وضارة. وهي تتسم بندرة حدوثها، وتتمثل أفضل الاحتمالات في كونها غير مؤثرة. وتلمّح هذه السمات الأربع إلى أن الطفرات لا يمكن أن تؤدي إلى أي تقدم على صعيد التطور. إن حدوث تغير عشوائي في كائن حي يتسم بقدر عال من التخصچ إما أن يكون غير مؤثر أو ضاراً؛ ذلك أن التغير العشوائي في ساعة اليد لا يمكن أن يحسن أداء الساعة، بل أغلب الظن أن هذا التغير سيضرّ بها أو لن يؤثر فيها على أحسن تقدير. فالزلزال لا يحسن المدينة بل يجلب لها الدمار. (15) وليچ مستغربا عدم ظهور أية طفرة مفيدة حتى الآن، فقد أثبتت كل الطفرات أنها ضارة. وعلق عالم التطور وَرن ويفر على التقرير الصادر عن لجنة التأثيرات الجينية للأشعة الذرية (التي شُكلت لدراسة الطفرات التي يمكن أن تكون قد نتجت عن الأسلحة النووية المستخدمة في الحرب العالمية الثانية) قائلاً: سيتحير الكثيرون من حقيقة أن كل الجينات المعروفة تقريباً التي أصابتها طفرة هي عبارة عن جينات ضارة، فالناپ يظنون أن الطفرات تشكل جزءاً ضرورياً من عملية التطور، فكيف يمكن أن ينتج تأثير جيد (أي التطور إلى شكل أعلى من أشكال الحياة) من طفرات كلها ضارة تقريباً ؟ (16) لقد كان الفشل مصير كل الجهود المبذولة من أجل تكوين طفرة مفيدة. إذ قام دعاة التطور، لعقود عدة، بإجراء كثير من التجارب لإنتاج طفرات في ذباب الفاكهة، لأن هذه الحشرات تتكاثر بسرعة كبيرة ومن ثم تظهر فيها الطفرات بسرعة. وقد أُدخلت الطفرات على هذا الذباب جيلاً بعد جيل، ولكن لم تلاحَظ أية طفرة مفيدة قط. وقد كتب عالم الوراثة التطوري، غوردون تايلور في هذا الموضوع قائلاً: من بين آلاف التجارب الرامية إلى إنتاج ذباب الفاكهة التي تم إجراؤها في جميع أنحاء العالم لأكثر من خمسين سنة، لم يلاحظ أحدٌ أبداً ظهور نوع جديد متميز... أو حتى إنزيم جديد. (17) ويعلق باحث آخر، هو مايكل بيتمان، على إخفاق التجارب التي أجريت على ذباب الفاكهة بقوله: لقد قام مورغان وغولدشميدت ومولر وغيرهم من علماء الوراثة بتعريچ أجيال من ذباب الفاكهة لظروف قاسية من الحرارة، والبرودة، والإضاءة، والظلام، والمعالجة بالمواد الكيماوية والإشعاع. فنتج عن ذلك كله جميع أنواع الطفرات، ولكنها كانت كلها تقريباً تافهة أو مؤكدة الضرر. هل هذا هو التطور الذي صنعه الإنسان؟ في الواقع لا؛ لأنه لا يوجد غير عدد قليل من الوحوپ التي صنعها علماء الوراثة كان بإمكانه أن يصمد خارج القوارير الذي أنتج فيها. وفي الواقع، إن هذه الطافرات إما أن يكون مصيرها الموت، أو العقم، أو العودة إلى طبيعتها الأصلية. (18) وينطبق الوضع نفسه على الإنسان. فقد أظهرت كل الطفرات التي ظهرت على الإنسان نتائج ضارة. وعندما تطرح هذه المسألة يلقي عليها دعاة التطور ستاراً من الدخان، بل يحاولون حتى تقديم أمثلة على مثل هذه الطفرات الضارة بوصفها دليلاً على التطور. وتسبب كل الطفرات التي تحدث في الإنسان تشوهات جسدية، وعاهات مثل المغولية، أو متلازمة داون، أو المهق، أو القزامة، أو السرطان... وتُقدَّم هذه الطفرات في كتب التطور كأمثلة على أثر آلية التطور. ولا داعي لأن نقول إن العملية التي تترك الناپ معاقين أو مرضى لا يمكن أن تكون آلية تطور (إذ من المفترڤ أن يُنتج التطور أشكالاً أفضل وأكثر قدرة على البقاء). وإيجازاً لما سبق: توجد ثلاثة أسباب أساسية لعدم إمكانية استخدام الطفرات كوسيلة لدعم تأكيدات دعاة التطور، وهي: .1 التأثير المباشر للطفرات ضار: بما أن الطفرات تحدث عشوائياً، فإنها تكاد دائماً تضر بالكائن الحي الذي يتعرڤ لها. ويقضي المنطق بأن التدخل غير الواعي في تركيب كامل ومعقد لن يحسّن هذا التركيب بل سيفسده. وفي الواقع، لم يلاحظ حدوث أية طفرة مفيدة أبداً. .2 لا تضيف الطفرات أية معلومات جديدة إلى جزيء «DNA» الخاڤ بالكائن الحي: فإما أن تؤدي الطفرات إلى نزع الجسيمات المكونة للمعلومات الوراثية من أماكنها، أو إلى تدميرها، أو إلى نقلها عنوة إلى أماكن مختلفة. ولا يمكن للطفرات أن تكسب الكائن الحي عضواً جديداً أو خاصية جديدة. ولا ينتج عنها شئ غير الحالات الشاذة مثل بروز القدم من الظهر، أو خروج الأذن من البطن. .3 لكي تنتقل الطفرة إلى الجيل اللاحق، لابد أن تكون قد حدثت في الخلايا التناسلية للكائن الحي: لأن أي تغير عشوائي يحدث عرضاً في خلية أو عضو في الجسم لا يمكن أن ينتقل إلى الجيل الآتي. فعلى سبيل المثال: لن تورث عين الإنسان التي تغير تركيبها بسبب تأثير الإشعاع أو لأي سبب آخر إلى الأجيال اللاحقة. وباختصار، يستحيل أن تكون الكائنات الحية قد تطورت، نظراً لعدم وجود أية آلية في الطبيعة يمكن أن تؤدي إلى تطورها. ويتفق هذا الرأي مع الأدلة الموجودة في سجل المتحجرات الذي يظهر بوضوح أن هذا السيناريو بعيد كل البعد عن الحقيقة.

الفصل الرابع: سجل المتحجرات يدحض نظرية التطور

الفصل الرابع

سجل المتحجرات يدحچ نظرية التطور وفقاً لنظرية التطور فإن كل نوع حي قد نشأ من سَلَف. وبمرور الوقت، تحول النوع الموجود أصلاً إلى نوع آخر، وبهذه الطريقة تكون كل الأنواع قد دخلت إلى حيز الوجود. وحسبما ورد في النظرية، فإن هذا التحول يتتابع تدريجياً خلال ملايين السنين. وإذا كان الحال كذلك، فمن المفترڤ أن توجد العديد من الأنواع المتوسطة التي عاشت خلال هذه الفترة الانتقالية الطويلة. فعلى سبيل المثال: يفترڤ أن تكون هناك كائنات نصفها أسماك ونصفها الآخر زواحف قد عاشت في الماضي واكتسبت بعضاً من خواڤ الزواحف بالإضافة إلى خواڤ الأسماك التي تتمتع بها فعلياً، أو يفترڤ أن تكون قد عاشت بعچ الزواحف الطيور، التي اكتسبت بعضاً من خواڤ الطيور بالإضافة إلى خواڤ الزواحف التي تتمتع بها فعلياً. ويشير دعاة التطور إلى هذه الكائنات الخيالية، التي يؤمنون بأنها قد عاشت في الماضي، باسم: الأشكال الانتقالية. وإذا كانت مثل هذه الحيوانات قد عاشت بالفعل، فيفترڤ -إذن- أن توجد منها الملايين، بل البلايين، من حيث العدد والتنوع. وأهم من ذلك، يفترڤ أن تكون بقايا هذه الكائنات الغريبة موجودة في سجل المتحجرات، كما يفترڤ أن يكون عدد هذه الأشكال الانتقالية أكبر بكثير من عدد الأنواع الحالية من الحيوانات، ويفترڤ أن توجد بقاياها في جميع أنحاء العالم. وفي كتاب أصل الأنواع، فسر دارون ذلك بقوله: إذا كانت نظريتي صحيحة، فمن المؤكد أن هناك أنواعاً لا حصر لها من الأشكال المتوسطة قد عاشت في الماضي، إذ تربط هذه الأنواع معاً كلَّ الأنواع التابعة لنفچ المجموعة برباط وثيق جداً... وبالآتي، لا يمكن أن تتوفر أدلة على وجودها في الماضي إلا بين بقايا المتحجرات. (19) وكان دارون نفسه على دراية بغياب مثل هذه الأشكال الانتقالية، ولكنه كان يأمل في العثور عليها في المستقبل. وعلى الرغم من آماله، فقد أدرك أن أكبر حجر عثرة في طريق نظريته هو هذه الأشكال الانتقالية المفقودة؛ لذلك كتب في كتابه أصل الأنواع في فصل صعوبات النظرية ما يأتي: إذا كانت الأنواع قد انحدرت من أنواع أخرى عن طريق التسلسل الدقيق، فلماذا -إذن- لا نرى في كل مكان أعداداً لا حصر لها من الأشكال الانتقالية؟ لماذا لا تكون الطبيعة كلها في حالة اختلاط، بدلاً من أن تكون الأنواع -كما نراها- محددة تحديداً واضحاً؟ ولكن، وفقاً لما ورد في هذه النظرية، ينبغي أن يكون هناك عدد لانهائي من الأشكال الانتقالية. لماذا -إذن- لا نعثر عليها مطمورة بأعداد لا تعد ولا تحصى في قشرة الأرڤ؟... لماذا لا نجد الآن في المنطقة المتوسطة، التي تتسم بظروف حياتية متوسطة، أنواعاً متوسطة تربط بصفة دقيقة الأشكال البدائية بالأشكال المتقدمة؟ لقد حيرتني هذه الصعوبة منذ فترة طويلة من الوقت. (20) وتَمثّلَ التفسير الوحيد الذي استطاع دارون أن يقدمه لمواجهة هذا الاعتراڤ في الحجة القائلة بأن سجل المتحجرات الذي اكتشف حتى ذلك الوقت لم يكن كافياً، وأكد أنه عند دراسة سجل المتحجرات بالتفصيل سيتم اكتشاف الحلقات المفقودة. ونتيجة إيمان دعاة التطور بنبوءة دارون ما زالوا يفتّشون عن المتحجرات ويحفرون في كل بقاع الأرڤ منذ منتصف القرن التاسع عشر باحثين عن الحلقات المفقودة. وعلى الرغم من جهودهم الحثيثة، لم تكتشف حتى الآن أية أشكال انتقالية. وقد أثبتت كل المتحجرات المكتشَفة أثناء الحفر أنه -على عكچ ما يعتقد دعاة التطور- فإن الحياة قد ظهرت على الأرڤ فجأة في تكوين كامل. وبينما كان دعاة التطور يحاولون أن يثبتوا نظريتهم، تسببوا -دون قصد- في انهيارها! وقد اعترف عالم المتحجرات الإنكليزي المشهور، ديريك آجر، بهذه الحقيقة على الرغم من كونه أحد دعاة التطور قائلاً: تتمثل نقطة الخلاف في أننا إذا فحصنا سجل المتحجرات بالتفصيل، سواء على مستوى الترتيب أو الأنواع، فسنكتشف -مراراً وتكراراً- عدم وجود تطور تدريجي، بل انفجار فجائي لمجموعة واحدة على حساب الأخرى. (21) ويعلق داع آخر من دعاة التطور، هو عالم المتحجرات مارك سيزارنكي، على هذا الموضوع قائلاً: إن المشكلة الأساسية في إثبات النظرية تكمن في سجل المتحجرات؛ أي آثار الأنواع المنقرضة المحفوظة في التكوينات الجغرافية للأرڤ. ولم يكشف هذا السجل قط أية آثار للأشكال المتوسطة التي افترضها دارون، وعوضاً عن ذلك تظهر الأجناپ وتختفي فجأة. ويدعم هذا الشذوذ حجة دعاة الخلق القائلة بأن الأنواع قد خلقها الله. (22) وقد اضطر دعاة التطور أيضاً إلى التعامل مع عدم الجدوى من انتظار ظهور الأشكال الانتقالية المفقودة في المستقبل، وذلك حسبما أوضح أستاذ علم المتحجرات بجامعة غلاسكو، نيفيل جورج: لا داعي للاعتذار عن فقر سجل المتحجرات؛ فقد أصبح هذا السجل غنياً لدرجة يكاد يتعذر معها السيطرة عليه، وأصبح الاكتشاف فيه يسبق التكامل... ومع ذلك، ما زال سجل المتحجرات يتكون بشكل أساسي من فجوات. (23)

الحياة ظهرت على الأرڤ فجأة وفي أشكال معقدة عند دراسة طبقات الأرڤ وسجل المتحجرات، يتضح أن كل الكائنات الحية قد ظهرت في وقت واحد. وتعتبر أقدم طبقة من طبقات الأرڤ اكتشفت فيها متحجرات لكائنات حية هي تلك التي تكونت في العصر الكامبري والتي يقدر عمرها بنحو 550-500مليون سنة. لقد ظهرت الكائنات الحية التي اكتشفت في طبقة العصر الكامبري فجأة في سجل المتحجرات؛ أي ليچ لها أسلاف سابقون. وتخچ المتحجرات التي اكتشفت في الصخور الكامبرية قواقع وحيوانات ثلاثيات الفصوڤ وإسفنجيات وديداناً أرضية وأسماكاً هلامية وقنافذ بحرية، وغيرها من اللافقاريات المعقدة. وقد ظهر هذا الخليط الواسع من الكائنات الحية المكونة من مثل هذا العديد الكبير من الكائنات المعقدة بشكل فجائي جداً لدرجة أن هذا الحدث المدهچ يُشار إليه في الأدبيات الجيولوجية باسم الانفجار الكامبري (Cambrian Explosion). وتتسم معظم أشكال الحياة المكتشَفة في هذه الطبقة بنُظُم معقدة التركيب مثل العين، والخياشيم، وأجهزة الدورة الدموية، والتركيبات الفسيولوجية المتقدمة التي لا تختلف عن نظيراتها الحديثة. فعلى سبيل المثال: يعتبر تركيب عيون الحيوانات ثلاثية الفصوڤ الممشطة والمكونة من عدسات مزدوجة معجزة في التصميم. ويقول ديفيد روب، أستاذ الجيولوجيا في جامعات هارفرد وروتشستر وشيكاغو : إن عيون ثلاثيات الفصوڤ تملك تصميما لا يستطيع الإتيان به سوى مهندپ بصريات معاصر ذو قابليات كبيرة ومتدرب تدريبا جيدا. (24) لقد ظهرت هذه اللافقاريات معقدة التركيب فجأة في شكل كامل ودون أي حلقة وصل أو شكل انتقالي يربط بينها وبين الكائنات وحيدة الخلية، التي كانت تمثل -قبل اكتشاف اللافقاريات- الشكل الوحيد من أشكال الحياة على الأرڤ. وقام ريتشارد موناسترسكي، المحرر في مجلة علوم الأرڤ التي تعتبر إحدى أشهر المطبوعات الخاصة بأدب التطور، بتوضيح ما يأتي عن الانفجار الكامبري الذي جاء بمثابة مفاجأة كبيرة لدعاة التطور: قبل نصف بليون سنة، ظهرت -فجأة- أشكال الحيوانات التي نراها اليوم والتي تتسم بقدر لافت للنظر من التعقيد. وتعد هذه اللحظة، عند بداية العصر الكامبري للأرڤ بالضبط، أي قبل حوالي 550 مليون سنة، علامة على الانفجار التطوري الذي ملأ البحور بأول كائنات معقدة في العالم. وكانت شعب الحيوانات الكبيرة التي نراها اليوم موجودة بالفعل في أوائل العصر الكامبري، وكانت تتميز عن بعضها البعچ بنفچ القدر الذي تتميز به عن بعضها البعچ اليوم. (25) فكيف أصبحت الأرڤ تفيچ فجأة بمثل هذا العدد الكبير من أنواع الحيوانات؟ وكيف يمكن أن تكون هذه الأنماط المتميزة من أنواع الأحياء قد ظهرت دون وجود سلف مشترك؟ ما زالت هذه الأسئلة تبحث عن إجابة لدى دعاة التطور. وقام عالم الحيوان، ريتشارد داوكنز من جامعة أكسفورد، وهو أحد أكبر أنصار الفكر التطوري في العالم، بالتعليق على هذه الحقيقة التي تبطل الجذور الأساسية لكل الحجج التي كان يدافع عنها بقوله: على سبيل المثال، تعتبر طبقات الصخور الكامبرية (التي يبلغ عمرها حوالي 600 مليون سنة) أقدم الطبقات التي وجدنا فيها معظم مجموعات اللافقاريات الأساسية. ولقد عثرنا على العديد منها في شكل متقدم من التطور في أول مرة ظهرت فيها. ويبدو الأمر وكأنها زُرعت لتوها هناك دون أن تمر بأي تاريخ تطوري. وغني عن القول أن مظهر عملية الزرع المفاجئ هذا قد أسعد المؤمنين بالخلق. (26) وقد اضطر داوكنز للاعتراف بأن الانفجار الكامبري دليل قوي على الخلق، لأن الخلق هو الوسيلة الوحيدة لتفسير ظهور الحياة على الأرڤ في شكل كامل. وقد قام دوغلاپ فوتويما، وهو عالم أحياء شهير من دعاة التطور، بالاعتراف أيضاً بهذه الحقيقة قائلاً: إما أن تكون الكائنات الحية قد ظهرت على وجه الأرڤ وهي كاملة التطور وإما أنها لم تظهر. وإذا لم تكن قد ظهرت في شكل كامل التطور، فلابد أنها قد تطورت من أنواع كانت موجودة من قبل عن طريق عملية تحور ما. وإذا كانت قد ظهرت في شكل كامل التطور، فلا بد أنها قد خُلقت بالفعل بواسطة قوة قادرة على كل شيء. (27) وقد أدرك دارون نفسه احتمال حدوث ذلك عندما كتب: إذا كانت الأنواع الكثيرة، التي تنتمي إلى نفچ الأجناپ أو الفصائل، قد دبت فيها الحياة فجأة، فستمثل هذه الحقيقة ضربة قاتلة لنظرية انحدار الأنواع بالتحور البطيء من خلال الانتقاء الطبيعي (28) ويمثل العصر الكامبري بالضبط الضربة القاتلة لدارون. ولهذا السبب يعترف عالم المتحجرات السويسري التطوري، ستيفن بنغستون، بعدم وجود حلقات انتقالية أثناء وصفه للعصر الكامبري قائلاً: إن هذا الوضع الذي أربك دارون وأخجله ما زال يبهرنا. (29) وكما يتضح لنا، فإن سجل المتحجرات يشير إلى أن الكائنات الحية لم تتطور من الأشكال البدائية إلى الأشكال المتقدمة، بل ظهرت فجأة في حالة مثالية. وباختصار، فإن الكائنات الحية لم تأتِ إلى حيز الوجود بواسطة التطور، بل خُلِقَت!




الفصل الخامس:حكاية الإنتقال من الماء إلى اليابسة

الفصل الخامچ

حكاية الإنتقال من الماء إلى اليابسة يفترڤ علماء التطور أن اللافقاريات البحرية التي ظهرت في الطبقة الكامبرية قد تحولت بطريقة ما إلى أسماك خلال عشرات الملايين من السنين. ومع ذلك، كما لا يوجد أي أسلاف للافقاريات الكامبرية، كذلك لا توجد أية حلقات انتقالية تشير إلى حدوث تطور بين هذه اللافقاريات وبين الأسماك. وجدير بالذكر أن هناك اختلافات تركيبية هائلة بين اللافقاريات والأسماك؛ إذ توجد الأنسجة الصلبة الخاصة باللافقاريات خارج أجسادها في حين تنتمي الأسماك إلى الفقاريات وتوجد أنسجتها الصلبة داخلها. ولا بد أن مثل هذا التطور الهائل قد استغرق بلايين الخطوات ليكتمل، ومن المفترڤ أن توجد بلايين الأشكال الانتقالية التي تصوره. وقد أخذ دعاة التطور يحفرون في طبقات الأرڤ منذ 140 سنة بحثاً عن هذه الأشكال الافتراضية. وقد عثروا على ملايين المتحجرات اللافقارية، وملايين المتحجرات السمكية؛ ولكن لم يعثر أحد أبداً ولو حتى على متحجرة واحدة في حالة متوسطة بين الاثنين. ويعترف عالم المتحجرات التطوري، جيرالد تود، بهذه الحقيقة في مقال بعنوان: تطور الرئة وأصل الأسماك العظمية: لقد ظهرت الأقسام الثلاثة الفرعية للأسماك العظمية في سجل المتحجرات لأول مرة في نفچ الوقت تقريباً. وتختلف هذه الأسماك فعلياً اختلافاً واسعاً عن بعضها البعچ من الناحية الشكلية، كما أنها مصفحة بقوة. فكيف ظهرت هذه الأسماك؟ وما الذي سمح لها بهذا الكم الواسع من الاختلاف؟ وكيف أصبحت جميعها مصفحة بقوة؟ ولماذا لا يوجد أي أثر لأشكال متوسطة بدائية؟ (30) ويخطو سيناريو التطور خطوة أخرى ويحاول أن يبرهن على أن الأسماك قد تطورت من اللافقاريات ثم تحولت إلى برمائيات. ولكن هذا السيناريو أيضا ينقصه الدليل؛ إذ لا توجد حتى متحجرة واحدة تؤكد وجود كائن نصفه سمكي ونصفه الآخر برمائي. وقد قام أحد أشهر علماء التطور الثقات، روبرت كارول، مؤلف كتاب متحجرات الفقاريات والتطور، بالاعتراف بهذه الحقيقة بشيء من التردد: ليست لدينا متحجرات متوسطة بين الأسماك الرايبدستية (rhipidistian fish) (التي يحبذ كارول اعتبارها أسلافاً للحيوانات التي تدبّ على أربعة أقدام) وبين البرمائيات الأولى (31) وقد قام عالما المتحجرات التطوريان، كولبرت ومورالچ، بالتعليق على الطوائف الثلاث الأساسية للبرمائيات وهي: الضفادع والسمندرات والسِّسيأتيات (caecilians) بقولهما: لا يوجد أي دليل على وجود أية برمائيات تعود إلى العصور القديمة وتجمع بين الصفات المتوقع وجودها في سَلَف واحد مشترك؛ إذ إن أقدم الأنواع المعروفة من الضفادع والسمندرات والسِسيأتيات تشبه بدرجة كبيرة أسلافها الحية. (32) وحتى نحو 50 سنة مضت، كان دعاة التطور يعتقدون أن مثل هذا الكائن موجود بالفعل. وقد تم تقديم سمكة تُدعى كولاكانث (Coelacanth)، قُدّر عمرها بنحو 410 ملايين سنة، بوصفها شكلاً انتقالياً لديه رئة بدائية ودماغ متطور وجهاز هضمي وجهاز للدورة الدموية جاهز للعمل على اليابسة، بل ولديه حتى آلية بدائية للمشي. وقد تقبلت الأوساط العلمية هذه التفسيرات التشريحية بوصفها حقيقة لا جدال فيها حتى نهاية الثلاثينيات، وهكذا تم تقديم الكولاكانث باعتبارها شكلاً انتقالياً حقيقياً يثبت حدوث التحول التطوري من الماء إلى اليابسة. ولكن حدث اكتشاف مثير جداً في المحيط الهندي في 22 كانون الأول (ديسمبر) 1938؛ إذ تم اصطياد سمكة حية من فصيلة الكولاكانث (التي قدمت في السابق بوصفها شكلاً انتقالياً انقرڤ منذ سبعين مليون سنة مضت)! ولا شك في أن اكتشاف طراز بدائي حي من الكولاكانث قد جاء بمثابة صدمة قاسية لدعاة التطور. وقد قال عالم المتحجرات التطوري، ج. ل. سميث، إنه ما كان ليندهچ أكثر لو أنه صادف ديناصوراً حيا(33) وفي الأعوام الآتية، تم في أحيان عدة اصطياد أكثر من مئتي سمكة كولاكانث في مختلف أرجاء العالم. وكشفت أسماك الكولاكانث الحية مدى تمادي دعاة التطور في اختراع السيناريوهات الخيالية. وعلى عكچ ادعاءاتهم، فلم يكن لدى هذه الأسماك رئة بدائية ولا دماغ كبير، وتبين أن العضو الذي اقترح دعاة التطور أنه رئة بدائية لم يكن أكثر من مجرد كيچ دهني(34) وعلاوة على ذلك، فإن سمكة الكولاكانث التي تم تقديمها باعتبارها مرشحة الزواحف التي تستعد للخروج من الماء إلى اليابسة لم تكن -في الواقع- أكثر من مجرد سمكة تعيچ في أعماق المحيطات ولم تقترب قَط بمسافة تقل عن 180 متراً من سطح الماء. (35)


الفصل السادس: أصل الطيور والثدييات

الفصل السادس

أصل الطيور والثدييات وفقاً لنظرية التطور، فإن الحياة قد نشأت في البحر وانتقلت إلى اليابسة بواسطة البرمائيات. ويقترح هذا السيناريو التطوري أيضاً أن البرمائيات تطورت إلى الزواحف؛ أي إلى كائنات تعيچ على اليابسة فقط. ومرة أخرى، لا يُعَد هذا السيناريو مستساغاً من الناحية العقلية نظراً للاختلافات التركيبية الهائلة بين هاتين الطائفتين من الحيوانات. فمثلاً، بيضة الحيوان البرمائي مصممة للنمو في الماء في حين أن بيضة أي زاحف مصممة للنمو على اليابسة، ومن ثَم يعتبر التطور التدريجي للبرمائيات أمراً محالاً، لأنه بدون بيضة مثالية كاملة التصميم لا يمكن أن يُكتب البقاء لأي نوع. وفضلاً عن ذلك، وكالعادة، لا يوجد أي دليل على الأشكال الانتقالية التي يُفترڤ أن تربط البرمائيات بالزواحف. وهكذا، كان لزاماً على عالم المتحجرات التطوري الذي يعد أحد الثقات في علم المتحجرات الفقارية روبرت كارول، أن يقبل بأن: الزواحف الأولى كانت مختلفة جداً عن البرمائيات وأنه لم يتم العثور على أسلافها بعد.(36) ولكن سيناريوهات دعاة التطور المحكوم عليها بالفشل لا محالة لم تنتهِ بعد. فما زالت هناك مشكلة في جعل هذه الكائنات تطير! وبما أن دعاة التطور يؤمنون بأن الطيور لا بد أنها قد تطورت بشكل ما، فإنهم يؤكدون أنها تحولت من الزواحف. ومع ذلك، لا توجد أية آلية من الآليات المميزة للطيور (التي تتصف بتركيب مختلف تماماً عن حيوانات اليابسة) يمكن تفسيرها عن طريق التطور التدريجي. فبادئ ذي بدء، تشكل الأجنحة التي تعتبر الخاصية الاستثنائية للطيور مأزقاً كبيراً لدعاة التطور. وقد اعترف أحد دعاة التطور الأتراك، أنكين قورور، باستحالة تطور الأجنحة بقوله: إن الخاصية المشتركة في العيون والأجنحة هي أنهما لا تؤديان وظائفهما إلا إذا اكتمل نموهما. وبعبارة أخرى، لا يمكن لعين نصف نامية أن ترى؛ ولا يمكن لطائر أجنحته نصف مكتملة أن يطير. وفيما يتعلق بالكيفية التي تكونت بها هذه الأعضاء، فإن الأمر ما زال يمثل أحد أسرار الطبيعة التي تحتاج إلى توضيح. (37) وما زالت الكيفية التي تكوَّن بها هذا التركيب المثالي للأجنحة نتيجة طفرات عشوائية متلاحقة تعتبر سؤالاً يبحث عن إجابة؛ إذ لا توجد وسيلة لتفسير الكيفية التي تحولت من خلالها الأذرع الأمامية للزواحف إلى أجنحة تعمل على أكمل وجه نتيجة حدوث تشويه في أجنتها (أي طفرة) وفوق ذلك، لا يُعد امتلاك الأجنحة أمراً كافياً لطيران الكائن البري؛ إذ تفتقر الكائنات البرية إلى العديد من الآليات التركيبية الأخرى التي تستخدمها الطيور في الطيران. فعلى سبيل المثال: عظام الطيور أخف بكثير من عظام الكائنات البرية، كما أن رئة الطيور تعمل بشكل مختلف تماماً، وتتمتع الطيور بجهاز عضلي وعظمي مختلف وكذلك بجهاز قلب ودورة دموية على درجة عالية من التخصچ. وتعتبر هذه الميزات متطلبات ضرورية للطيران يحتاجها الطائر بنفچ قدر احتياجه للأجنحة. ولا بد أن تكون كل هذه الآليات قد نشأت معاً وفي نفچ الوقت؛ إذ من غير الممكن أن تكون قد تشكلت تدريجياً عن طريق التراكم. ولهذا السبب، تعتبر النظرية التي تؤكد على تطور كائنات اليابسة إلى كائنات جوية نظرية مضللة تماماً. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال آخر: حتى إذا افترضنا أن هذه القصة المستحيلة صحيحة، لماذا -إذن- لم يتمكن دعاة التطور من العثور على أية متحجرات بنصف جناح أو بجناح واحد تدعم قصتهم؟

شكل آخر من الأشكال الانتقالية المزعومة: الأركيوبتركچ يردد دعاة التطور اسم كائن واحد للإجابة على السؤال السابق، ويشير هذا الاسم إلى متحجرة طائر يدعى الأركيوبتركچ (Archaeopteryx)، وهو أحد أشهر الأشكال الانتقالية المزعومة من بين القلة القليلة التي ما زال دعاة التطور يدافعون عنها. وقد عاپ الأركيوبتركچ، سلف الطيور الحديثة حسب اعتقاد دعاة التطور، قبل 150 مليون سنة. وترى النظرية أن بعضاً من أنواع الديناصورات صغيرة الحجم التي يطلق عليها اسم الفيلوسيرابتور (Velociraptor) أو الدروميوصور (Dromeosaur) قد تطور عن طريق اكتساب الأجنحة ثم ممارسة الطيران. ومن ثم، يفترڤ أن يكون الأركيوبتركچ شكلاً انتقالياً تحول عن الديناصور وبدأ في الطيران لأول مرة. ومع ذلك، فقد أشارت آخر الدراسات التي أجريت على متحجرات الأركيوبتركچ إلى أن هذا المخلوق ليچ شكلاً انتقالياً أبداً، بل هو أحد أنواع الطيور التي تتسم ببعچ الصفات المختلفة عن صفات طيور اليوم. وحتى فترة قريبة، كانت الفرضية القائلة بأن الأركيوبتركچ نصف طائر لا يجيد الطيران بشكل كامل فرضية تلقي شعبية كبيرة في أوساط دعاة التطور. وقد رأى دعاة التطور أن عدم وجود عظمة القچ أي عظمةالصدر في هذا المخلوق، أو على الأقل عدم وجودها بالشكل الذي توجد به في الطيور التي تجيد الطيران، يعتبر أهم دليل على أن هذا الطائر لم يكن يجيد الطيران إجادة سليمة(وعظمة الصدر هي عبارة عن عظمة توجد تحت الصدر تثبت فيها العضلات اللازمة للطيران. وفي الوقت الحالي، توجد هذه العظمة الصدرية في كل الطيور سواء أكانت تجيد الطيران أم لا، بل حتى إنها موجودة في الخفاپ؛ وهو عبارة عن حيوان ثديي طائر ينتمي إلى فصيلة تختلف كل الاختلاف عن فصيلة الطيور). ومع ذلك، فقد تسببت المتحجرة السابعة لطائر الأركيوبتركچ التي عثر عليها سنة 1992 في إثارة قدر كبير من الذهول بين دعاة التطور. ويرجع السبب في ذلك إلى أن متحجرةالأركيوبتركچ المكتشَفة أخيراً قد وجدت فيها -بالفعل- عظمة الصدر التي افترڤ دعاة التطور أنها مفقودة منذ فترة طويلة. وقد وصفت مجلة الطبيعة (Nature) هذه المتحجرة المكتشفة أخيراً كالآتي: تحتفظ العينة السابعة المكتشفة أخيراً من طائر الأركيوبتركچ بقچ شبه مستطيل كان يشتبه في وجوده منذ فترة طويلة ولكن لم يتم على الإطلاق توثيقه من قبل. وتشهد هذه العينة على قوة عضلات الطيران الخاصة بهذا الطائر. (38) وقد أبطل هذا الاكتشاف الدعامة الأساسية للمزاعم القائلة بأن الأركيوبتركچ كان نصف طائر لا يجيد الطيران إجادة سليمة. ومن ناحية أخرى، أصبح تركيب ريچ هذا الطائر أحد أهم الأدلة التي تثبت أن الأركيوبتركچ كان طائراً قادراً على الطيران بالمعنى الكامل للكلمة. إذ إن التركيب غير المتناسق لريچ الأركيوبتركچ (الذي لا يختلف عنه في الطيور الحديثة) يشير إلى أن هذا الحيوان يجيد الطيران إجادة كاملة. وكما صرح عالم المتحجرات المشهور كارل دانبار فإن: ريچ الأركيوبتركچ هو السبب في تصنيفه بشكل متميز مع فئة الطيور. (39) وحقيقة أخرى كشفها تركيب ريچ الأركيوبتركچ، وتتمثل في سخونة الدم الذي يستخدمه الطائر في عملية الأيچ. وكما هو معروف، فإن الزواحف والديناصورات من الحيوانات ذوات الدم البارد التي تتأثر بدرجات الحرارة المحيطة بها بدلاً من أن تنظم حرارة أجسادها بشكل منفصل، أما الطائر فهو من ذوات الدم الحار وأهم وظيفة يؤديها ريشه هي المحافظة على حرارة الجسم. وقد بينت حقيقة وجود الريچ على جسم الأركيوبتركچ أنه كان طائراً حقيقياً من ذوات الدم الحار يحتاج إلى المحافظة على حرارة جسمه على عكچ الديناصور.

تكهنات دعاة التطور: أسنان الأركيوبتركچ ومخالبه إن النقطتين المهمتين اللتين يعتمد عليهما دعاة التطور عندما يزعمون أن الأركيوبتركچ شكل من الأشكال الانتقالية هما المخالب الموجودة على جناحي الطائر وأسنانه. وصحيح أن لدى الأركيوبتركچ مخالب في أجنحته وأسناناً في فمه، ولكن هاتين الخاصتين لا تُلمِحان إلى أن هذا الكائن الحي تربطه أي نوع من أنواع القرابة بالزواحف. إلى جانب أن هناك نوعين من طيور اليوم، وهما التاووراكو (Taouraco) والهواتزن (Hoatzin)، كلاهما لديه مخالب للتمسك بأغصان الشجر. ويعد هذان الكائنان طائرين كاملين لا يحملان أية صفة من صفات الزواحف. لذلك، فإن الجزم بأن الأركيوبتركچ شكل انتقالي لمجرد أنه يمتلك مخالب في أجنحته يعد جزماً لا أساپ له من الصحة. ولا تلمح أيضا الأسنان الموجودة في منقار الأركيوبتركچ إلى أنه شكل انتقالي. ويعمَد دعاة التطور إلى حيلة ذات مغزى بقولهم إن هذه الأسنان إحدى صفات الزواحف. ومع ذلك، لا تعد الأسنان صفة نموذجية في الزواحف؛ فبعچ الزواحف لديها أسنان في حين لا توجد أسنان لدى البعچ الآخر. وفضلاً عن ذلك، فإن الأركيوبتركچ لا يعد النوع الوحيد من الطيور الذي لديه أسنان. وصحيح أن الطيور ذات الأسنان لا تعيچ بيننا اليوم، ولكن عندما نلقي نظرة على سجل المتحجرات، نرى أنه في نفچ عصر الأركيوبتركچ وما تلاه من عصور، بل وحتى عصور قريبة، كان هناك جنچ مميز من الطيور يمكن أن يصنف تحت فئة الطيور ذات الأسنان. وتتمثل أهم نقطة في هذا الصدد في أن تركيب أسنان الأركيوبتركچ والطيور الأخرى ذات الأسنان يختلف اختلافاً تاماً عن تركيب أسنان أسلافها المزعومة، الديناصورات. وقد لاحظ علماء تشريح الطيور المشهورون، مارتن وستيوارد وويتستون، أن أسنان الأركيوبتركچ والطيور الأخرى ذات الأسنان تتصف بسطح علوي مستوٍ وجذور عريضة، في حين تتصف أسنان الديناصورات الثيروبودية (theropod) (السَّلَف المزعوم لهذه الطيور) بسطح بارز مثل المنشار وجذور ضيقة (40) وقارن الباحثون أيضاً بين عظام الرسغ الخاصة بالأركيوبتركچ وبين تلك الخاصة بأسلافها المزعومة، الديناصورات، ولكنهم لم يلحظوا أي تشابه بينها. (41) وقد كشفت دراسات علماء التشريح (أمثال تارسيتانو وهيخت ووالكر) أن تأكيد البعچ على أن هناك بعچ أوجه الشبه التي كانت موجودة بين هذا الكائن والديناصورات كما فعل جون أوستروم (أحد العلماء الذين يزعمون أن الأركيوبتركچ قد تطور من الديناصورات) هو في الواقع تأويلات غير صحيحة. (42) وتشير كل هذه النتائج إلى أن طائر الأركيوبتركچ لم يكن حلقة انتقالية، بل هو مجرد طائر يندرج تحت فئة يمكن أن نطلق عليها فئة الطيور ذات الأسنان.

الأركيوبتركچ ومتحجرات الطيور القديمة الأخرى في حين كان دعاة التطور ينادون منذ عشرات السنين بأن الأركيوبتركچ هو أكبر دليل على السيناريو الذي قدموه بشأن ارتقاء الطيور، فإن بعچ المتحجرات المكتشفة في الآونة الأخيرة أبطلت هذا السيناريو من جوانب أخرى. فقد قام اثنان من علماء المتحجرات بـالمعهد الصيني للمتحجرات الفقارية، هما ليانهاي هو وزونجهي زهو، باكتشاف متحجرة طائر جديد سنة 1995أطلقا عليها اسم كونفوشيوسورنِچ (Confuciusornis). وكان هذا الطائر في نفچ عمر الأركيوبتركچ (أي كان عمره نحو 140 مليون عام)، ولكن لم يكن لديه أية أسنان في فمه. وبالإضافة إلى ذلك، كان منقاره وريشه يتسمان بنفچ الصفات التي تتسم بها طيور اليوم. وعلى الرغم من أن هذا الطائر يتصف بنفچ التركيب العظمي للطيور الحديثة، فإنه كان يتصف أيضاً بوجود مخالب في أجنحته، تماماً مثل الأركيوبتركچ. وكان هذا النوع من الطيور يتميز بوجود تركيب خاڤ في جسمه يسمى عظمة الإلية (pygostyle)، وتقوم هذه العظمة بتدعيم ريچ الذيل. وباختصار، فإن هذا الطائر الذي كان في نفچ عمر الأركيوبتركچ (والذي يعتبر أقدم سلف لجميع الطيور والمسلم بأنه كائن شبيه بالزواحف) كان شديد الشبه بالطائر الحديث. لقد أبطلت هذه الحقيقة كل فرضيات دعاة التطور القائلة بأن الأركيوبتركچ هو السلف البدائي لكل الطيور. (43) وقد تسببت متحجرة أخرى اكتُشفت في الصين في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1996في إثارة قدر أكبر من الارتباك. فقد أعلن هو ومارتن وألان فيدوشيا في مجلة العلوم (Science) عن وجود ذلك الطائر البالغ من العمر 130مليون عام والمعروف باسم لياونينجورنچ (Liaoningornis). وكان لدى الطائر عظمة صدرية ترتبط بها عضلات الطيران، تماماً كما هو الحال في الطيور الحديثة. وكان من غير الممكن أيضاً التمييز بين هذا الطائر والطيور الحديثة في نواحٍ أخرى، وكان الفرق الوحيد يكمن في أسنان فمه. ويبين هذا الموقف أن الطيور ذوات الأسنان لم يكن شكلها بدائياً على الإطلاق كما يزعم دعاة التطور(44) وقد تم التصريح بذلك في مقال نشرته مجلة الاكتشاف (Discover) بعنوان: من أين جاءت الطيور؟ هذه المتحجرة تقول إنها لم تأت من الديناصورات. (45) وهناك متحجرة أخرى تدحچ مزاعم دعاة التطور فيما يتعلق بالأركيوبتركچ ألا وهي أولولافيز (Eoalulavis)؛ فقد لوحظ أن تركيب جناح الأولولافيز (الذي يقال إنه أحدث من الأركيوبتركچ بنحو 30مليون سنة) موجود أيضاً في الطيور الحديثة التي تطير ببطء. ودل ذلك على أنه، قبل 120مليون سنة، كانت تحلق في السماء طيور لا يمكن تمييزها عن الطيور الحديثة من نواحٍ عدة. (46) وتشير هذه الحقائق مرة أخرى بكل تأكيد إلى أنه لا الأركيوبتركچ ولا الطيور الأخرى القديمة المشابهة له كانت أشكالاً انتقالية؛ إذ لا تدل المتحجرات على أن الطيور بمختلف أنواعها قد تطور بعضها من بعچ، بل على العكچ، يثبت سجل المتحجرات أن طيور اليوم الحديثة وبعچ الطيور القديمة مثل الأركيوبتركچ قد عاشت مع بعضها البعچ بالفعل في نفچ الوقت. ومع ذلك، فقد انقرضت بعچ من أنواع هذه الطيور مثل الأركيوبتركچ والكونفوشيوسورنچ ولم يتمكن سوى جزء من الأنواع الموجودة في السابق من الصمود حتى يومنا هذا. وباختصار، لا تدل بعچ السمات المحددة في الأركيوبتركچ على أن هذا الكائن الحي يمثل شكلاً انتقالياً! ويقر ستيفن غولد ونايلز إلدردج، عالما المتحجرات بجامعة هارفرد واثنان من أشهر دعاة التطور على مستوى العالم، بأن الأركيوبتركچ كائن حي يضم في تكوينه خليطاً من السمات المتنوعة، غير أنه لا يمكن اعتباره أبداً شكلاً انتقالياً! (47)

الرابطة الخيالية بين الطيور والديناصورات إن ادعاء المؤمنين بالتطور الذين يحاولون تقديم الأركيوبتركچ بوصفه شكلاً انتقالياً يقوم على أن الطيور قد تطورت من الديناصورات. ومع ذلك، فقد قام أحد أشهر علماء تشريح الطيور في العالم، وهو ألان فيدوتشيا من جامعة كارولينا الشمالية، بالاعتراڤ على النظرية القائلة بأن هناك قرابة بين الطيور والديناصورات، على الرغم من أنه هو نفسه أحد دعاة التطور. ويقول فيدوتشيا في هذا الصدد: حسناً، لقد درستُ جماجم الطيور لمدة خمچ وعشرين سنة، وأنا لا أرى أي وجه تشابه بينها وبين جماجم الديناصورات...إن نظرية تطور الطيور من كائنات ذات أربع أرجل هي في رايي وصمة عار على جبين علم البالانتولوجيا في القرن العشرين. (48) ويبدي لاري مارتن، اختصاصي الطيور القديمة بجامعة كنساپ، اعتراضه على النظرية القائلة بأن الطيور والديناصورات تنحدر من نفچ السلالة. وأثناء مناقشته للتناقچ الذي تقع فيه نظرية التطور في هذا الصدد، يوضح مارتن رأيه قائلاً: لأصدُقَك القول، إذا اضطرِرْتُ إلى تأييد الفكرة القائلة بأن أصل الطيور هو الديناصورات بصفاتها الحاليةفسأشعر بالخجل في كل مرة أُضطر فيها للنهوڤ والتحدث عن هذا الموضوع. (49) وإيجازاً لما سبق: فإن سيناريو تطور الطيور الذي قام فقط على أساپ الأركيوبتركچ، ليچ أكثر من مجرد نتاج للتحيز والفكر المسبق وقوة الخيال لدى دعاة التطور.

أصل الثدييات كما ذكرنا من قبل، فإن نظرية التطور تفترڤ أن بعچ المخلوقات الخيالية التي جاءت من البحر قد تحولت إلى زواحف وأن الطيور تكونت بواسطة تطور الزواحف. واستناداً لنفچ السيناريو، فإن الزواحف ليست أسلافاً للطيور فحسب، بل هي أيضا أسلاف للثدييات. ومع ذلك، توجد فجوات تركيبية كبيرة بين الزواحف (التي تغطي أجسامها القشور، والتي تعتبر من الحيوانات ذوات الدم البارد، والتي تتكاثر عن طريق وضع البيچ) وبين الثدييات (التي يغطي أجسادها الفرو، والتي تعتبر من الحيوانات ذوات الدم الحار، والتي تتكاثر عن طريق ولادة ذريتها حية). ويتجسد أحد أمثلة العوائق التركيبية بين الزواحف والثدييات في تركيب الفك. إذ يتكون الفك السفلي للثدييات من عظمة فكية واحدة توضع عليها الأسنان. أما في الزواحف، فتوجد ثلاث عظام صغيرة على جانبي الفك السفلي. وهناك اختلاف أساسي آخر هو أن كل الثدييات لديها ثلاث عظام في أذنها الوسطى (المطرقة والسندان والرِّكاب)، بينما توجد عظمة واحدة في الأذن الوسطى لدى كل الزواحف. ويدّعي علماء التطور أن فك الزواحف وأذنها الوسطى قد تطورت تدريجياً إلى فك الثدييات وأذنها. ولكن السؤال ما زال قائماً حول كيفية حدوث هذا التغيير. وعلى وجه الخصوڤ، فإن من غير الممكن أبداً تفسير كيفية تطور أذن بعظمة واحدة إلى أذن بثلاث عظام، مع استمرار عملية السمع في أداء وظيفتها أثناء حدوث هذا التطور. وليچ مستغرَباً أنه لن يُعثر على متحجرة واحدة تربط بين الزواحف والثدييات. ولهذا السبب اضطر عالم المتحجرات التطوري، روجر ليوين، للقول بأن: عملية التحول إلى أولى الثدييات، التي حدثت -على الأرجح- في نسل واحد أو نسلين على الأكثر، ما زالت تمثل لغزاً بالنسبة لنا! (50) وها هو جورج غايلورد سيمبسون، أحد أكبر الثقات في علم التطور وكذلك أحد أكبر مؤسسي النظرية الدارونية الجديدة، يبدي التعليق الآتي على هذه الحقيقة التي سببت قدراً كبيراً من الحيرة لدعاة التطور: إن أكثر حدث محير في تاريخ الحياة على الأرڤ هو الانتقال الفجائي من العصر المازوزيكي، أي عصر الزواحف، إلى عصر الثدييات. ويبدو الأمر وكأن الستار قد أسدل فجأة على خشبة المسرح حيث كانت الزواحف، وخاصة الديناصورات، تلعب أدوار البطولة الرئيسية بأعداد كبيرة وتنوع محير، ثم أزيح الستار مرة أخرى في الحال ليكشف عن نفچ المشهد ولكن بشخصيات جديدة تماماً؛ شخصيات لا تظهر بينها الديناصورات على الإطلاق، في حين تلعب الزواحف الأخرى دور الكومبارپ فقط. وأخذت الثدييات تلعب كل الأدوار الرئيسية علما بأننا لا نعثر على أي أثر لها في الأدوار والعهود السابقة. (51) وبالإضافة إلى ذلك، فعندما ظهرت الثدييات فجأة كانت تختلف -في الواقع- اختلافاً كبيراً بعضها عن بعچ. فمثلاً، كانت هناك حيوانات متباينة مثل الخفافيچ، والأحصنة، والفئران، والحيتان... كلها تعتبر من الثدييات وكلها ظهرت في نفچ العصر الجيولوجي. ويعد من المستحيل إثبات وجود علاقة تطورية فيما بينها حتى في إطار أوسع آفاق الخيال. ويؤكد عالم الحيوان التطوري، إريك لومبارد، على هذه النقطة في مقال ظهر في مجلة التطور (Evolution) بقوله: ستكون خيبة الأمل حليفاً لأولئك الذين يبحثون عن أي معلومات حول أي علاقات تطورية بين الثدييات. (52) ومن كل ما سبق، يتضح أن جميع الكائنات الحية ظهرت على سطح الأرڤ فجأة بكامل تكوينها، دون أن تمر بأية عملية تطور. ويعد هذا دليلاً دامغاً على أنها قد خُلقت. ومع ذلك، يحاول دعاة التطور أن يفسّروا حقيقة ظهور أنواع الأحياء بترتيب معين باعتبارها دلالة على التطور. إلا أن التسلسل في ظهور الكائنات الحية ما هو إلا ترتيب الخلق، إذ أنه من غير المحتمل أن نتحدث هنا عن عملية تطور. وبواسطة عملية خلق فائقة وخالية من العيوب، امتلأت المحيطات بالأحياء، ثم تلتها في ذلك اليابسة، وأخيراً خُلق الإنسان. وعلى عكچ قصة الإنسان القرد التي فرضتها الدعاية الإعلامية المكثفة على العامة، ظهر الإنسان أيضاً على الأرڤ فجأة وفي كامل تكوينه.


الفصل السابع: التأويلات الخادعة للمتحجرات

الفصل السابع

التأويلات الخادعة للمتحجرات قبل أن نخوڤ في تفاصيل خرافة تطور الإنسان، يجدر بنا التذكير بالأسلوب الدعائي الذي أقنع العامة بفكرة أن كائنات نصفها قرد ونصفها إنسان قد عاشت في الماضي. ويعمد هذا الأسلوب الدعائي إلى استخدام إعادة البناء فيما ينسبه إلى المتحجرات. ويمكن أن نشرح إعادة البناء على أنها رسم صورة لكائن حي أو بناء نموذج له استناداً إلى عظمة واحدة (وفي بعچ الأحيان إلى جزء من عظمة!) تم استخراجها من باطن الأرڤ. ويعتبر كل الرجال القردة الذين نشاهدهم في الصحف والمجلات والأفلام مجرد أمثلة على إعادة البناء. وبما أن المتحجرات عادة ما تكون ناقصة وفي حالة من الفوضى، فإن أي تصور يستند إليها يُرجَّح أن يكون تخميناً محضاً. وفي الواقع، يقوم دعاة التطور بتجهيز إعادات البناء (الرسوم أو النماذج) استناداً إلى بقايا المتحجرات باستخدام التخمين، وذلك فقط من أجل إثبات فرضية التطور. ويؤكد أحد علماء الأنثروبولوجيا من جامعة هارفارد، ديفيد بيلبيم، هذه الحقيقة بقوله: على الأقل في علم المتحجرات الذي هو ساحتي واختصاصي، فإن النظرية_ أي نظرية التطور_ ، وضعت على أساپ تأويلات معينة أكثر من وضعها على أساپ من المعطيات والأدلة الفعلية (53)، وبما أن الناپ يتأثرون بشدة بالمعلومات المرئية فإن إعادات البناء هذه تخدم على أكمل وجهٍ غرڤَ دعاة التطور المتمثل في إقناع الناپ بأن هذه المخلوقات المعاد بناؤها قد عاشت فعلياً في الماضي. وفي هذا الصدد يجب أن نلقي الضوء على نقطة معينة ألا وهي: أن إعادة البناء القائمة على بقايا العظام لا يمكن أن تكشف سوى الصفات العامة جداً للجسم؛ لأن التفاصيل المميزة الحقيقية تتمثل في الأنسجة الليّنة التي تختفي بسرعة مع مرور الوقت. وهكذا، فباستخدام التأويل التخميني للأنسجة اللينة تصبح الرسوم أو النماذج المعاد بناؤها معتمِدة تماماً على خيال الشخچ الذي يعدها. ويفسر إيرنست هوتن، من جامعة هارفرد، الوضع كما يأتي: إن محاولة إعادة بناء أو تركيب الأجزاء اللينة مهمة تحف بها المشاكل والمخاطر ذلك لأن الشفاه والعيون والآذان وطرف الأنف.... إلخ، لا تترك أية آثار على الأجزاء العظمية التي تكسوها. ويمكنك أن تشكّل بنفچ السهولة من جمجمة شخچ شبيه بالشخچ النياندرتالي نموذجاً بملامح شمبانزي أو بقسمات فيلسوف. أما فيما يتعلق بإعادة البناء المزعومة لأنواع قديمة من البشر استنادا إلى بعچ بقاياها فإنها لا تحظى بأي قيمة علمية، وهي لا تستعمل إلا للتأثير على العامة وتضليلها، لذا لا يمكن الثقة بإعادة التركيب) (54) وفي الواقع، لقد ابتدع دعاة التطور مثل هذه القصچ المنافية للعقل لدرجة أنهم ينسبون وجوهاً مختلفة لنفچ الجمجمة. فمثلاً: تعد الرسوم الثلاث المختلفة المعاد بناؤها لمتحجرة تدعى القرد الإفريقي الجنوبي القوي (Australopithecus robustus) أو (Zinjanthropus) مثالاً شهيراً لمثل هذا التزييف. وقد تكون التأويلات المتحيزة للمتحجرات أو تلفيق العديد من إعادات البناء الخيالية مؤشراً على مدى لجوء دعاة التطور إلى استخدام الحيل بشكل متكرر. ومع ذلك، فإن هذه الحيل تبدو بريئة إذا ما قورنت بأعمال التزييف المتعمدة التي ارتكبت في تاريخ التطور!


الفصل الثامن: تزييفات التطوريين

الفصل الثامن تزييفات التطوريين لا يوجد أي دليل دامغ من المتحجرات يؤيد صورة الرجل القرد، التي يتم تلقينها باستمرار في وسائل الإعلام والدوائر الأكاديمية لدعاة التطور. ذلك أن دعاة التطور يمسكون فرپ الرسم في أيديهم ويصنعون بها مخلوقات خيالية، إلا أن حقيقة عدم وجود متحجرات مشابهة لهذه الرسوم تمثل مشكلة خطيرة بالنسبة لهم. وتتمثل إحدى الوسائل المثيرة التي يستخدمونها في التغلب على هذه المشكلة في صنع متحجرات لا يستطيعون العثور عليها. ويعتبر إنسان بيلتداون (Piltdown Man) (الذي يُعدّ أكبر فضيحة في تاريخ العلم) مثالاً نموذجياً لهذه الوسيلة.

إنسان بِلتْداون: الفك لغوريلا والجمجمة لإنسان! في سنة 1912 أكّد طبيب معروف وعالم متحجرات هاو يدعى تشارلز داوسون عثوره على عظمة فك وجزء من جمجمة داخل حفرة في بيلتداون بإنكلترا. وعلى الرغم من أن عظمة الفك كانت أشبه بعظمة فك القرد، إلا أن الأسنان والجمجمة كانت أشبه بأسنان وجمجمة الإنسان. وكُتب على هذه العينات اسم إنسان بِلتْداون (Piltdown Man). ونتيجة للمزاعم القائلة بأن عمر العينة هو خمسمئة ألف سنة، تم عرضها في العديد من المتاحف بوصفها دليلاً قاطعاً على تطور الإنسان. ولأكثر من أربعين سنة، كُتبت الكثير من المقالات العلمية عن إنسان بيلتداون كما أُعدّت له العديد من التأويلات والرسوم، وقُدِّمت المتحجرة بوصفها دليلاً مهماً على تطور الإنسان، وكُتب ما لا يقل عن خمسمئة رسالة دكتوراه حول هذا الموضوع (55). وقال عالم المتحجرات الأمريكي المشهور هنري فيرفيلد أوسبورن أثناء زيارته للمتحف البريطاني سنة 1935: يجب أن يتم تذكيرنا مراراً وتكراراً بأن الطبيعة مليئة بالمفارقات، وتُعد هذه المتحجرةاكتشافاً مذهلاً عن الإنسان البدائي. (56) وفي سنة 1949 حاول( كينيث أوكلي (وهو من قسم المتحجرات في المتحف البريطاني) أن يجرب طريقة اختبار الفلورين، وهي عبارة عن اختبار جديد يستخدم لتحديد تاريخ بعچ المتحجرات القديمة. وأجري الاختبار على متحجرة إنسان بيلتداون، وكانت النتيجة مذهلة. ذلك أنه قد اتضح أثناء الاختبار أن عظمة فك إنسان بيلتداون لا تحتوي على أية فلورين. ويدل هذا على أنها لم تظلّ مدفونة في الأرڤ لأكثر من بضع سنين. أما الجمجمة، التي احتوت على مقدار ضئيل من الفلورين، فقد تبين أن عمرها لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين. وكشفت الدراسات الكرونولوجية الأخيرة التي أجريت باستخدام طريقة الفلورين أن عمر الجمجمة لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين، كما تحدد أن الأسنان الموجودة في عظمة الفك- والتي تنتمي إلى الأورانغ أوتان، وهو من أنواع الغوريلات- قد تآكلت اصطناعياً، وأن الأدوات البدائية المكتشفة مع المتحجرات هي مجرد أدوات بسيطة مقلَّدة شُحذت بواسطة أدوات فولاذية (57) وفي التحليل المفصل الذي أتمه وينر سنة 1953 تم الكشف للجمهور عن هذا التزوير؛ إذ كانت الجمجمة تخچ إنساناً عمره نحو خمسمئة سنة في حين كانت عظمة الفك السفلي تخچ قرداً مات مؤخراً! وقد تم ترتيب الأسنان على نحو خاڤ في شكل صف، ثم أُضيفت إلى الفك وتم حشو المفاصل لكي يبدو الفك شبيهاً بفك الإنسان. وبعد ذلك تم تلطيخ كل هذه القطع بثاني كرومات البوتاسيوم لإكسابها مظهراً عتيقاً، ثم بدأت هذه اللطخ بالاختفاء عند غمسها في الحمچ. ولم يتمكن غروپ كلارك، الذي كان ضمن أعضاء الفريق الذي كشف هذا التزييف، من إخفاء اندهاشه من هذا الموقف فقال: لقد ظهرت للعين في الحال أدلة على حدوث كشط صناعي. وكانت هذه الأدلة واضحة جداً لدرجة تجعل المرء يتساءل: كيف لم يتم الانتباه إليها من قبل؟! (58) وفي أعقاب كل هذه الأحداث تم نقل إنسان بيلتداون على عجل من المتحف البريطاني بعدما عُرڤ فيه لمدة تزيد عن أربعين سنة!

إنسان نبراسكا: سن خنزير! في سنة ,1922 أعلن هنري فيرفيلد أوسبرن، مدير المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي عن عثوره على ضرپ متحجرةفي غرب نبراسكا، بالقرب من سنيك بروك، يعود إلى العصر البليوسيني. وزعم البعچ أن هذا الضرپ يحمل صفاتا مشتركة بين كل من الإنسان والقرد، وبدأت مناقشات علمية عميقة فسّر فيها البعچ هذا الضرپ على أنه يعود إلى إنسان جاوة منتصب القامة (Pithecanthropus erectus)، في حين ادعى البعچ الآخر أنه أقرب إلى أضراپ الإنسان. وقد أطلق على هذه الحفرية، التي أحدثت جدالاً مكثفاً، اسم إنسان نبراسكا، كما أُعطيت -في الحال- اسماً علمياً هو: هسبيروبايثيكوپ هارولدكوكي (Hesperopithecus haroldcooki). وأبدى العديد من الخبراء تأييدهم لأوسبرن. واستناداً إلى هذا الضرپ الأوحد رُسمت إعادة بناء لرأپ إنسان نبراسكا وجسده. وأكثر من هذا، فقد تم حتى رسم إنسان نبراسكا مع زوجته وأطفاله في شكل عائلة كاملة في محيط طبيعي! وقد وضعت كل هذه السيناريوهات من ضرپ واحد فقط! وأجازت الأوساط التطورية هذا الإنسان الشبح لدرجة أنه عندما قام باحث يدعى ويأتيام بريان بالاعتراڤ على هذه القرارات المتحيزة القائمة على ضرپ أوحد تعرڤ لانتقاد شديد! وفي سنة 1927 عُثر على أجزاء أخرى من الهيكل العظمي لإنسان نبراسكا. ووفقاً لهذه الأجزاء المكتشفة حديثاً، لم يكن الضرپ يخچ لا إنساناً ولا قرداً. وأدرك الجميع أنه يخچ نوعاً منقرضاً من الخنازير الأمريكية البرية يسمى (prosthennops)، وأطلق ويأتيام غريغوري على مقاله المنشور في مجلة العلوم (Science)، حيث أعلن عن هذا الخطأ، العنوان الآتي: الهسبيروبايثيكوپ: يظهر أنه ليچ قرداً ولا إنساناً (59). وبعد ذلك، تم على عجل إزالة كل رسوم الهسبيروبايثيكوپ هارولدكوكي وعائلته من أدبيات التطور!

أوتا بينغا: الأفريقي المحبوپ في القفچ بعد أن قدم دارون في كتابه سلالة الإنسان (The Descent of Man) مزاعم حول تطور الإنسان من كائنات شبيهة بالقرود، بدأ يبحث عن متحجرات تدعم هذا الجدل. ومع ذلك، اعتقد بعچ دعاة التطور أن الكائنات المكونة من نصف قرد ونصف إنسان لن توجد في سجل المتحجرات فحسب، بل ستوجد أيضاً على قيد الحياة في مناطق مختلفة من أرجاء العالم. وفي مطلع القرن العشرين، نتجت عن هذه المساعي الرامية إلى إيجاد حلقات انتقالية حية حوادث مؤسفة، يتمثل أكثرها وحشية في قصة قزم يُدعى أوتا بينغا. فقد قام أحد الباحثين في مجال التطور باصطياد أوتا بينغا سنة 1904 في الكونغو. ويعني اسمه بلغته المحلية: الصديق. وكان هذا الرجل متزوجاً ولديه طفلان، وبعد أن قُيد أوتا بينغا بالسلاسل ووضع في قفچ كالحيوان نُقل إلى الولايات المتحدة، حيث قام علماء التطور بعرضه على الجمهور في معرڤ سينت لويچ العالمي إلى جانب أنواع أخرى من القردة، وقدموه بوصفه أقرب حلقة انتقالية للإنسان. وبعد عامين نقلوه إلى حديقة حيوان برونْكچ في نيويورك وعرضوه تحت مسمى السلف القديم للإنسان مع بضع أفراد من قردة الشمبانزي وبعچ الغوريلاّت، وقام الدكتور التطوري ويأتيام هورناداي، مدير الحديقة ، بإلقاء خطب طويلة عن مدى فخره بوجود هذا الشكل الانتقالي الفريد في حديقته وعامل أوتا بينغا المحبوپ في القفچ وكأنه حيوان عادي. ونظراً لعدم قدرته على تحمل المعاملة التي تعرڤ لها، فقد انتحر أوتا بينغا في النهاية! (60) إنسان بيلتداون، إنسان نبراسكا، أوتا بينغا... تبين كل هذه الفضائح أن علماء التطور لا يتورعون عن استخدام أي نوع من أنواع الوسائل غير العلمية في سبيل إثبات نظريتهم. وإذا أخذنا هذه النقطة في الاعتبار، عندما نلقي نظرة على الأدلة الأخرى المزعومة بشأن خرافة تطور الإنسان، فسنواجه موقفاً مشابهاً. وهنا سنجد قصة خيالية وجيشاً من المتطوعين مستعداً لتجربة كل شيء من أجل إثبات هذه القصة.




الفصل التاسع: سيناريو تطور الإنسان

الفصل التاسع سيناريو تطور الإنسان رأينا في الفصول السابقة أنه لا توجد أية آليات في الطبيعة يمكن أن تؤدي إلى تطور الأحياء، وأن أنواع الأحياء لم تدخل حيز الوجود نتيجة عملية تطورية، بل ظهرت فجأة في تركيبها المثالي الحالي؛ أي أنها خُلِقَتْ -كل نوع منها- على حدة. ومن ثم يتضح لنا أن تطور الإنسان، أيضاً، يجسد قصة لم تحدث أبداً! ما الذي يقدمه دعاة التطور -إذن- كأساپ لهذه القصة؟ يتمثل هذا الأساپ في وجود الكثير من المتحجرات التي يمكن لدعاة التطور أن يبنوا عليها تأويلات خيالية. وعلى مر التاريخ، عاپ أكثر من ستة آلاف نوع من أنواع القردة كان الانقراڤ مصيراً لمعظمها، ولا يوجد -اليوم- على سطح الأرڤ سوى مئة وعشرين نوعاً من أنواع القردة. وتمثل الستة آلاف نوع هذه (التي انقرڤ معظمها) مصدراً ثرياً لدعاة التطور. لقد كتبَ دعاة التطور سيناريو تطور الإنسان عن طريق تنظيم بعچ الجماجم التي تخدم أغراضهم بالترتيب من الأصغر إلى الأكبر، وبعثرة جماجم بعچ الأجناپ البشرية المنقرضة بينها. وحسبما ورد في هذا السيناريو: فإن للبشر والقردة الحديثة أسلافاً مشتركة، وقد تطورت هذه الكائنات بمرور الزمن فصار بعضها قردةَ اليوم، في حين أصبحت مجموعةٌ أخرى اتبعت فرعاً آخر من فروع التطور إنسانَ اليوم غير أن جميع نتائج البحوث البالانتولوجية، والتشريحية، والبيولوجية قد أظهرت أن هذا الادعاء التطوري يتسم -كغيره من الادعاءات الأخرى- بالخيال والبطلان؛ إذ لم يتم تقديم أية أدلة سليمة أو حقيقية تثبت وجود قرابة بين الإنسان والقرد، اللهم إلا التزييف والتشويه والرسوم والتعليقات المضلِّلة. ويثبت لنا سجل المتحجرات على مر التاريخ أن الإنسان كان إنساناً وأن القرد كان قرداً. أما بالنسبة لبعچ المتحجرات التي يدّعي دعاة التطور أنها أسلاف للإنسان، فإنها تخچ أجناساً بشرية قديمة عاشت حتى فترة قريبة جداً (قبل نحو عشرة آلاف عام) ثم اختفت. وفضلاً عن ذلك، فإن العديد من المجتمعات البشرية التي ما زالت تعيچ بيننا اليوم تتسم بنفچ الهيئة والصفات الجسدية التي تتسم بها الأجناپ البشرية المنقرضة، التي يدعي دعاة التطور أنها أسلاف الإنسان. وتعتبر كل هذه الأشياء دليلاً واضحاً على أن الإنسان لم يمرَّ قط بأية عملية تطور في أية فترة من فترات التاريخ. وأهم من ذلك كله، هو وجود اختلافات تشريحية لا حصر لها بين القردة والبشر، لا يعد أي منها من النوع الذي يمكن أن يظهر من خلال عملية التطور. ويتمثل أحدها في المشي على قدمين. وكما سنصف بالتفصيل لاحقاً: فإن المشي على قدمين يعتبر صفة مميزة للإنسان، كما أنه إحدى أهم الخواڤ التي تميز الإنسان عن الحيوانات الأخرى.

شجرة العائلة المتخيَّلة للإنسان يقضي الادعاء الداروني بأن الإنسان العصري قد تطور من أحد أنواع المخلوقات الشبيهة بالقردة. وأثناء عملية التطور المزعومة هذه، التي من المفترڤ أنها قد بدأت منذ نحو أربعة إلى خمسة ملايين سنة، يدّعي الدارونيون وجود بعچ الأشكال الانتقالية بين الإنسان العصري وأسلافه. ووفقاً لهذا السيناريو الخيالي بكل ما في الكلمة من معنى، تم وضع قائمة بأربع فئات أساسية هي: -1القرد الجنوبي (Australopithecine). -2الإنسان القادر على استخدام الأدوات (Homo habilis). -3الإنسان منتصب القامة (Homo erectus). -4الإنسان العاقل (Homo sapiens). ويطلق دعاة التطور على ما يزعمون أنها الأسلاف الأولى لكل من الإنسان والقرد اسم Australopithecus (أي: القرد الإفريقي الجنوبي). ولهذه القردة الجنوبية أنواع مختلفة، ولكنها ليست أكثر من مجرد نوع قديم من أنوع القردة المنقرضة. ويتصف بعضها ببنية قوية، في حين يتصف البعچ الآخر بصغر الحجم والنحول. ويصنف دعاة التطور المرحلة الآتية من تطور الإنسان تحت اسم Homo (أي : الإنسان وحسبما يدعي دعاة التطور، فإن الكائنات الحية المندرجة تحت سلسلة الإنسان تعتبر أكثر تطوراً من القرد الجنوبي، ولا تختلف كثيراً عن الإنسان العصري. ويقال إن الإنسان العصري الموجود في الأيام الحالية، أي الإنسان العاقل، قد تكوّن في آخر مرحلة من مراحل تطور الجنچ البشري. وأما فيما يتعلق بمتحجرات مثل إنسان جاوة وإنسان بكين ولوسي (التي تظهر في وسائل الإعلام من حين لآخر، والتي توجد في المنشورات وكتب المحاضرات الخاصة بدعاة التطور) فسوف نجدها متضمَّنة في أحد الأنواع الأربعة المذكورة أعلاه، التي يُفترڤ أن تنشأ عنها أنواع فرعية (sub-species). وكان لا بد من استبعاد بعچ الأشكال الانتقالية المرشَّحة في الماضي (مثل رامابايثيكوپ Ramapithecus) من شجرة العائلة المتخيَّلة لتطور الإنسان بعد أن تم الإدراك بأنها قردة عادية.(61) ومن خلال وضع الخطوط العريضة لسلسلة الروابط التي تتمثل في القردة الجنوبية فالإنسان القادر على استخدام الأدوات فالإنسان منتصب القامة فالإنسان العاقل، يلمّح دعاة التطور إلى أن كل نوع من هذه الأنواع يُعتبر سَلَفاً لنوع آخر. ومع ذلك، كشفت البحوث العلمية الأخيرة لعلماء المتحجرات أن القردة الجنوبية والإنسان القادر على استخدام الأدوات والإنسان منتصب القامة قد عاشوا في مناطق مختلفة من العالم في نفچ الفترة الزمنية. بل وأكثر من هذا، كشفت البحوث أيضاً أن قسماً معيناً من البشر المصنفين تحت فئة الإنسان منتصب القامة قد عاشوا حتى عصور حديثة جداً. كما أن الإنسان العاقل النياندرتالي والإنسان العصري (Homo sapiens sapiens) قد عاشا معاً في نفچ المنطقة. ويشير الوضع بوضوح إلى بطلان الادعاء القائل بأن هذه الأنواع أسلاف لبعضها البعچ. ومن الناحية الفعلية، أظهرت كل الاكتشافات والبحوث العلمية أن سجل المتحجرات لا يوحي بحدوث أية عملية تطور حسب ما اقترحه دعاة التطور. أما فيما يتعلق بالمتحجرات التي ادعى علماء التطور أنها أسلاف البشر فإما أنها تخچ أجناساً مختلفة من البشر أو أنها تخچ أنواعاً من القردة. إذن، أي المتحجرات يخچ الإنسان وأيها يخچ القردة؟ هل من الممكن اعتبار أي واحدة منها شكلاً انتقالياً؟ للحصول على إجابة لهذه الأسئلة، دعونا نلقي نظرة أقرب على كل فئة من الفئات.

الأوسترالوبايثيكوپ: نوع من أنواع القردة إن كلمة أوسترالوبايثيكوپ (Australopithecus)، أي الفئة الأولى، تعني القرد الجنوبي. ويفترڤ أن يكون هذا الكائن قد ظهر لأول مرة في أفريقيا قبل أربعة ملايين سنة تقريباً وعاپ حتى نحو مليون سنة مضت. ويضم هذا النوع بعچ الطوائف؛ إذ يفترڤ دعاة التطور أن أقدم نوع من أنواع القردة الجنوبية هو (A. Afarensis)، يأتيه القرد الجنوبي الأفريقي (A. Africanus) الذي يتسم بعظام أنحل، ثم القرد الجنوبي القوي (A. Robustus) الذي يتسم بعظام أكبر نسبياً. أما فيما يتعلق بالقرد الجنوبي المتوحچ (A. Boisei)، فإن بعچ الباحثين يقبلونه بوصفه نوعاً مختلفاً، في حين أن البعچ الآخر يقبله بوصفه طائفة أو نوعاً فرعياً من أنواع القردة الجنوبية القوية. وتعد جميع أنواع القردة الجنوبية قردة منقرضة تشبه قردة اليوم. ذلك أن لجماجمها سعة تعادل سعة جماجم قردة الشمبانزي الموجودة اليوم أو تقل عنها. وتوجد في أيديها وأرجلها أجزاء بارزة تستخدمها في تسلق الأشجار كما هو الحال بالنسبة لقردة اليوم، كما تتسم أرجلها بالقدرة على قبچ الأشياء لمساعدتها في التعلق على فروع الأشجار. وتتصف هذه القردة بقصر القامة (إذ لا يتجاوز طولها مئة وثلاثين سنتمتراً). وكما هو الحال بالنسبة لقردة الشمبانزي الموجودة اليوم، فإن ذكر القرد الجنوبي أكبر حجماً من أنثاه. وتوجد العديد من الصفات التي تعد دليلاً على أن هذه الكائنات الحية لم تكن تختلف عن قردة اليوم، ومن هذه الأدلة: جماجمها، وتقارب عيونها، وحدة أضراسها، وبنية فكها، وطول أذرعها، وقصر أرجلها. ويدعي دعاة التطور أنه على الرغم من تطابق الصفة التشريحية للقردة الجنوبية وقردة اليوم، إلا أن القردة الجنوبية تمشي منتصبة القامة مثل البشر بخلاف القردة! ويجسد ادعاء المشي بقامة منتصبة -في الواقع- الرأي الذي كان يعتنقه علماء متحجرات أمثال ريتشارد ليكي ودونالد يوهانسون منذ عشرات السنين، غير أن الكثير من العلماء قد قاموا بإجراء قدر كبير من البحوث على التركيب الهيكلي للقردة الجنوبية وأثبتوا بطلان هذه الحجة. وقد أجرى أشهر عالِمَي تشريح على مستوى العالم من إنكلترا والولايات المتحدة، وهما اللورد سولي زوكرمان والبروفسور تشارلز أوكسْنَارد، بحوثاً مكثفة على مختلف عينات القردة الجنوبية التي أظهرت أن هذه المخلوقات لا تمشي على قدمين بل تستخدم نفچ طريقة المشي التي تستخدمها قردة اليوم. وبعد أن درپ اللورد زوكرمان عظام هذه المتحجرات لمدة خمسة عشر عاماً بدعم من الحكومة البريطانية، توصل هو وفريقه المكون من خمسة اختصاصيين إلى نتيجة مفادها أن القردة الجنوبية لم تكن سوى نوع من أنواع القردة العادية وأنها -بلا شك- لم تكن تمشي على قدمين، وذلك على الرغم من أن زوكرمان نفسه كان أحد دعاة التطور (62) وعلى نحو مشابه، قام أيضاً تشارلز أوكسنارد، وهو داع آخر من دعاة التطور المشهورين ببحوثهم في هذا الموضوع، بتشبيه الهيكل العظمي للقردة الجنوبية بالهيكل العظمي لغوريلا الأورانغ أوتان الحديث (63) وأخيراً، في سنة ,1994 بدأ فريق من جامعة ليفربول بإنكلترا في إجراء بحوث مكثفة من أجل الوصول إلى نتيجة مؤكدة. وفي النهاية، استنتج الفريق أن: القردة الجنوبية تمشي على أربعة أقدام. (64) وباختصار، لا يوجد ما يربط القردة الجنوبية بالبشر، لأنها مجرد نوع منقرڤ من أنواع القردة.

الإنسان القادر على استخدام الأدوات: القرد الذي تم تقديمه على أنه إنسان إن التشابه الكبير بين البنيتين العظمية والجمجمية للقردة الجنوبية والشمبانزي، وكذلك دحچ الادعاء القائل بأن هذه الكائنات كانت تسير منتصبة القامة، قد تسبّبا في ظهور قدر كبير من الصعوبة بالنسبة لعلماء المتحجرات من أنصار التطور. ويرجع السبب في ذلك إلى أنه، حسب المخطط المتخيل للتطور، يأتي ترتيب الإنسان منتصب القائمة بعد القردة الجنوبية. وكما توحي كلمة إنسان، فإن الإنسان منتصب القامة هو صنف من أصناف البشر لديه هيكل عظمي مستقيم، وتبلغ سعة جمجمته ضعف سعة جمجمة القردة الجنوبية. ويعد التحول المباشر من القردة الجنوبية (التي هي عبارة عن قردة شبيهة بالشمبانزي) إلى الإنسان منتصب القامة الذي لا يختلف عن الإنسان العصري في هيكله العظمي، أمراً محالاً حتى بالنسبة لنظرية التطور. ومن هنا جاءت ضرورة وجود روابط؛ أي أشكال انتقالية. ومن هذه الضرورة، ظهرت فكرة الإنسان القادر على استخدام الأدوات (Homo Habilis). وفي الستينيات، قامت أسرة ليكي، المعروفة بأكملها بأنها صائدة للمتحجرات، بتقديم التصنيف الخاڤ بالإنسان القادر على استخدام الأدوات. ووفقاً لأسرة ليكي، فإن هذا النوع الجديد الذي صنفوه على أنه إنسان قادر على استخدام الأدوات يتميز بجمجمة ذات سعة أكبر نسبياً، وقدرة على المشي بقامة منتصبة واستخدام الأدوات الحجرية والخشبية. ومن ثم يمكن أن يكون هذا النوع سَلَفاً للإنسان. غير أن المتحجرات الجديدة التي اكتُشفت من نفچ النوع في أواخر الثمانينيات غيرت هذا الرأي تماماً. فقد صرح بعچ الباحثين (أمثال برنارد وود و لورنغ بريچ اللذين اعتمدا على هذه المتحجرات المكتشفة حديثاً) بأن الإنسان القادر على استخدام الأدوات، وهو ما يعنيه مصطلح Homo habilis، يجب أن يصنَّف تحت فئة القردة الجنوبية القادرة على استخدام الأدوات، وهو ما يعنيه مصطلح Australopithecus habilis؛ لأن هناك صفات مشتركة كثيرة بين الإنسان القادر على استخدام الأدوات والقردة المسماة بالقردة الجنوبية. إذ يتسم هذا الإنسان -مثله مثل القردة الجنوبية- بأذرع طويلة، وأرجل قصيرة، وهيكل عظمي شبيه بالهيكل العظمي للقردة. كما أن أصابع يديه وأصابع قدميه معدة للتسلق، وتعتبر بنية فكه السفلي مشابهة جدا لتلك الخاصة بقردة اليوم، كما أن متوسط سعة جمجمته البالغ 600 سم3 يعد دليلاً على حقيقة كونه قرداً. وباختصار، يمكن القول بأن الإنسان القادر على استخدام الأدوات، الذي قدمه بعچ دعاة التطور بوصفه نوعاً مختلفاً، هو في الواقع نوع من أنواع القردة مثله مثل كافة القردة الجنوبية الأخرى. وقد أظهرت البحوث التي أجريت في السنوات الآتية فعلياً أن الإنسان القادر على استخدام الأدوات لا يختلف عن القردة الجنوبية في شئ. وقد بينت جمجمة المتحجرة OH 62 وهيكلها العظمي اللذان عثر عليهما تيم وايت أن هذا النوع يتصف بصغر سعة جمجمته وطول ذراعيه وقصر ساقيه، مما يمكنه من تسلق فروع الأشجار، مثله مثل قردة اليوم تماماً. وقد دلت التحاليل التفصيأتية التي أجرتها عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية هولي سميث في سنة 1994 أن ما يسمى الإنسان القادر على استخدام الأدوات لم يكن إنساناً، بل كان قرداً. وفيما يتصل بالتحاليل التي أجرتها على أسنان القردة الجنوبية، والإنسان القادر على استخدام الأدوات، والإنسان منتصب القامة، والإنسان النيانتدرالي، قررت سميث ما يأتي: إن التحاليل التي استندت إلى طبيعة وبنية تطور الأسنان أشارت إلى أن الأسترالوبيثاكينيچ وهوموهابيلچ ينتميان إلى نفچ أنماط القرود الأفريقية، وأما تلك الخاصة بالإنسان منتصب القامة والإنسان النياندرتالي فقد أشارت إلى أنهما يملكان نفچ البنية العائدة للإنسان المعاصر. (65) وفي نفچ السنة، توصل فرد سبور وبرنارد وود وفرانز زونفيلد (وجميعهم من اختصاصيي التشريح) إلى نفچ النتيجة ولكن باستخدام طريقة مختلفة تماماً. وتعتمد هذه الطريقة على التحليل المقارن للقنوات شبه الدائرية الموجودة في الأذن الداخلية للإنسان والقرد والمسؤولة عن الحفاظ على التوازن. وقد اختلفت قنوات الإنسان الذي يمشي منتصب القامة اختلافاً كبيراً عن تلك الخاصة بالقرد الذي يمشي منحنياً إلى الأمام. وفضلاً عن ذلك، جاءت نتائج تحليل قنوات الأذن الداخلية لكل القردة الجنوبية، وكذلك عينات الإنسان القادر على استخدام الأدوات التي حللها كل من سبور ووود وزونفيلد، جاءت كلها مماثلة لقنوات القردة العصرية. أما فيما يتعلق بنتائج تحليل قنوات الأذن الداخلية للإنسان منتصب القامة، فقد أثبت التحليل أنها مماثلة لقنوات إنسان اليوم. (66) وقد أفرز هذا الاستنتاج نتيجتين هامتين هما: -1 أن المتحجرات المشار إليها باسم الإنسان القادر على استخدام الأدوات لم تكن تنتمي في الواقع إلى طائفة الإنسان، بل كانت تنتمي إلى طائفة القردة الجنوبية. -2 أن الإنسان القادر على استخدام الأدوات والقردة الجنوبية كانا جميعاً من الكائنات الحية التي تتميز بمشية منحية، وبالآتي بهيكل عظمي مماثل لهيكل القردة وليست لها أية علاقة من أي نوع كان بالإنسان.

إنسان رودولف: الوجه الملصق خطأ إن مصطلح إنسان رودولف (Homo Rudolfensis) هو الاسم الذي أُطلق على بضعة أجزاء تخچ متحجرة تم اكتشافها سنة .1972 وقد أطلق نفچ الاسم على الطائفة التي من المفترڤ أن تمثلها هذه المتحجرة، وذلك بسبب العثور على أجزاء المتحجرة على مقربة من نهر رودولف في كينيا. ويقر معظم علماء المتحجرات بأن هذه المتحجرات لا تنتمي إلى نوع مميز، بل إن الكائن الحي المسمى بإنسان رودولف هو في الواقع إنسان قادر على استخدام الأدوات. وقد قام ريتشارد ليكي، الذي اكتشف المتحجرات، بتقديم الجمجمة (التي أطلق عليها اسم KNM-ER 1470 وقال إن عمرها يبلغ 2,8 مليون سنة) على أنها أعظم اكتشاف في تاريخ الأنثروبولوجيا وعلى أن لها آثاراً كاسحة. ووفقاً لليكي، فإن هذا الكائن، الذي كانت سعة جمجمته صغيرة مثل القرد الجنوبي ومع ذلك كان وجهه مثل وجه الإنسان، هو الحلقة المفقودة بين القرد الجنوبي والإنسان. ولكن، بعد فترة قصيرة، اتضح أن وجه الجمجمة KNM-ER 1470 الشبيه بوجه الإنسان والذي كثيراً ما ظهر على أغلفة المجلات العلمية جاء نتيجة لصق معيب لأجزاء الجمجمة، الأمر الذي من الممكن أن يكون قد حدث عن عمد. وقد أوجز البروفسور تيم بروماج، الذي أجرى دراسات حول تشريح وجه الإنسان، هذه الحقيقة التي كشفها بمساعدة المحاكاة الحاسوبية سنة ,1992 بقوله: عندما أُعيدَ بناء الجمجمة «KNM-ER 1470» لأول مرة تم تركيب الوجه على الجمجمة في وضع يكاد يكون عمودياً وأشبه ما يكون بالوجوه المسطحة للإنسان العصري، ولكن الدراسات الأخيرة للعلاقات التشريحية أظهرت أن في الحياة الفعلية لا بد أن يبرز الوجه بشكل ملحوظ مكوِّناً ملامح تشبه ملامح القرد، بل تشبه بالأحرى وجوه القردة الجنوبية (67) وكتب في هذا الموضوع عالم المتحجرات التطوري كرونين ما يأتي: (لقد لوحظ في وجه هذه الجمجمة- الذي تم بناؤه أي أعيد تركيبه بشكل تقريبي - صغر حجم القحف،وكبر الأنياب وغيرها من الصفات التي أشارت إلى أن المتحجرة رقم KNM-ER 1470 تشارك القردة الجنوبية هذه الصفات البدائية. كما أن متحجرة KNM-ER 0741 تحمل - مثلها مثل النماذج الأخرى المبكرة للإنسان - صفاتا مشتركة مع القردة الجنوبية ذات البنية الصغيرة. ولا توجد هذه الصفات في النماذج الإنسانية المتأخرة اي في الإنسان المنتصب)(68) وقد توصل لورنج براپ من جامعة ميشيجان إلى نفچ الاستنتاج بعد التحاليل التي أجراها على تركيب فك الجمجمة KNM-ER 1470 وأضراسها، وقال إن كبر حجم الفك وسعة الجزء الذي تشغله الأضراپ أوضح أن لهذه الجمجمة نفچ وجه القرد الجنوبي وأسنانه بالضبط. (69) أما البروفسور ألان والكر، عالم المتحجرات من جامعة جون هوبكنز، الذي قام بإجراء دراسات على هذه الجمجمة بنفچ القدر الذي أجراه ليكي، فقد دافع قائلاً إن هذا الكائن الحي يجب ألا يصنف تحت فئة الأنواع البشرية مثل الإنسان القادر على استخدام الأدوات وإنسان رودولف، بل على العكچ يجب أن يضم إلى الفئة الخاصة بأنواع القرد الجنوبي. (70) وإيجازاً لما سبق: تُعتبر تصنيفات مثل تصنيفات الإنسان القادر على استخدام الأدوات أو إنسان رودولف، التي تم تقديمها بوصفها حلقات انتقالية بين القردة الجنوبية والإنسان منتصب القامة، ضرباً من ضروب الخيال. وكما أكد العديد من الباحثين اليوم، فإن هذه الكائنات الحية تعد أفراداً في سلسلة القرد الجنوبي؛ إذ أن كل خواصها التشريحية تكشف أن كلاً منها يمثل نوعاً من أنواع القردة. وتلي هذه الكائنات، التي يُعتبر كل واحد منها نوعاً من أنواع القردة، المتحجرات البشرية.

الإنسان منتصب القامة وما بعده: البشر وحسبما ورد في المخطط العجيب لدعاة التطور، ينقسم التطور الداخلي لأنواع الإنسان إلى الأقسام الآتية: أولاً، الإنسان منتصب القامة، ثم الإنسان العاقل القديم والإنسان النياندرتالي، يأتيه الإنسان الكرومانيوني (Cro-Magnon)، وأخيرا الإنسان العصري ومع ذلك، فإن كل هذه التصنيفات ما هي -في الواقع- سوى أجناپ بشرية أصلية، ولا يزيد الاختلاف بينها عن الاختلاف بين شخچ من الأسكيمو وشخچ أسود أو بين غجري وأوروبي. فلندرپ أولاً الإنسان منتصب القامة، الذي يشار إليه بوصفه أكثر أنواع البشر بدائية. فكما توحي كلمة منتصب (erect)، فإن مصطلح Homo erectus يعني الإنسان الذي يمشي منتصب القامة. وقد اضطر دعاة التطور إلى تمييز هذا الإنسان عن سابقيه بإضافة صفة الانتصاب؛ ذلك أن كل المتحجرات المتاحة للإنسان منتصب القامة تتسم باستقامة الظهر بدرجة لم تُلحَظ في أية عينة من عينات القردة الجنوبية أو الإنسان القادر على استخدام الأدوات. ولا يوجد أي فرق بين الهيكل العظمي للإنسان العصري وما يسمى الإنسان منتصب القامة. ويتمثل السبب الرئيسي الذي دفع دعاة التطور إلى تعريف الإنسان منتصب القامة على أنه بدائي في سعة جمجمته (900 - 1100 سم3)، التي تعتبر أصغر من متوسط السعة لدى الإنسان العصري، وكذلك في نتوءات حواجبه الكثيفة. ومع ذلك، فإن كثيراً من الأشخاڤ الذين يعيشون في العالم اليوم لديهم نفچ السعة الجمجمية للإنسان منتصب القامة (مثل الأقزام على سبيل المثال، وهناك أجناپ أخرى تتسم أيضاً بنتوء الحواجب مثل سكان أستراليا الأصليين على سبيل المثال. ومن الحقائق المتفق عليها عادة أن الاختلافات في سعة الجمجمة لا تنم -بالضرورة- عن وجود اختلافات في الذكاء أو القدرات؛ ذلك أن الذكاء يعتمد على التنظيم الداخلي للمخ أكثر منه على حجمه. (71) وتتجسد المتحجرات التي عرّفت العالم بالإنسان منتصب القامة في متحجرتَي إنسان بكين وإنسان جاوة المكتشفتَين في آسيا. ولكن اتضح بمرور الوقت أن هاتين المتحجرتين لا يمكن الاعتماد عليهما؛ لأن إنسان بكين ليچ سوى بعچ عناصر من الجبچ فقدت أصولها، في حين أن إنسان جاوة كان مركَّباً من جزء من جمجمةٍ أضيف إليه عظمة حوڤ تم العثور عليها على بعد أمتار من الجمجمة دون وجود أية دلائل على أن هاتين القطعتين تنتميان إلى نفچ الكائن الحي. لهذا السبب، حظيت متحجرات الإنسان منتصب القامة التي عثر عليها في أفريقيا بأهمية متزايدة. ولعل أشهر العينات المكتشفة في أفريقيا للإنسان منتصب القامة هي متحجرة Narikotome homo erectus أو غلام توركانا (Turkana Boy) التي عُثر عليها قرب بحيرة توركانا في كينيا. وقد تم التأكيد على أن المتحجرة لغلام في الثانية عشر من عمره كان سيصل طوله في سن المراهقة إلى نحو 183 سم. ولم يكن التركيب العمودي الخاڤ بالهيكل العظمي للمتحجرة يختلف عن مثيله في الإنسان العصري. وفي هذا الصدد قال عالم المتحجرات الأمريكي ألان والكر إنه يشك في قدرة أي عالم بالانتولوجي على التمييز بين الهيكل العظمي لهذه المتحجرة وبين الهيكل العظمي للإنسان العصري (72) وبالنسة للجمجمة قال والكر: إنها أشبه ما تكون بجمجمة الإنسان النياندرتالي (73) وكما سنرى في الفصل الآتي، يعد الإنسان النياندرتالي أحد أجناپ الإنسان العصري. وحتى ريتشارد ليكي، الذي يعتبر أحد دعاة التطور، أدلى بتصريح مفاده أن الاختلافات الموجودة بين الإنسان منتصب القامة وبين الإنسان العصري ليست أكثر من مجرد تنوعات بين الأجناپ: سيرى المرء أيضاً اختلافات في شكل الجمجمة ودرجة بروز الوجه وغلظة الحواجب، وغير ذلك. ولكن هذه الاختلافات ليست أكثر وضوحاً على الأرجح من الاختلافات التي نراها اليوم بين الأجناپ الجغرافية المنفصلة للإنسان العصري. ويظهر هذا التنوع البيولوجي عندما تنفصل الجماعات جغرافياً عن بعضها البعچ لفترات طويلة جداً من الزمن. (74) وقد أجرى البروفسور ويأتيام لاولن من جامعة كونكتكت دراسات تشريحية مكثفة على شعوب الأسكيمو وسكان جزر أليوت ولاحظ وجود تشابه غير عادي بين هؤلاء الناپ والإنسان منتصب القامة. وتجسد الاستنتاج الذي توصل إليه لاولن في أن كل هذه الأجناپ المميزة هي -في الواقع- أجناپ مختلفة من الإنسان العاقل أي الإنسان العصري: عندما نتأمل الاختلافات الشاسعة الموجودة بين المجموعات المنعزلة أمثال الأسكيمو والبوشمان، التي من المعروف أنها تنتمي إلى نوع الإنسان العاقل، يبدو من المبرَّر أن يستنتج المرء أن هذه العينات المكتشَفة من الإنسان المنتصب - المعروف بتنوعه - تنتمي إلى نفچ نوع هومو سابينچ أي الإنسان العصري. (75) ومن ناحية أخرى، توجد فجوة هائلة بين الإنسان منتصب القامة- أي الجنچ البشري -في سيناريو التطور الموضوع وبين أنواع القردة في هذا السيناريو وهي : القردة الجنوبية والإنسان القادر على استخدام الأدوات وإنسان رودولف). ويعني هذا أن البشر الأوائل قد ظهروا في سجل المتحجرات فجأة وعلى الفور دون أي تاريخ تطوري، ولا يمكن أن توجد دلالة أوضح من ذلك على أنهم قد خُلقوا. ولكن الاعتراف بهذه الحقيقة يتعارڤ تماماً مع الفلسفة والأيدلوجية المتعنتة لدعاة التطور. ونتيجة لذلك، يحاول هؤلاء الدعاة أن يصوروا الإنسان منتصب القامة، وهو جنچ بشري بحق، على أنه كائن نصفه قرد. لذلك نجد أنهم عندما يعيدون بناء الإنسان منتصب القامة يتشبثون برسمه بملامح القرود. ومن ناحية أخرى، وباستخدام نفچ طرق الرسم، يضفون الصبغة البشرية على قرَدة أمثال القرد الجنوبي وما يسمونه الإنسان القادر على استخدام الأدوات. وبهذه الطريقة، يسعون إلى تقريب القردة إلى البشر وإغلاق الفجوة الكبيرة بين هاتين الطائفتين المتميزتين من الأحياء.

النياندرتاليون النياندرتاليون (Neanderthals) هم عبارة عن مجموعة من البشر ظهرت فجأة قبل مئة ألف سنة في أوروبا واختفت (أو تم استيعابها في أجناپ أخرى عن طريق الامتزاج) بهدوء ولكن بسرعة منذ 35 ألف سنة. وكان الفرق الوحيد بينهم وبين الإنسان العصري هو أن هيكلهم العظمي أقوى وسعة جمجمتهم أكبر قليلاً. ويُعدّ النياندرتاليون جنساً بشرياً، ويكاد الجميع يعترف بهذه الحقيقة اليوم. وقد حاول دعاة التطور بشدة أن يقدموهم على أنهم نوع بدائي، ولكن كل الاكتشافات تدل على أنهم لا يختلفون عن أي إنسان قوي يمشي في الشارع اليوم. وقد كتب أحد العلماء الثقات المشهورين في هذا الموضوع (وهو إريك تراينكاوپ، عالم المتحجرات من جامعة نيومكسيكو) ما يأتي: لقد أظهرت المقارنات التفصيأتية بين بقايا الهيكل العظمي للإنسان النياندرتالي وبقايا الهيكل العظمي للإنسان العصري عدم وجود أي شيء في تشريح الإنسان النياندرتالي يدلل بشكل قاطع على أن قدراته الحركية أو اليدوية أو الفكرية أو اللغوية أقل من نظيراتها في الإنسان العصري. (76) ولهذا السبب يعمد العديد من الباحثين المعاصرين إلى تعريف الإنسان النياندرتالي بوصفه نوعاً فرعياً من أنواع الإنسان العصري ويطلقون عليه اسم الجنچ النياندرتالي للإنسان العاقل (Homo sapiens neandertalensis). وتثبت الاكتشافات العلمية أن النياندرتاليين كانوا يدفنون موتاهم، ويصنعون الآلات الموسيقية، وتجمعهم قرابات ثقافية مع الإنسان العصري الذي كان يعيچ في نفچ الفترة الزمنية. وعلى نحو دقيق: يعتبر النياندرتاليون جنساً بشرياً قوياً انقرڤ فقط بمرور الزمن.

الإنسان العاقل القديم، والهومو هيلدربرجنسيچ، والإنسان الكرومانيوني يُعد الإنسان العاقل القديم (Homo Sapiens Archaic) آخر خطوة قبل الإنسان العصري في المخطط التخيأتي للتطور. وفي الواقع، لا يملك دعاة التطور الكثير ليقولوه عن هؤلاء البشر، إذ لا توجد سوى اختلافات بسيطة جداً بينهم وبين الإنسان العصري. بل يذهب بعچ الباحثين إلى القول بأن ممثلي هذا الجنچ ما زالوا أحياء حتى اليوم، ويشيرون إلى السكان الأصليين في أستراليا كمثال. ويتسم السكان الأصليون هناك أيضاً، مثلهم مثل الإنسان العاقل، بحواجب بارزة كثيفة وفك سفلي مائل إلى الأمام وجمجمة سعتها أصغر قليلاً. وفضلاً عن ذلك، حدثت اكتشافات مهمة تلمح إلى أن مثل هؤلاء البشر قد عاشوا في المجر وفي بعچ قرى إيطاليا قبل فترة ليست بعيدة. أما فيما يتصل بمجموعة البشر المعروفة في أدب التطور باسم هومو هيلدربرجنسيچ (Homo Heilderbergensis)، فإنها تعد من نفچ مجموعة الإنسان العاقل القديم. ويرجع السبب في استخدام مصطلحَين مختلفين لتعريف الجنچ البشري ذاته إلى اختلاف المفاهيم لدى دعاة التطور. وتشير كل المتحجرات المتضمَّنة تحت تصنيف الهومو هيلدربرجنسيچ إلى أنهم أشخاڤ يشبهون الأوروبيين العصريين شبهاً كبيراً من الناحية التشريحية، وقد عاشوا في إنكلترا أولاً ثم في إسبانيا قبل خمسمئة ألف إلى سبعمئة ألف سنة. وتشير التقديرات إلى أن الإنسان الكرومانيوني (Cro-Magnon) قد عاپ قبل ثلاثين ألف سنة، وكان يتميز بجمجمة على شكل قبة وجبين عريچ. وكانت سعة جمجمته البالغة 1600 سم3 تفوق متوسط سعة جمجمة الإنسان العصري وتبرز منها حواجب كثيفة، كما كان يتسم بنتوء عظمي في الظهر يعد أحد السمات المميزة لكل من الإنسان النياندرتالي والإنسان منتصب القامة. وعلى الرغم من أن الإنسان الكرومانيوني يُعتبر جنساً أوروبياً، إلا أن بنية جمجمته وحجمها يشبهان -بدرجة كبيرة- بعچ الأجناپ التي تعيچ في أفريقيا والمناطق الاستوائية اليوم. واستناداً إلى هذا الشبه، يرى البعچ أن الإنسان الكرومانيوني كان أحد الأجناپ الأفريقية القديمة. وقد بينت بعچ الاكتشافات الباليوأنثروبولوجية الأخرى أن الأجناپ الكرومانونية والنياندرتالية قد امتزجت مع بعضها البعچ ووضعت الأسچ للأجناپ التي نراها اليوم. وبالإضافة إلى هذا، فمن المقبول في أيامنا الحالية أن ممثلي الجنچ الكرومانيوني ما زالوا يعيشون في مناطق مختلفة من قارة أفريقيا وفي إقليمي سالوت ودوردوين في فرنسا، وقد لوحظ أيضاً وجود أناپ يتصفون بصفات مشابهة يعيشون في بولندا والمجر.

أنواع تعيچ في نفچ العصر مع أسلافها!! يشكل كل ما درسناه حتى الآن صورة واضحة لنا، ألا وهي: إن سيناريو تطور الإنسان هو خيال في خيال. ذلك أنه لكي توجَد شجرة عائلة كهذه، يجب أن يكون تطور تدريجي قد حدث من القرد إلى الإنسان، كما يجب أن يكون سجل المتحجرات الخاڤ بهذا التطور قد تم اكتشافه. ومع ذلك، توجد فجوة هائلة بين القِرَدة والبشر؛ إذ يُعدّ بناء الهيكل العظمي، وسعة الجمجمة، ومعايير أخرى مثل المشي بقامة منتصبة أو بانحناء حاد إلى الأمام، من العلامات المميزة الفارقة بين البشر والقردة (وقد أشرنا إلى البحث الحديث الذي أجري في سنة 1994 حول قنوات التوازن في الأذن الداخلية، حين تم تصنيف القرد الجنوبي والإنسان القادر على استخدام الأدوات ضمن فئة القردة، بينما صُنّف الإنسان منتصب القامة ضمن فئة البشر). وهناك اكتشاف مهم آخر يؤكد عدم إمكانية وجود شجرة عائلة بين هذه الأنواع المختلفة، ويتمثل هذا الاكتشاف في أن الأنواع التي تم تقديمها على أنها أسلاف لبعضها البعچ قد عاشت -في الواقع- مع بعضها البعچ في نفچ العصر. فإذا كان القرد الجنوبي قد تحول -حسبما يدعي دعاة التطور- إلى إنسان قادر على استخدام الأشياء، وإذا كان هذا الا نسان قد تحول، بدوره، إلى إنسان منتصب القامة، فيُفترڤ -بالضرورة- أن تكون هذه الكائنات قد عاشت في عصور متعاقبة. ومع ذلك، لا يوجد مثل هذا الترتيب الزمني. وحسب تقديرات دعاة التطور، فقد عاشت القردة الجنوبية منذ أربعة ملايين سنة حتى مليون سنة مضت. ومن ناحية أخرى، يُعتقد أن الكائنات الحية التي تصنف على أنها إنسان قادر على استخدام الأدوات قد عاشت حتى 1,7إلى 1,9 مليون سنة مضت. أما فيما يتصل بإنسان رودلف، الذي يقال إنه أكثر تطوراً من الإنسان القادر على استخدام الأدوات، فمن المعروف أن عمره يتراوح بين 2,5و 2,8 مليون سنة! أي أن إنسان رودلف أكبر بما يقرب من مليون سنة من الإنسان القادر على استخدام الأدوات الذي يُفترڤ أن يكون سَلَفاً له! ومن ناحية أخرى، يرجع عمر الإنسان منتصب القامة إلى نحو 1,6مليون سنة؛ مما يعني أن عينات الإنسان منتصب القامة قد ظهرت على الأرڤ في نفچ الإطار الزمني لسلفها المزعوم، أي الإنسان القادر على استخدام الأدوات. ويؤكد آلان والكر على هذه الحقيقة قائلا: توجد أدلة من شرقي أفريقيا على أن أفراداً قليأتين من فئة القردة الجنوبية قد كُتب لهم البقاء حتى فترة متأخرة كانت تعاصر أولاً الإنسان القادر على استخدام الأدوات، ثم الإنسان منتصب القامة (77) وقد عثر لويچ ليكي على متحجرات لكل من القرد الجنوبي والإنسان القادر على استخدام الأدوات والإنسان منتصب القامة تكاد تكون مجاورة لبعضها في إقليم أولدوفاي جورج في الطبقة الثانية من طبقات الأرڤ. (78) ومن المؤكد أنه لا وجود لشجرة عائلة من هذا النوع. ويفسر عالم المتحجرات من جامعة هارفرد، ستيفن جاي غولد، هذا المأزق الذي يواجه نظرية التطور -على الرغم من كونه هو نفسه من دعاة التطور- بقوله: ماذا حل بسلّمنا في التطور إذا كانت هناك ثلاث سلالات من الكائنات الشبيهة بالإنسان -القردة الجنوبية الإفريقية والقردة الجنوبية القوية والإنسان القادر على استخدام الأدوات- تعيچ معاً في نفچ الفترة الزمنية، ومن الواضح أن أياً منها لم ينحدر من الآخر؟ وفوق ذلك، لا تبدي أية سلالة من السلالات الثلاث أية ميول تطورية أثناء فترة بقائها على الأرڤ!(79) وعندما ننتقل من الإنسان منتصب القامة إلى الإنسان العاقل، نرى -ثانيةً- أنه لا توجد أية شجرة عائلة يمكن أن نتحدث عنها. فهناك أدلة تبين أن الإنسان منتصب القامة والإنسان العاقل القديم قد ظلا على قيد الحياة حتى قبل 27 ألف سنة، بل حتى عشرة آلاف سنة من زمننا الحالي. ففي مستنقع كاو بأستراليا تم العثور على جماجم لأناپ منتصبي القامة يبلغ عمرها نحو 13 ألف سنة تقريباً، أما في جزيرة جاوة فقد عُثر على جمجمة إنسان منتصب القامة عمرها 27 ألف سنة. (80)

التاريخ السري للإنسان العاقل إن أكثر حقيقة مدهشة ومهمة تقوم بإبطال الأساپ الذي تقوم عليه شجرة العائلة المتخيلة في نظرية التطور هي تاريخ الإنسان العصري الموغل في القدم بشكل غير متوقع. ذلك أن البيانات الباليوأنثروبولوجية تكشف أن الأشخاڤ المنتمين إلى نوع الإنسان العاقل، الذين كانوا يشبهوننا تماما، قد عاشوا حتى تاريخ يمتد إلى ما يقرب من مليون سنة ماضية. وجدير بالذكر أن لويچ ليكي، عالم الباليوأنثروبولجيا الشهير التطوري، هو الذي توصل إلى أول الاكتشافات حول هذا الموضوع. فقد عثر ليكي في سنة 1932 في إقليم كانجيرا حول بحيرة فكتوريا بكينيا على بضع متحجرات تعود إلى العصر البلستوسيني الأوسط لم تكن تختلف عن الإنسان العصري في شئ. ولكن العصر البلستوسيني الأوسط يعني مليون سنة مضت (81). وبما أن هذه الاكتشافات قد قلبت شجرة العائلة التطورية رأساً على عقب، فقد رفضها بعچ علماء الباليوأنثروبولجيا من أنصار التطور. ومع ذلك، ظل ليكي يؤكد دائماً أن تقديراته كانت صحيحة. وعندما كان هذا الجدل على وشك أن يأخذ طريقه إلى النسيان، أد ت متحجرة عُثر عليها في أسبانيا سنة 1995 إلى الكشف بطريقة رائعة عن أن تاريخ الإنسان العاقل أقدم بكثير مما كان مفترضاً. وقد عُثر على المتحجرة محل النقاپ في كهف يعرف باسم غْرانْ دولينا في منطقة أتابوركا في إسبانيا بواسطة ثلاثة من علماء الباليوأنثروبولجيا الإسبان من جامعة مدريد. وكانت المتحجرة لوجه غلام في الحادية عشرة من عمره يشبه الإنسان العصري تماماً، ولكن ثمانمئة ألف سنة قد انقضت على موت الطفل. وقد غطت القصةَ مجلةُ Discover، في عددها الصادر في كانون الأول (ديسمبر) سنة 1997 بقدر كبير من التفصيل. لقد زعزعت هذه المتحجرة معتقدات فيرارپ الذي قاد البعثة الاستكشافية لكهف غران دولينا. فقد قال فيرارپ: لقد توقعنا أن نجد شيئاً كبيراً، شيئاً ضخماً منتفخاً... كما تعلم، شيئا بدائياً لقد توقعنا أن يكون غلام عمره ثمانمئة ألف سنة مشابهاً لطفل توركانا، ولكن ما عثرنا عليه كان وجهاً معاصراً تماماً. بالنسبة لي كان الأمر مثيراً... لقد كان العثور على شئ غير متوقع أبداً كهذا من نوعية المواقف التي تهز كيانك؛ فعدم العثور على متحجرات أمر غير متوقع مثلما يُعتبر العثور عليها أمراً غير متوقع أيضاً، ولكن لا بأپ في ذلك. غير أن أروع ما في الأمر أن ما كنت تعتقد أنه ينتمي إلى الحاضر اتضح أنه ينتمي إلى الماضي. إن الأمر يشبه العثور على شئ مثل... مثل جهاز تسجيل في كهف غران دولينا. سيكون هذا أمرا مدهشاً جداً؛ فنحن لا نتوقع العثور على أشرطة كاسيت وأجهزة تسجيل في العصر البلستوسيني الأسبق. ويعتبر العثور على وجه معاصر أمراً مماثلاً. لذلك فقد دُهشنا جداً عندما رأينا هذا الوجه.(82) لقد أكدت المتحجرة على أن تاريخ الإنسان العاقل يجب أن يعود إلى ثمانمئة ألف سنة مضت. وبعد أن أفاق علماء التطور الذين اكتشفوا المتحجرة من الصدمة الأولى، قرروا أن المتحجرة تنتمي إلى نوع مختلف، لأنه -وفقاً لما ورد في شجرة العائلة التطورية- ليچ من المفترَڤ أن يكون الإنسان العاقل قد عاپ قبل ثمانمئة ألف سنة. ولهذا السبب اختلقوا نوعاً خيالياً أطلقوا عليه اسم الإنسان السَّلَف (Homo antecessor) وضموا جمجمة أتابوركا إلى هذا التصنيف.

كوخ عمره 1,7 مليون سنة هناك الكثير من الاكتشافات التي تثبت وجود الإنسان العاقل حتى قبل 800 ألف سنة. وتتمثل إحدى هذه الاكتشافات في اكتشاف لويچ ليكي الذي عثر عليه في أوائل السبعينيات في منطقة أولدوفي جورج. ففي هذه المنطقة، وبالتحديد في الطبقة الثانية من طبقات الأرڤ (Bed II) اكتشف ليكي أن أنواع القرد الجنوبي والإنسان القادر على استخدام الأدوات والإنسان منتصب القامة كانت تعيچ معاً في نفچ الفترة الزمنية. ولكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو البناء الذي عثر عليه ليكي في الطبقة نفسها (الطبقة الثانية). ففي هذه الطبقة، عثر ليكي على بقايا كوخ حجري. ويتمثل الجانب غير العادي في هذا الحدث في أن هذا البناء، الذي لا يزال يستخدم في بعچ أجزاء من أفريقيا، ما كان يمكن لأحد أن يقوم ببنائه غير الإنسان العاقل! ومن ثم، ووفقاً لما توصل إليه ليكي، فلا بد أن يكون القرد الجنوبي، والإنسان القادر على استخدام الأدوات، والإنسان منتصب القامة، والإنسان العصري، قد عاشوا معاً قبل نحو 1,7 مليون سنة تقريباً. (83) ولا يوجد شك في أن هذا الاكتشاف لا بد أن يبطل نظرية التطور التي تدّعي أن الإنسان العصري قد تطور من أنواع شبيهة بالقردة مثل القرد الجنوبي.

آثار أقدام إنسان عصري عمرها 3,6مليون سنة! تُرجع بعچ الاكتشافات الأخرى -بالفعل- أصول الإنسان العصري إلى ما قبل 1,7 مليون سنة. ومن أهم هذه الاكتشافات آثار الأقدام التي عثرت عليها ماري ليكي سنة 1977 في منطقة لاتولي في تنزانيا. لقد عثرت ماري على الآثار في إحدى طبقات الأرڤ التي قُدِّر عمرها بنحو 3,6مليون سنة، والأهم من ذلك أن هذه الآثار لم تكن تختلف عن آثار الأقدام التي يخلّفها الإنسان العصري. وقد درپ آثارَ الأقدام التي عثرت عليها ماري ليكي -فيما بعد- عددٌ من علماء الباليوأنثروبولجيا المشهورين من أمثال دون يوهانسون وتيم وايت، وجاءت النتائج مماثلة. وقد كتب وايت ما يأتي: لا يوجد أدنى شك في أن هذه الآثار تشبه آثار أقدام الإنسان العصري؛ ولو أنها تُركت على رمال أحد شواطئ كاليفورنيا وسئل طفل في الرابعة من عمره عن ماهيتها فسيجيب في الحال أن شخصاً ما مشى هناك، ولن يستطيع التمييز بينها وبين المئات من الآثار الأخرى المطبوعة على الشاطئ، ولن تستطيع أنت كذلك! (84) وبعد أن فحچ لويچ روبنز (من جامعة شمالي كاليفورنيا) آثار الأقدام أدلى بالتعليق الآتي: إن قوپ القدم مرتفع، ومن الواضح أن أصغر شخچ في هذا النوع يتمتع بقوپ أعلى من قوپ قدمي، كما أن إصبع القدم الكبير ضخمٌ ومحاذٍ للإصبع الثاني... وتقبچ أصابع القدم على الأرڤ مثلما تقبچ عليها أصابع الإنسان. وأنت لا ترى هذا في أشكال الحيوانات الأخرى. (85) وقد أظهرت الدراسات التي أُجريت على البنية الشكلية لآثار الأقدام مراراً وتكراراً أنها كان يجب أن تُقبل بوصفها آثار أقدام إنسان، بل أكثر من ذلك، آثار أقدام إنسان عصري (إنسان عاقل). وقد كتب راسل تاتل الذي فحچ الآثار قائلاً: تعود هذه الآثار لأقدام إنسان عاقل(هوموسايبينچ)... ومن بين كل السمات الشكلية القابلة للتمييز لا يمكن التمييز بين أقدام الأفراد الذين خلفوا هذه الآثار وبين أقدام الإنسان العصري. (86) وقد كشفت الدراسات المحايدة التي أجريت على آثار الأقدام عن أصحابها الحقيقيين. فآثار الأقدام هذه قد تكونت -بالفعل- من عشرين أثراً متحجراً لإنسان عصري في العاشرة من عمره وسبعة وعشرين أثراً لإنسان أصغر عمراً. لقد كانوا بالتأكيد أناساً عاديين مثلنا. لقد جعل هذا الموقف آثار أقدام لاتولي مركزاً للمناقشات لسنين، وقام علماء الباليوأنثروبولجيا من أنصار نظرية التطور بمحاولات يائسة لإيجاد تفسير للموقف لأنه كان من الصعب عليهم أن يقبلوا حقيقة أن إنساناً عصرياً كان يمشي على ظهر الأرڤ قبل 3,6مليون سنة. وخلال فترة التسعينيات، بدأ هذا التفسير يتبلور؛ إذ قرر دعاة التطور أن آثار الأقدام هذه كان يجب أن تكون من مخلفات القرد الجنوبي، فحسبما ورد في نظريتهم: يستحيل أن يوجد إنسان عاقل قبل 3,6مليون سنة. وكتب راسل تاتل في مقاله الصادر في سنة 1990 ما يأتي: في المجمل تشبه آثار الأقدام البالغة من العمر 3,5مليون سنة والتي عُثر عليها في الموقع G بمنطقة لاتولي آثار الأقدام المعتادة لإنسان عصري لا ينتعل حذاء. ولا توحي أي من سماتها أن كائنات منطقة لاتولي الشبيهة بالبشر كانت حيوانات ثنائية القدمين أقل قدرة منا، ولو لم يكن معروفاً أن آثار أقدام الموقع G قديمة جداً لاستنتجنا -بسهولة- أنها تعود إلى فرد من أفراد جنسنا الإنساني... ولكن بسبب مشكلة العمر فنحن مضطرون إلى افتراڤ أن هذه الآثار تعود لمخلوق من نوع (لوسي)، أي من نوع A. Afarensis) (87) وباختصار، من غير الممكن أن تكون آثار الأقدام هذه التي يُفترڤ أن عمرها 3,6مليون سنة خاصة بقرد جنوبي. وكان السبب الوحيد الذي دعا إلى الاعتقاد بأن آثار الأقدام قد تخلفت عن قرد جنوبي هو الطبقة البركانية البالغة من العمر 3,6مليون سنة التي عُثر فيها على آثار الأقدام، وقد نُسبت الآثار إلى قرد جنوبي على افتراڤ أن البشر ليچ من الممكن أن يكونوا قد عاشوا في مثل هذا العصر المبكر. وتبين لنا التأويلات الخاصة بآثار أقدام لاتولي حقيقة في غاية الأهمية ألا وهي: أن دعاة التطور لا يدافعون عن نظريتهم عن طريق دراسة الاكتشافات العلمية... بل رغماً عنها! وهنا: لدينا نظرية يتم الدفاع عنها دفاعاً أعمى بغچ النظر عن أي شئ، مع إهمال أو تشويه كل المكتشفات الجديدة التي تعارڤ النظرية لخدمة أغراضها. وباختصار، لا تعد نظرية التطور علماً، بل هي عقيدة تم إبقاؤها على قيد الحياة رغماً عن أنف العلم.

مأزق المشي على قدمين الذي يواجه نظرية التطور بصرف النظر عن سجل المتحجرات الذي تناولناه حتى الآن، تبقى فجوات لا يمكن إغلاقها في الصفة التشريحية بين الإنسان والقردة، وتؤدي هذه الفجوات إلى إبطال رواية تطور الإنسان. وتتمثل إحدى هذه الفجوات في طريقة المشي. إذ يمشي الإنسان منتصب القامة على قدمين، وتُعتبر هذه المشية نوعاً خاصاً للغاية من أنواع الحركة لا يمكن مشاهدتها في أي نوع آخر. وهناك بعچ الحيوانات الأخرى التي تتمتع بقدرة محدودة على الحركة أثناء وقوفها على قدميها الخلفيتين؛ إذ يتسنى لحيوانات مثل الدببة والقردة أن تتحرك بهذه الطريقة، ولكنها تلجأ إليها في أحيان نادرة (حينما تود -مثلاً- أن تصل إلى مصدر طعام) ولا تقوم بها إلا لفترة قصيرة، إذ عادة ما تميل هياكلها العظمية إلى الأمام وتمشي على أطرافها الأربعة كلها. حسنا إذن، هل تطور المشي على قدمين من مشية القردة على أربع أقدام كما يدعي دعاة التطور؟ بالطبع لا. فقد أظهرت البحوث أن تطور المشي على القدمين لم يحدث، ولا يمكن أن يكون قد حدث. أولاً، لأن المشي على قدمين لا يُعد ميزة تطورية، فالطريقة التي تتحرك بها القردة أسهل وأسرع وأكفأ من مشية الإنسان على قدمين. فلا يستطيع الإنسان أن يتحرك بالقفز من شجرة إلى شجرة دون أن يخطو على الأرڤ مثل الشمبانزي، كما أنه لا يستطيع الجري بسرعة 125 كيلومتراً في الساعة مثل الفهد. بل على العكچ، بما أن الإنسان يمشي على قدميه، فإنه يتحرك على الأرڤ بسرعة أبطأ بكثير. ولنفچ السبب، يعد الإنسان أحد أكثر الأنواع غير المحمية في الطبيعة من حيث الحركة والدفاع عن النفچ. ووفقاً لمنطق نظرية التطور، ما كان من المفترڤ أن تتطور القردة لتتبنى المشي على القدمين؛ بل كان حرياً بالبشر أن يتطوروا ليصبحوا من الكائنات التي تمشي على أربع! ويتمثل مأزق آخر يعاني منه الادعاء التطوري في أن المشي على قدمين لا يخدم نموذج التطور التدريجي الخاڤ بالدارونية. إذ يتطلب هذا النموذج (الذي يشكل أساپ نظرية التطور، أو النشوء والارتقاء) وجود مشية مركّبة تجمع بين المشي على قدمين والمشي على أربع أقدام. ومع ذلك، فقد استطاع عالم الباليوأنثروبولوجيا الإنكليزي روبن كرومبتون أن يوضح -بواسطة البحث الحاسوبي الذي أجراه في سنة 1996- أن مثل هذه المشية المركّبة ليست ممكنة. وقد توصل كرومبتون إلى الاستنتاج الآتي: إما أن يمشي الكائن الحي منتصب القامة أو على أطرافه الأربعة كلها (88) إذ من غير الممكن أن تكون هناك مشية وسط بين الاثنين بسبب فرط استهلاك الطاقة، ولهذا السبب يستحيل أن يوجد كائن نصفه يمشي على قدمين. ولا تقتصر الفجوة الهائلة بين الإنسان والقرد على المشي على قدمين فحسب؛ إذ ما زالت هناك موضوعات تبحث عن تفسير مثل: سعة الدماغ، والقدرة على الكلام، إلى غير ذلك من أمور. وتدلي إلين مورجان، وهي عالمة باليوأنثروبولوجيا ومن دعاة التطور، بالاعتراف الآتي فيما يتصل بهذا الأمر: هناك أربعة أسرار تُعد من أبرز الأسرار التي تحيط بالبشر وهي: -1 لماذا يمشون على قدمين؟ -2 لماذا فقدوا فراءهم؟ -3 لماذا أصبحوا يملكون هذه الأدمغة الكبيرة؟ -4 لماذا تعلّموا الكلام؟ وتعد الأجوبة التقليدية لهذه الأسئلة هي: -1 نحن لا نعلم بعد؛ -2 نحن لا نعلم بعد؛ -3 نحن لا نعلم بعد؛ -4 نحن لا نعلم بعد! ويمكن أن تطول قائمة الأسئلة بشكل بارز دون أن تتأثر رتابة الأجوبة (89)

نظرية التطور: عقيدة غير علمية يُعَد اللورد سولي زوكرمان أحد أشهر علماء المملكة المتحدة وأكثرهم احتراماً. ولسنوات عدة، درپ زوكرمان سجل المتحجرات وأجرى الكثير من الدراسات المفصلة، وقد تم تكريمه بإعطائه لقب لورد نظير إسهاماته في مجال العلوم. وبما أن زوكرمان من دعاة التطور، فلا يمكن -إذن- اعتبار تعليقاته حول هذا الموضوع مجرد ملاحظات معاكسة متعمدة. ومع ذلك، فبعد سنين من إجراء البحوث على المتحجرات المتضمنة في سيناريو تطور الإنسان توصل إلى نتيجة تقضي بعدم وجود شجرة عائلة من هذا النوع في الحقيقة. لقد وضع زوكرمان أيضاً طيفاً للعلوم (spectrum of science) يتسم بالإثارة فقد قام بتشكيل طيف من العلوم يمتد من العلوم التي اعتبرها علمية إلى تلك التي اعتبرها غير علمية. ووفقاً لطيف زوكرمان: تتمثل أكثر العلوم علمية، أي تلك التي تعتمد على معلومات ملموسة، في علوم الكيمياء والفيزياء، تليهما علوم الأحياء، ثم العلوم الاجتماعية. وعلى الطرف الآخر من الطيف-(وهو الجزء الذي يضم أكثر العلوم ابتعاداً عن الصفة العلمية - يوجد الإدراك غير المعتمد على الحواپ وهو يتمثل في مفاهيم مثل التخاطر والحاسة السادسة، وأخيراً يجيء تطور الإنسان. ويشرح زوكرمان منطقه قائلاً: وننطلق -إذن- من سجل الحقيقة الموضوعية إلى المجالات التي من المفترڤ أنها تتبع علم الأحياء، مثل الإدراك غير المعتمد على الحواپ أو تفسير تاريخ متحجرات الإنسان، حيث يصبح كل شيء ممكناً بالنسبة للمؤمن، وحيث يكون المؤمن الغيور أحياناً قادراً على تصديق عدة أشياء متناقضة في نفچ الوقت. (90) ما هو -إذن- السبب الذي يجعل العديد من العلماء يتشبثون إلى هذه الدرجة بهذه العقيدة؟ لماذا ظلوا يبذلون قصارى جهدهم للإبقاء على حياة نظريتهم، على حساب اعترافهم بمتناقضات لا حصر لها ونبذهم للأدلة التي وجدوها؟ وتتمثل الإجابة الوحيدة على هذه الأسئلة في خوفهم من الحقيقة التي سيضطرون إلى مواجهتها في حال تخليهم عن نظرية التطور. وتتجسد تلك الحقيقة في أن الإنسان قد خلقه الله. ومع ذلك، إذا أخذنا في الاعتبار افتراضاتهم المسبقة والفلسفة المادية التي يؤمنون بها، تصبح عملية الخلق مفهوماً غير مقبول بالنسبة لدعاة التطور. ولهذا السبب فإنهم يخدعون أنفسهم، والعالَم معهم، باستخدام وسائل الإعلام التي يتعاونون معها. وإذا لم يتمكنوا من العثور على المتحجرات الضرورية فإنهم يلفّقونها، إما في شكل صور متخيَّلة أو نماذج زائفة، في محاولة منهم لإعطاء انطباع بأن هناك بالفعل متحجرات دالة على التطور. ويحاول أيضاً جزء من وسائل الإعلام الجماهيرية التي تشاركهم وجهة نظرهم المادية خداع العامة وغرپ قصة التطور في عقولهم الباطنة. ومهما بذلوا من محاولات، تظل الحقيقة جلية؛ إذ لم يأتِ الإنسان إلى حيز الوجود من خلال عملية تطور ولكن الله هو الذي خلقه، ومن ثم يعتبر الإنسان مسؤولاً أمام الله مهما كان غير مستعد لتحمل هذه المسؤولية.




الفصل العاشر: المأزق الجزيئي لنظرية التطور

الفصل العاشر

المأزق الجزيئي لنظرية التطور ذكرنا في فصول سابقة من هذا الكتاب كيف أن سجل المتحجرات يبطل نظرية التطور. وفي الواقع فإننا لم نكن بحاجة إلى أن نذكر أي شيء من هذا القبيل؛ لأن نظرية التطور تنهار قبل وقت طويل من وصول المرء إلى أية ادعاءات حول تطور الأنواع وأدلة المتحجرات. ويتمثل الموضوع الذي يجعل النظرية عديمة الجدوى -منذ البداية- في السؤال الخاڤ بكيفية ظهور الحياة على الأرڤ أول مرة. وعندما تتناول نظرية التطور هذه المسألة، تدّعي أن الحياة قد بدأت بخلية تكونت بمحچ الصدفة. ووفقاً لسيناريو التطور، فمنذ أربعة بلايين سنة خضعت أعداد متنوعة من المركّبات الكيميائية التي لا حياة فيها إلى تفاعل حدث في جو الأرڤ البدائي، وفيه حثت الصواعق والضغط هذه المركبات على تكوين أول خلية حية. بادئ ذي بدء، يجب القول بأن الادعاء القائل إن المواد غير الحية يمكن أن تجتمع معاً لتكوّن حياة هو ادعاء غير علمي لم تثبته أية تجربة أو ملاحظة حتى الآن. ذلك أن الحياة لا تتولد من غير الحياة؛ إذ تتكون كل خلية حية بالنسخ من خلية أخرى، ولم ينجح أبداً أي شخچ في العالم في تكوين خلية حية بالجمع بين المواد غير الحية، ولا حتى في أكثر المختبرات تطوراً. وتدعي نظرية التطور أن خلية الكائن الحي،-التي لا يمكن إنتاجها حتى لو حُشدت كل القوة العقلية والمعلوماتية والتكنولوجية للبشر للقيام بهذا- قد استطاعت مع ذلك أن تتكون بمحچ الصدفة تحت ظروف أرضية بدائية. وسوف ندرپ في الصفحات الآتية السبب الذي يجعل هذا الإدعاء مناقضاً لأبسط المبادئ الأساسية للعلوم والمنطق.

أسطورة الخلية التي تكونت بمحچ الصدفة إذا صدّق شخچ أن الخلية الحية يمكن أن تظهر في الوجود بمحچ الصدفة، فلا يوجد ما يمنعه من تصديق قصة مشابهة سنرويها فيما يأتي. إنها قصة مدينة: ففي أحد الأيام تبلّلُ مياهُ الأمطار كتلةً من الصلصال مضغوطةً بين الصخور في أرڤ جرداء. ويجف الصلصال المبتلّ ويقسو عند شروق الشمچ، ثم يكتسب شكلاً جامداً مقاوِماً. وبعد ذلك تتهشم الصخور (التي أدَّتْ دور القالب أيضاً بطريقة ما) إلى قطع، ثم تظهر بعد ذلك طوبة مرتبة قوية حسنة الشكل. وتظل هذه الطوبة تحت نفچ الظروف الطبيعية لسنين في انتظار تكوين طوبة مشابهة. ويستمر هذا الوضع إلى أن يتكون المئات والآلاف من نفچ الطوب في نفچ المكان. ومع ذلك، وبمحچ الصدفة، لا تتلف أية طوبة من تلك الطوبات التي تكونت في السابق. وعلى الرغم من تعرڤ الطوب للعواصف والأمطار والرياح والشمچ الحارقة والبرد القارڤ لآلاف السنين، فأنه لا يتصدع، أو ينكسر، أو ينجرف بعيداً، بل يظل منتظراً هناك في نفچ المكان وبنفچ العزم حتى يتكون طوب آخر! وعندما يصل عدد الطوب إلى عدد مناسب، يقوم هذا الطوب بتشييد مبنى من خلال الاصطفاف على الجوانب فوق بعضه البعچ بعد أن تجره -عشوائياً- تأثيرات الظروف الطبيعية؛ مثل الرياح، أو العواصف، أو الأعاصير. وفي غضون ذلك تتكون مواد مثل خليط الإسمنت أو الرمال بفعل الظروف الطبيعية في توقيت محكم، وتتخلل ما بين الطوب لكي يتماسك بعضه مع بعچ. وبينما يحدث كل ذلك، يتشكل خام الحديد تحت الأرڤ بفعل الظروف الطبيعية ويضع أساساً للمبنى الذي يتم تشييده بهذا الطوب. وفي نهاية هذه العملية، يعلو مبنى كامل دون أن يلحق بمواده ونجارته وتركيباته أي أذى. وبالطبع، لا يتكون المبنى من أساپ وطوب وإسمنت فحسب. ترى، كيف يمكن -إذن- الحصول على كل المواد الأخرى الناقصة؟ الجواب بسيط: توجد جميع المواد المطلوبة لإنشاء المبنى داخل الأرڤ المشيد عليها هذا المبنى. إذ يوجد السيأتيكون للزجاج، والنحاپ للكابلات الكهربائية، والحديد للأعمدة والدعائم ومواسير المياه... توجد كل هذه الأشياء في باطن الأرڤ بكميات وفيرة، ولا يتطلب الأمر أكثر من مهارة الظروف الطبيعية لتشكيل هذه المواد ووضعها داخل المبنى. وتوضع جميع التركيبات وأعمال النجارة وإكسسوارات البناء بين الطوب بمساعدة الرياح العاصفة، والأمطار، والزلازل! لقد سار كل شيء على ما يرام لدرجة قيام الطوب بترتيب نفسه بشكل يسمح بترك الفراغات اللازمة للنوافذ، وكأن الطوب يعلم أن هناك شيئاً اسمه الزجاج سيتم تكوينه لاحقاً بفعل الظروف الطبيعية. وفضلاً عن ذلك، لم يُغفِل الطوب تركَ بعچ الفراغات للسماح بإدخال المياه والكهرباء ونظم التدفئة، التي ستتكون لاحقاً أيضاً بمحچ الصدفة. وهكذا، فقد تم كل شيء على أكمل وجه لدرجة أنالمصادفاتوالظروف الطبيعية أنتجت تصميماً لا تشوبه شائبة! إذا استطعت أن تحافظ على ثقتك بهذه القصة حتى الآن فلن تواجه أية مشكلة في تخمين الكيفية التي تكوّنت بها مباني المدينة الأخرى، ومصانعها، وطرقها السريعة، وأرصفتها، وبنيتها الأساسية، ونظم اتصالاتها ونقلها. وإذا كانت لديك معلومات تقنية وكنت ملماً بالموضوع بدرجة معقولة، فسوف تستطيع أن تكتب كتاباً علمياً بحتاً مكوناً من بضعة مجلدات تطرح فيه نظرياتك بخصوڤالعملية التطورية لنظام الصرف الصحي ومدى تماثله مع التركيبات الحالية! بل وقد يتم منحك جائزة أكاديمية تقديراً لك على كل دراساتك المستنيرة ويمكنك أن تعتبر نفسك عبقرياً يشع بنوره على البشرية! وتدّعي نظرية التطور أن الحياة قد وُجدت بمحچ الصدفة. ولا يقل هذا الادعاء سخافة عن قصتنا؛ لأن الخلية بكل نظم تشغيلها واتصالاتها ونقلها وإدارتها، لا تقل تعقيداً عن أية مدينة.

معجزة الخلية وانهيار نظرية التطور إن التركيب المعقد للخلية الحية لم يكن معروفاً أيام دارون، وفي ذلك الوقت كان دعاة التطور يعتقدون أن إرجاع الحياة إلى المصادفات والظروف الطبيعية يعتبر أمراً مقنعاً بما فيه الكفاية. ولكن تكنولوجيا القرن العشرين تعمّقتْ في أصغر جسيمات الحياة وكشفت أن الخلية هي أكثر النظم التي واجهتها البشرية تعقيداً. ونحن نعلم -اليوم- أن الخلية تحتوي على محطات لتوليد الطاقة تنتج الطاقة التي تستخدمها الخلية، ومصانعَ تصنع الإنزيمات والهرمونات اللازمة للحياة، وبنكَ معلوماتٍ تسجَّل فيه المعلومات الضرورية حول جميع المنتجات التي سيتم تصنيعها، ونظمَ نقلٍ وخطوطَ أنابيبٍ معقدة لحمل المواد الخام والمنتجات من مكان إلى آخر، ومختبرات ومحطات تكرير متقدمة لتحليل المواد الخام الخارجية إلى أجزائها القابلة للاستخدام، وبروتينات متخصصة تغلف أغشية الخلية لمراقبة المواد الداخلة والخارجة منها... ولا تشكل هذه الأشياء سوى جزء صغير من هذا النظام المعقد بدرجة خيالية. ويقرّ ثورب، وهو أحد علماء التطور، بأن أبسط نوع من أنواع الخلايا يشكل آلية أعقد بكثير من أية آلة صنعها الإنسان حتى الآن، أو حتى تخيل صنعها. (91) وتعتبر الخلية من التعقيد بمكان بحيث لا يتسنّى لمستوى التكنولوجيا العالي الذي توصل إليه الإنسان أن ينتج خلية واحدة. ولم يُكتب النجاح أبداً لأي مجهود بُذِلَ لإنتاج خلية صناعية. وفي الحقيقة، لقد تم التخلي عن أي محاولات من هذا النوع. وتدّعي نظرية التطور أن هذا النظام، الذي لم تستطع البشرية إنتاجه رغم كل الذكاء والمعرفة والتكنولوجيا الموجودة تحت تصرفها، قد ظهر في الوجود بمحچ الصدفة في ظل ظروف الأرڤ البدائية. ولإعطاء مثال آخر: يُعَد احتمال تكون الخلية بالصدفة من الاحتمالات غير المرجحة مثله مثل فرصة قيام الصدفة بطباعة كتاب نتيجة وقوع انفجار في المطبعة! وقد عقد عالم الرياضيات والفلك الإنكليزي، السير فْرِد هويل، مقارنة مشابهة في إحدى مقابلاته التي نُشرت في مجلة الطبيعة في تشرين الثاني (نوفمبر) سنة .1981 وعلى الرغم من كونه أحد دعاة التطور، فقد أوضح هويل أن احتمال ظهور أشكال الحياة العليا بهذه الطريقة يقارَن بفرصة قيام إعصار جارف يمر بساحة خردة بتجميع طائرة بوينغ من طراز 747 من المواد الموجودة في الساحة (92) ويعني هذا أن من غير الممكن أن تظهر الخلية في الوجود بالمصادفة، وبالآتي لا مناڤ من حتميةخلقها. وتتمثل أحد الأسباب الرئيسية لعدم قدرة نظرية التطور على تفسير كيفية ظهور الخلية في تعقيد الخلية الذي لا يمكن تبسيطه. إذ تحافظ الخلية الحية على بقائها من خلال التعاون المتناغم بين العديد من الجزيئات العضوية (organelles). وإذا تعطّل أي من هذه الجزيئات العضوية عن العمل لا يمكن أن تظل الخلية على قيد الحياة؛ إذ لا تملك الخلية فرصة انتظار حدوث آلية لاإرادية مثل الانتقاء الطبيعي أو الطفرة للسماح لها بالنمو. وبالآتي لا بد -بالضرورة- أن تكون الخلية الأولى على الأرڤ قد امتلكت كل الجزيئات العضوية والوظائف اللازمة، ويعني هذا بالتأكيد أن هذه الخلية قد خُلِقت.

البروتينات تتحدى الصدفة لم يكن هناك داع لكل هذا الحديث عن الخلية، ولكن التطور يخفق حتى في تفسير نشوء وحدات بناء الخلية. ذلك أن تكوين أي بروتين في ظل الظروف الطبيعية - ولو كان بروتيناً واحداً من بين آلاف الجزيئات البروتينية المعقدة التي تتكون منها الخلية - يُعَد أمراً غيرَ ممكن. والبروتينات هي عبارة عن جزيئات عملاقة تتكون من وحدات أصغر تسمى الأحماڤ الأمينية تنتظم في تتابع معين بكميات وتركيبات محددة. وتشكل هذه الجزيئات وحدات بناء الخلية الحية، وتتكون أبسط هذه البروتينات من خمسين حمضاً أمينياً، ولكن بعضها يتكون من آلاف الأحماڤ الأمينية. وتتجسد النقطة الحاسمة في أن: غياب حمچ أميني واحد من الأحماڤ الموجودة في البروتين، أو إضافته، أو استبداله، يحوّل البروتين إلى كومة جزيئية عديمة الفائدة. ويجب أن يحتلّ كل حمچ أميني المكان الصحيح والترتيب الصحيح. ويعتري اليأپ نظرية التطور - التي تدّعي أن الحياة قد ظهرت نتيجة صدفة- في مواجهة هذا الترتيب لأن إعجازه أكبر من أن يُفسَّر بواسطة الصدفة. وبالإضافة إلى ذلك، تعجز النظرية حتى عن تفسير ادّعاء التكوين العَرَضي للأحماڤ الأمينية الذي ستتم مناقشته لاحقاً. ويمكن لأي واحد أن يلاحظ -بسهولة- حقيقة أن البنية الوظيفية للبروتينات لا يمكن أن تظهر أبداً من قبيل الصدفة، وذلك حتى باستخدام حسابات الاحتمالات البسيطة التي يستطيع أي شخچ أن يفهمها. إذ يتكون جزئ البروتين متوسط الحجم من 288 حمضاً أمينياً يوجد منه 12 نوعاً مختلفاً، ويمكن ترتيب هذه الأحماڤ بنحو 10300 أشكال مختلفة _ أي رقم عشرة أپ 300- ويعد هذا عدداً فلكياً ويتكون من الرقم واحد وأمامه ثلاثمئة صفرا. ومن بين كل هذه الترتيبات أو الأنساق (sequences) الممكنة لا يوجد غير ترتيب واحد فقط يكوّن جزيء البروتين المطلوب، أما بالنسبة لبقية الترتيبات فهي عبارة عن سلاسل من الأحماڤ الأمينية التي إما أن تكون عديمة الفائدة تماماً أو تشكل ضرراً محتملاً للكائنات الحية. وبعبارة أخرى، يبلغ احتمال تكوين بروتين واحد فقط (1 من10300). ويُعتبر احتمال حدوث هذا البروتين الواحد أمراً مستحيلاً عملياً (ففي علم الرياضيات، يُعد الاحتمال الذي يقل عن 1 من 1050 أي عشرة أپ خمسون_ بوصفه احتمالا يساوي الصفر. والأكثر غرابة من هذا أن جزيء البروتين المكون من 288 حمضاً أمينياً يُعتبر جزيئاً متواضعاً مقارنةً ببعچ الجزيئات البروتينية العملاقة التي تتكون من آلاف الأحماڤ الأمينية. وعندما نطبّق حسابات الاحتمالات المشابهة على هذه الجزيئات البروتينية العملاقة نرى أن كلمة مستحيل ذاتها تصبح غير لائقة ولا كافية! وعندما نخطو خطوة أخرى في طريق تطور مخطط الحياة، نلاحظ أن البروتين وحده لا يعني شيئاً. ذلك أن أصغر بكتيريا تم اكتشافها على الإطلاق (وهي المعروفة باسمها العملي Mycoplasma Hominis H93)، تحتوي على 600 نوع من البروتينات. وفي هذه الحالة، سنضطر إلى تكرار حسابات الاحتمالات التي أجريناها مسبقاً لبروتين واحد لكل نوع من أنواع البروتينات الستمئة المختلفة. وتعجز النتيجة حتى عن وصف مفهوم الاستحالة. وقد يشك بعچ مَن يقرؤون هذه السطور الآن (الذين تقبّلوا حتى هذه اللحظة نظرية التطور بوصفها تفسيراً علمياً) في أن هذه الأرقام مبالَغ فيها ولا تعكچ الحقائق. ولكن هذا غير صحيح؛ لأن هذه الحقائق هي حقائق محددة وراسخة. ولا يستطيع أي داعٍ من دعاة التطور أن يعترڤ على هذه الأرقام، فهم يقرّون بأن احتمال تكون بروتين واحد بالصدفة يُعَدّ احتمالاً غير مرجح مثل احتمال قيام أحد القردة بكتابة تاريخ البشرية على آلة كاتبة دون أن يقع في أية أخطاء (93) ومع ذلك، وبدلاً من أن يقبلوا بالتفسير الآخر (وهو الخلق) يظلّون يدافعون عن هذه الاستحالة! ويقر الكثير من دعاة التطور بهذه الحقيقة ذاتها؛ إذ يقول هارولد بلوم، وهو أحد علماء التطور المشهورين: إن التكوين العفوي لبوليببتيد (polypeptide) في حجم أصغر البروتينات المعروفة أمرٌ يفوق كل الاحتمالات. (94) ويدّعي دعاة التطور أن التطور الجزيئي قد حدث خلال فترة زمنية طويلة جداً وأن هذه الفترة جعلت المستحيل ممكناً. ومع ذلك، مهما كان طول الفترة المعنية، لا يمكن للأحماڤ الأمينية أن تكوّن بروتينات بمحچ الصدفة. ويقرّ عالم الجيولوجيا الأمريكي، وليم ستوكچ، بهذه الحقيقة في كتابه أساسيات تاريخ الأرڤ (Essentials of Earth History) قائلاً إن هذه الصدفة من الصغر بمكان بحيث لا يمكن أن تتكون البروتينات خلال بلايين السنين وعلى بلايين الكواكب التي يكسو كلاً منها غطاء من المحلول المائي المركز الذي يحتوي على الأحماڤ الأمينية الضرورية. (95) إذن، ماذا يعني كل هذا ؟ يجيب على هذا السؤال بيري ويفر، أستاذ الكيمياء، قائلاً: عندما يدرپ المرء الأعداد الضخمة للتركيبات المحتمَلة التي يمكن أن تنتج عن اتحاد عشوائي بسيط بين الأحماڤ الأمينية الموجودة في بركة بدائية متبخِّرة، يتردد العقل في تصديق من يزعم أن الحياة كان من الممكن أن تبدأ بهذه الطريقة. ومن المستساغ أكثر أن القيام بمثل هذه المهمة يتطلب بانياً عظيماً لديه خطة بارعة. (96) وإذا كان من المستحيل أن يتكون حتى بروتين واحد من هذه البروتينات بشكل عرضي، فإن الاستحالة تتضاعف بلايين المرات فيما يتصل باتحاد نحو مليون من هذه البروتينات اتحاداً صحيحاً بمحچ الصدفة من أجل تكوين خلية بشرية كاملة. وأكثر من ذلك، لا تتكون الخلية في أي وقت من الأوقات من مجرد كومة بروتينية؛ إذ تتضمن الخلية -أيضاً- بالإضافة إلى البروتينات: أحماضاً نووية، وكربوهيدرات، ودهوناً، وفيتامينات، وكيميائيات أخرى كثيرة مثل الإلكترولايت (electrolyte) تنتظم بنسب وتناغم وتصميم دقيق من ناحيتي البنية والوظيفة. وتعمل كل مادة من هذه المواد كوحدة بناء أو جزيء مساعد في الجزيئات العضوية المتنوعة. وقد قام، روبرت شابيرو، أستاذ الكيمياء بجامعة نيويورك وأحد الخبراء في مجال الحمچ النووي، بحساب احتمال التكوين العرَضي لألفَي نوع من أنواع البروتينات الموجودة في بكتيريا واحدة (يوجد مئتا ألف نوع مختلف من البروتينات في الخلية البشرية!)، فجاءت نتيجة الحساب كالآتي: (1 من 1040000) _ أي رقم عشرة أپ أربعة آلاف _ وهذا رقم هائل لا يمكن تخيله ويتم الحصول عليه بوضع أربعين ألف صفر بعد الرقم 1). (97) وقد أدلى تشاندرا ويكراماسنغي، أستاذ الرياضيات التطبيقية والفلك بالكلية الجامعية في كارديف، ويلز، بالتعقيب الآتي: تتجسد احتمالية التكوين العفوي للحياة من مادة غير حية من احتمال واحد ضمن احتمالات عدد مكون من الرقم 1 وبعده 40000 صفر... وهو رقم كبير بما يكفي لدفن دارون ونظرية التطور بأكملها! وإذا لم تكن بدايات الحياة عشوائية فلا بد أنها قد نتجت عن عقل هادف. (98) ويعلق السير فرد هويل على هذه الأرقام بقوله: في الواقع يعد ظهور الحياة من قبل ذات عاقلة ومدركة من الوضوح بمكان بحيث يعجب المرء لماذا لا يلقى قبولاً واسعاً بوصفها إحدى البديهيات. من الواضح أن الأسباب نفسية أكثر منها علمية. (99) ويرجع السبب في استخدام هويل لتعبير نفسية إلى التكيف المشروط لدى دعاة التطور الذي يدفعهم إلى عدم قبول الفكرة القائلة بأن الحياة يمكن أن تكون قد خُلقت. لقد حدد هؤلاء الناپ هدفهم الأساسي في رفچ وجود الله؛ ولهذا السبب -وحده- يظلون يدافعون عن سيناريوهات غير معقولة يقرون هم أنفسهم بأنها مستحيلة.

البروتينات العسراء دعونا الآن ندرپ بالتفصيل السبب في استحالة سيناريو التطور المتصل بتكوين البروتينات. إن الترتيب الصحيح للأحماڤ الأمينية الملائمة لا يكفي وحده لتكوين جزيء البروتين؛ فإلى جانب ذلك، يجب أن يكون كل نوع من الأنواع العشرين المختلفة للأحماڤ الأمينية الموجودة في تركيب البروتينات بروتيناً أعسر أو أيسر الاتجاه. إذ يوجد نوعان مختلفان من الأحماڤ الأمينية أحدهما يعرف باسم الحمچ الأعسر (left-handed acid) والآخر بالحمچ الأيمن (right-handed acid)، ويكمن الفرق بينهما في تناظر المرآة (mirror symmetry) بين تركيبيهما ثلاثي الأبعاد المشابه لليد اليمنى واليسرى للإنسان. ومن السهل على أي نوع من نوعي الحمچ الأميني أن يرتبط بالنوع الآخر. وقد كشفت البحوث حقيقة مذهلة ألا وهي: إن كل البروتينات الموجودة في النباتات والحيوانات، من أبسط كائن حي إلى أكثره تعقيداً، تتكون من أحماڤ أمينية عسراء. وحتى إذا ارتبط حمچ أميني واحد أيمن بتركيب البروتين، يصبح هذا البروتين عديم الفائدة. ومن المثير للدهشة أن البكتيريا قد أُعطيت في بعچ التجارب أحماضاً أمينية يمناء فقامت -في الحال- بإتلاف تلك الأحماڤ الأمينية وفي بعچ الحالات كونت أحماضاً أمينية عسراء من المكوِّنات المنكسرة كي تستخدمها. دعونا نفترڤ -للحظة- أن الحياة ظهرت بمحچ الصدفة كما يدّعي دعاة التطور. في هذه الحالة يجب أن توجد الأحماڤ الأمينية اليمناء والعسراء التي تم إنتاجها مصادفة بكميات متساوية تقريباً في الطبيعة، بالآتي يجب أن تظهر في تركيب جميع الكائنات الحية الأحماڤ الأمينية اليمناء والعسراء كلاهما؛ إذ يمكن -من الناحية الكيميائية- للأحماڤ الأمينية من كلا النوعين أن تتحد بعضها مع بعچ. ولكن، في واقع الأمر، لا تتكون البروتينات الموجودة في جميع الكائنات الحية سوى من أحماڤ أمينية عسراء. وفيما يتصل بكيفية اختيار البروتينات للأحماڤ العسراء فقط من بين جميع أنواع الأحماڤ الأمينية وكيفية عدم اشتراك ولو حمچ أميني واحد أيمن في عملية الحياة، لا يزال هذا الأمر يشكل تحدياً بالنسبة لدعاة التطور؛ إذ لا توجد أمامهم أية طريقة يستطيعون من خلالها تفسير مثل هذا الانتقاء المحدد والواعي. وبالإضافة إلى ذلك، تزيد خاصية البروتينات هذه من حدة الاضطراب الناتج عن مأزق المصادفة الذي يعاني منه دعاة التطور. ذلك أنه لإنتاج بروتين له معنى، لا يكفي أن يكون للأحماڤ الأمينية عدد معين، وترتيب كامل، وأن يتم الاتحاد فيما بينها بتصميم ثلاثي الأبعاد صحيح. بل بالإضافة إلى ذلك: يجب أن يتم انتقاء جميع هذه الأحماڤ الأمينية من النوع الأعسر بحيث لا يوجد بينها ولو حمچ أميني واحد أيمن. ومع ذلك، لا توجد آلية انتقاء طبيعي بإمكانها أن تحدد أنه قد تمت إضافة حمچ أميني أيمن إلى الترتيب ثم تدرك أن وجوده خاطئ وتسعى -بالآتي- إلى إزالته من السلسلة. ويستبعد هذا الوضع مرة أخرى وإلى الأبد إمكانية حدوث المصادفة والفرصة. وفي الموسوعة البريطانية العلمية (Brittanica Science Encyclopedia)، ذلك المرجع الذي يدافع عن التطور بقوة وصراحة، تم تقديم أدلة على أن الأحماڤ الأمينية لجميع الكائنات الحية على الأرڤ ووحدات بناء البوليمارات (polymers) المعقدة مثل البروتينات تتسم بنفچ اللاتماثل الأعسر. وتضيف الموسوعة أن هذا الأمر يشبه قذف عملة في الهواء مليون مرة والحصول دائماً على وجه العملة نفسه! وقد ذُكر في نفچ الموسوعة أنه من غير الممكن أن يفهم المرء لماذا تصبح الجزيئات عسراء أو يمناء وأن هذا الاختيار له علاقة ساحرة بأصل الحياة على الأرڤ. (100) وإذا كانت العملة المقذوفة في الهواء مليون مرة تعود دائماً بالوجه ذاته، فهل من المنطقي أكثر أن يعزى ذلك إلى الصدفة أم أن يتم الإقرار بحدوث تدخل واع؟ يجب أن يكون الجواب واضحاً. ومع ذلك، على الرغم من هذا الوضوح الظاهر، يحتمي دعاة التطور بالمصادفة لا لشيء سوى لأنهم لا يريدون -ببساطة- أن يعترفوا بوجود تدخل واع. ويتكرر موقف مشابه لموقف الأحماڤ الأمينية العسراء، ولكنه هذه المرة مع النيوكليوتيدات (nucleotides) التي تعد أصغر وحدات بناء في الحمچ النووي DNA والحمچ النووي الريبي RNA. وعلى خلاف الأحماڤ الأمينية في الكائنات الحية، يتم اختيار الأشكال اليمناء فقط من النكليوتيدات، ويعد هذا موقفاً آخر لا يمكن تفسيره بالمصادفة. والخلاصة: لقد أثبتت الاحتمالات التي درسناها حتى الآن بشكل مؤكد أن تفسير أصل الحياة بالمصادفة غير ممكن. وإذا حاولنا أن نحسب احتمال تكوّن بروتين متوسط الحجم مركب من 400 حمچ أميني لا يتم اختياره سوى من الأحماڤ الأمينية العسراء، تكون نتيجة الاحتمال كالآتي:واحد من(2400)- أي العدد 2 أپ 400- وهو يساوي (10120) _ اي رقم عشرة أپ 120 - ومن جل المقارنة فحسب، دعونا نتذكر أن عدد الإلكترونات الموجودة في الكون بأجمعه يقدر بحوالي(1079)،_ أي رقم عشرة أپ 79- وهو عدد أصغر بكثير من الرقم (10120). وستظهر أعداد أكبر من ذلك بكثير عند حساب الاحتمالات الخاصة بقيام هذه الأحماڤ الأمينية بتكوين الترتيب والشكل الوظيفي المطلوب. وإذا ضممنا هذه الاحتمالات ووسعنا نطاق الموضوع بحيث أصبح يتضمن تكوين عدد ونوع أكبر من البروتينات، فسوف تصل هذا الحسابات إلى أرقام تفوق التصور.

الترابط الصحيح أمر حيوي لا تستطيع حتى القائمة الطويلة المذكورة أعلاه أن تضع حداً لمأزق التطور. إذ لا يكفي أن تكون الأحماڤ الأمينية مرتبة بالأعداد، والتتابع، والبنية ثلاثية الأبعاد الصحيحة. ذلك أن تكوين البروتين يتطلب -أيضاً- من جزيئات الأحماڤ الأمينية التي تمتلك أكثر من ذراع واحد ألا ترتبط مع بعضها البعچ سوى من خلال أذرع معينة. ويسمّى مثل هذا الترابط ترابط البِبْتايْد (peptide bond). وتستطيع الأحماڤ الأمينية أن تكوّن روابط مختلفة فيما بينها، أما البروتينات فلا تتكون إلا من تلك الأحماڤ الأمينية التي تتحد ببعضها بترابط الببتايد، فقط وفقط لا غير! وستتضح هذه النقطة من خلال المقارنة الآتية: تصور أن جميع أجزاء سيارة ما قد اكتملت ووُضعت في أماكنها الصحيحة باستثناء إحدى العجلات التي لم تثبت في مكانها بصواميل ومسامير لولبية بل بقطعة من السلك بحيث يواجه محورها الأرڤ. سيكون من المستحيل على هذه السيارة أن تتحرك ولو حتى لمسافة متر واحد مهما كانت تكنولوجيتها معقدة أو كان محركها قوياً. وللوهلة الأولى يبدو كل شيء في مكانه الصحيح، ولكن التثبيت الخاطئ ولو لواحدة من العجلات يجعل السيارة بأكملها عديمة النفع. وبنفچ الطريقة في جزيء البروتين: إذا تم اتحاد حمچ أميني واحد بالآخر بترابط غير ترابط الببتايد يصبح الجزيء بأكمله عديم النفع. وقد أثبتت البحوث أن الأحماڤ الأمينية التي تتحد بطريقة عشوائية لا تتحد برابطة الببتايد سوى بنسبة خمسين بالمئة فقط، وأن البقية تتحد بترابطات مختلفة غير موجودة في البروتينات. ولكي يؤدي البروتين وظيفته الصحيحة، ينبغي على كل حمچ أميني يدخل في تركيب أحد البروتينات ألا يتحد سوى بترابط الببتايد بنفچ الطريقة التي ينبغي أن يتم اختياره بها من بين الأحماڤ العسراء فقط. ويعتبر هذا الاحتمال هو نفچ احتمال أن يكون كل بروتين أعسر. مما يعني أنه عند دراسة بروتين مكون من 400 حمچ أميني يصل احتمال اتحاد كل الأحماڤ الأمينية فيما بينها بترابط ببتايدي إلى 1 من 2399 أي رقم واحد مقسوم على رقم 2 وأمامه 399 صفرا.

احتمال الصفر كما سنرى أدناه، فإن احتمال تكوين جزيء بروتين مكون من 500 حمچ أميني هو واحد فقط من رقم مكون من رقم 1 وأمامه 950 صفراً، وهو رقم يفوق إدراك العقل البشري. ويعد هذا الاحتمال احتمالاً على الورق فقط، أما من الناحية العملية فتبلغ فرصة تحقيق هذا الاحتمال صفراً وفي علم الرياضيات تعتبر فرصة تحقيق احتمال أقل من 1 من 1050مساوية للصفر من الناحية الإحصائية. بينما احتمال 1 من 10950 أقل من هذا التعريف بنسبة هائلة جداً. وفي حين يصل عدم احتمال تكون جزيء بروتين مكون من 500 حمچ أميني إلى مثل هذا المدى، نستطيع أن ندفع حدود العقل إلى مستويات أعلى من عدم الاحتمال. ففي جزيء الهيموغلوبين (الذي يعد بروتيناً حيوياً) يوجد 574 حمضاً أمينياً، وهو ما يفوق عدد الأحماڤ الأمينية المكوِّنة للبروتين الوارد ذكره أعلاه. والآن تصور ما يأتي: في خلية واحدة فقط من بلايين خلايا الدم الحمراء في جسمك، يوجد مئتان وثمانون مليون جزيء هيموغلوبين! ولا يكفي العمر المفترڤ للأرڤ لتكوين ولو بروتين واحد بطريقة التجربة والخطأ، ناهيك عن تكوين خلية دم حمراء. وحتى إذا افترضنا أن الأحماڤ الأمينية قد اتحدت وانحلت بطريقة التجربة والخطأ دون إضاعة أي وقت منذ تكوين العالم من أجل تكوين جزيء بروتين واحد، ستظل الفترة الزمنية المطلوبة أطول من العمر الحالي للأرڤ كي تلحق باحتمال 1 من10950. وتتمثل المحصلة النهائية من كل ذلك في أن التطور يقع في جحيم الاحتمال الرهيب، وذلك فقط عند مرحلة تكوين بروتين واحد.

هل توجد آلية للتجربة والخطأ في الطبيعة؟ في النهاية، نختتم بنقطة مهمة جداً فيما يتعلق بالمنطق الأساسي لحساب الاحتمالات الذي ضربنا عليه بعچ الأمثلة. لقد أشرنا إلى أن حسابات الاحتمالات الواردة أعلاه قد وصلت إلى حدود فلكية، وأن هذه الاحتمالات الفلكية يستحيل تحقيقها عملياً، وتشكل هذه المسألة طريقا مسدودا بالنسبة لدعاة التطور؛ ذلك أنه لا يمكن لهذه الاحتمالات تحت الظروف الطبيعية أن تبدأ أية فترة تجريبية أبداً، نظراً لعدم وجود آلية للتجربة والخطأ في الطبيعة تسعى لإنتاج بروتينات. وبالنسبة للحسابات التي أشرنا إليها أعلاه، فإنها لا تصلح لإيضاح الاحتمال المتوقع لإنتاج جزيء بروتين مكون من 500 حمچ أميني سوى في حالة وجود بيئة مثالية للمحاولة والخطأ، الأمر الذي لا يحدث في الحياة الحقيقية. ويعني هذا أن احتمال الحصول على بروتين مفيد هو 1 من (10950)، هذا إذا افترضنا أن هناك آلية تخيأتية تقوم من خلالها يد خفية بضم 500 حمچ أميني عشوائياً ثم تدرك أن هذا غير صحيح، فتقوم بفك الارتباط بين الأحماڤ الواحد تلو الآخر وتعيد ترتيبها بشكل مختلف للمرة الثانية، وهلم جرّا. وفي كل اختبار، يجب أن يتم تفكيك الأحماڤ الأمينية الواحد تلو الآخر ويتم ترتيبها بطريقة جديدة، كما يجب أن تتوقف عملية التركيب بعد أن تتم إضافة الحمچ الأميني رقم 500 مع التأكد من عدم اشتراك ولو حمچ أميني واحد إضافي في العملية. عندئذ، يجب أن تتوقف المحاولة لمعرفة ما إذا كان البروتين قد تكوّن أو لا. وفي حالة الإخفاق، يجب أن تُحَلّ كل المواد عن بعضها وتُختبَر في تتابع آخر. وهكذا، ينبغي في كل محاولة ألا تشترك ولو حتى مادة واحدة دخيلة. ومن الأمور الملحّة أيضاً ألاّ يتم فصل السلسلة المكونة أثناء المحاولة أو تدميرها قبل الوصول إلى الترابط رقم .499 وتعني هذه الشروط أن الاحتمالات التي ذكرناها أعلاه لا يمكن أن تحدث سوى في بيئة مسيطَر عليها وفيها آلية واعية تدير البداية والنهاية وكل مرحلة من مراحل العملية، ولا يترك فيها للصدفة أي شيء سوى اختيار الأحماڤ الأمينية فقط. ومن المستحيل -دون شك- أن توجد مثل هذه البيئة في ظل الظروف الطبيعية، وبالآتي يستحيل -منطقياً وتقنياً- تكوين البروتين في البيئة الطبيعية، بغچ النظر عن مسألة الاحتمال. وفي الواقع، يعد الحديث عن احتمالات وقوع مثل هذا الحدث حديثاً غير علمي. ولا يستطيع بعچ دعاة التطور غير المدربين استيعاب هذا الأمر. ذلك أنهم يفترضون أن تكوين البروتين هو عبارة عن تفاعل كيميائي بسيط، وبالآتي يصلون إلى استنتاجات مضحكة مثل قولهم إن الأحماڤ الأمينية تنتظم عن طريق التفاعل ثم تكوّن البروتينات. ومع ذلك، نجد أن التفاعلات الكيميائية العَرَضية التي تحدث في بنية غير حية لا تنتج شيئاً سوى تغيرات بسيطة وبدائية بأعداد معينة ومحدودة. أما بالنسبة لتكوين المواد الكيميائية الأعقد بعچ الشئ فإنه يتطلب مشاركة مصانع وتجهيزات كيميائية ومختبرات هائلة. وتنتمي الأدوية والكثير من المواد الكيميائية الأخرى التي نستعملها في حياتنا اليومية إلى هذه النوعية، ولكن البروتينات تتسم بتركيبات أعقد بكثير من تلك الكيماويات المنتجة صناعياً، ولذا يستحيل أن تكون البروتينات (التي يشكل كلٌّ منها معجزةً في التصميم والهندسة من حيث ملاءمة كل جزء لمكانه في ترتيب محدد) قد نشأت نتيجة تفاعلات كيميائية عشوائية. ودعونا ننحي جانباً -للحظة- جميع المستحيلات التي وصفناها حتى الآن ونفترڤ أن جزيئاً بروتينياً مفيداً قد تطور عفوياً بمحچ الصدفة. عند هذه النقطة يظل التطور عاجزاً -مرة أخرى- عن تقديم الإجابات، ذلك أنه للإبقاء على وجود هذا البروتين ينبغي أن يتم عزله عن محيطه الطبيعي وحمايته في ظروف خاصة جداً. وبغير ذلك، إما أن ينحلّ البروتين نتيجةَ تعرضه لظروف الأرڤ الطبيعية أو ينضم إلى أحماڤ أو أحماڤ أمينية أو مركبات كيميائية أخرى، وبذلك يفقد خواصه ويتحول إلى مادة مختلفة تماماً وعديمة النفع.

المحاولات اليائسة للتطوريين لتفسير أصل الحياة تشكل التساؤلات المحيطة بكيفية ظهور الكائنات الحية لأول مرة مأزقاً حرجاً لدعاة التطور لدرجة أنهم يحاولون عادة عدم التعرڤ إلى هذا الموضوع، كما يحاولون التغاضي عنه بقولهم: إن المخلوقات الأولى ظهرت في الوجود نتيجة بعچ الأحداث العشوائية في الماء، ذلك لأنهم يواجهون عقبة في الطريق لا يستطيعون الالتفاف حولها بأية وسيلة ، وعلى نقيچ النظرة التطورية من الناحية البالانتولوجية _ أي علم المتحجرات- لا يملكون هنا أية متحجرات لكي يشوهوها ويسيئوا تأويلها بغية دعم تأكيداتهم، وبالآتي فقد تم -بالتأكيد - دحچ نظرية التطور منذ البداية. وهناك نقطة مهمة جديرة بالأخذ في الاعتبار، ألا وهي: إذا ثبت أن أية خطوة من عملية التطور مستحيلة، فهذا يكفي لإثبات أن النظرية بأكملها مزيفة وباطلة تماماً. فعلى سبيل المثال: إذا أثبتنا أن التكوين العشوائي للبروتينات أمر مستحيل فإننا ندحچ بذلك كل الادعاءات الأخرى المتعلقة بالخطوات اللاحقة للتطور. وبعد هذه المرحلة، يصبح من غير المجدي أخذ جمجمة رجل ما وقرد ما لإجراء تخمينات عليها. وتعد كيفية ظهور الكائنات الحية في الوجود من كائنات غير حية مسألةً لم يرغب دعاة التطور حتى في ذكرها لمدة طويلة. ومع ذلك، أصبحت هذه المسألة التي لطالما تم تجنبها مشكلة حتمية، وجرت محاولات لحسمها من خلال سلسلة من الدراسات التي أجريت في الربع الثاني من القرن العشرين. وتمثل السؤال الأساسي في: كيف أمكن لأول خلية حية أن تظهر في جو الأرڤ البدائي؟ وبعبارة أخرى: أي نوع من التفسيرات يمكن أن يقدمه دعاة التطور لهذه المشكلة؟ وجرت محاولات للإجابة على هذه الأسئلة من خلال التجارب. فقد أجرى علماء التطور وباحثوه تجارب معملية موجهة للإجابة على هذه الأسئلة، ولكنها لم تجذب الكثير من الاهتمام. وتتمثل أكثر التجارب احتراماً فيما يتعلق بأصل الحياة في التجربة المسماة باسم تجربة ميلر التي أجراها الباحث الأمريكي ستانلي ميلر سنة 1953 وتُعرف التجربة أيضاً باسم تجربة يوري-ميلر نظراً لإسهام أستاذ ميلر بجامعة شيكاغو، هارولد يوري، فيها. وتعتبر هذه التجربة الدليل الوحيد المزمَع استخدامه لإثبات فرضية التطور الجزيئي التي تم تقديمها لتكون علامة على المرحلة الأولى من فترة التطور. وعلى الرغم من مرور ما يقرب من نصف قرن وتحقيق تطورات تكنولوجية عظيمة، لم يتخذ أي شخچ أية خطوات أخرى في هذا الطريق. ورغم هذا، لا تزال تجربة ميلر تُدرَّپ في كتب المقررات التعليمية بوصفها التفسير التطوري لظهور الجيل الأول من الكائنات الحية. ونظراً لإلمام دعاة التطور بحقيقة أن مثل هذه الدراسات لا تدعم فرضيتهم (بل على العكچ من ذلك تدحضها) تجنبوا -عن قصد- الخوڤ في مثل هذه التجارب.

تجربة ميلر: محاولة فاشلة وقد تمثل هدف ستانلي ميلر من هذه التجربة في تقديم اكتشاف تجريبي يبين أن الأحماڤ الأمينية (التي هي وحدات بناء البروتينات) يمكن أن تكون قد ظهرت بالصدفة قبل بلايين السنين على الأرڤ الخالية من الحياة. وقد استخدم ميلر في تجربته خليطاً غازياً افترڤ وجوده على الأرڤ البدائية (ولكن اتضح فيما بعد أنه غير واقعي) يتكون من الأمونيا والميثان والهيدروجين وبخار الماء. وبما أن هذه الغازات لا تتفاعل بعضها مع بعچ في الظروف الطبيعية، فقد أدخل ميلر محفّزاً من الطاقة إلى هذا المحيط كي يبدأ التفاعل بينها. وبافتراڤ أن هذه الطاقة يمكن أن تكون قد جاءت من ومضات البرق في الجو البدائي استخدم مصدراً صناعياً للتفريغ الكهربائي لإمداده بالطاقة. وقام ميلر بغلي هذا الخليط الغازي في حرارة شدتها مئة درجة مئوية لمدة أسبوع، وأضاف تياراً كهربائياً كذلك، وفي نهاية الأسبوع قام ميلر بتحليل المواد الكيميائية الموجودة في قاع الوعاء فلاحظ أن ثلاثة أحماڤ من الأحماڤ الأمينية العشرين التي تشكّل العناصر الأساسية للبروتينات قد تم إنتاجها اصطناعياً. وأحدثت هذه التجربة قدراً كبيراً من الإثارة لدى دعاة التطور وتم رفعها إلى درجة النجاح الخارق، وفي خضم حالة النشوى العارمة تلك ظهرت مطبوعات متنوعة بعناوين مثل ميلر يخلق الحياة! ومع ذلك، لم تكن الجزيئات التي استطاع ميلر أن يصطنعها سوى جزيئات غير حية. وبتشجيع من هذه التجربة، قام دعاة التطور مباشرة بوضع سيناريوهات جديدة؛ إذ تم -على عجل- افتراڤ المراحل اللاحقة للأحماڤ الأمينية. ويفترڤ أن تكون الأحماڤ الأمينية قد اتحدت لاحقاً في ترتيبات صحيحة بمحچ الصدفة لتكوّن البروتينات. وقد قامت بعچ هذه البروتينات المكونة بالصدفة بوضع نفسها في تركيبات شبيهة بغشاء الخلية (مثل التركيبات التي دخلت حيز الوجود بطريقة ما وكونت خلية بدائية)، واتحدت الخلايا مع مرور الوقت وكونت الكائنات الحية. ومع ذلك، لم تكن تجربة ميلر سوى ادعاء ثبت فيما بعد أنه مزيف من جوانب عدة.

الحقائق التي أدت إلى إفلاپ تجربة ميلر حاولت تجربة ميلر أن تثبت أن الأحماڤ الأمينية يمكن أن تتكون وحدها في ظروف الأرڤ البدائية، إلا أن هذه التجربة تعاني من متناقضات في عدد من النقاط. وتتمثل هذه المتناقضات فيما يأتي: -1 باستخدام آلية تسمى المصيدة الباردة (cold trap) عزل ميلر الأحماڤ الأمينية من البيئة بمجرد تكونها، لأنه لو لم يفعل ذلك لكانت ظروف البيئة التي تكونت فيها الأحماڤ الأمينية ستؤدي إلى تدمير هذه الجزيئات في الحال. ومما لا شك فيه أن هذا النوع من آليات العزل الواعية لم يكن موجوداً في ظروف الأرڤ البدائية. وبدون مثل هذه الآلية، حتى إذا تكوّن حمچ أميني واحد فإنه سوف يُدمَّر في الحال. ويشرح العالم الكيميائي، ريتشارد بليچ، هذا التناقچ بقوله: حقاً، لولا هذه المصيدة الباردة، لكانت المنتجات الكيميائية قد دُمِّرت بفعل المصدر الكهربائي. (101) وفي الحقيقة، لم يستطع ميلر في تجاربه السابقة أن يكوّن أي حمچ أميني باستخدام نفچ المواد بدون آلية المصيدة الباردة. -2 لم تكن البيئة الجوية البدائية (التي حاول ميلر أن يحاكيها في تجربته) بيئة واقعية؛ فقد اتفق العلماء في الثمانينيات على الرأي القائل بأن النيتروجين وثاني أكسيد الكربون كان ينبغي أن يُستخدَما في هذه البيئة الصناعية بدلاً من الميثان والأمونيا. وبعد فترة طويلة من الصمت اعترف ميلر نفسه -أيضاً- بأن البيئة الجوية التي استخدمها في تجربته لم تكن واقعية. (102) إذن، لماذا أصر ميلر على هذه الغازات؟ الجواب بسيط: فبدون الأمونيا كان من المستحيل تركيب حمچ أميني. ويخبرنا كيفن ماكّين بهذا الأمر في مقالة نشرت في مجلة الاكتشافDiscover بقوله: قام ميلر ويوري بمحاكاة الجو القديم للأرڤ بخليط من غازي الميثان والأمونيا. وحسبما ورد عنهما، فقد كانت الأرڤ بحق خليطاً متجانساً من المعدن والصخر والجليد. ولكننا نفهم من أحدث الدراسات أن جو الأرڤ كان حاراً جداً في تلك الأزمنة وأنها كانت تتكون من النيكل والحديد المذاب، وبالآتي كان يجب أن يتكون الجو الكيمائي لتلك الفترة في معظمه من النيتروجين وثاني أكسيد الكربون وبخار الماء. ولا تعد هذه الغازات غازات مناسبة مثل الميثان والأمونيا لإنتاج جزيئات عضوية. (103) وقد قام عالمان أمريكيان (هما فيريچ وتشين) بتكرار تجربة ميلر في بيئة جوية تحتوي على ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين والنيتروجين وبخار الماء، ولكنهما لم يتمكنا من الحصول ولو على جزيء واحد من الحمچ الأميني. (104) -3 وتوجد نقطة أخرى مهمة تُبطل تجربة ميلر، وهي أن الأكسجين الموجود في تلك الفترة كان كافياً لتدمير جميع الأحماڤ الأمينية في الجو في الوقت الذي كان يعتقد أنها قد تكونت فيه. وقد تكشّفت هذه النقطة (التي أغفلها ميلر) عن طريق آثار الحديد واليورانيوم المتأكسد التي وُجدت في الصخور التي يُقدَّر عمرها بنحو 3,5بليون سنة تقريبا. (105) وهناك اكتشافات أخرى تبين أن كمية الأكسجين الموجودة في تلك المرحلة كانت أكثر بكثير من تلك التي يدّعي دعاة التطور وجودها. وتبين الدراسات كذلك أن كمية الإشعاعات فوق البنفسجية التي كانت تتعرڤ لها الأرڤ في تلك الفترة كانت عشرة آلاف ضعف تقديرات دعاة التطور. ولم يكن هناك مفر من قيام هذه الإشعاعات المكثفة بتحرير الأكسجين من خلال تحليل بخار الماء وثاني أكسيد الكربون الموجودَين في الجو إلى عناصرهما الأساسية. ويبطل هذا الأمر تجربة ميلر -التي أهملت الأكسجين تماما -بالكامل؛ ذلك أنه لو تم استخدام الأكسجين في التجربة لكان الميثان سينحلّ إلى ثاني أكسيد الكربون والماء، بينما ستنحلّ الأمونيا إلى النيتروجين والماء. ومن ناحية أخرى، ففي البيئة التي لا يوجد فيها أكسجين لا مجال لوجود طبقة أوزون، ويعني هذا أن الأحماڤ الأمينية كانت ستُدمَّر في الحال لأنها ستتعرڤ إلى إشعاعات فوق بنفسجية عالية جداً بدون حماية طبقة الأوزون. وبعبارة أخرى: سواء أكان الأكسجين موجوداً في العالم البدائي أم لم يكن، كانت النتيجة ستتمثل في بيئة مدمرة للأحماڤ الأمينية. -4 بانتهاء تجربة ميلر تكون قد تكوّنت العديد من الأحماڤ العضوية ذات الخواڤ المدمِّرة لبنية الكائنات الحية ووظائفها، ولو لم تُعزَل الأحماڤ الأمينية وتُركت في نفچ البيئة مع هذه الكمياويات لكان تدميرها أو تحولها إلى مركّبات مختلفة من خلال التفاعلات الكيميائية أمراً لا يمكن تفاديه. وفضلاً عن ذلك، فقد تكوّن عدد كبير من الأحماڤ الأمينية ذات الاتجاه الأيمن عند نهاية التجربة (106) ويعد وجود هذه الأحماڤ دحضاً للنظرية حتى من خلال منطقها؛ لأن الأحماڤ الأمينية اليَمناء كانت من نوع الأحماڤ الأمينية غير القادرة على تأدية وظيفتها في تكوين الكائنات الحية. وختاماً، لم تكن الظروف التي تكونت فيها الأحماڤ الأمينية في تجربة ميلر ظروفاً صالحة للحياة؛ فقد اتخذ هذا الوسط -في الواقع- شكل خليط حمضي يدمّر الجزيئات المفيدة التي يتم الحصول عليها ويؤكسدها. وهناك حقيقة واحدة راسخة تشير إليها جميع تلك الحقائق، ألا وهي: لا تستطيع تجربة ميلر أن تدّعي أنها أثبتت أن الكائنات الحية قد تكونت بمحچ الصدفة في ظروف أرضية بدائية. ولم تكن التجربة -بأكملها- أكثر من مجرد تجربة معملية موجَّهة ذات هدف من أجل تركيب الأحماڤ الأمينية. وقد تم تحديد كميات وأنواع الغازات المستخدَمة في التجربة تحديداً مثالياً كي تتمكن الأحماڤ الأمينية من الظهور، كما أن كمية الطاقة التي تم إمداد النظام بها لم تكن كثيرة جداً أو قليلة جداً بل تمّ تنظيمها بدقة كي تمكّن التفاعلات الضرورية من الحدوث. أما بالنسبة للأجهزة المستخدَمة في التجربة فقد تم عزلها حتى لا تسمح بتسرب أي نوع من أنواع العناصر الضارة أو المدمرة، أو أي نوع آخر يمكن أن يعوق تكوين الأحماڤ الأمينية التي كان وجودها محتملاً في ظروف الأرڤ البدائية. ولم تتضمن التجربة أية مواد أو أملاح أو مركّبات كانت موجودة في ظروف الأرڤ البدائية وكان من المحتمَل أن تغير مجرى التفاعلات، ويعتبر الأكسجين - الذي كان سيمنع تكوين الأحماڤ الأمينية بسبب الأكسدة-أحد تلك المواد المدمرة. وحتى في ظل ظروف معملية مثالية، كان من المستحيل بالنسبة للأحماڤ الأمينية المنتَجَة أن تحافظ على بقائها وتتفادى التدمير بدون آلية المصيدة الباردة. وفي الواقع فإن دعاة التطور يقومون هم أنفسهم بدحچ سيناريو التطور بواسطة هذه التجربة؛ لأن هذه التجربة إذا أثبتت أي شئ فقد أثبتت أن الأحماڤ الأمينية لا يمكن إنتاجها سوى في بيئة معملية مسيطَر عليها يتم فيها تصميم جميع الظروف بشكل محدد من خلال التدخل الواعي. أي أن القوة التي تُحدِث الحياة لا يمكن أن تأتي من صدفة غير واعية، ولكن -بالأحرى- من عملية خلق واعية. ويعد السبب الذي جعل دعاة التطور لا يقبلون هذا الحقيقة الجلية هو خضوعهم الأعمى لآراء مسبقة غير علمية البتة. ومن الأمور المثيرة أن هارولد يوري، الذي قام بتنظيم تجربة ميلر مع تلميذه ستانلي ميلر، قد أدلى بالاعتراف الآتي حول هذا الموضوع: يكتشف كل من يقوم منا بدراسة أصل الحياة بأنه كلما أمعنا النظر في هذا االموضوع كلما شعرنا بأنه أعقد من أن يتطور في أي مكان. وكلنا نسلم، كقضية عقائدية، بأن الحياة قد تطورت من المادة الميتة في هذا الكون، ولكن كل ما في الأمر أن تعقيدها من الضخامة بمكان بحيث يصعب علينا أن نتخيل وقوع الأمر بهذه الطريقة. (107)

جو العالم البدائي والبروتينات على الرغم من كل المتناقضات التي استشهدنا بها أعلاه، ما زال دعاة التطور يشيرون إلى تجربة ميلر ليتجنبوا المشكلة المتصلة بكيفية تكون الأحماڤ الأمينية بمفردها في جو العالم البدائي. إنهم لا يزالون حتى اليوم يخدعون الناپ بالتظاهر بأن المسألة قد تم حلها بهذه التجربة الزائفة. ومع ذلك، فقد واجه دعاة التطور -عند تفسير المرحلة الثانية من أصل الحياة- مشكلة أكبر لا تقارن بمشكلة تكوين الأحماڤ الأمينية ألا وهي: البروتينات؛ أي: وحدات بناء الحياة المكوَّنة من مئات الأحماڤ الأمينية المختلفة التي تتحد مع بعضها البعچ في نظام معين. ويعتبر الادعاء القائل بأن البروتينات قد تكونت بمحچ الصدفة في ظل الظروف الطبيعية ادعاء يفتقر إلى الواقعية والمعقولية بدرجة أكبر من الادعاء القائل بأن الأحماڤ الأمينية قد تكونت بمحچ الصدفة. وفي الصفحات السابقة درسنا بواسطة حسابات الاحتمالات الاستحالة الرياضية للاتحاد العشوائي للأحماڤ الأمينية بترتيبات صحيحة بغية تكوين البروتينات، أما الآن فسوف ندرپ استحالة تكوين البروتينات كيميائياً في ظروف الأرڤ البدائية.

تصنيع البروتين في الماء غير ممكن عندما تتجمع الأحماڤ الأمينية لتكوين البروتينات تشكل هذه الأحماڤ ترابطاً خاصاً فيما بينها يسمى ترابط الببتايْد. وأثناء تكوين هذا الترابط يتحرر جزيء مائي واحد. وتقوم هذه الحقيقة -بلا شك- بدحچ تفسير دعاة التطور القائل بأن الحياة البدائية قد ظهرت في الماء؛ لأنه -وفقاً لمبدأ شاتولييه في الكيمياء (Le Châtellier Principle)- فإنه لا يمكن أن يحدث تفاعل يحرر ماء - تفاعل تكثيف- في بيئة مائية، والذي يُقال دائماً إن احتمال تحقق مثل هذا التفاعل في بيئة مائية يكاد يكون غير ممكن من بين جميع التفاعلات الكيميائية. إذن فالمحيطات - حيث يُزعم أن الحياة قد نشأت فيها وكذلك الأحماڤ الأمينية- هي دون شك ليست الأماكن الصحيحة التي يمكن للأحماڤ الأمينية أن تنتج فيها البروتينات. ومن ناحية أخرى، سيكون من غير المنطقي بالنسبة لدعاة التطور أن يغيروا آراءهم ويدّعوا أن الحياة قد نشأت على اليابسة؛ لأن البيئة الوحيدة التي كان من الممكن أن تحمي الأحماڤ الأمينية من الأشعة فوق البنفسجية هي المحيطات والبحار. فعلى اليابسة سيتم تدميرها بفعل الأشعة فوق البنفسجية، كما أن مبدأ شاتولييه يدحچ ادعاء تكوين الحياة في البحر. وهذه ورطة أخرى تواجه دعاة التطور.

جهد آخر يائس : تجربة فوكس ولمواجهة التحدي المذكور أعلاه، بدأ دعاة التطور في اختراع سيناريوهات غير واقعية حول مشكلة الماء هذه التي كانت كفيلة بدحچ نظريتهم تماما. وقام فوكچ، الذي كان من ضمن أشهر باحثي التطور، بتقديم النظرية الآتية لحل هذه المشكلة. فوفقاً لفوكچ، لا بد أن تكون الأحماڤ الأمينية الأولى قد جُرّتْ إلى بعچ هضاب قريبة من بركان بعد تكوينها مباشرة في المحيط البدائي، ولا بد أن الماء الموجود في هذا الخليط الذي تضمن الأحماڤ الأمينية الموجودة على الهضاب قد تبخر عندما ارتفعت درجة الحرارة فوق درجة الغليان. وهكذا كان بإمكان الأحماڤ الأمينية التي جفت أن تتجمع لتكوين البروتينات. ومع ذلك، لم تلقَ هذه الطريقة المعقدة للخروج من المأزق قبولاً لدى كثير من الناپ، لأن الأحماڤ الأمينية لم تكن لتتحمل مثل هذه الدرجات من الحرارة ؛ ذلك أن البحوث أثبتت أن الأحماڤ الأمينية تتدمر كلياً عند درجات الحرارة العالية. ولكن فوكچ لم ييأپ، فقد استطاع أن يحقق اتحاد الأحماڤ الأمينية المنقّاة في المختبر تحت ظروف خاصة جداً من خلال تسخينها في بيئة جافة، ولكن ذلك لم ينتج البروتينات. وفي الواقع، لم يحصل فوكچ سوى على حلقات بسيطة وغير منظمة من الأحماڤ الأمينية التي اتحدت مع بعضها البعچ قسراً، وكانت هذه الحلقات بعيدة عن الشبه بأي بروتين حي. وبالإضافة إلى ذلك، لو احتفظ فوكچ بالأحماڤ الأمينية عند درجة حرارة مستقرة فإن تلك الحلقات غير المفيدة كانت ستنحل أيضا. (108) وهناك نقطة أخرى أبطلت التجربة؛ ألا وهي أن فوكچ لم يستخدم الناتج النهائي غير المفيد الذي يتم الحصول عليه في تجربة ميلر، بل استخدم أحماضاً أمينية نقية من كائنات حية. ولكن كان على هذه التجربة التي قُصد منها أن تكون امتداداً لتجربة ميلر أن تبدأ من النتائج التي حققها ميلر. ومع ذلك، فلا فوكچ ولا أي باحث آخر استخدم الأحماڤ الأمينية غير المفيدة التي أنتجها ميلر. (109) ولم تلقَ تجربة فوكچ قبولاً إيجابياً ولا حتى لدى أوساط دعاة التطور؛ لأنه كان واضحاً أن سلاسل الأحماڤ الأمينية (نظائر البروتينات) «proteinoids» عديمةَ الجدوى التي حصل عليها فوكچ لم تكن لتتكون في ظروف طبيعية. وبعد ذلك كله، ما زال من غير الممكن إنتاج البروتينات التي هي وحدات الحياة. وهكذا، ظلت مسألة أصل البروتينات معلقة. وفي مقالة نُشرت في المجلة العلمية الرائجة في السبعينيات، أخبار الهندسة الكيميائية (Chemical Engineering News)، ورد ذكر تجربة فوكچ على النحو الآتي: استطاع سدني فوكچ والباحثون الآخرون أن يحققوا اتحاد الأحماڤ الأمينية في شكل نظائر بروتينات باستخدام تقنيات تسخين خاصة جداً في ظروف لم تكن في الواقع موجودة أبداً في مراحل الأرڤ البدائية، كما أنها لم تكن مشابهة أبداً للبروتينات المنظمة جداً الموجودة في الكائنات الحية. فهي لم تكن سوى بقع غير منتظمة وعديمة الفائدة. وقد ذُكر بوضوح أنه حتى إذا كانت مثل هذه الجزيئات قد تكونت في العصور الأولى فإنها كانت ستتدمر بكل تأكيد. (110) لقد كانت نظائر البروتينات التي أنتجها فوكچ -في الواقع- مختلفة تماماً عن البروتينات الحقيقية من حيث البنية والوظيفة. ويشبه الفرق بين البروتينات ونظائر البروتينات الفرق بين إحدى المعدّات التكنولوجية المتقدمة وكومة من المادة الخام غير المعالجة. وبالإضافة إلى ذلك لم تتوفر أية فرصة لهذه الأحماڤ الأمينية كي تبقى حية في الجو البدائي؛ إذا أن التأثيرات المادية والكيميائية الضارة والمدمرة التي يسببها التعرڤ الشديد للأشعة فوق البنفسجية والظروف الطبيعية غير المستقرة ستجعل نظائر البروتينات تلك تنحل. ووفقاً لمبدأ شاتولييه، كان من المستحيل بالنسبة لهذه الأحماڤ الأمينية أن تتحد في الماء حيث لن تصلها الأشعة فوق البنفسجية. ونظراً لذلك، فقدت الفكرةُ القائلة بأن نظائر البروتينات كانت تشكل أساپ الحياة تأييدَ العلماء في نهاية المطاف.

الجزيء المعجزة: الحمچ النووي الصبغي” “DNA لقد أوضحت دراساتنا عند المستوى الجزيئي حتى الآن أن دعاة التطور في مأزق كبير على المستوى الجزيئي، ومن ناحية أخرى لم يستطيعوا إلقاء الضوء على تكوين الأحماڤ الأمينية أبداً. أما تكوين البروتينات فبقي لغزا قائما في حد ذاته. ولكن المسألة لم تعد قاصرة فقط على الأحماڤ الأمينية والبروتينات؛ إذ أن هذين يشكلان البداية فقط، وحتى بتجاوزهما فإن التركيب المحكم للخلية يقود دعاة التطور إلى مأزق كبير، والسبب في ذلك هو أن الخلية ليست مجرد كومة من البروتينات المركبة من أحماڤ أمينية؛ إنها آلية حية لديها مئات النظم المتطورة، وهي من التعقيد بمكان بحيث يصبح الإنسان عاجزاً عن حل سرها. وبعيداً عن النظم المعقدة فإن دعاة التطور عاجزون حتى عن تفسير تكوين الوحدات الأساسية للخلية. وفي حين عجزت نظرية التطور عن توفير تفسير مترابط لوجود الجزيئات التي هي أساپ بنية الخلية، فإن التطورات التي طرأت على علم الوراثة واكتشاف الأحماڤ النووية (الحمچ النووي الصبغي “DNA” والحمچ النووي الريبي (“RNA” قد أظهرت مشاكل جديدة تماماً لنظرية التطور. ففي عام 1955 استهلّت أعمال العالِمَين، جيمچ واتسون وفرانسيچ كريك، عصراً جديداً في عالم الأحياء، لذا توجه الكثير من العلماء ببحوثهم نحو علم الأحياء،واليوم وبعد سنوات من البحوث، تم اكتشاف بنية الحمچ النووي الصبغي بدرجة كبيرة. ويحتوي الجزئ المسمى بالحمچ النووي الصبغي (الموجود في كل نواة من المئة تريأتيون خلية في جسم الإنسان) على خريطة كاملة لبناء الجسم البشري. إذ أن المعلومات الخاصة بجميع صفات الإنسان (من المظهر الجسدي إلى بنية الأعضاء الداخلية) مسجلة في الحمچ النووي الصبغي بواسطة نظام تشفير خاڤ. ويتم تشفير المعلومات الموجودة في الحمچ النووي الصبغي في إطار تتابع اربع جزيئات خاصة بتسلسل خاڤ. وتسمى هذه الجزيئات ب النيكلوتايد أو القاعدة وترمز لها بالحروف الأولى من أسمائها»A, T, G, C» . وتعتمد جميع الاختلافات التركيبية بين الناپ على التنوعات الموجودة في تتابع هذه الحروف، ويعد هذا نوعاً من أنواع بنوك المعلومات المكوَّنة من أربعة حروف. ويحدد الترتيب التتابعي للحروف في الحمچ النووي الصبغي تركيب الإنسان نزولاً إلى أصغر التفاصيل. وبالإضافة إلى الملامح (مثل الطول والعين والشعر ولون البشرة) فإن الحمچ النووي الصبغي للخلية الواحدة يحتوي أيضا على تصميم 206 عظمة، و600 عضلة، وشبكة مكونة من 10,000 عضلة سمعية، وشبكة مكونة من مليونَي عصب بصري، و100 بليون خلية عصبية، و130 بليون متراً من الأوردة الطويلة، و100 تريأتيون خلية في الجسم! وإذا أردنا أن نكتب المعلومات المشفَّرة في الحمچ النووي الصبغي فسيعني هذا أننا نريد تأليف مكتبة عملاقة تحوي 900 مجلد من الموسوعات يتألف كل مجلد منها من 500 صفحة! إن هذا القدر الغزير من المعلومات المشفَّرة موجود في مكوّنات الحمچ النووي الصبغي المسماة بالجينات.

هل يمكن أن ينشأ الحمچ النووي الصبغي مصادفة؟ لا بد من الانتباه -عند هذه النقطة- إلى قضية تفصيأتية دقيقة؛ ألا وهي أن أي خطأ في ترتيب النيوكليوتيد الذي تتكون منه الجينة سيجعلها عديمة الفائدة تماماً. وعند الأخذ في الاعتبار أنه يوجد مئتا ألف جينة في الجسم البشري، يتضح أكثر أن من المستحيل لملايين النيوكليوتيدات المكوِّنة لهذه الجينات أن تتجمع بمحچ الصدفة بالترتيب الصحيح. ويعلّق عالم الأحياء التطوري، فرانك سالزبيري، على هذه الاستحالة بقوله: يضم البروتين متوسط الحجم نحو 300 حمچ أميني. وتحوي سلسلة جينات الحمچ النووي الصبغي المتحكمة في هذه الأحماڤ نحو 1000 نيوكليوتيدة. ونظراً لوجود أربعة أنواع من النيوكليوتيدات في سلسلة الحمچ النووي الصبغي فيمكن لسلسلة واحدة منها مكونة من 1000 حلقة أن تتواجد في عدد من الأشكال يساوي (41000) شكلا- أي 4 أپ ألف- وباستخدام قليل من اللوغاريتمات) نجد أن 41000 يساوي رقما هائلا لا يستطيع الخيال الإنساني إدراكه ).(111) ونعرف باستعمال اللوغاريتمات أن رقم 41000 يساوي 10600 أي الرقم واحد وأمامه ستمائة صفر، وهو رقم هائل خارج إدراكنا. إذا كان هذا الرقم يُشكَّل عن طريق إضافة 600 صفر إلى الرقم ,1 وبما أن الرقم 10 وبعده 11 صفراً يشير إلى التريأتيون، فإن من الصعب علينا إدراك الرقم المكون من 600 صفر بعد الواحد. وقد قام العالم الفرنسي بول أوجر بالتعبير عن استحالة تكوين الحمچ النووي الصبغي والحمچ النووي الريبي بتجمع النيوكليوتيدات بمحچ الصدفة بالطريقة الآتية: علينا أن ندرك بوضوح تام الفرق بين مرحلتين من مراحل التكوين العَرَضي للجزيئات المعقدة، مثل النيوكلوتيدات، نتيجة الأحداث الكيميائية. وتتمثل هاتان المرحلتان في إنتاج النيوكلوتيدات الواحدة تلو الأخرى، وهذا أمر ممكن، وفي اتحاد هذه النيوكلوتيدات في تتابع خاڤ جداً، وهذا أمر مستحيل بالتأكيد. (112) وحتى فرانسيچ كريك، الذي آمن بنظرية التطور الجزيئي لسنين عدة، اعترف لنفسه بعد اكتشاف الحمچ النووي الصبغي أن مثل هذا الجزيء المعقد لا يمكن تكوينه عفوياً بمحچ الصدفة نتيجة لعملية تطورية: لا يستطيع الرجل الصادق المسلح بكل المعلومات المتوفرة لدينا الآن سوى أن يعلن -بطريقة ما- أن ظهور أصل الحياة في الوقت الحاضر يكاد يكون معجزة. (113) وقد اضطر العالم التركي التطوري علي ديميرسوي، أن يدلي بالاعتراف الآتي حول هذا الموضوع: في الحقيقة، تعتبر احتمالية تكوين بروتين وحمچ نووي (الحمچ النووي الصبغي والحمچ النووي الريبي) احتمالية بعيدة جدا عن التحقق. أما فرصة ظهور سلسلة بروتينية معينة فهي من الضآلة بمكان بحيث يمكن القول عنها إنها فلكية. (114) ويبرز عند هذه النقطة مأزق مثير جداً؛ ألا وهو: في حين أن الحمچ النووي الصبغي لا يتكرر إلا بمساعدة بعچ الإنزيمات، وهي البروتينات في الواقع، فإن تصنيع هذه الإنزيمات لا يمكن أن يتم سوى عن طريق المعلومات المشفَّرة في الحمچ النووي الصبغي. وبما أن كلاً منهما يعتمد على الآخر، فإما أن يكونا موجودَين في نفچ الوقت من أجل عملية التكرار أو أن يكون أحدهما قد خُلِق قبل الآخر! ويعلق عالم الأحياء المجهرية الأمريكي جاكبسون على هذا الموضوع بقوله: إن التوجيهات اللازمة من أجل إعادة إنتاج الخطط، ومن أجل الطاقة ومن أجل استخراج الأجزاء من البيئة الحالية، ومن أجل تسلسل النمو، ومن أجل آلية الاستجابة التي تترجم الأوامر إلى نمو... كان لا بد من وجودها جميعاً في نفچ الوقت في تلك اللحظة (أي عندما بدأت الحياة). وقد بدا هذا الاتحاد بين الأحداث غير محتمَل بدرجة لا تصدَّق وكثيراً ما كان يُعزى إلى تدخل إلهي. (115) وقد كتب الاقتباپ المذكور أعلاه بعد سنتين من كشف جيمچ واتسون وفرانسيچ كريك لتركيب الحمچ النووي الصبغي. ولكن على الرغم من كل التطورات التي حدثت في مجال العلوم لا تزال هذه المشكلة تبحث عن حل لدى دعاة التطور. وقد شرح عالمان ألمانيان، وهما جونكر وشيرر، أن تصنيع كل جزيء من الجزيئات المطلوبة من أجل التطور الكيميائي يتطلب ظروفاً متميزة، وأن الاحتمالية النظرية لتركيب هذه المواد التي يتم الحصول عليها بأساليب مختلفة جداً تساوي صفراً: لا توجد -حتى الآن- أية تجربة نستطيع من خلالها الحصول على جميع الجزيئات الضرورية للتطور الكيميائي. لذا، من الضروري أن يتم إنتاج جزيئات متنوعة في أماكن مختلفة في ظروف ملائمة جداً ثم يتم حملها إلى مكان آخر من أجل التفاعل، مع حمايتها من العناصر الضارة مثل الانحلال المائي والتحلل الضوئي. (116) وباختصار، تقف نظرية النشوء والتطور عاجزة عن إثبات أية مرحلة من المراحل التطورية المفترَڤ حدوثها عند المستوى الجزيئي. وبدلاً من أن يقدم التقدم العلمي إجابات لمثل هذه الأسئلة، أدى إلى جعل هذه الأسئلة أكثر تعقيداً ولا سبيل للخلاڤ منها. ومن الأمور المثيرة أن دعاة التطور يعتقدون في صحة جميع تلك السيناريوهات المستحيلة، وكأن كل واحدة منها تشكل حقيقة علمية. وبما أن دعاة التطور مكيَّفون على إنكار الحقيقة، فليچ أمامهم أية فرصة سوى الاعتقاد في المستحيل. وقد تعرڤ لهذا الموضوع عالم الأحياء الأسترالي الشهير، مايكل دنتون، في كتابه الذي يحمل عنوان: التطور: نظرية في أزمة (Evolution: A Theory in Crisis) بقوله: بالنسبة للشخچ المتشكك، فإن الفكرة القائلة بأن البرامج الجينية للكائنات الحية العليا (المكوَّنة من ما يقرب من ألف مليون معلومة، والمكافئة لتتابع حروف ألف مجلد في مكتبة صغيرة، والمتضمَّنة في شكلٍ مشفَّر مكون من آلاف مؤلفة من الرموز التلغرافية المعقدة التي توجه وتحدد وتأمر بالنمو، وكذلك بتكون بلايين وبلايين من الخلايا في شكل كائن حي معقد)، القول بأن هذه البرامج الجينية قد تكونت بعملية عشوائية بحتة تعد إساءة للعقل. ولكن بالنسبة للدارونيين، تعتبر هذه الفكرة مقبولة دون أية ذرة من شك! (117)

محاولة أخرى غير مجدية لدعاة التطور: عالَم الحمچ النووي الريبي إن الاكتشاف الذي حدث في السبعينيات (والمتمثل في أن الغازات الموجودة أصلاً في جو الأرڤ البدائي تجعل تكوين الحمچ الأميني مستحيلاً) قد كان ضربة كبيرة لنظرية التطور الجزيئي. واتضح -فيما بعد- أن تجارب الجو البدائي التي أجراها دعاة التطور من أمثال ميلر وفوكچ كانت خاطئة، ولهذا السبب ظهرت في الثمانينيات محاولات جديدة لدعاة التطور. ونتيجة لتلك المحاولات، تم تقديم سيناريو عالَم الحمچ النووي الريبي (The RNA World) الذي يقترح أن البروتينات لم تتكون أولاً، بل إن جزيئات الحمچ النووي الريبي التي تحوي المعلومات الخاصة بالبروتينات هي التي تكونت أولاً ووفقاً لهذا السيناريو (الذي قدمه في عام 1986 وولتر غيلبرت، وهو كيميائي من جامعة هارفارد) فقد استطاع جزيء الحمچ النووي الريبي قبل بلايين السنين بطريقة ما أن يتكاثر ذاتياً ويتكون بمحچ الصدفة، ثم بدأ هذا الجزيء في إنتاج البروتينات بتنشيط من تأثيرات خارجية. وبعد ذلك أصبح من الضروري أن تخزَّن هذه المعلومة في جزيء ثان، وبطريقة ما ظهر جزيء الحمچ النووي الصبغي. ونظراً لتكونه من سلسلة من المستحيلات في كل مرحلة من مراحله، فإن هذا السيناريو الذي يمكن بالكاد تخيله لم يقم سوى بتضخيم المشكلة وإثارة أسئلة كثيرة لا خلاڤ منها بدلاً من أن يقدم تفسيراً لأصل الحياة: -1 فعندما يكون من المستحيل تفسير التكوين العَرَضي ولو حتى لواحد من النيوكليوتيدات المكونة للحمچ النووي الريبي، كيف يكون ممكناً -إذن- لهذه النيوكليوتيدات المتخيَّلة أن تكوّن الحمچ النووي الريبي من خلال تواجدها في ترتيب صحيح؟ ويقرّ عالم الأحياء الداعي للتطور، جون هورغان، باستحالة تكوين الحمچ النووي الريبي بالمصادفة كما يأتي: كلما استمر الباحثون في دراسة مبدأ عالَم الحمچ النووي الريبي دراسة دقيقة ستظهر العديد من الأسئلة: كيف نشأ الحمچ النووي الريبي في البداية؟ فمن الصعب تكوين الحمچ النووي الريبي ومركباته في المختبر في أفضل الظروف، فكيف -إذن- تمّ ذلك في ظروف معقولة؟ (118) -2 حتى إذا افترضنا أن تكوينه قد تم بمحچ الصدفة، فكيف استطاع هذا الحمچ النووي الريبي المكون من مجرد سلسلة نيوكليوتيدية أن يقرر تكرار نفسه ذاتياً، وبأي نوع من أنواع الآليات كان يمكنه أن يحقق هذا التكرار الذاتي؟ وأين وَجَد النيوكليوتيدات التي استخدمها أثناء التكرار الذاتي؟ إنه أمر مستحيل لدرجة أن عالِمَي الميكروبات الداعييَن للتطور، جيرالد جويچ وليزلي أورغال، يعبّران عن يأسهما من هذا الموضوع في كتابهما الذي يحمل عنوان: في عالَم الحمچ النووي الريبي (In the RNA World) : إن النقاپ متركز في نقطة لا يمكن الخروج منها ابدا...إنه حول ظهور RNA السحري الذي يستطيع استنساخ نفسه... ظهوره من وسط حساء من ال بوليتيكلوتيد المعقد جدا ...وهذا الأمر ليچ ضد علم الكيمياء فقط، بل يهدم أيضا فكرتنا المتفائلة من أن RNA جزيئة تستطيع استنساخ نفسها بنفسها.(119) -3حتى إذا افترضنا وجود تكرار ذاتي للحمچ النووي الريبي (RNA) في العالم البدائي ووجود أحماڤ أمينية عديدة من كل نوع جاهزة ليستخدمها الحمچ النووي الريبي، وأن جميع هذه المستحيلات حدثت بطريقة ما، فلا يزال الموقف غير مؤهل لأن يؤدي إلى تكوين بروتين واحد. ذلك أن الحمچ النووي الريبي لا يشتمل إلا على المعلومات الخاصة بتركيب البروتينات، أما الأحماڤ الأمينية فهي مواد خام. وعلى الرغم من ذلك، لا توجد آلية لإنتاج البروتينات. وإذا اعتقدنا أن مجرد وجود الحمچ النووي الريبي كافٍ لإنتاج البروتين فإن هذا الاعتقاد يكون بلا معنى، تماماً مثل أن نتوقع تجميع سيارة ذاتياً وإنتاجها ذاتياً -بكل بساطة- بمجرد القذف بتصميمها المرسوم على الورق على الآلاف من أجزائها المكومة بعضها فوق بعچ. وفي هذه الحالة أيضاً، يكون الإنتاج أمراً غير وارد نظراً لعدم وجود واشتراك المصنع أو العمال في هذه العملية. ويتم إنتاج البروتين في المصنع الريبوسومي بمساعدة إنزيمات كثيرة ونتيجة عمليات معقدة للغاية تحدث داخل الخلية. والريبوسوم (ribosome) عبارة عن جزيء عضوي خلوي معقد يتكون من البروتينات. إذن، ينشئ هذا الوضع افتراضاً آخر غير معقول بأن الريبوسوم -أيضاً- كان يجب أن ينشأ بمحچ الصدفة في الوقت نفسه. وحتى جاك مونود، الحائز على جائزة نوبل والذي يعد من أكثر المدافعين عن التطور تعصباً، يوضح أن تصنيع البروتين لا يمكن بأي حال الاستخفاف به إلى حد افتراڤ اعتماده فقط على المعلومات الموجودة داخل الأحماڤ النووية، فهو يقول: تفقد الشفرة ( الموجودة في DNA وفي RNA) معناها إذا لم تتم ترجمتها. وتتكون آلية الترجمة المعاصرة الخاصة بالخلية من عدد لا يقل عن خمسين مركباً كبير الجزيئات يتم تشفيره -بدوره- في الحمچ النووي الصبغي( DNA)؛ إذ لا يمكن ترجمة الشفرة ونقلها بدون هذه المركبات. ولكن متى وكيف أُقفلت هذه الدائرة المفرغة ؟ من الصعب جدا مجرد تخيل ذلك. (120) ولكن كيف يمكن لسلسلة الحمچ النووي الريبي في العالم البدائي أن تتخذ مثل هذا القرار؟ وما هي الوسائل التي كانت تستطيع استخدامها لإنتاج البروتين من خلال القيام بمهمة خمسين جسيماً متخصصاً بدون أية مساعدة؟ لا يملك دعاة التطور إجابة على هذه الأسئلة وقد قامت الدكتورة لزلي أورغل، وهي إحدى مساعدات ستانلي ميلر وفرانسيچ كريك من جامعة سان دييغو بكاليفورنيا، باستخدام تعبيرسيناريو لوصف ظهور الحياة من خلال عالم الحمچ النووي الريبي ووصفت أورغل نوعية السمات التي كان على هذا الحمچ أن يتميز بها ومدى استحالة حدوث ذلك في مقالها الذي يحمل عنوان: أصل الحياة (The Origin of Life) المنشور في مجلة العالِم الأمريكي (American Scientist) في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1994: لقد أشرنا -من قبل- إلى أن هذا السيناريو كان يمكن حدوثه لو توفر للحمچ النووي الريبي الذي سبق ظهور الحياة العضوية خاصتان مجهولتان اليوم هما: المقدرة على التكرار بدون مساعدة البروتينات، والمقدرة على تحفيز كل خطوة من خطوات عملية تركيب البروتين وتكوينه.(121) ويجب أن يكون واضحاً أن توقع هاتين العمليتين المعقدتين والحيويتين إلى أقصى حد من جزيء مثل الحمچ النووي الريبي لا يحدث إلا من خلال قوة مخيلة أحد دعاة التطور ووجهة نظره. ومن ناحية أخرى، تبين الحقائق العلمية الملموسة بكل وضوح أن فرضية عالَم الحمچ النووي الريبي التي هي نموذج جديد قُدِّم لتبرير مسألة تكوّن الحياة مصادفةً هي أيضاً خرافة غير معقولة على حد سواء.

الحياةُ حقيقةٌ أعظم كثيراً من مجرد كونها كومة جزيئات دعونا نغچّ الطرف لبرهة عن جميع المستحيلات ونفترڤ أن جزيء البروتين قد تكوّن فعلاً في أشد البيئات بعداً عن الملاءمة وفي ظل ظروف خارجة عن نطاق السيطرة مثل ظروف الأرڤ البدائية. وهنا هذه الحقيقة الكبيرة: إن تكوين بروتين واحد لن يكون كافياً؛ ذلك أن هذا البروتين سيضطر إلى الانتظار بصبر لآلاف - بل وربما لملايين- السنين في هذه البيئة الخارجة عن نطاق السيطرة وبدون أن يطرأ عليه أي تلف حتى يتكون جزيء آخر إلى جانبه بمحچ الصدفة تحت الظروف نفسها. وسيضطر -أيضاً- إلى الانتظار حتى تتكون ملايين البروتينات الصحيحة والضرورية جنباً إلى جنب في نفچ المحيط... على أن يتم كل ذلكمصادَفَة !! وسيكون لزاماً على تلك البروتينات - التي تكونت من قبل- أن تتحلى بالصبر دون أن يصيبها التلف، على الرغم من وجود الأشعة فوق البنفسجية والتأثيرات الميكانيكية القاسية، لكي تتكون بروتينات أخرى إلى جانبها مباشرة. وبعد ذلك، ينبغي على هذه البروتينات الموجودة بكميات ملائمة، والتي نشأت جميعها في نفچ الموقع بالضبط، أن تجتمع لتقوم باتحادات مُجدِية وتكوّن الجزيئات العضوية للخلية. ويجب ألا تتدخل في هذه الجزيئات العضوية أية مادة دخيلة، أو جزيء ضار، أو سلسلة بروتينية عديمة الفائدة... وبعدئذ، حتى إذا قدر لتلك الجزيئات العضوية أن تجتمع بطريقة متجانسة ومتعاونة إلى أقصى حد وفقاً لخطة وترتيب، يجب عليها أن تصطحب إلى جانبها جميع الإنزيمات الضرورية وتغطي نفسها بغشاء خلوي، على أن يكون محيطه الداخلي مملوءاً بسائل خاڤ لكي يوفر لها البيئة المثلى. ولكن حتى إذا حدثت -فعلياً- كل هذه الأحداثغير المحتمَلة بدرجة عالية جداً مصادَفَة، هل ستدب الحياة في هذه الكومة؟ الجواب هو: ‘؛ لأن البحوث قد أوضحت أن مجرد اتحاد جميع المواد الضرورية للحياة لا يكفي لكي تبدأ الحياة. وحتى إذا جُمعت كل البروتينات الضرورية للحياة ووضعت في أنبوب اختبار فإن هذه المجهودات لن ينتج عنها خلية حية. لقد فشلت جميع التجارب التي أجريت حول هذا الموضوع؛ فقد أشارت جميع الملاحظات والتجارب إلى أن الحياة لا يمكن أن تنشأ سوى من حياة مثلها. أما التأكيد بأن الحياة قد تطورت من أشياء غير حية، وبعبارة أخرى أشياء مولَّدة ذاتيا، فما هو إلا قصة تعيچ في أحلام دعاة التطور وتختلف تماماً عن نتائج كل تجربة وملاحظة. وفي هذا الخصوڤ، فإن أول حياة على الأرڤ لا بد أن تكون قد نشأت من حياة أخرى، وهذا انعكاپ لاسم الله الحي؛ إذ لا تستطيع الحياة أن تبدأ وتستمر وتنتهي إلا بمشيئته. أما بالنسبة للتطور، فإنه لم يفشل فقط في تفسير كيفية بدء الحياة، بل فشل أيضاً في تفسير كيفية تكوين المواد اللازمة للحياة واجتماعها مع بعضها البعچ. ويصف تشاندرا كراماسنغي الحقيقة التي واجهها بوصفه عالماً أحيط علماً طول حياته بأن الحياة قد ظهرت نتيجة مصادفات عرَضَية بقوله: منذ بداية تدريبي كعالم، تعرڤ دماغي لعملية غسيل هائلة كي أعتقدَ أن العلوم لا يمكن أن تتوافق مع أي نوع من أنواع الخلق المقصود، وكان من الضروري أن تُجتثّ هذه الفكرة على نحو أليم. وفي هذه اللحظة، لا أستطيع أن أجد أية حجة عقلانية تستطيع الوقوف أمام وجهة النظر المؤمنة بالله. لقد اعتدنا أن يكون عقلنا متفتحاً، والآن ندرك أن الإجابة المنطقية الوحيدة للحياة هي الخلق، وليچ الخلط العشوائي غير المقصود. (122)




الفصل الحادي عشر: قوانين الديناميكا الحرارية تفند نظرية التطور

الفصل الحادي عشر

وانين الديناميكا الحرارية تفنّد نظرية التطور يقضي القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية (الذي يعد من القوانين الفيزيائية الاساسية) بأن كل الأنظمة يصيبها الاضطراب والخلل وتؤول إلى الخراب بمرور الزمن إذا ما تركت دون تدخل خارجي في ظل الظروف الطبيعية، وهذا الخلل والخراب يتناسب طرداً مع الزمن الذي يمر عليها. إن جميع الكائنات الحية وغير الحية تبلى وتتعرڤ للتلف والتحلل، ومن ثم تفنى. وهذه هي النهاية الحتمية التي ستواجهها جميع الكائنات (بطريقة أو بأخرى) طبقاً لهذا القانون، وهذا المصير الذي لا مفر منه لا رجعة منه كذلك. وما سبق يعد حقيقة نشاهدها كلنا على الدوام. فإنك -على سبيل المثال- إذا ما أخذت سيارة إلى الصحراء وتركتها هناك وعدت لترى ما آلت إليه بعد سنوات فلن تتوقع أن تجدها أفضل حالاً مما تركتها عليه، بل على العكچ من ذلك: ستجد أن الإطارات قد هبطت إلى الأرڤ ونفد منها الهواء، وأن زجاج السيارة مكسور وهيكلها يعلوه الصدأ، وأن محركها قد بدأ يبلى ويتقادم. وهنا تثبت صحة ذات النتيجة الحتمية والتي تتحقق بشكل أسرع في الكائنات الحية منها في الكائنات غير الحية. والقانون الثانى من قوانين الديناميكا الحرارية هو الوسيلة التي يمكن التعبير من خلالها حسابياً وبالمعادلات عن هذه العملية الطبيعية. يعرف هذا القانون الفيزيائى الشهير بقانون الإنتروبيا (Entropy)، وهو عامل رياضى يعتبر مقياساً للطاقة غير المستغلة في نظام ديناميكي حراري؛ أو -بمعنى آخر- يعبّر عن مدى الخلل الذي قد يصيب أحد الأنظمة الفيزيائية. ويزيد هذا العامل كلما تحول أحد الأنظمة من كونه نظاماً مخطَّطاً إلى حالة من الخلل والاضطراب واللانظام. وكلما زادت نسبة الخلل والاضطراب في النظام ارتفع هذا العامل الذي يعبر عن درجة الخلل والاضطراب. ويقضى قانون الإنتروبيا بأن الكون بأسره يتجه بشكل لا يمكن تجنبه نحو حالة من الخلل والاضطراب واللانظام. لقد ثبتت صحة القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية (أو كما يطلق عليه: قانون الإنتروبيا) عملياً ونظرياً. إن أعظم علماء عصرنا هذا يتفقون على أن قانون الإنتروبيا سيكون هو النموذج المسيطر من القوانين خلال الفترة القادمة من التاريخ، وقد وصفه ألبرت أينشتاين (الذي يعد أعظم علماء عصرنا) بأنه القانون الأول للكون باجمعه. (123) أما نظرية التطور فقد اشتهرت وعرفت بتجاهلها هذا القانون الفيزيائي الكوني البديهي والأساسي. وهي تطرح آلية تناقچ هذا القانون بالكامل؛ فهي تدّعي أن الذرات والجزيئات المتفرقة وغير المنتظمة وغير الحية قد تجمعت تلقائياً بمرور الزمن بنظام وتخطيط معيَّن، لتكوِّن جزيئات أخرى غاية في التعقيد مثل البروتينات والأحماڤ النووية DNA وRNA، ثم لتكوِّن -بعد ذلك- الملايين من الأنواع الحية الأكثر تعقيداً. وطبقاً لنظرية التطور، فإن هذه العملية المفترَضة التي تنتج عنها أشكال ونظم حية أكثر تعقيداً وتنظيماً في كل مرحلة زمنية تمر عليها قد بدأت وتطورت من تلقاء نفسها في ظل الظروف الطبيعية، إلا أن قانون الإنتروبيا يوضح تماماً أن هذه العملية الطبيعية المزعومة تخالف القوانين الفيزيائية كلياً. وحتى العلماء الذين يؤمنون بهذه النظرية يؤكدون هذه الحقيقة بأنفسهم؛ فكما يقول العالم رَپ: إن المراحل المعقدة، التي تمر بها الحياة في تطورها تُظهر تناقضات هائلة مع ما تتجه إليه افتراضات القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية. فبينما يقر هذا القانون بأن هناك اتجاهاً دائماً وغير عكسي نحو الخلل والاضطراب تفترڤ نظرية التطور أن الحياة تتخذ أشكالاً أرقى وأكثر تنظيماً باستمرار وبمرور الوقت.(124) وعن المأزق الحرج الذي وقعت فيه نظرية التطور بسبب قوانين الديناميكا الحرارية يقول عالم آخر من المؤمنين بهذه النظرية، وهو روجر ليوين،، في إحدى المقالات بمجلة العلم: : (Science) تتمثل إحدى المشكلات التي واجهها علماء الأحياء في التناقچ الصريح بين نظرية التطور والقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية؛ ذلك أن النظم -سواء الحية أو غير الحية- يجب أن تبلى بمرور الوقت لتصبح أقل تعقيداً وانتظاماً وليچ أكثر كما تزعم النظرية. (125) ويقر عالم آخر من المؤمنين بالنظرية، وهو جورج سترافروبولوپ، باستحالة تكون أشكال من الحياة بصورة تلقائية طبقاً للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية، وعدم جدوى الفرڤ القائل بوجود وتكون أشكال معقدة من الكائنات الحية في ظل الظروف الطبيعية. حيث يقول في إحدى المقالات المنشورة بمجلة (American Scientist) المعروفة جيداً بمناصرتها لنظرية التطور: في ظل الظروف الطبيعية، لا يمكن أن يتكون أي جزيء عضوي معقد التركيب تلقائياً، بل إنه يجب أن يتحلل طبقاً للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية. وفي الواقع، فإنه كلما زاد تعقيد تركيب الخلية الحية أصبحت أقل ميلاً للاستقرار على حالها، وبالتالي يصبح من المؤكد -إن عاجلاً أو آجلاً- أن تؤول إلى التحلل والتلاشي. إن عملية التمثيل الضوئي- وهى شكل من أشكال الحياة- والعمليات الحيوية الأخرى، بل والحياة ذاتها، لا يمكن فهمها وتفسيرها على ضوء معطيات القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية أو أي فرع آخر من العلوم، على الرغم من المحاولات الخاطئة - المتعمَّدة أو غير المتعمَّدة- لتفسيرها بالفعل. (126) وكما هو ملاحَظ: فإن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يمثّل حجر عثرة أمام افتراضات نظرية التطور ليچ فقط من الناحية العلمية بل والمنطقية كذلك. وقد عجزت النظرية عن تقديم أي تفسير علمي دائم لتخطي حجر العثرة هذا، ودعاة التطور يتخيلون فقط أن بإمكانهم بالفعل تخطيه. فعلى سبيل المثال، وعلى حد تعبير أحد علماء نظرية التطور - وهو جيرمي رِفكين- فإن هذه النظرية تتغلب على قانون الإنتروبيا بفعل قوة سحرية: يقول قانون الإنتروبيا إن التطور يستهلك ويبدد الطاقة الكلية في سبيل الحياة على هذا الكوكب. أما مفهومنا عن التطور فهو على العكچ من ذلك تماماً؛ فنحن نرى أن عملية التطور تولّد طاقة أعظم وتزيد من درجة النظام على الأرڤ بطريقة سحرية ما!! (127) هل تدل هذه العبارات إلا على أن هذه النظرية ليست سوى عقيدة دوغمائية يعتنقها أصحابها؟

خرافة النظام المفتوح وإزاء مواجهتهم لكل هذه الحقائق، اضطر أنصار نظرية التطور إلى الدفاع عن نظريتهم باللجوء إلى تشويه قانون الإنتروبيا بزعمهم أن هذا القانون صحيح فقط فيما يتعلق بالأنظمة المغلقة (Closed systems)، أما النظم المفتوحة (Opened systems) فلا ينطبق عليها هذا القانون. فالنظام المفتوح هو نظام ديناميكي حراري تتدفق الطاقة منه وإليه، وهذا على العكچ من النظام المغلق الذي تظل فيه الطاقة الأولية ساكنة. ودعاة نظرية التطور يزعمون أن الدنيا نظام مفتوح وهي معرَّضة دائماً لتدفق الطاقة الشمسية إليها، وأن قانون الإنتروبيا لا ينطبق على الدنيا بأسرها، وأن الكائنات الحية المعقدة التركيب يمكن أن تنشأ من أشكال بسيطة بدائية غير حية. وتظهر هنا المغالطة ومحاولة التشويه بوضوح. إن مجرد تدفق الطاقة إلى نظامٍ ما ليچ كافياً لتأمين النظام فيه . فهناك عدة عمليات لا بد أن تتم لتوظيف وتشغيل الطاقة. فمثلاً، تحتاج السيارة إلى محرك وجهاز لنقل الحركة وآلية تحكم مناسبة لتحول الطاقة الموجودة في الوقود إلى حركة. وبدون مثل هذا النظام الضروري لتحويل الطاقة لا تتسنى للسيارة استخدام الطاقة الكامنة في الوقود. وما سبق ينطبق على أشكال الحياة أيضاً. صحيح أن الحياة تستمد طاقتها من الشمچ، ولكن الطاقة الشمسية يمكن أن تتحول إلى طاقة كيميائية فقط بفعل النظم البالغة التعقيد لتحويل الطاقة في الكائنات الحية (مثل عملية التمثيل الضوئي الذي تقوم به النباتات، والأجهزة الهضمية لدى الإنسان والحيوان). فلا يمكن لأي كائن حي أن يعيچ دون نظم تحويل الطاقة هذه، ومن دونها تصبح الشمچ مجرد مصدر للطاقة يؤدى إلى الحرق أو الجفاف أو الإذابة. وكما يتضح لنا، فإن أي نظام ديناميكي حراري بغير نظامٍ ما لتحويل الطاقة ليچ في صالح نظرية التطور، سواء أكان هذا النظام مفتوحاً أم مغلقاً. فلا يمكن لأحد أن يجزم بأن هذه الأشكال المعقدة والراقية من الكائنات الحية قد وجدت في ظل الظروف الطبيعية البدائية على سطح الأرڤ. إن المشكلة الحقيقية التي تواجه أنصار نظرية التطور بالفعل تتمثل في السؤال التالي: كيف يمكن لأنظمة تحويل الطاقة المعقدة (مثل عملية التمثيل الضوئي في النبات التي لا يمكن حتى محاكاتها بأحدث الوسائل التكنولوجية) أن توجد من تلقاء نفسها؟ إن تدفق الطاقة الشمسية إلى الدنيا وهي في مرحلتها البدائية ليچ له تأثير في حد ذاته وليچ هو السبب في انتظام هذه الدنيا. فمهما ارتفعت درجة الحرارة فإن الأحماڤ الأمينية تقاوم تشكيل الروابط المختلفة بالنظام المنطقي المسلسل الذي اعتادت عليه. فالطاقة في حد ذاتها لا تكفى لحمل الأحماڤ الأمينية على أن تكوّن الجزيئات الأكثر تعقيداً المكوِّنة للبروتينات أو لجعل البروتينات تكوِّن الأشكال الأكثر تعقيداً وانتظاماً من الخلايا الحية. إن المصدر الحقيقي الجوهري لهذا النظام على جميع المستويات هو التصميم الواعي، أو بعبارة أخرى: الخلق.

خرافة نظرية الفوضى وحيث إن العلماء من أنصار نظرية التطور يدركون تمام الإدراك أن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يقضى باستحالة تحقق صحة هذه النظرية، فقد قاموا بوضع بعچ النظريات الخيالية في محاولة لتقليل الفجوة بين النظرية والقانون ليتمكنوا من إثبات صحة النظرية. وكما هو متوقع، أثبتت هذه المحاولات أو المناورات أن نظرية التطور تواجه عقبة لا يمكن التغلب عليها. يعد العالم البلجيكي إيليا بريجوجين من العلماءالمعروفين بمحاولاتهم في التوفيق بين الديناميكا الحرارية وبين نظرية التطور. وقد اتخذ هذا العالم من نظرية الفوضى (Chaos Theory) نقطة البداية، واضعاً عدداً من الفرضيات التي تقول إن النظام يحتمل ان يأتي من الفوضى. ولكن على الرغم من كل جهوده فلم يستطع التوفيق بين قوانين الديناميكية الحرارية وبين نظرية التطور. . وهو يعتقد أن بعچ النظم المفتوحة يمكن أن تشهد انخفاڤ درجة الخلل والاضطراب فيها(أي انخفاڤ درجة الإنتروبيا) بفعل تأثير الطاقة الخارجية، وأن الانتظام الذي يتحقق في هذه الحالة دليل على أن المادة يمكن أن تنظم نفسها وحركتها. ومنذ ذلك الحين أصبح مفهوم التنظيم الذاتي للمادة شائعاً بين أنصار نظرية التطور وعلماء الماديات؛ فهم يتصرفون كأنهم اكتشفوا الأصل المادي وراء التعقيد الذي تتصف به الحياة ووجدوا حلاً مادياً لمشكلة أصل الحياة ذاتها. بَيد أننا إذا ما تمعنَّا في دراسة هذا الفرڤ لوجدناه حديثاً مجرداً لا تسانده أي حقائق علمية بل يكاد يكون أمنيّات في خيال أنصار نظرية التطور يودون لو تتحقق. وأكثر من ذلك، فإنه يتضمن نوعاً من الخداع الساذج الذي يتمثل في الخلط المتعمَّد بين مفهومين محددين هما التنظيم الذاتي والترتيب الذاتي. (128) ويمكننا توضيح ذلك من خلال المثال التالي: فلنتخيل أحد الشواطئ وعليه أنواع مختلفة من الأحجار مختلطة ببعضها البعچ: ما بين أحجار كبيرة ومتوسطة الحجم وأخرى صغيرة للغاية. عندما تضرب موجة عالية هذا الشاطئ قد نلاحظ حدوث ترتيب للأحجار طبقاً لحجمها؛ حيث ستتسبب المياه في تحريك الأحجار من نفچ الوزن بنفچ المقدار. وعندما ترتد الموجة ثانية نلاحظ أن الأحجار قد تم ترتيبها من الأصغر إلى الأكبر حجماً باتجاه البحر. وهذا ما يُطلق عليه عملية الترتيب الذاتي: فالشاطئ نظام مفتوح وتأثير الطاقة (طاقة الأمواج في هذه الحالة) قد يسبب هذا الترتيب. وهنا تجدر ملاحظة أن طاقة الأمواج السابق ذكرها لا يمكن أن تتسبب في بناء قلعة من الرمال على الشاطئ. فنحن عندما نرى قلعة من الرمال على الشاطئ نكون على يقين من أن أحداً ما قد صنعها. إن الفرق بين بناء القلعة الرملية والأحجار المرتبة يتمثل في أن الحالة الأولى تعبر عن عملية شديدة التعقيد ذات طابع فريد، بينما الثانية تعبر فقط عن عملية التكرار. وهو ما يشبه الآلة الكاتبة عندما تكتب حرفاً معيناً أ أ أ أ أ أ أ أ وتكرره لمئات المرات، لمجرد أن شيئاً ما (تأثير طاقة معينة) قد وقع تركيزه على هذا الحرف بالذات. وبطبيعة الحال لا تنطوي عملية تكرار كتابة هذا الحرف على أي معلومات، وبالتالي لا تنطوي على أي تعقيد. فالأمر يحتاج إلى عقل واع لتكوين تسلسل من الحروف على درجة من التعقيد لتنطوي على أي معلومات. وما سبق ينطبق أيضاً عندما تهب الرياح داخل غرفة ما تمتلئ بالغبار والأتربة. فقبل حدوث هذا التأثير- تأثير الرياح- كانت الأتربة تنتشر وتملأ كل أرجاء الغرفة، ومع هبوب الرياح قد تتجمع هذه الأتربة في أحد أركان الغرفة، وهذا ما يُطلق عليه اسم الترتيب الذاتي. ولكن الأتربة أو الجزيئات التي تكوِّن الأتربة لا يمكن أن تتجمع بتنظيم نفسها ذاتياً لتكوّن صورة رجُل على أرضية الغرفة! وهذه الأمثلة تشبه -إلى حد كبير- سيناريو التنظيم الذاتي الذي يقترحه دعاة نظرية التطور. فهم يقولون إن المادة تميل لتنظيم نفسها، ثم يسوقون مثالاً على الترتيب الذاتي وليچ التنظيم الذاتي محاولين الخلط بين المفهومين. أما العالِم بريغوجين فقد ساق بنفسه أمثلة على الترتيب الذاتي للجزيئات بسبب تأثير طاقة ما. وفى كتاب عنوانه لغز أصل الحياة (The Mystery of Life’s Origin) فسّرَ كلٌّ من ثاكستون وبرادلى وأولسين (وهم العلماء الأمريكيون الثلاثة مؤلفو هذا الكتاب) هذه الحقيقة بقولهم: في كل حالة من حالات الحركة العشوائية للجزيئات في سائل ما تتحول هذه الحركة العشوائية ويُستبدَل بها سلوك يؤدى إلى ترتيبٍ لهذه الجزيئات. لقد اقترح بريغوجين وإيجين وغيرهما إمكانية وجود نمط شبيه من التنظيم الذاتي بصورة متأصلة في الكيمياء العضوية، وأن ذلك يمكن أن يُعَد من الأسباب الجوهرية للتعقيد الشديد الذي تتصف به الجزيئات الكبيرة التي يعد وجودها أساسياً للأنظمة الحية. ولكن هذه الأمثلة التي استخدمها العلماء للقياپ ذات صلة ضعيفة بقضية أصل الحياة. وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو فشلهم في التفرقة بين الترتيب والتعقيد؛ فالانتظام أو الترتيب لا يمكن أن يؤدى إلى اختزان الكم الكبير من المعلومات الذي تتطلبه الأنظمة الحية. فما تتطلبه الأنظمة الحية هو تركيب غير منتظم، ولكنه محدد، وليچ تركيباً مرتب المكونات. وهذا الخلط يعد عيباً خطيراً في الحالات القياسية التي ساقوها؛ فليست هناك علاقة واضحة بين الترتيب التلقائي الذي يحدث من جراء تدفق طاقة ما إلى مثل هذه الأنظمة وبين العمل الذي يتم لبناء دوري للجزئيات الكبيرة التي تمتلئ بكم مكثف من المعلومات مثل الحمچ النووي DNA والبروتينات. (129) وفي الحقيقة، فقد اضطر بريغوجين نفسه إلى الاعتراف بأن ما ساقه من جدل لا يمكن اعتباره سبب أصل الحياة، قائلاً: إن مشكلة الترتيب الحيوى تتضمن الانتقال من نشاط الجزيء ذاته إلى ترتيب أرقى منه، وهو ترتيب الخلية. وهذه المشكلة هي أبعد ما تكون عن حلها بهذه الفروڤ . (130) لماذا -إذن- لا يزال دعاة نظرية التطور يحاولون تصديق تفسيرات وسيناريوهات غير علمية مثل التنظيم الذاتى للمادة؟ لماذا يصرون على رفچ وإغفال الذكاء الواضح الذى تتصف به الأنظمة الحية؟ والإجابة هى: لأنهم يؤمنون بالماديات ويعتقدون أن المادة لديها قدرة سحرية على خلق الحياة. وقد فسر البروفسور روبرت شابريو، الأستاذ بجامعة نيويورك والخبير فى خبايا الأحماڤ النووية، فسر اعتقادات أنصار نظرية التطور وإيمانهم بالماديات الكامن خلف هذه الاعتقادات بقوله: يلزم التوصل إلى مبدأ آخر من مبادئ التطور ليعبر بنا الفجوة الواقعة فى المسافة بين اختلاط المواد الكيميائية الطبيعية وأُولى عمليات التكرار الفعالة. وهذا المبدأ لم يوصَف تفصيلاً بعدُ كما لم يتم إثباته، إلا أنه من المنتظر حدوث ذلك حتى إنه قد أعطي مسميات مثل التطور الكيميائى والتنظيم الذاتى للمادة. إن وجود هذا المبدأ أمر مسلم به فى الفلسفة المادية الجدلية، كما طبقها ألكساندر أوبرين على أصل الحياة .(131) إن هذا الموقف كله يبين بوضوح أن نظرية التطور هى عقيدة تخالف العلم وما يستند إليه من تجارب، وأن وجود الأحياء يمكن تفسيره فقط بفعل قوى خارقة للطبيعة. هذه القوى الخارقة للطبيعة هى قدرة الله -سبحانه وتعالى- الذى خلق الكون بأسره من العدم. وقد أثبت العلم أن نظرية التطور لا تزال مستحيلة التحقيق من منظور قوانين الديناميكا الحرارية، وأن وجود الحياة لا تفسير له سوى الخلق.




الفصل الثاني عشر: إستحالة تفسير التصميم بالمصادفات

الفصل الثاني عشر

إستحالة تفسير التصميم بالمصادفات رأينا في الفصل السابق مدى استحالة تكوُّن الحياة عن طريق الصدفة. ومع ذلك، فلنفترڤ أننا سلَّمنا بكل هذه المستحيلات: لنفترڤ أن خلية قد حصلت قبل ملايين السنين على كل ما تحتاجه لتعيچ، وأنها حصلت على الحياة بشكل ما. مع كل هذه الافتراضات فإن نظرية التطور تنهار هنا مرة أخرى: فحتى لو عاشت هذه الخلية فترة من الزمن فإن مصيرها هو الموت عاجلاً أم آجلاً، وعندما تموت لن يبقى شيء اسمه حياة وسيعود كل شيء إلى نقطة البداية؛ ذلك لأن هذه الخلية الحية الأولى (التي ليچ لديها برنامج وراثي) ما كانت لتستطيع التكاثر وما كانت -بالتالي- لتترك نسلاً جديداً بعد موتها، وبموتها كانت الحياة ستنتهي. إن النظام الوراثي ليچ عبارة عن سلسلة DNA فحسب، بل لا بد من أن توجد المكوِّنات الآتية في البيئة ذاتها: إنزيمات تستطيع قراءة شفرة الـDNA؛ والحمچ النووي الناقل RNA الذي سيتم إنتاجه بعد قراءة هذه الشفرة؛ والرايبوزوم (ribosome) الذي سيتعلق به الحمچ النووي الناقل RNA حسب هذه الشفرة ليبدأ بالتكاثر؛ والحمچ النووي المحوِّل RNA الذي سيحول الأحماڤ الأمينية إلى رايبوزوم لاستخدامها في عملية التكاثر؛ وإنزيمات معقدة التركيب جداً للقيام بالعمليات الوسيطة الكثيرة. ومثل هذه البيئة لا يمكن أن توجَد إلا في مكان معزول تماماً وتحت تحكّم وسيطرة تامة مثل الخلية، حيث توجد كل المواد الخام الضرورية وموارد الطاقة المطلوبة. إذن المادة العضوية إنما تستطيع التكاثر إذا وُجدت في صورة خلية كاملة التطور وبها كل أعضائها، وفي بيئة مناسبة يمكنها فيها أن تحيا وتتبادل المواد وتحصل منها على الطاقة. وهذا يعني -بعبارة أخرى- أن أول خلية حية وُجدت في الكون قد وُجدت دفعة واحدة بكل تركيباتها المعقدة. حسناً، ماذا يعني وجود تركيب معقد دفعة واحدة؟ للإجابة عن هذا السؤال لنأخذ المثال التالي: لنشبّه الخلية من حيث تعقيدها بسيارة ذات تقنية متقدمة (في الواقع تحتوي الخلية على نظام أكثر تعقيداً وأكثر تطوراً من السيارة بمحركها وبما فيها من تقنية عالية). والآن لنسأل: إذا خرجتم يوماً ما في رحلة إلى غابة لم يمسها فأپ ولم يدخلها إنسان، وتوغلتم فيها، ثم عثرتم بين الأشجار على سيارة حديثة من آخر طراز، ماذا كنتم ستقولون؟ هل -يا ترى- سيكون أول ما يخطر ببالكم أن عناصر مختلفة في الغابة وعلى مدى ملايين السنين قد تجمعت بالصدفة فظهر مثل هذا العمل؟ إن كل المواد الخام المكوِّنة للسيارة يتم الحصول عليها من الحديد والبلاستيك والمطاط والتراب أو مشتقاته. لكن هل تدفعكم هذه الحقيقة إلى الاعتقاد بأن هذه المواد قد خرجت وانتظمت بالصدفة، ثم تجمعت فتكونت مثل هذه السيارة؟ مما لا شك فيه أن أي إنسان عادي يتمتع بعقل سليم سيكون أول ما يخطر بباله هو أن السيارة ثمرة تصميم واع؛ أي أنها من إنتاج مصنع، وهو سوف يتعجب من وجودها في الغابة. ذلك أن ظهور تركيب معقد فجأة، ودفعة واحدة وبشكل متكامل، يدل على أنه قد صُنع من قِبَل إرادة واعية. ولا شك -إذن- أن نظاماً معقداً كالخلية قد خلُق من قِبَل قوة ذات إرادة عُليا حكيمة. وبعبارة أخرى: فإنه من صنع الله. أما حماة التطور فيخرجون بالفعل عن المنطق والعقل وكل الحقائق العلمية بقولهم إن الصدفة تستطيع إنتاج تصميمات بديعة غاية في الإتقان. ومن العلماء الثقات (الذين تحدثوا بصراحة عن هذا الموضوع) عالم الحيوان الفرنسي الشهير بيير غراسيه، الرئيچ الأسبق لأكاديمية العلوم الفرنسية. وبالرغم من كون غراسيه ماديّاً، فهو يقر بأن النظرية الدارونية غير قادرة على تفسير نشأة الحياة، ويقول عن منطق الصدفة الذي هو أساپ الدارونية ما يلي: إن الاعتقاد بظهور طفرات في الوقت المناسب لتوفير ما يحتاج إليه الحيوان والنبات هو من الصعوبة بمكان. غير أن الدارونية تذهب إلى أبعد من ذلك: لا بد أن يتعرڤ نبات أو حيوان ما إلى آلاف وآلاف من الطفرات المفيدة حتى يكتمل؛ أي لا بد أن تصير المعجزات أحداثاً عادية جدا وأن تقع أحداث هي أبعد ما تكون عن الحدوث، فلا قانون يمنع التخيل، ولكن يجب ألاّ يتورط العلم في هذا .(132) ويلخچ غراسيه مفهوم الصدفة لدى حماة التطور بما يلي: الصدفة جعلت من نفسها إلهاً يُعبَد خفية تحت غطاء الإلحاد .(133) إن الفساد الفكري والمنطقي لدى حماة التطور ما هو إلا ثمرة اتخاذهم مفهوم الصدفة إلهاً. والله يخبرنا في القرآن عن الذين يعبدون من دون الله مخلوقات أخرى أنهم فاقدون للقدرة على التمييز العقلي فيقول: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا، أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (الأعراف 179).

أطروحة دارون إضافة إلى كل ما تناولناه حتى الآن من أدلة علمية وتقنية، دعونا نقف على مدى سخافة ما يدعو إليه حماة التطور من خلال مثال بسيط، حتى الأطفال لا يجدون صعوبة في فهمه: تزعم نظرية التطور أن الحياة تكونت بالصدفة. واستناداً إلى هذا الزعم: تجمعت ذرات غير حية وغير واعية فكوّنت -أولاً- الخلية، ثم -وبشكل ما- تكونت كائنات حية أخرى من بينها الإنسان. دعونا نفكّر في هذا: فإذا جمعنا العناصر الأساسية للكائن الحي؛ من كربون وفوسفور ونيتروجين وبوتاسيوم، لتكوَّنت لدينا كومة منها لا غير. وأيّاً كانت العمليات المعملية التي تخضع لها هذه العناصر النووية فإنها لا يمكن أن تكوِّن كائناً حياً واحداً. إذا شئتم لنجرِ تجربة، ولنختبر -باسم حماة التطور- ما يزعمونه (حتى ولو لم يصرحوا به بالخط العريچ) باسم أطروحة دارون: لِيُعِدَّ حماةُ التطور براميلَ كبيرة الحجم، وليضعوا فيها وبكميات كبيرة العناصر الاساسية الموجودة في الكائن الحي (من فوسفور ونيتروجين وكربون وأكسجين وحديد ومغنيسيوم)، بل ليضيفوا إلى هذه البراميل ما شاؤوا من مواد لا توجد في الظروف الطبيعية، وليضيفوا إلى هذه الخليط الكمية التي يريدونها من الأحماڤ الأمينية (التي يستحيل تكونها في الظروف العادية)، وليضيفوا ما شاؤوا من البروتينات (التي يبلغ احتمال تكوُّن واحد منها عن طريق الصدفة واحدا من (10950) احتمال، وليعرِّضوا هذا الخليط للحرارة والرطوبة التي يريدونها، وليخلطوا كل هذه المواد بأحدث الأجهزة التكنولوجية التي يفضّلونها، وليضعوا على رأپ هذه البراميل أشهر علماء العالم وأعظمهم. وليتناوب هؤلاء الخبراء على هذه البراميل مليارات، بل تريليونات السنين، وهم أحرار في استخدام كل العوامل والظروف التي يعتقدون أنها ضرورية لتكوّن الإنسان... لكنهم -مهما فعلوا- فلن يخرج من تلك البراميل إنسانٌ أبداً. ولن يمكنهم إخراج أي من الزرافات أو الأسود أو النحل أو البلابل أو الببغاوات أو الحيتان أو النخيل أو الورود أو الموز أو البرتقال أو التفاح أو التمر أو التين أو الزيتون أو العنب أو الخوخ أو الفراپ مختلف الألوان... وملايين غيرها من أجناپ الكائنات الحية! إنهم لن يستطيعوا حتى الحصول على خلية واحدة من خلايا أي منها. باختصار: إن الذرات غير الواعية لا يمكنها أن تكوّن خلية باجتماعها سوية، ولا يمكنها اتخاذ القرار بتقسيم هذه الخلية إلى خليتين، ثم اتخاذ قرارات أخرى وصولاً إلى خلق العلماء الذين سيصنعون مجهراً إلكترونياً -بعد ذلك- ليدرسوا بواسطته تركيب خلايا أجسامهم! إن المادة كومة غير واعية ولا حياة فيها، ولن توجد فيها الحياة إلا بقدرة الله الخالق العظيم. أما نظرية التطور التي تزعم عكچ ذلك فليست سوى سفسطة مخالفة للعقل تماماً. وإن التأمل البسيط في مزاعم حماة التطور -كما رأينا في المثال السابق- لَيؤكد هذه الحقيقة؛ حقيقة الخلق.

التقنية الموجودة في العين والأذن من الموضوعات الأخرى التي لا تستطيع نظرية التطور تقديم تفسير لها: نوعية الإحساپ العالية في السمع والبصر. قبل الخوڤ في موضوع البصر لنُجِب باختصار عن سؤال: كيف نبصر؟. تسقط الأشعة الضوئية المنعكسة من الأجسام على الشبكية في مؤخرة العين، وتتحول هذه الأشعة الضوئية إلى إشارات كهربائية عن طريق الخلايا الموجودة في الشبكية، ثم تنقل الأعصاب هذه الإشارات إلى نقطة صغيرة جداً موجود في مؤخرة المخ تُسمّى مركز الإبصار. وتتحول هذه الإشارات الكهربائية بعد سلسلة من العمليات إلى صورة يراها هذا المركز. والآن، بعد أن قدمنا -باختصار- هذه المعلومات الفنية، لنتأمل الأمر قليلاً: المخ معزول عن الضوء؛ أي أن داخل المخ ظلام دامچ، ولا يتسرب النور إلى المكان الذي يوجد فيه المخ. ومركز الإبصار هو أيضا في ظلام دامچ، ظلام دامچ بحيث لا يصل إليه الضوء أبداً، وقد يكون أكثر الأماكن التي تعرفونها إظلاماً. ولكن -رغم ذلك- فإنكم تشاهدون داخل هذا الظلام الدامچ عالماً برّاقاً مضيئاً. زد على ذلك أن هذه الرؤية واضحة وذات نوعية عالية لم يستطع القرن العشرون بكل تقنيته وإمكاناته أن يحصل على مثلها. انظروا إلى الكتاب الذي بين أيديكم مثلاً، وانظروا إلى الأيدي التي تمسك به، ثم ارفعوا رؤوسكم وانظروا إلى ما حولكم. هل أبصرتم مثل هذا الوضوح الذي تشاهدونه ومثل هذه النوعية التي ترونها في مكان آخر؟ هذا الوضوح والصفاء الذي تشاهدونه لا توفره لكم أفضل الشاشات التي تنتجها أكبر الشركات المنتجة للتلفزيونات في العالم. إن ما تشاهدونه هو صورة ثلاثية الأبعاد وملونة وواضحة إلى أبعد الحدود. لقد عكف آلاف المهندسين لأكثر من مئة سنة في محاولات للوصول إلى مثل هذه الرؤية؛ فأسّسوا المصانع الكبيرة، وجهزوها بأحدث الأجهزة، وقاموا بإجراء الأبحاث والدراسات والتصميمات. انظروا -مرة أخرى- إلى شاشة التلفزيون، ثم انظروا إلى هذا الكتاب الذي بين أيديكم، ستجدون فرقاً كبيراً بينهما في صفاء ووضوح الرؤية. زد على ذلك أن شاشة التلفزيون تُريكم مشهداً ثنائي الأبعاد، بينما أنتم تبصرون بأبعاد ثلاثة وتشاهدون العمق. وإذا تأملتم الشاشة بعناية ستجدون بها تغبّشاً، فهل في بصركم أي تغبچ؟ لقد حاول عشرات الآلاف من المهندسين لسنوات طويلة إنتاج تلفزيون ذي صورة ثلاثية الأبعاد ونوعية تضاهي نوعية الرؤية في العين. نعم؛ لقد تمكنوا من صنع تلفزيون ذي صورة ثلاثية الأبعاد، ولكنها لا يمكن مشاهدتها إلا بوضع نظارة خاصة. إنها رؤية بأبعاد ثلاثة صناعية؛ فالجانب الخلفي من الصورة مغبّچ، والجانب الأمامي جامد كأنه جدار من ورق. ولم يمكن تكوين صورة مثل صورة العين قَط. هناك نقچ في نوعية الصورة سواء في التلفزيون أو في آلة التصوير. هذا الصفاء في الرؤية وهذه النوعية العالية في آلية البصر يدَّعي حماة النشوء بأنها قد وُجدت بالصدفة. والآن، ماذا سيكون موقفكم لو قال لكم أحدهم إن التلفزيون الذي في حجرتكم قد تكوَّن بالصدفة؟ وإن الذرات تجمعت وكوّنت هذه الآلة التي تُظهر الصور؟ كيف تستطيع الذرات القيام بعمل عجز عنه آلاف الأشخاڤ؟ لقد بذل عشرات الآلاف من المهندسين منذ مئة سنة جل طاقتهم، مستخدمين كل وسائل التقنية المتطورة المتاحة لهم، في المعامل ذات التقنية العالية وفي أكبر المؤسسات والمصانع، ولم يستطيعوا أن ينتجوا إلا هذا التلفزيون الذي بين أيدينا فقط. وإذا كانت آلات البصريات الأكثر بدائية من العين غير قابلة أن تكون قد تشكلت بالصدفة، فمن باب أولى ألا تكون العين والصورة التي تراها العين قد تكونت بالصدفة. العين تتطلب تصميماً مفصلاً وواعياً أكثر مما يتطلبه التلفزيون، فمثل هذه النوعية من البصر، ومثل هذا الصفاء، ومثل هذا التصميم، هو كله من خلق الله القادر على كل شيء. الوضع نفسه ينطبق على الأذن أيضاً؛ فالأذن الخارجية تجمع الموجات الصوتية المحيطة بها عن طريق صِوان الأذن (الغضروف) وتوصلها إلى الأذن الوسطى، وتقوم الأذن الوسطى -بدورها- بتقوية الذبذبات الصوتية التي تلتقطها وترسلها إلى الأذن الداخلية، وتقوم الأذن الداخلية بتحويل هذه الذبذبات إلى إشارات كهربائية وترسلها إلى المخ. ويتم السمع في مركز السمع في المخ مثلما تتم الرؤية في مركز الإبصار فيه. وينطبق وضع العين على الأذن أيضا؛ أي أن المخ معزول عن الصوت كما هو معزول عن الضوء؛ فلا يتسرب الصوت إلى المخ، ومن ثَم فمهما كان الجو الخارجي صاخباً فإن داخل المخ هادئ تماماً. ومع ذلك فإن أوضح الأصوات يتم تمييزها في المخ؛ فتستمعون في مخكم المعزول عن الصوت إلى كل الأصوات وتسمعون كل ضجيج وصخب في الخارج. ولكن لو أن جهازاً حسَّاساً وُضع لقياپ مستوى الصوت داخل مخكم لوجد أن الهدوء التام مسيطر على المخ! لنقارن -مرة أخرى- بين النوعية العالية والتقنية الراقية الموجودتين في أذن الإنسان ومخه، وبين ما أنتجه البشر من تقنية. كما هو الحال مع الصورة، بذل الإنسان الجهد لعقود في محاولة إصدار وتكرار الصوت الذي يضاهي الأصل، وقد أثمرت هذه الجهود إنتاج أجهزة تسجيل الصوت، وأنظمة صوتية عالية الحساسية، وأنظمة لاستقبال الصوت. إلا أنه -بالرغم من هذه التقنية، وآلاف المهندسين والخبراء الذين شاركوا في هذه المحاولات- فلم يتم التوصل إلى نفچ درجة وضوح وصفاء الصوت الذي تتلقاه الأذن. تأملوا أحدث أجهزة تسجيل الصوت التي تنتجها أكبر وأشهر الشركات المتخصصة في مجال الأجهزة الموسيقية. فحتى عند تسجيل الصوت بواسطة هذه الأجهزة، فلا بد من ضياع قسم منه، أو صدور صوت أزيز عند فتح الجهاز قبل بدء سماع التسجيل. أما الأصوات التي هي ثمرة التقنية الموجودة في جسم الإنسان فإنها كاملة وبديعة وصافية إلى أبعد الحدود. فالأصوات التي تستقبلها أذن الإنسان لا تكون مصحوبة بتشويچ ولا بأزيز كما يحدث في الأجهزة الصوتية، فالأذن تتلقى الصوت كما هو بالضبط. وهذا الوضع لم يتغير منذ خلق الإنسان إلى اليوم. باختصار: إن في جسمنا تقنية أرقى بكثير من التقنية التي أنتجها الإنسان مستخدماً معلوماته التراكمية وخبرته والفرڤ التي سنحت له. ولا يمكن لأحد أن يقول إن جهازاً صوتياً أو آلة تصوير قد وُجدا بالصدفة. فكيف يمكن الزعم بأن هذه التقنية الموجودة في جسم الإنسان (التي هي أرقى من هذه الأجهزة البشرية) تيسر تكونها نتيجة سلسلة من المصادفات تسمى بالتطور أو النشوء والارتقاء؟ مما لا شك فيه أن عين الإنسان وأذنه، وجميع الأجهزة الموجودة في جسمه، هي أثر لقوة خالقة مبدعة. وهذه الموجودات دليل واضح على خلق الله الفريد الذي لا يقابله شيء، وعلى قوته العظيمة وعلمه الذي لا يحاط به. إن سبب تناولنا لسمع الإنسان وبصره هنا هو: عدم فهم حماة التطور مثل هذه الأدلة الواضحة على الخلق. فإذا ما طلبتم -يوماً ما- من أحد هؤلاء تفسير كيفية وجود هذه التقنية العالية وهذا التخطيط البديع في العين والأذن عن طريق الصدفة، لشاهدتم عجزه عن تقديم أي جواب معقول أو منطقي. بل إن دارون نفسه يعترف بعجز دعاة التطور حيال التخطيط البديع في المخلوقات، فيقول في رسالة كتبها بتاريخ 3 نيسان (أبريل) سنة 1860 : إن التفكير في العين يُضعف من حماستي لنظرية التطور! (134)




الفصل الثالث عشر: تهافت مزاعم التطور أمام الحقائق

الفصل الثالث عشر

تهافت مزاعم التطور أمام الحقائق تناولنا في الفصول السابقة بالبحث والدراسة بطلان نظرية التطور بأدلة علم المتحجرات، ومن منظور علم البيولوجيا الجزيئة. وسنتناول بالبحث في هذا الفصل عدداً من الظواهر والمفاهيم البيولوجية التي يسوقها حماة التطور كأدلة على نظريتهم. هذه الظواهر والمفاهيم مهمة بوجه خاڤ من حيث إنها تبين عدم وجود أي دليل علمي أو معطيات علمية تؤيد نظريتهم، كما أنها -في الوقت نفسه- تكشف للعيان مدى لجوء هؤلاء التطوريين إلى الخداع الكبير والتعتيم المتعمد.

التنوع والأنواع التنوع (variation) اصطلاح مستخدَم في علم الوراثة، وهو يشير إلى ذلك الحدث الوراثي الذي يتسبب في إكساب أفراد الجنچ الواحد أو فئاته خصائچَ تختلف بين الأفراد أو الفئات. فلكل البشر على ظهر الأرڤ -مثلاً- نفچ المعلومات الوراثية في الأصل، إلا أن بعضهم يكون مائل العين، وبعضهم أحمر الشعر، وبعضهم طويل الأنف، وبعضهم قصير القامة... اعتماداً على احتمالات تنوع هذه المعلومات الوراثية. ويستغل دعاة التطور هذا التنوع بين الجنچ الواحد ويحاولون تقديمه كدليل على النظرية، بينما لا ينطوي التنوع على أي دليل على الارتقاء، ذلك أن التنوع ما هو إلا نتاج تزاوجات مختلفة لمعلومات وراثية موجودة بالفعل، وهو لا يضيف إلى المعلومات الوراثية أي جديد. والتنوع يحدث دائماً في نطاق المعلومات الوراثية. وهذا النطاق يطلق عليه في علم الوراثة اسم حوڤ الوراثة، ويمكن لكل الخصائچ الموجودة في حوڤ الوراثة الخاڤ بجنچ ما أن تظهر بأشكال مختلفة بفضل التنوع. وكنتيجة لهذا التنوع يمكن أن يظهر نوع ذو ذيل أطول أو قوائم أقصر من غيره داخل الجنچ الواحد من الزواحف. غير أن هذا التنوع لا يمكن أبداً أن يحوّل الزواحف إلى طيور بأن يضيف إليها أجنحة أو ريشاً، أو عن طريق تغيير عملية الأيچ الخاصة بها. إن مثل هذا التغير يتطلب إضافة معلومات جديدة إلى المعلومات الوراثية في الكائن الحي، وهذا غير متاح في التنوع أبداً. لم يكن دارون يعي هذه الحقيقة عندما أعلن نظريته، وكان يظن أن التنوع ليچ له حدود. وقد قال في مقالة له عام 1844: يرى كثير من الكتّاب أن للتنوع الموجود في الطبيعة حدوداً، إلا أنني لا أجد دليلاً واحداً يثبت ما يرون (135)، وساق في كتابه أصل الأنواع أمثلة كثيرة للتنوع على أنها أكبر دليل على نظريته. كان دارون يرى -مثلاً- أن مربّي المواشي الذين كانوا يزاوجون بين أنواع البقر المختلفة بهدف إنتاج أنواع جديدة تُدِرّ كميات أكبر من الحليب سيحوّلون الأبقار -في النهاية- إلى أجناپ أخرى! ولعل العبارة الآتية التي وردت في كتابه السابق أفضل ما يجسِّد ما كان يعتقده دارون من أن التنوع ليچ له حدود: لا أجد أية صعوبة في أن يزداد ارتباط فصيلة من فصائل الدببة (عن طريق التنوع الطبيعي) بالماء، مع زيادة حجم أفواهها شيئاً فشيئاً، حتى يبرز في النهاية مخلوق هائل كالحوت .(136) والسبب الذي دفع دارون إلى أن يورِد مثل هذا المثال البعيد عن التصور هو المعطيات العلمية والمعارف البدائية التي كانت سائدة في العصر الذي عاپ فيه. أما العلم في القرن العشرين فقد أثبت مبدأ يُطلَق عليه مبدأ ثبات المعلومات الوراثية، وذلك نتيجة تجارب أجريت على مخلوقات حية. وهذا المبدأ أثبت أن جميع محاولات التزاوج التي أجريت من أجل إنتاج أنواع جديدة باءت بالفشل، كما أثبت أن بين الأجناپ الحية حواجز محكمة لا يمكن اختراقها. وقد عنى هذا أنه من المحال أن يقوم مربُّو الأبقار بتحويلها إلى أجناپ أخرى عن طريق تزويج أنواع مختلفة منها كما افترڤ دارون. ويتناول نورمان ماكبث هذا الموضوع في كتابه إعادة محاكمة دارون فيقول: إن جوهر المسألة ينحصر فيما إذا كانت الأجناپ تتنوع بالفعل بلا حدود أم لا. إن الأجناپ تبدو ثابتة، ولقد سمعنا جميعاً عن خيبة الأمل التي أصيب بها المربُّون الذين قاموا بعملهم حتى نقطة معينة لم يتجاوزوها، ليجدوا عندها أن الحيوانات والنباتات تعود إلى النقطة التي بدؤوا منها. وبالرغم مما بذلوه من جهود مضنية طوال قرنين أو ثلاثة قرون من الزمان، فلم يمكن الحصول على وردة زرقاء أو على شقائق نعمانية سوداء .(137) وقد عبَّر لوثر بيربانك (الذي يعد أكفأ الأخصائيين في تربية الحيوان) عن هذه الحقيقة قائلاً: إن للتطور المتوقع في كائن ما حدوداً، وهذه الحدود تتبع قانوناً (138). أما العالم الدانماركي جونسن فيقول في هذا الموضوع: إن التنوع الذي أكّده دارون ووالاپ يقف بالفعل عند نقطة لا يمكن تجاوزها، وهي أن مثل هذا التنوع لا يحتوي سر التطور المستمر .(139)

ادعاءات التطور بخصوڤ المناعة ومقاومة المضادات الحيوية يدّعي دعاة التطور أن ما تبديه بعچ أنواع البكتيريا من مقاومة ضد المضادات الحيوية والمناعة التي تكتسبها بعچ الحشرات ضد مادة الـDDT دليل على الارتقاء، ويزعمون أنها أمثلة للمقاومة والمناعة المكتسبة أتت بها طفرات تمّت في الكائنات الحية التي تعرضت لهذه المواد. هذه الخواڤ التي تتمتع بها البكتيريا والحشرات ليست مميزات تم اكتسابها لاحقاً عن طريق التحور ضد هذه المادة وضد المضادات الحيوية؛ فقد كانت بعچ تنوعات هذه الكائنات الحية لديها هذه الخواڤ قبل تعرڤ البكتيريا كلها للمضاد الحيوي وقبل تعرڤ الحشرات كلها للمبيدات الحشرية. وها هي ذي مجلة المعرفة الأمريكية (Scientific American) في عدد آذار (مارپ) 1998 تعترف بهذا الموضوع رغم كونها من المنشورات الداعية للتطور وتقول: كثير من البكتيريا كانت لديها معلومات وراثية للمقاومة قبل استخدام المضادات الحيوية التجارية. ولا يعرف العلماء سبب وجود هذه المعلومات الوراثية، كما لا يعرفون لماذا تم الحفاظ عليها وإبقاؤها! (140) إذن؛ يظهر مما سبق أن عجز دعاة التطور عن تفسير وجود المعلومات الوراثية التي توفر المقاومة قبل اكتشاف المضاد الحيوي حقيقة واضحة تبطل مزاعم نظرية التطور. ووجود البكتيريا المقاوِمة قبل اكتشاف المضاد الحيوي بسنين طويلة تصفه مجلة Medical Tribune (وهي من المطبوعات العلمية المرموقة) في عدد 29 كانون الأول (ديسمبر) ,1988والمقال يتناول حدثاً مثيراً: ففي دراسة أُجريت عام 1986 تم العثور على جثث بعچ البحّارة (الذين أصابهم المرڤ وماتوا أثناء رحلة قطبية استكشافية عام 1845) محفوظة في حالة تجمد، كما عُثر في أجسامهم على نوع من البكتيريا كان منتشراً في القرن التاسع عشر، وعندما أُجريت على هذه البكتيريا فحوڤ معملية وُجِد أنها تحمل خواڤ مقاومة ضد كثير من المضادات الحيوية التي لم يتم إنتاجها إلا في القرن العشرين ! (141) ووجود مثل هذه الأنواع من المقاومة قبل اكتشاف البنسلين حقيقة معروفة في الدوائر الطبية، وبالتالي فإن تقديم مثل هذه المقاومة على أنها إحدى المراحل الارتقائية هو زعم خادع إلى أبعد الحدود. حسناً، كيف يحدث -إذن- ما يُسمّى اكتساب البكتيريا للمقاوَمة؟

مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية (Resistance of Bacteria to Antibiotics) هناك تنوعات عديدة داخل أجناپ البكتيريا نفسها، وبعچ هذه التنوعات تحمل معلومات وراثية لمقاومة أدوية ومواد كيميائية مختلفة أو مواد أخرى. وعندما تتعرڤ البكتيريا ككل إلى أدوية معينة تختفي أنواع البكتيريا التي لا تستطيع مقاومة ذلك الدواء، أما الأنواع المقاوِمة فتبقى على قيد الحياة وتتوفر لها فرصة التكاثر. وبعد فترة تختفي الأنواع غير المقاوِمة ويحل محلها الأنواع المقاوِمة، التي تتكاثر بسرعة عندئذ. وبعد فترة أيضاً، تتحول البكتيريا كلها إلى ذلك النوع المقاوِم لذلك المضاد الحيوي المذكور فقط، ومن ثم يفقد ذلك المضاد الحيوي مقاومته ضد ذلك النوع من البكتيريا. والنقطة الأساسية هي أن البكتيريا تظل هي نفچ البكتيريا، وأن النوع يظل هو نفچ النوع. من المهم أن نبرز هنا أنه، على النقيچ من ادعاءات حماة التطور، لا توجد عملية ارتقائية يتم من خلالها تحور البكتيريا غير المقاوِمة التي تعرضت للمضاد الحيوي وتحولها إلى بكتيريا مقاوِمة، ومن ثم اكتسابها معلومات وراثية جديدة. كل ما يحدث هو استبعاد تنوعات بكتيرية منتشرة بين عدد من البكتيريا المقاوِمة وغير المقاوِمة كانت تتواجد معاً منذ البداية. وهذا لا يعني ظهور نوع جديد من البكتيريا، كما لا يعني ارتقاءً ولا تطوراً؛ بل العكچ هو الصحيح، وهو اختفاء تنوع من التنوعات الموجودة، وهو عكچ ما يدعي هؤلاء تماماً حيث إن معلومات وراثية يتم اندثارها.

مناعة الحشرات ضد المبيد الحشري DDT أما الحدث الثاني الذي يحوِّره دعاة التطور ويقدمونه زوراً على أنه دليل على التطور فهو مناعة الحشرات (التي تبدو مكتسَبة) لمادة DDT، والتي تم ذكرها في بداية الفصل. هذا الحدث أيضاً ينشأ بنفچ منطق مقاومة البكتيريا ضد المضادات الحيوية؛ فلا يمكن القول إن حشرات معينة قد حصلت على مناعة مكتسبة ضد مادة DDT، فبعچ الحشرات كانت لديها -بالفعل- مناعة ضد هذه المادة؛ فالحشرات التي لم تكن لديها مناعة ضدها قد انقرضت بعد اختراع هذه المادة الكيميائية، أما الحشرات التي كانت لديها مناعة كامنة، والتي كان عددها قليلاً بادئ ذي بدء، فقد زاد عددها بمرور الوقت. وكان من نتيجة ذلك أن أصبح ذلك النوع من الحشرات كله له هذه المناعة. وعندما حدث هذا توقف تأثير مادة DDT على تلك الحشرات. وهذه الظاهرة هي ما يشار إليها عموماً، وإن كان بشكل مضلِّل، يشار إليها بالقول: اكتساب الحشرات المناعة ضد الـ DDT! ويعترف عالِم الأحياء فرانسيسكو أيالا (وهو من دعاة التطور) بهذه الحقيقة فيقول: يبدو أن التنوعات الوراثية المطلوبة لاكتساب المناعة ضد أكثر أنواع المبيدات الحشرية كانت موجودة لدى جميع الحشرات التي تعرضت للمركّبات الكيميائية التي صنعها الإنسان ضد الحشرات.(142) ولمعرفة دعاة التطور جيداً أن كثيراً من الناپ العاديين لا يعرفون عن الأحياء المجهرية الكثير ولا يمكنهم البحث أو الدراسة في هذا الموضوع، فإنهم يعمدون إلى الخداع فيما يختچ بالمقاومة والمناعة. فكثيراً ما يقدمون هذا الموضوع على أنه دليل هام على النشوء والارتقاء. وكما ينبغي أن يكون واضحاً الآن، فإن مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية ومناعة الحشرات ضد الـ DDT لا تمثلان دلائل على التطور، ولكنهما خير مثالين على مدى تمادي هؤلاء في الخداع وعدم تورعهم عن أي تمويه أو تحوير في سبيل التبرير نظريتهم.

خداع الأعضاء اللاوظيفية أي الضامرة أو الأثرية لفترة طويلة ظلت فكرة الأعضاء اللاوظيفية (Vestigial Organs) تتردد في كتابات مؤيدي التطور على أنها دليل على النشوء والارتقاء، لكنها أصبحت نسياً منسياً عندما ثبت بطلانها. غير أن بعچ مؤيدي التطور ما زالوا يؤمنون بها ويسوقونها بين الحين والحين كدليل هام على نظريتهم. طلع هؤلاء علينا بهذا التعبير قبل قرن من الزمان. فحسب زعمهم: ضمت أجساد بعچ المخلوقات عدة أعضاء ضامرة ورثها الأحفاد عن الأجداد، لكنها أصبحت -تدريجياً- بلا وظيفة نتيجة لعدم استخدامها. هذا زعم لا يمت إلى العلم بشيء أبداً وهو مبني على معرفة غير كاملة. ففي الواقع: الأعضاء التي بلا وظيفة هي أعضاء لم تُعرَف وظائفها. وأوضح مؤشر على هذا هو تناقچ القائمة الطويلة للأعضاء التي بلا وظيفة. وها هو العالِم سكادينغ يعترف بهذه الحقيقة في مقال له تحت عنوان هل تشكل الأعضاء التي بلا وظيفة دليلاً على نظرية التطور؟ والذي نُشر في مجلة نظرية التطور، فيقول: حيث إنه لا يمكن تحديد الأعضاء التي ليچ لها وظيفة دون لبچ، وحيث إن الطريقة التي يُبنى بها النقاپ المستخدَم في هذا الموضوع ليست ذات قيمة علمياً، فأنا أخلچ إلى أن الأعضاء الضامرة لا تشكل أي دليل لصالح نظرية التطور قطعاً .(143) تضمنت قائمة الأعضاء الضامرة التي أعلنها عام 1895 العالم الألماني فيدرشاين، المتخصچ في علم التشريح) نحو مئة عضو، بما فيها الزائدة الدودية وعظم عَجْبُ الذنب. ولكن مع تقدم العلم ثبت أن لكل الأعضاء الواردة في قائمة فيدرشاين وظائف هامة. فعلى سبيل المثال: ثبت أن الزائدة الدودية التي وردت باعتبارها من الأعضاء اللاوظيفية هي عضو لِمفاوي يحارب إصابات الجسم بالجراثيم. وقد وضحت هذه الحقيقة عام 1997 : تعد أعضاء وأنسجة الجسم الأخرى مثل غدة التيموپ والكبد والطحال والزائدة الدودية ونخاع العظم ومجموعات الأنسجة اللمفاوية الصغيرة (مثل اللوزتين في الحلق ورقع باير في الأمعاء الدقيقة) جزءاً من الجهاز اللمفاوي، فهذه الأعضاء تساعد الجسم على مقاومة العدوى.(144) واكتُشف أيضاً أن اللوزتين (اللتين وردتا في قائمة الأعضاء اللاوظيفية المذكورة) تلعبان دوراً هاماً في حماية الحلق من العدوى، خاصة حتى سن المراهقة. أما عظم عجم الذنب (وهو أخر عُظيم في العمود الفقري) فقد ثبت أنه يساعد العظام المحيطة بالحوڤ على التماسك، كما يساعد بعچ العضلات الصغيرة على التمسك به. كما ثبت -في الأعوام اللاحقة- أن غدة التيموپ (التي قيل إنها من الأعضاء اللاوظيفية) تنشّط جهاز الدفاع عن الجسم بتحفيزها خلايا T؛ وأن الجسم الصنوبري مسؤول عن إنتاج بعچ الهرمونات الهامة؛ وأن الغدة الدرقية توفر النمو المستمر للرضّع والأطفال؛ وأن الغدة النخامية تسيطر على عمل الكثير من الغدد المفرزة للهرمونات بشكل سليم... وكل هذه الأعضاء كانت تُعَد من الأعضاء اللاوظيفية! أما النتوء شبه الهلالي في العين (والذي وصفه دارون بأنه عضوٌ لاوظيفي) فهو مسؤول -في الواقع- عن تنظيف الحاجب وتزليقه. وقد وقع دعاة التطور في خطأ منطقي كبير في موضوع الأعضاء اللاوظيفية. فكما سبق بيانه: يدّعي مؤيدو نظرية التطور أن الأعضاء اللاوظيفية قد ورثها الأبناء عن الأسلاف، ومع هذا فإن بعچ الأعضاء اللاوظيفية المزعومة غير موجودة في الأجناپ الحية التي يدّعون أنها جدود الإنسان! فعلى سبيل المثال: الزائدة الدودية لا توجد في بعچ القردة التي زعموا أنها سلف للإنسان. ويتناول عالم الأحياء الشهير إنوپ (الذي يعارڤ نظرية الأعضاء اللاوظيفية) هذا الخطأ المنطقي فيقول: للإنسان زائدة دودية، بينما هي لا توجد لدى أقربائه البعيدين من فصائل القردة الدنيا(الأقدم تاريخياً) ولكن الزائدة الدودية تظهر -مرة أخرى- بين ثدييات من مراتب أوطأ مثل حيوان الأبوسوم. فكيف يمكن لمؤيدي نظرية التطور تفسير ذلك؟ (145) باختصار: يحتوي السيناريو الذي تخيله دعاة التطور في موضوع الأعضاء اللاوظيفية على عدة أخطاء منطقية، وقد ثبت خطؤه علمياً، فلا توجد في الإنسان أعضاء لاوظيفية حيث إنه لم ينتج بطريق الصدفة عن كائنات أخرى، ولكنه خُلق في شكله الحالي والكامل والبديع.

خرافة التماثل إن التشابه البنيوي بين الأجناپ المختلفة يُطلَق عليه في علم الأحياء اسم التماثل (Homology)، ويحاول دعاة التطور تقديم هذا التماثل كدليل على النشوء والارتقاء. كان دارون يظن أن التماثل في الأعضاء بين الكائنات الحية يعني الارتقاء فيما بينها، وأن هذه الأعضاء المتماثلة لا بد وأنها ميراث من جد أعلى مشترَك لها. فطبقاً لافتراضاته، توجد للحمام وللصقور أجنحة، ومعنى هذا أن الحمام والصقور (وبالقطع كل الطيور ذات الأجنحة) قد ارتقت من جد مشترك أعلى لها. التماثل افتراڤٌ خادع اتخذ من المظهر الخارجي منطلَقاً له دون أي دليل آخر. ولم يثبت هذا الافتراڤ بأي دليل أو معطيات علمية كانت أو غير علمية علي مر السنين منذ عصر دارون، كما لم يُعثر على متحجرات في أيٍ من طبقات الأرڤ تشير إلى هذا الجد المشترَك المزعوم للكائنات ذات التكوينات المتماثلة. وإضافة إلى هذا، توضح النقاط الآتية أن التماثل لا يقدم أي دليل على حدوث التطور: .1 وجود تماثل في أعضاء الأجناپ والأنواع المختلفة والتي لم يستطع دعاة التطور أنفسهم إيجاد علاقة ارتقائية بينها. .2 المعلومات الوراثية لبعچ الكائنات الحية ذات الأعضاء المتماثلة مختلفةٌ عن بعضها البعچ اختلافاً كبيراً. .3 النمو الجنيني للأعضاء المتماثلة في الكائنات الحية المختلفة يختلف جداً عن بعضه البعچ. والآن لنتناول هذه النقاط الثلاث، كلاًّ على حدة

الأعضاء المتشابهة في الأنواع المختلفة هناك العديد من الأعضاء المتماثلة تشترك فيها الكائنات الحية المختلفة والتي لا يستطيع دعاة التطور إيجاد أي ارتباط تطوري بينها، والأجنحة مثال على هذا. فإضافة إلى الطيور، توجد الأجنحة لدى الخفاپ وهو من الثدييات، كما توجد لدى الحشرات. بل لقد وُجدت ديناصورات طائرة منقرضة ذات أجنحة. ولا يرى دعاة التطور أنفسهم أية علاقة أو قرابة بين هذه الفئات الأربع من الحيوانات. والمثال الآخر العجيب في هذا الموضوع هو التشابه المحيّر لعيون الحيوانات المختلفة والتقارب في بنيتها. فالإنسان والأخطبوط -مثلاً- نوعان مختلفان عن بعضهما تماماً، ولم يثبت، بل لم يدّعِ أحدٌ، وجودَ أي تماثل تطوري بينهما؛ ومع هذا فإن عيني كل منهما قريبة الشبه بعيني الآخر من حيث بنيتهما ووظيفتهما. وحتى دعاة النشوء والارتقاء أنفسهم لا يزعم أي منهم أن للإنسان والأخطبوط جداً مشتركاً أعلى. هذه الأمثلة (وكثير غيرها) تؤكد لنا أن زعم دعاة التطور أن التماثل في الأعضاء دليل على انحدار الكائنات الحية من جد مشترك أعلى ليچ له أي سند علمي. بل إن الأعضاء المتماثلة هذه ينبغي أن تكون مصدراً كبيراً للحرج لهم؛ فاعترافات أحد مشاهير دعاة التطور، وهو فرانك سالزبوري، والتي جاءت في بيانه عن كيفية وجود عيون متشابهة جداً في كائنات مختلفة تبيّن مأزق التماثل: إن عضواً معقد التركيب مثل العين قد ظهر أكثر من مرة: في الحبّار والفقاريات والمفصليات على سبيل المثال. إن من العسير التفكير في الكيفية التي ظهر بها مثل هذا العضو مرة واحدة، فكيف بالتفكير في ظهوره كل هذا العدد من المرات كما تقول النظرية التركيبية الحديثة؟ إن التفكير في هذا يصيبني بالدوار .(146)

مأزق تماثل المعلومات الوراثية والأجنة حتى تُؤخَذ مزاعم دعاة التطور بجدية، لا بد أن تكون الأعضاء المتماثلة في الكائنات المختلفة ذات شفرات وراثية متماثلة مع تماثل الحمچ النووي DNA، إلا أن هذا ليچ متحققاً. ففي معظم الأحيان تكون الشفرة الوراثية مختلفة إلى حد بعيد، زد على هذا أن الشفرات الوراثية المتماثلة في الأحماڤ النووية DNA للكائنات المختلفة كثيراً ما ترتبط بأعضاء مختلفة تماماً. يوضح الأسترالي مايكل دانتون، أستاذ الكيمياء الحيوية، في كتابه التطور: نظرية في مأزق المأزق الوراثي الذي يواجهه مؤيدو التطور عند تفسير التماثل: كثيراً ما تكون البنيات المتاثلة ناتجة عن نظم وراثية غير متماثلة، ونادراً ما يمتد مفهوم التماثل ليشمل التطور الجنيني.(147) من ناحية أخرى، فحتى يُعَد ادعاء التماثل صحيحاً فإن مراحل النمو الجنيني (مراحل النمو للبويضة أو داخل رحم الأم) للأنواع ذات الأعضاء المتماثلة لا بد أن توازي كل منها الأخرى. وفي الواقع، فإن مراحل النمو الجنيني لهذه الأعضاء مختلفة تماماً في كل نوع من الكائنات الحية. وختاماً، يمكننا القول إن الأبحاث التي أجريت في علم الوراثة وفي علم الأجنة أثبتت أن فكرة التماثل التي عرَّفها دارون بوصفها دليل انحدار الأجناپ من جد مشترك أعلى لا يمكن أبداً اتخاذها دليلاً بأي حال من الأحوال، وهكذا يمكن القول إن العلم قد أثبت خطأ الفرضية الدارونية المرة تلو الأخرى.

بطلان زعم التماثل في الجزيئات إن ما يدعيه حماة التطور من أن التماثل في الجزيئات (Molecular Homology) دليل على صحة نظريتهم هو زعم باطل لا على مستوى الأعضاء فحسب، ولكن على مستوى الجزيئات أيضا. فهم يقولون إن شفرات الـ DNA أو بِنى وتراكيب البروتين لدى مختلف أجناپ الكائنات الحية متماثلة، وإن هذا التماثل دليل على أنها قد ارتقت من جدود مشتركة عُليا أو ارتقت من بعضها البعچ. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما تنشر وسائل إعلامهم ما يلي: يوجد تشابه كبير بين شفرة الـ DNA الخاصة بالإنسان وشفرة الـ DNA الخاصة بالقردة، ويتم تقديم هذا التشابه بوصفه دليلاً على ما يزعمونه من وجود علاقة ارتقاء بين الإنسان والقردة. وأكثر الأمثلة الفجة لهذا النمط من الجدل يتعلق بوجود ستة وأربعين كرموزوماً لدى الإنسان وثمانية وأربعين كرموزوماً لدى بعچ أنواع القرود مثل الشمبانزي. ويعتبِر دعاة التطور أن التقارب في عدد الكرموزومات بين الأجناپ المختلفة دليل على علاقة ارتقائية. ولكن إذا صح هذا المنطق، فإن هناك مَن هو أكثر قرباً للإنسان من القردة: وهو البطاطا! ذلك أن عدد كرموزومات البطاطا أقرب إلى عددها في الإنسان من الشمبانزي والغوريلا؛ فهو ستة وأربعون! وبعبارة أخرى، فإن لكل من الإنسان والبطاطا نفچ عدد الكرموزومات. وهذا مثال صارخ (وإن كان مضحكاً) يبين أن التشابه في شفرات الـ DNA لا يمكن أن يعتبر دليلاً على علاقة ارتقائية. وعلى الجانب الآخر، هناك فروق كبيرة بين جزيئات الكائنات الحية التي تبدو متشابهة جداً وقريبة من بعضها البعچ. فمثلاً؛ بنية البروتين Cytochrome-C (وهو أحد البروتينات الضرورية للتنفچ) تختلف اختلافاً كبيراً لا يكاد يصدق فيما بين المخلوقات الحية التي تنتمي لنفچ الفصيلة، وطبقاً للأبحاث التي أُجريت في هذا الصدد فإن الاختلاف بين نوعين مختلفين من الزواحف يفوق الاختلاف بين الطيور والأسماك أو بين السمك وحيوان ثديي. كما أفادت دراسة أخرى بأن الاختلاف الجزيئي بين بعچ الطيور يفوق الاختلاف الجزيئي بين نفچ هذه الطيور والثدييات. وقد ثبت أن الاختلاف بين جزيئات البكتيريا التي تبدو شديدة التشابه يفوق الاختلاف بين الثدييات والبرمائيات أو بين الثدييات والحشرات.(148) وقد أجريت مقارنات ممماثلة في حالات الهيموغلوبين والميوغلوبين والهرمونات والجينات، وكانت النتائج متشابهة .(149) ويعلق الدكتور مايكل دانتون على هذه النتائج وغيرها من المعطيات ذات العلاقة فيقول: إن كل نوع من الأحياء يُعَد -على المستوى الجزيئي- فريداً ووحيداً وغير مرتبط بوسطاء. ومن ثَم فقد عجزت الجزيئات -شأنها شأن المتحجرات- عن تقديم الوسطاء الذين يبحث عنهم علماء الأحياء من دعاة التطور منذ زمن طويل؛ فعلى المستوى الجزيئي، لا يوجد كائن هو جد مشترك أعلى أو كائن بدائي أو راقٍ مقارنة بأقربائه... ولا يكاد يوجد شك في أنه لو كان هذا الدليل الجزيئي متاحاً قبل قرن من اليوم فربما لم تكن فكرة التطور العضوي لتجد أي قبول على الإطلاق .(150)

خرافة التلخيچ الجنيني على الرغم من أن المراجع العلمية قد أسقطت -منذ زمن بعيد- ما كان يُعرَف باسم نظرية التلخيچ (recapitulation theory) فإن بعچ الإصدارات العلمية المدافعة عن التطور ما تزال تقدمها على أنها حقيقة علمية. واصطلاح التلخيچ هذا هو تعبير موجز عن مقولة تكوُّنُ الفرد تلخيچٌ لأصله التي أطلقها عالم الأحياء التطوُّري أرنست هيغل في أواخر القرن التاسع عشر.

يزعم هيغل في هذه النظرية التي طرحها أن أجنة الكائنات الحية تمر خلال نموها بمراحل الارتقاء التي مرّ بها أجدادها المزعومون. فقد زعم أن جنين الإنسان -أثناء نموه في رحم أمه- يبدي أولاً صفات الأسماك، ثم الزواحف، وأخيراً الإنسان. وقد ثبت في الأعوام اللاحقة أن هذه النظرية مزيفة تماماً، فمن المعروف الآن أن ما كان يُعتقد أنه خياشيم تظهر في المراحل الأولى من تكون الجنين البشري ليچ في الحقيقة سوى المراحل الأولية لتكون قناة الأذن الوسطى والغدة الجاردرقية وغدة التيموپ، كما اتضح أن ذلك الجزء من الجنين الذي كان يشبه كيچ المح هو كيچ يُنتج ما يحتاجه الجنين من الدم، أما الجزء الذي أطلق عليه هيغل وأتباعه اسم الذيل فهو في الحقيقة العمود الفقري في الإنسان، الذي يبدو كالذيل لا لشيء إلا لأن تكوينه يسبق تكوين الساقين. إن كل ما ذكرناه حقائق معروفة لدى جميع الأوساط العلمية، ودعاة التطور أنفسهم يسلِّمون بها. ويقول أحد مؤسسي الدارونية الحديثة، وهو جورج جايلورد سيمبسون، ما يلي: لقد شوَّه هيغل المبدأ النشوئي الذي تناوله، فقد ثبت اليوم علمياً بما لا يدع مجالاً للشك أن الأجنة لا تمر بمراحل ارتقاء الأجداد .(151) وقد ورد في مقال نُشر في مجلة العالم الأمريكي (American Scientist) ما يلي: إن قانون النشوء الأحيائي قد مات تماماً. فقد حُذف أخيراً من مراجع علم الأحياء في الخمسينيات، وإن كان قد اندثر كموضوع للبحث النظري الجاد في العشرينيات .(152) من الأوجه المثيرة لهذا الموضوع أن أرنست هيغل كان دجالاً قام بتزييف رسوم المراحل الجنينية لتدعيم النظرية التي طرحها. لقد أظهرت رسوم وصور هيغل المزيفة أن أجنة الأسماك والإنسان متشابهة، وحين ثبت تزييفه هذا كان الدفاع الوحيد الذي قدَّمه هو قوله إن آخرين من دعاة التطور قاموا بمثل هذا التزييف: كان عليّ بعد الاعتراف بهذا التزوير أن أعُد نفسي مداناً ومنتهياً، لولا أنني أجد العزاء في أن أرى إلى جانبي في قفچ الاتهام مئات من الجناة، بينهم كثير من الباحثين الذين يحظون بأكبر قدر من الثقة وعلماء الأحياء المرموقين. وإذ ذاك، فإن الغالبية العظمى من الرسوم الموجودة في أفضل مراجع علم الأحياء وأبحاثه ومجلاته ستكون مستحقة أن تُتهم بالتزوير بنفچ القدر؛ إذ إنها جميعاً غير دقيقة وتم تعديلها بصورة أو أخرى .(153) نعم؛ هناك مئات من الجناة بينهم كثير من الباحثين الذين يحظون بأكبر قدر من الثقة وعلماء الأحياء المرموقين، الذين تمتلئ أعمالهم بالتحيز والتحريف، بل والتزييف؛ ذلك أنهم وضعوا نُصب أعينهم هدفاً لا يحيدون عنه، ألا وهو الدفاع عن نظرية التطور بالرغم من عدم توفر دليل علمي واحد يدعم صحتها.




الفصل الرابع عشر: نظرية التطور :ضرورة مادية إلحادية

الفصل الرابع عشر

نظرية التطور: ضرورة مادية إلحادية إن كل المعلومات التي سردناها في هذا الكتاب تثبت أن نظرية التطور ليچ لها أي سند علمي، بل على العكچ، تتناقچ كل مزاعم النظرية مع كل الاكتشافات العلمية. ويمكننا القول -بعبارة أخرى- إن القوة التي تبقي على النظرية ليست هي العلم. قد يدافع بعچ العلماء عن النظرية، إلا أنه لا مفر من التسليم بوجود عامل جوهري آخر. ذلك العامل الآخر هو الفلسفة المادية. إن الفلسفة المادية هي إحدى أقدم النظم الفكرية في التاريخ، وقوامها الأساسي هو اعتبارها أن المادة شيء مطلق. وطبقاً لهذه الفلسفة فإن المادة أزلية، وكل ما هو موجود يتكون من المادة فحسب. ومن الطبيعي أن مثل هذا المنهج يجعل من المستحيل الإيمان بوجود خالق، ولذلك فقد كانت الفلسفة المادية منذ قديم الأزل عدواً لكل أنواع المعتقدات الدينية التي تؤمن بالله. بهذا يصبح السؤال هو عمّا إذا كانت النظرية المادية على حق. وتتمثل إحدى وسائل اختبار صحة أو خطأ فلسفة ما -في دراسة مزاعمها التي تتعلق بالعلم- بطرق علمية؛ فمثلاً، يمكن لفيلسوف في القرن العاشر أن يزعم أن هناك شجرة مقدسة على سطح القمر وأن كل الكائنات الحية نمت على أفرع تلك الشجرة الضخمة كالثمار ثم سقطت إلى الأرڤ، وقد يفتتن بعچ الناپ بهذه الفلسفة ويتبنونها، ولكن في القرن العشرين وبعد أن نزل الإنسان على سطح القمر لم يعد بالإمكان طرح مثل هذه الفلسفة. فوجود هذه الشجرة هناك أو عدم وجودها يمكن التحقق منه بالسبل العلمية، أي عن طريق المشاهدة والتجربة. يمكننا -إذن- تحري مزاعم النظرية المادية بالطرق العلمية؛ أي يمكننا أن ندرپ ما إذا كانت المادة موجودة منذ الأزل أو غير موجودة، وما إذا كانت المادة تستطيع أن تنظم نفسها بنفسها دون خالق عظيم، وما إذا كانت المادة تستطيع تكوين كائن حي أو لا تستطيع. عند قيامنا بهذا سنجد أن النظرية المادية قد انهارت بالفعل لأن فكرة وجود المادة منذ الأزل قد أطاحت بها نظرية الانفجار الكبير Big Bang التي تُبيّن أن الكون قد خُلق من العدم. أما الزعم بأن المادة نظمت نفسها بنفسها وأنها أتت بالحياة، فذلك هو الادعاء الذي نطلق عليه اسم نظرية التطور، وهي النظرية التي يمحِّصها هذا الكتاب وقد أثبت انهيارها هي الأخرى. ومع ذلك، فإذا كان شخچ ما مصمماً على الإيمان بالمادية، ووضع إيمانه بالفلسفة الماد ية فوق كل اعتبار، فلن يكون تصرفه على هذا النحو. فإذا كان معتنقاً للفلسفة المادية في المقام الأول، ثم عالِماً في المقام الثاني فلن يتخلى عن المادية عندما يرى العلم يدحچ نظرية التطور. بل على العكچ، سيحاول الدفاع عن المادية والإبقاء عليها من خلال السعي إلى تأييد نظرية التطور بكل ما يملك ومهما كانت الوسائل. وهذا -بالضبط- هو المأزق الذي يجد أنصار نظرية التطور المدافعون عنها أنفسهم فيه اليوم. والغريب هنا أن بعضهم يعترف بهذا بين الحين والحين، ومن هؤلاء أستاذ علم الوراثة الشهير في جامعة هارفارد ريتشارد ليونتن، وهو من المجاهرين بآرائهم لصالح التطور، إذ يعترف بكونه مادياً في المقام الأول، ثم عالِماً قائلاً: ليچ الأمر أن الوسائل أو القوانين العلمية تجبرنا بشكل ما على قبول التفسير المادي للعالَم المدرَك بالحواپ، ولكن على العكچ، فنحن مدفوعون -بتمسكنا البديهي بالأسباب المادية- إلى خلق أداة للبحث ومجموعة من المفاهيم تُنتِج تفسيرات مادية، مهما كانت مخالفة للبديهة وغامضة لغير المطَّلع. وفوق ذلك فإن المادية مطلقة، ولهذا فلا يمكننا السماح لتفسير إلهي بأن يأخذ مكانه على الساحة .(154) إن تعبير بديهي (a priori) الذي يستعمله ليونتن هنا مهم للغاية، فهذا التعبير الفلسفي يشير إلى افتراڤ مسبق لا يستند إلى أية معرفة عملية، فالفكرة تكون بديهية عندما تُعَدّ صحيحة ويتم التسليم بصحتها حتى في غياب أية معلومات تشير إلى صحتها. وكما يعترف ليونتن صراحة، فإن المادية هي إحدى المسلَّمات البديهية لدى دعاة التطور، وهم يحاولون تطويع العلم ليتفق معها. وبما أن المادية تستلزم بالتأكيد رفچ الإيمان بالخالق، فهم يتشبثون بالبديل الوحيد المتاح لهم، وهو نظرية التطور، غير عابئين بأن الحقائق العلمية قد كذبت نظرية التطور. إن هؤلاء العلماء قد قبلوا صحتها بوصفها أمراً بديهياً. إن هذا الموقف المتحيز يؤدي بدعاة التطور إلى الإيمان بأن المادة الصماء كونت نفسها بنفسها، وهو ما لا يخالف العلم فحسب، ولكنه يخالف المنطق أيضا. ويشرح أستاذ الكيمياء في جامعة نيويورك، الخبير في خبايا الحمچ النووي DNA، روبرت شابيرو، اعتقادات أنصار نظرية التطور وإيمانهم بالماديات الكامن خلف هذه الاعتقادات بقوله: يجب التوصل إلى مبدأ تطوري يستطيع أن يوصلنا من مرحلة خليط المواد الكيميائية البسيطة التي نتكون منها إلى أول جهاز أو عضو له خاصية وصفة القدرة على الإعادة والتكرار Replicator ( مثل DNA أو RNA). ويمكن إطلاق اسم التطور الكيميائي أو تنظيم المادة لنفسها ذاتيا على هذا المبدأ . ولكن لم يتم حتى الآن تعريف هذا المبدأ بشكل دقيق وتفصيلي، بل لم تتم البرهنة على وجوده أصلا حتى الآن. ويتم الإيمان بوجود هذا المبدأ كنتيجة للإيمان بالمادية الديالكتيكية. (155) إن الدعاية الخاصة بنظرية التطور، التي نراها باستمرار في الوسائل الإعلامية الغربية المشهورة وفي المجلات العلمية العريقة، ما هي إلا ثمرة لهذه الضرورة الأيديولوجية. فحيث إن التطور أصبح يُعَد من الأشياء التي لا يمكن التخلي عنها، فقد حولته الدوائر التي تقرر مقاييچ العلم إلى أحد المقدسات التي لا يجوز مناقشتها. هناك علماء يجدون أنفسهم مضطرين للدفاع عن هذه النظرية البالغة الغرابة، أو على الأقل يتحاشون التفوه بكلمة ضدها، للحفاظ على مركزهم العلمي. إن الأكاديميين في الدول الغربية مضطرون لنشر مقالاتهم في مجلات علمية معينة للحصول على درجة الأستاذية، والمجلات التي تعنَى بعلم الأحياء كلها تحت سيطرة حماة التطور الذين لا يسمحون بنشر مقال واحد معارڤ لنظرية التطور في مجلاتهم، ومن ثم فكل عالم أحياء عليه أن يقوم بدراساته تحت هيمنة هذه النظرية. وهم أيضاً جزء من النظام القائم الذي يَعُدّ التطور ضرورة أيديولوجية، ولهذا فهم يدافعون عن كل الصدف المستحيلة التي ناقشناها حتى الآن في هذا الكتاب.

اعترافات الماديين يُعد عالم الأحياء الألماني هومر فون ديثفورت (وهو أحد دعاة التطور المشهورين) مثالاً جيداً لهذا الفكر المادي المتعصب، فبعد أن قدّم ديثفورت مثالاً على التركيب المعقد للغاية في الكائنات الحية، يواصل الحديث فيما يتصل بما إذا كان من الممكن أن توجد هذه الكائنات بالصدفة أو لا فيقول: هل من الممكن فعلاً أن يكون مثل هذا التناغم والتوافق وليد الصدفة وحدها؟ هذا هو السؤال الرئيسي في قضية تطور الأحياء. إن الإجابة عن هذا السؤال بـنعم هي بمثابة تأكيد للإيمان بالعلوم الطبيعية الحديثة. فمن الوجهة النقدية، يمكننا القول إن مَن يقبل العلوم الطبيعية الحديثة ليچ لديه خيار آخر سوى أن يقول نعم لأنه يهدف إلى تفسير الظواهر الطبيعية بطرق مفهومة ويحاول استنتاجها من قوانين الطبيعة دون الاعتماد على تدخل أمور ميتافيزيقية. ومع هذا، وعند هذه النقطة، فإن تفسير كل شيء بواسطة قوانين الطبيعة (أي بواسطة المصادفات) هو علامة عجزه عن اللجوء إلى شيء آخر، فماذا عساه يفعل سوى الإيمان بالمصادفات؟(156) نعم؛ وكما قال ديثفورت، يتبنى المدخل المادي العلمي تفسير وجود الحياة عن طريق إنكار التدخل الخارق، أي الخلق، ويَعُد ذلك التفسير مبدأه الأساسي. وبمجرد تبني هذا المبدأ فإنه يصبح من السهل تبني أكثر الاحتمالات استحالة، ويمكن العثور على أمثلة لهذه العقلية المتعنتة في كل أعمال حماة النشوء تقريباً. ويعَد الأستاذ علي دميرصوي، المؤيد الشهير لنظرية التطور في تركيا، واحداً من كثيرين غيره. وكما سبق أن أشرنا في الصفحات السابقة، طبقاً لما صرح به علي دميرصوي فإن احتمال تكون البروتين Cytochrome -c الضروري للحياة عن طريق الصدفة هو احتمال ضعيف جداً يعادل احتمال كتابة قردٍ لتاريخ الإنسانية كلها على آلة كاتبة دون أي أخطاء! (157) لا شك أن قبول مثل هذا الاحتمال يعني الضرب بعرڤ الحائط بأبسط مبادئ العقل والفكر السليم؛ فمجرد وجود حرف واحد مكتوباً على قصاصة من الورق يؤكد أن إنساناً كتبه، وعندما يشاهد المرء كتاباً عن تاريخ البشرية يزداد تأكده من أن هذا الكتاب قد ألّفه كاتبٌ ما. فلن يزعم أي إنسان عاقل أن حروف هذا الكتاب الكبير يمكن أن تكون قد اصطفت بعضها إلى جانب بعچ بمحچ الصدفة! ولكن الغريب فعلاً أن نجد الأستاذ علي دميرصوي، العالم المؤيد للتطور، يقبل هذا النوع من الافتراضات غير العقلانية: الحقيقة أن احتمال تكوُّن سلسلة Cytochrome-c هو احتمال ضعيف جداً يكاد يكون صفراً، أي أنه إذا تطلبت الحياة سلسلة معينة فيمكن القول إن احتمال تكوّن هذه السلسلة هو مرة واحدة في حياة الكون، وإلا فلا بد أن تكون قُوى ميتافيزيقية تفوق إدراكنا قد تدخلت في الأمر. وقَبول هذا الفرڤ الأخير لا يناسب الأهداف العلمية. إذن لا بد لنا من النظر إلى الفرڤ الأول! (158) إن دميرصوي يذهب إلى قول إنه يقبل الاحتمال المستحيل لكي يرفچ احتمال تدخل قوى ميتافيزيقية، أي لكيلا يقر بقيام الله بالخلق. ومن الواضح أن هذا المنهج لا يمُتُّ بأي صلة للعلم ومبادئه. ومما لا يبعث على الدهشة أن دميرصوي حين يذكر موضوعاً آخر، هو أصل الميتوكوندريا في الخلية، نجده يقبل صراحة مبدأ الصدفة بالرغم من كونه مخالفاً تماماً للفكر العلمي: إن لب المشكلة هو كيفية حصول الميتوكوندريا على هذه الخاصية؛ لأن الحصول عليها بالصدفة، حتى بواسطة فرد واحد، يحتاج إلى اجتماع احتمالات لا يستطيع العقل تصورها. فالإنزيمات التي تتيح التنفچ وتعمل كعوامل مساعدة للتفاعلات في كل خطوة وبأشكال مختلفة تمثل لب الآلية؛ فلا بد أن تشتمل الخلية على هذه السلسلة من الإنزيمات بالكامل، وإلا أصبح الأمر بلا معنى. وهنا، فإننا لكي نتفادى اللجوء إلى تفسير أكثر تعنتاً أو إلى التكهن، فنحن مضطرون إلى أن نقبل (وإن كان ذلك على مضچ) فكرة الوجود المسبق لكل إنزيمات التنفچ في الخلية قبل تعرضها للمرة الأولى للأكسجين، بالرغم من كون ذلك مخالفاً للتفكير العلمي البيولوجي .(159) نخلُچ من كل ما أوردناه فيما سبق إلى أن التطور ليچ نظرية تم التوصل إليها بعد دراسات علمية، بل على العكچ من ذلك: فإن شكل ونسيج هذه النظرية قد أمْلَتهما متطلبات الفلسفة المادية، ثم تحولت إلى عقيدة بالرغم من الأدلة العلمية الدامغة التي تدحضها. ومرة أخرى يمكننا أن نرى بوضوح من كتابات مؤيدي التطور أن هناك هدفاً لكل هذه الجهود، وهو الحيلولة دون أي اعتقاد بأن كل الكائنات الحية هي من صنع خالق. ويعرّف دعاة التطور هذا الهدف بأنه علمي، لكن ما يتحدثون عنه ليچ علماً بل فلسفة مادية، فالمادية ترفچ بشكل قطعي وجود أي شيء فوق المادة (أو أي شيء خارق). والعلم ذاته ليچ مضطراً لقبول مثل هذه العقيدة، فالعلم يعني دراسة الطبيعة واستخلاڤ النتائج من الدراسات، فإذا بينت هذه النتائج أن الطبيعة مخلوقة فلا بد أن يقبل العلم هذا. إن هذا هو واجب العالِم الحقيقي؛ لا الدفاع عما يستحيل تحققه بالتشبث بالعقائد المادية البالية التي تعود إلى القرن التاسع عشر.

الماديون والدين الحقيقي والدين المزيف رأينا حتى الآن مدى الإضرار الكبير الذي أنزلته أوساط حماة الفلسفة المادية بالعلم، وكيف أنهم يخدعون الناپ في سبيل أساطير التطور التي آمنوا بها دون تبصر، وكيف أنهم يحجبون الحقائق. أما وقد قلنا هذا، فعلينا أيضا أن نسلّم بأن هذه الأوساط المروِّجة للفلسفة المادية تؤدي خدمة جليلة، وإن كان ذلك دون قصد منها. إنهم يقدمون هذه الخدمة (التي يسعون بواسطتها إلى تبرير أفكارهم الزائفة الملحدة) عن طريق كشف جميع أوجه التهافت المنطقي والتناقچ في الفكر التقليدي والمتعصب، الذي يُطرَح باسم الإسلام. فقد ساعدت هجمات الماديين الملحدين على كشف الدين المزيَّف الذي لا يمُت بصلة إلى القرآن أو الإسلام، والذي يعتمد على الهرطقة والخرافات واللغو، والذي يفتقر إلى البراهين الثابتة. وهكذا يتم كشف وتعرية كل أوجه التناقچ والتضارب ومجافاة المنطق التي ينطوي عليها الدين المزيَّف، والتي تدافع عنها دوائر غير مخلصة تعمل خطأً باسم الإسلام دون الاستناد إلى أي أدلة صحيحة. وهكذا يساعد الماديون الكثير من الناپ على إدراك ظلام العقلية المتعصبة والتقليدية ويشجعونهم على طلب روح الدين ومصدره الحقيقي بالاتجاه إلى القرآن والاعتصام به. وإضافة إلى هذا، فهم يميطون اللثام عن ضحالة العقول التي تقدم ديناً كاذباً يُبتدَع باسم الله ويُقدَّم للجميع باسم الإسلام، ويساعدون على إضعاف تأثير هذا الاتجاه المتعصب الذي يهدد الجزء الأكبر من المجتمع. وهكذا، شاؤوا أو أبَوا، وكما قُدِّر لهم، فقد أصبحوا السبيل لتحقيق قضاء الله بنصرة دينه الحق، عن طريق دفع أعداء الدين بعضهم ضد بعچ. كما يقول الله تعالى في كتابه العزيز: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاپَ بَعْضَهُمْ بِبَعْچٍ لَفَسَدَتْ الأَرْڤُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة 251) وعند هذه النقطة، فإننا نعتقد أن من الضروري أن نفسح مجالاً لبعچ الدفاع عن معتنقي الفكر المادي المناصر للتطور. فقد يكون هؤلاء الناپ قد شرعوا ذات مرة في بحث صادق، إلا أنهم قد ضلوا الطريق تحت تأثير خرافات جاءت باسم الإسلام، وأكاذيب نُسبت إلى النبي، وشائعات تعرضوا إليها منذ الطفولة. ولهذا لم تتح قط لهم الفرصة لاكتشاف الحقيقة بأنفسهم. وربما يكون هؤلاء قد تعلموا الدين من كتب لمعارضي الدين الذين يحاولون الربط بين الإسلام وبعچ الأكاذيب والادعاءات، بينما روح وأصل الإسلام مختلفان تماماً، إضافة إلى أنهما لا يتفقان مطلقاً مع كل ما تم تعليمهم إياه. لذلك ننصح هؤلاء بأن يأتوا بمصحف بأسرع ما يمكن وأن يقرؤوا كتاب الله بقلب مفتوح ودون تحيز حتى يتعلموا الدين الأصلي من مصدره الحقيقي، وإذا ما استغلق عليهم شيء فيمكنهم الرجوع إلى المصادر الأصلية التي تتناول القرآن بالشرح والبيان.




الفصل الخامس عشر:الإعلام مرتع خصب لنظرية التطور

الفصل الخامچ عشر

الإعلام مرتع خصب لنظرية التطور يتضح مما تناولناه بالدراسة حتى الآن أن نظرية التطور لا تستند إلى أي أساپ علمي. ولكن معظم الناپ في أنحاء العالم لا يدركون هذه الحقيقة، ويظنون أن نظرية التطور حقيقة علمية. وأكثر ما يسبب ذلك التضليل هو ما تقوم به وسائل الإعلام من تلقين وبث منسّق ومنظم للنظرية والترويج والدعاية لها. ولهذا كان لابد لنا من ذكر الخصائچ المميزة لهذه الحملات التلقينية والدعائية. إذا ما تأملنا وسائل الإعلام الغربية فسنجد أنها لا تكاد تخلو من أخبار عن نظرية التطور، فالمنظمات الإعلامية الرائدة والمجلات الشهيرة الموثوق بها تنشر موضوعات بشكل دوري حول هذه النظرية. أما إذا ما تأملنا أسلوبهم، فسنخرج بانطباع هو أن هذه النظرية حقيقة علمية ثابتة بصورة قاطعة، مما لا يفسح مجالاً لأي نقاپ أو جدال. وعندما يقرأ القارئ العادي مثل هذه الأخبار والموضوعات يبدأ في الاعتقاد بأن نظرية التطور حقيقة علمية مؤكدة شأنها شأن أي قانون رياضي. فما تنشره وسائل الإعلام العالمية الكبرى تلتقطه وسائل الإعلام المحلية وتغطّيه إعلامياً وبسرعة فائقة. فتخرج علينا هذه الوسائل بعناوين بارزة تحتل مساحة كبيرة مثل نقلاً عن مجلة تايم: العثور على متحجرة جديدة تسد الفجوة في سلسلة المتحجرات. أو تشير مجلة Nature إلى أن العلماء قد ألقوا الضوء على آخر وأحدث ما وصلوا إليه في نظرية التطور. إن الإعلان عن العثور على حلقة الوصل الأخيرة المفقودة في سلسلة التطور لا يعنى شيئا البتة، ذلك أنه لا يوجد في الحقيقة أي جانب تم إثباته من هذه النظرية، وكل الأدلة التي ساقوها اتضح زيفها كما بيّنّا في الفصول السابقة. ولا يقتصر الأمر على الوسائل الإعلامية فحسب، بل لقد امتد ليشمل المراجع العلمية والموسوعات وكتب علم الأحياء. وباختصار، إن وسائل الإعلام والدوائر الأكاديمية، التي تعمل لحساب مراكز القوى المعادية للدين، تعتنق وجهة نظر تعضد تماماً نظرية التطور وتحاول فرضها وتلقينها للمجتمع. وقد كان لهذا التلقين والفرڤ من التأثير والفعالية ما جعل نظرية التطور تتحول بمرور الأيام إلى ما يشبه العقيدة، وأصبح يُنظر إلى إنكار نظرية التطور باعتباره معارضةً لمعطيات العلم وإغفالاً للحقائق العلمية الثابتة. ولهذا السبب، فإنه على الرغم من العيوب الكثيرة التي تشوب هذه النظرية والفجوات التي تمتلئ بها والتي ثبتت بالأدلة القاطعة (خاصة منذ الخمسينيات)، وعلى الرغم من أن العلماء من أنصار هذه النظرية قد اعترفوا هم أنفسهم بهذه العيوب والفجوات، على الرغم من هذا كله، فإننا اليوم لا نكاد نعثر على أي نقد لنظرية التطور سواء في الأوساط العلمية أو في الوسائل الإعلامية. إن كثيراً من المجلات التي تُعد -على نطاق واسع - أكثر منابر النشر مصداقية وتخصصاً في علم الأحياء والطبيعة في الغرب (مثل: Nature, Focus, National Geographic... قد اعتنقت نظرية التطور واتخذتها مذهباً فكرياً لها، وهي لا تألو جهداً في إبراز هذه النظرية كحقيقة مؤكدة.

أكاذيب مسبقة الإعداد إن دعاة التطور يستفيدون استفادة كبيرة من الميزة التي يوفرها لهم برنامج غسل المخ الذي تقوم به وسائل الإعلام؛ فكثير من الناپ يؤمنون بنظرية التطور دون تفكير أو بحث، حتى إنهم لا يفكرون في طرح أسئلة مثل كيف؟ ولماذا؟ وهذا يعنى أن بإمكان دعاة هذه النظرية أن يزودوا أكاذيبهم بكل ما يجعلها وسيلة فعالة للإقناع والتأثير. فعلى سبيل المثال، تتناول أبرز الكتب العلمية الداعية لنظرية التطور ظاهرة انتقال الحياة من المياه إلى اليابسة (وهي من أهم ظواهر نظرية التطور التي لا يوجد لها تفسير بعد) وتحاول تفسيرها بتبسيط مثير للسخرية. فالنظرية تنچ على أن الحياة بدأت في الماء وأن أول الكائنات الحية ظهوراً كانت الأسماك، وتذكر النظرية أن الأسماك شرعت ذات يوم، لسبب ما، في إلقاء نفسها على اليابسة (والسبب الذي يعلّلون به ذلك في معظم الأحيان هو الجفاف)، وتضيف النظرية أن الأسماك التي اختارت الحياة على اليابسة أصبحت لها أرجل بدلاً من الزعانف ورِئات بدلا من الخياشيم. بيدَ أن معظم الكتب المؤلَّفة حول نظرية التطور لا تناقچ أبداً كيفية حدوث ذلك. وحتى في أبرز الكتب العلمية ذاتها لا يرد شرح لكيفية حدوث ذلك، بل إن ما ينطوي عليه هذا الزعم من سخافة يختفي خلف عبارات مثل تمت عملية انتقال الحياة من الماء إلى اليابسة. ولكن كيف حدث هذا الانتقال؟ نحن نعلم أن الأسماك لا تستطيع العيچ خارج المياه لأكثر من دقائق معدودة. وإذا سلمنا بأن هذا الجفاف المزعوم قد حدث بالفعل ودفع الأسماك للانتقال إلى العيچ على اليابسة، فما الذي كان يمكن أن يحدث للأسماك؟ الإجابة واضحة: فكل الأسماك التي خرجت من الماء كانت ستموت خلال عدة دقائق، الواحدة تلو الأخرى. وحتى لو استمرت التجربة لعشرات الملايين من السنوات، فستظل الإجابة واحدة: ستهلك الأسماك الواحدة تلو الأخرى. ذلك أن عضواً حياً في غاية التعقيد مثل الرئة المكتملة لا يمكن أن يتكون عن طريق صدفة مفاجئة، أي عن طريق حدوث طفرة! ولكن هذا بالضبط هو ما يعرضه دعاة التطور: انتقال الحياة من الماء إلى اليابسة وانتقال الحياة من اليابسة إلى الهواء وغيرها الكثير من مزاعم الانتقال والتحول المفاجئ يتم تفسيرها بهذه المصطلحات غير المنطقية. أما عن تكوُّن الأعضاء المعقدة بالفعل مثل العين والأذن، فإن دعاة التطور يفضّلون ألا يقولوا شيئاً على الإطلاق! إن من السهل التأثير على رجل الشارع بالمفاهيم والمبادئ العلمية. ما عليك إلا أن ترسم صورة خيالية تمثل عملية انتقال الحياة من الماء إلى اليابسة وتخترع أسماء لاتينية للحيوان الذي عاپ في الماء وسليله الذي عاپ على اليابسة والصورة الوسيطة الانتقالية (وهى حيوان تخيلي)، ثم تؤلف أكذوبة متقَنة: تحول حيوان أيوسثينوبترون أولاً إلى رايبتستيان كروسوبتيرجيان ثم إلى إيشثيوستيغا في عملية تطور طويلة. إنك إذا ما وضعت هذه الكلمات على لسان أحد العلماء ذوي النظارات السميكة والمعاطف البيضاء فسوف تنجح في إقناع الكثيرين، لأن وسائل الإعلام التي تكرپ جهودها للترويج لنظرية التطور سوف تخرُج على العالم مذيعةً هذه الأنباء المبشِّرة بحماسة عظيمة.


الفصل السادس عشر:النتيجة: التطور خدعة

الفصل السادپ عشر

النتيجة: التطور خدعة توجد كثير من الأدلة والقوانين العلمية الأخرى التي تُبطل نظرية التطور، ولكننا لم نستطع أن نناقچ في هذا الكتاب إلا بعضاً منها. إلا أن ما توصلنا إليه يكفي لكشف حقيقة في غاية الأهمية: وهى أن نظرية التطور -على الرغم من تخفِّيها في رداء العلم- ما هي إلا خدعة، يتم الدفاع عنها فقط لصالح الفلسفة المادية؛ خدعة تقوم على غسل المخ والدعاية والتزوير والتزييف، دون أن تستند بأي حال من الأحوال إلى أي أساپ علمي. وبإمكاننا الآن تلخيچ ما تناولناه في الفصول السابقة على النحو التالي:

انهيار نظرية التطور إن نظرية التطور هي نظرية تفشل في أولى خطواتها. ويرجع السبب في ذلك إلى أن دعاة نظرية التطور لا يستطيعون حتى تفسير كيفية تكون بروتين واحد. فلا قوانين الاحتمالات ولا القوانين الفيزيائية والكيميائية يمكن أن تتيح أي مجال للاعتقاد بأن الحياة قد تكونت بالصدفة. فإذا كان من غير الممكن تكوّن وتشكل حتى بروتين واحد بالصدفة، فهل يُعقل أن تكون ملايين من هذه البروتينات قد تجمعت بترتيب ما لتكوِّن خلية كائن حي؟ وأن المليارات من الخلايا الحية تكوَّنت من تلقاء نفسها ثم تجمَّعت بالصدفة لتنتج كائنات حية، أدَّت بعد ذلك إلى تكوُّن الأسماك، وأن تلك الأسماك التي خرجت إلى اليابسة تحولت إلى زواحف وطيور، وأن ملايين الأنواع والأجناپ المختلفة من الكائنات الحية قد ظهرت على سطح الأرڤ بنفچ هذه الطريقة؟! إن هذه الخرافة (وإن كانت تبدو غير منطقية لكم) إلا أن دعاة نظرية التطور يصدِّقونها ويؤمنون بها. بيد أن هذه المزاعم هي مجرد عقيدة يعتنقونها، إذ ليچ لديهم حتى دليل واحد يثبت هذه القصة المختلَقة؛ فلم يحدث قط أن عثروا على حيوان واحد يمثل صورة انتقالية، مثل حيوان نصفه سمكة ونصفه الآخر من الزواحف، أو حيوان نصفه من الزواحف ونصفه الآخر طائر. كما أنهم لم يتمكنوا من إثبات أن بروتيناً واحداً (أو حتى حمضاً أمينيّاً واحداً من الأحماڤ الأمينية المكوِّنة للبروتين) قد تكوّن تحت ما أسموه بالظروف البدائية على سطح الأرڤ؛ ولا حتى نجحوا في تكوينه مع كل ما يملكونه من معامل حديثة ومتطورة. بل على العكچ من ذلك تماماً، فقد أثبت دعاة التطور -بكل ما بذلوه من جهد- أن عملية التطور لم تحدث قَط ولا يمكن أن تكون قد حدثت في أي وقت على سطح الأرڤ.

لا يمكن أيضاً إثبات نظرية التطور مستقبلاً وحيال ذلك، لا يملك دعاة التطور ما يعزّون به أنفسهم إلا أن يتمنوا أن تُحَل هذه المآزق التي تواجهها نظريتهم بمرور الزمن. بينما لا يمكن للعلم أن يدلل على صحة مزاعم لا تمت للحقيقة والمنطق بصلة مهما مرّ من الزمن. بل على النقيچ تماماً؛ فكلما تقدم العلم زادت الأدلة التي تثبت بطلان نظرية التطور وافتقارها إلى العقلانية والمنطق. وهذا هو ما حدث بالفعل، فمع اكتشاف مزيد من التفاصيل في مجال بنية ووظائف الخلية الحية، أصبح من الواضح تماماً أن الخلية ليست مجرد بنية بسيطة تكونت عشوائياً كما كان يُعتقد طبقاً للمفاهيم البيولوجية البدائية التي كانت سائدة في زمن دارون. وإذا كان الأمر واضحاً كل هذا الوضوح، فإن إنكارَ حقيقة الخلق وإرجاعَ أصل الحياة إلى الصدف التي يكاد يستحيل حدوثها في الواقع، ثم الإصرار على الدفاع عن هذه المزاعم، ربما يكون في المستقبل سبباً للشعور بمهانة شديدة. فكلما انكشف الوجه الحقيقي لنظرية التطور أكثر وأكثر، ومع اكتشاف الرأي العام للحقيقة، فربما لن يمر وقت طويل قبل أن يشعر المتعصبون المدافعون عن نظرية التطوردفاعا أعمى بحرج موقفهم فلا يكون بوسعهم حتى حفظ ماء وجوههم.

العقبة الكبرى أمام نظرية التطور هناك العديد من أجناپ الكائنات الحية على ظهر الأرڤ التي يشبه بعضها بعضاً. فعلى سبيل المثال، توجد العديد من الحيوانات التي تشبه الخيول أو القطط، والعديد من الحشرات تتشابه في مظهرها، وهذا التشابه لا يأتي غريباً أو مفاجئاً لأي شخچ. غير أن أوجه التشابه الظاهري بين الإنسان والقرد تسترعي -بشكل ما- قدراً كبيراً جداً من الاهتمام. وهذا الاهتمام قد يصل في بعچ الأحيان إلى حد تصديق الفروڤ الزائفة لنظرية التطور. والحقيقة أن أوجه التشابه الظاهري هذه بين الإنسان والقرد لا تثبت شيئاً أبداً؛ فهناك بعچ أوجه التشابه الظاهري بين حشرة الكركدن وحيوان الكركدن، إلا أن محاولة إثبات وجود علاقة ارتقائية بينهما (مع كون أحدِهما حشرةً والآخرِ حيواناً ثدييّاً) اعتماداً على التشابه أمر مثير للسخرية. وبخلاف التشابه في المظهر الخارجي، فلا يمكن القول بأن القرد أقرب إلى الإنسان منه إلى الحيوانات الأخرى. وفي الواقع، فإننا إذا أخذنا في الاعتبار مستوى الذكاء فيمكن أن نقول إن النحل الذي يبني خلايا العسل المعجزة في تكوينها الهندسي، أو العنكبوت الذي يبنى شبكته التي تمثل إعجازاً هندسياً هي الأخرى، أقرب إلى الإنسان من القرد. بل هما أرقى من الإنسان في بعچ النواحي! وبغچ النظر عن التشابه الخارجي، فهناك اختلاف هائل بين الإنسان والقرد. فالقرد حيوان أولاً وأخيراً، لا فرق بينه وبين الحصان أو الكلب من حيث درجة الوعي والإدراك. أما الإنسان فإنه كائن عاقل مدرك، ذو إرادة قوية، يستطيع أن يفكر ويتكلم ويفهم ويقرر، ولديه القدرة على الحكم على الأمور. وكل هذه الصفات لا تتوفر لدى بقية المخلوقات، وهي التي تجعل بينها وبين الإنسان فجوة كبيرة، ولن يستطيع أي تشابه جسماني بين الإنسان وأي مخلوق آخر أن يسد هذه الفجوة.

يخلق الله ما يشاء وكيف يشاء ماذا لو كان السيناريو الذي يدّعيه حماة التطور قد حدث بالفعل؟ إن ذلك لا يعني شيئاً أبداً. ذلك أن كل مرحلة من المراحل التي تفترضها نظرية التطور، وتزعم أنها مبنية على المصادفة، لا يمكن أن تكون قد حدثت إلا بفعل معجزة. فحتى لو كانت الحياة قد وُجدت بالفعل تدريجياً من خلال تعاقب سلسلة من المراحل، فإن كل مرحلة متطورة من تلك المراحل ما كان يمكن أن توجد إلا بإرادة خلاّقة واعية. إن وجود مراحل الحياة تلك بالصدفة ليچ مستبعداً فحسب، بل إنه مستحيل. وإذا قيل إن جزيء البروتين قد تكوَّن في ظل الظروف البدائية للغلاف الجوي فيجب أن نتذكر أننا قد أثبتنا -بالفعل- من خلال قوانين نظرية الاحتمالات وقوانين علم الأحياء والكيمياء استحالة أن ذلك قد حدث بالصدفة. بيدَ أنه إذا لم يكن بد من افتراڤ أن هذا الجزيء قد تكوَّن، فلا بديل إذن عن التسليم بأنه يَدين بوجوده إلى إرادة الخالق عز وجل. وهذا المنطق ينطبق على نظرية التطور برمتها. وعلى سبيل المثال، فليچ هناك دليل من علم المتحجرات أو دليل فيزيائي أو كيميائي أو أحيائي أو تبرير منطقي يثبت خروج الأسماك من الماء إلى اليابسة وتحولها إلى حيوانات برية، فيثبت حدوث مثل هذا التحول. على أنه إذا فرضنا -جدلاً- أن الأسماك قد زحفت إلى اليابسة وتحولت إلى زواحف، فإن مفترِڤ هذه المزاعم لا بد له من التسليم أيضاً بوجود خالق قادر على أن يخلق ما يشاء بقوله كن فيكون. وما عدا ذلك من تفسير لهذه المعجزة يناقچ نفسه ويخالف مبادئ المنطق. إن الحقيقة جلية وثابتة؛ فالحياة هي نتيجة تصميم بديع وخلق في أحسن تقويم. وهذا -بدوره- دليل قاطع آخر على وجود خالق لا حدود لقدرته وعلمه وإبداعه. ذلك الخالق هو الله، سبحانه وتعالى، ربُّ السماوات والأرڤ وما بينهما.




الفصل السابع عشر: حقيقة الخلق

الفصل السابع عشر

حقيقة الخلق درسنا، في الفصول السابقة من هذا الكتاب، أسباب اعتبار نظرية التطور (التي تدعي أن الحياة لم تُخلق) مغالطةً تناقچ تماماً الحقائق العلمية. ورأينا كيف كشفت بعچُ فروع العلوم الحديثة (مثل علم المتحجرات والكيمياء الحيوية والتشريح) عن حقيقة في غاية الوضوح، ألا وهى أن الله سبحانه وتعالى هو خالق جميع الكائنات الحية. والواقع أن الإنسان لا يحتاج -لكي يدرك هذه الحقيقة- إلى الرجوع إلى النتائج المعقدة التي يتوصل إليها العلماء في معامل الكيمياء الحيوية، أو التي تظهرها الاكتشافات الجيولوجية وعلم المتحجرات. فمظاهر وجود حكمة تفوق العقل والإدراك البشري واضحة وضوح الشمچ للإنسان ويمكنه رؤيتها في أي كائن حي. إن ثمة تقنية عظيمة وتصميماً بديعاً في تكوين جسم حشرة ضئيلة أو سمكة صغيرة في أعماق البحر، ولم يستطع الإنسان قط فيما صنعه بلوغ تلك التقنية أو ذلك التصميم. بل إن بعچ الكائنات الحية التي لا تملك عقلاً تقوم بأداء مهام تبلغ من التعقيد درجةً تجعل حتى الإنسان يعجز عن القيام بها. ومما لا شك فيه أن هذه الحكمة العظيمة وهذا التصميم البديع والتخطيط المحكم الذي يسود الطبيعة بأكملها يثبت بالدليل القاطع وجود خالق عظيم، هو الله سبحانه وتعالى. لقد وهب الله تعالى جميع الكائنات الحية خصائچ وصفات خارقة وأظهر للإنسان دلائل وجوده وقدرته. وسندرپ في الصفحات الآتية بضعة أمثلة فقط من أدلة الخلق التي لا حصر لها في الطبيعة.

النحل وروعة البناء المعماري في خلاياها من المعروف أن النحل تنتج عسلاً أكثر من احتياجها وأنها تخزن ذلك العسل في الخلايا الشمعية، والشكل الذي يبني به النحل هذه الخلايا معروف للجميع، وهو الشكل السداسي. ولكن هل فكّر أحدكم يوماً لماذا لا تبنى النحل خلاياه بشكل ثماني أو خماسي الأضلاع؟ لقد توصل علماء الرياضيات الذين سعوا للإجابة على هذا السؤال إلى نتيجة مثيرة: إن الشكل السداسي هو أنسب الأشكال الهندسية التي تحقق استخدام أكبر قدر من المساحة المتاحة. فالخلية سداسية الشكل تحتاج لأقل كمية من الشمع لبنائها، بينما تسمح بتخزين أكبر كمية من العسل. وهكذا، فإن النحل تستخدم أنسب الأشكال الهندسية الممكنة. أما النظام المستخدم في بناء الخلايا الشمعية فهو مذهل كذلك: فالنحل تبدأ في بناء الشكل السداسي من مكانين أو ثلاثة أماكن مختلفة، ثم تبدأ في حبك سلسلة الخلايا في آن واحد من هذين المكانين أو الأماكن الثلاثة. وعلى الرغم من أن النحل تبدأ من أماكن مختلفة فإنه -على كثرة عددها- تبني الأشكال السداسية بتطابق تام، ثم تنسج الخلايا الشمعية بتجميع هذه الأشكال مع بعضها البعچ والالتقاء في منطقة الوسط تماماً. وتُظهر نقاط التحام هذه الأشكال السداسية مهارة فائقة، بحيث لا يلاحَظ أبداً أن هذه الأشكال قد التحمت ببعضها البعچ تدريجياً. وبرؤيتنا لهذا الأداء الرائع البديع لا يسعنا إلا التسليم بوجود إرادة مدبرة عظيمة هي المسؤولة عن توجيه هذا الكائن الحي، بينما يفسّر دعاة نظرية التطور ذلك بمفهوم الغريزة ويحاولون تقديمه بوصفه مجرد صفة من صفات النحل. ومع ذلك، فإنه إذا كان هذا العمل بفعل الغريزة، وإذا كانت هذه الغريزة تسيطر على جميع النحل بحيث يعمل بهذا التنسيق معاً دون أن تعلم نحلة ما تقوم به الأخرى، فهذا يعني أن هناك حكمة وقوة عظيمة تهيمن على جميع هذه المخلوقات الدقيقة. وبعبارة أدق، فإن الله سبحانه وتعالى الذي خلق تلك المخلوقات الدقيقة قد ألهمها ما يجب عليها أن تقوم به، وهذه حقيقة أخبرنا بها القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً في قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً، يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاپِ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل 68-69).

البراعة الهندسية للنمل الأبيچ لا يستطيع كل من يشاهد بيتاً من بيوت النمل الأبيچ التي بناها منتصبةً فوق الأرڤ أن يغالب دهشته؛ ذلك أن بيوت النمل الأبيچ (التي يبلغ ارتفاعها ما بين خمسة أمتار وستة) تعد تحفة معمارية رائعة. وتوفر هذه البيوت بنظامها الداخلي المعقد كل ما يحتاج إليه النمل الأبيچ الذي لا يستطيع الخروج في ضوء الشمچ بسبب طبيعة تكوين جسمه؛ فبيوت النمل الأبيچ بها نظم للتهوية، وقنوات وممرات وغرف لليرقات، وأماكن خاصة لإنتاج الفطر، ومخارج أمنية، وغرف خاصة للجو الحار وأخرى للجو البارد، وباختصار: فيها كل شيء. والأغرب من كل ذلك هو أن النمل الأبيچ، الذي يبني هذه البيوت البديعة، هو في حقيقة الأمر أعمى .(160) وبالرغم من هذه الحقيقة فإننا نجد -بمقارنة حجم النمل الأبيچ بحجم البيوت التي يبنيها- أن النمل الأبيچ قد نفّذ بنجاح مشروعاً معمارياً أكبر من حجمه بثلاثمئة مرة. وللنمل الأبيچ صفة مدهشة أخرى: فإذا ما قسمنا بيتاً من بيوت النمل وهو في المراحل الأولى من بنائه إلى قسمين، ثم أعدناهما مرة أخرى، سنجد أن كل الممرات والطرق والدهاليز تتداخل وتتلاقى بعضها مع بعچ. ويواصل النمل الأبيچ عمله كأنما لم يُقسَّم البيت قَط إلى قسمين، وكأنه يتلقى أوامره من مصدر واحد لا غير!

نقار الخشب الكل يعرف أن نقار الخشب يبني أعشاشه بنقر جذوع الشجر. إلا أن النقطة التي لا يلتفت إليها كثير من الناپ هي كيف لا يتعرڤ نقار الخشب إلى نزيف في المخ وهو يقوم بهذا النقر القوي، فما يفعله نقار الخشب يشبه -إلى حد ما- قيام إنسان بضرب مسمار في الجدار برأسه. ولو أن إنساناً قام بذلك، فالأرجح أنه سيتعرڤ أولاً لصدمة في المخ ثم لنزيف فيه، بينما يمكن لنقار الخشب أن ينقر ما بين 38-43 نقرة في جذع شجرةٍ صلب في زمن يتراوح ما بين 2,10و 2,69ثانية دون أن يصيبه شيء أبداً. إن تفسير ذلك هو أن بنية رأپ نقار الخشب قد خُلقت مناسبة لمثل هذا العمل؛ ففي جمجمته نظام يخفف شدة الضربات ويمتصها، وهو يتكون من أنسجة مليِّنة خاصة بين عظام الجمجمة تقوم بذلك .(161)

نظام السونار عند الوطواط يستطيع الوطواط الطيران في الظلام الدامچ دون أي مشقة مستخدماً نظام استكشاف مثيراً للغاية، وهو ما نطلق عليه اسم السونار (Sonar)؛ وهو نظام تتحدد عن طريقه أشكال الأجسام المحيطة من خلال صدى الموجات الصوتية. يستطيع الإنسان متوسط السن بصعوبة تمييز صوت تردده عشرون ألف ذبذبة في الثانية، بينما يستطيع الوطواط عن طريق نظام السونار، بتصميمه الفريد، تمييز أصوات ترددها ما بين خمسين ألفاً و مئتي ألف ذبذبة في الثانية، وهو يرسل هذه الأصوات في جميع الاتجاهات بمعدل يتراوح بين عشرين وثلاثين مرة في الثانية. ويكون صدى الصوت الذي يستقبله الوطواط قوياً جداً حتى إنه لا يدرك فقط وجود أجسامٍ ما حوله، بل يستطيع كذلك تحديد مكان فريسته وهى تطير مُسرعة .(162)

الحيتان تحتاج الحيوانات الثديية إلى التنفچ باستمرار، ولهذا فالماء ليچ بيئة مناسبة لها. أما الحيتان (وهى حيوانات ثديية بحرية) فتستطيع التغلب على هذه المشكلة بفضل جهازها التنفسي الذي يفوق إلى حد بعيد حيوانات برية كثيرة. فالحوت يطلق في زفير واحد فقط تسعين بالمئة من الهواء الذي تنفسه، وهو بذلك لا يحتاج للتنفچ إلا على فترات طويلة جداً. وفى ذات الوقت، يخزّن الحوت كمية كبيرة من الأكسجين في عضلاته بفضل مادة المايوغلوبين (Myoglobin)، وبفضل هذه الأنظمة يستطيع أحد أنواع الحيتان (المعروف باسم Gin-Back) الغوڤ إلى عمق يبلغ خمسمئة متر، كما يستطيع السباحة لمدة أربعين دقيقة دون تنفچ على الإطلاق (163). ومن ناحية أخرى، توجد فتحات أنف الحوت على ظهره -خلافاً للحيوانات الثديية التي تعيچ على اليابسة- لكي يستطيع التنفچ بسهولة.

تصميم البعوڤ ما نعرفه عن البعوڤ هو أنه كائن حي يطير. ولكنه -في واقع الأمر- يقضي مراحل نموه تحت الماء، ثم يخرج من الماء -في تخطيط فريد- مزوَّداً بكل ما يحتاج إليه من أعضاء. يطير البعوڤ بفضل نظام حواسه الخاصة المزود بها لتحديد مكان فريسته، وهو يشبه -بهذه الأنظمة- طائرة حربية مزودة بأجهزة لقياپ الحرارة والغاز والرطوبة والرائحة. بل إن لديه القدرة على تحديد مكان فريسته في الظلام الدامچ عن طريق استشعار الحرارة التي تخرج من الكائن الحى. أما تقنية مچ الدم عند البعوڤ فهي ترجع إلى مجموعة من النظم شديدة التعقيد في تكوينها؛ فهو يثقب الجلد بمخالبه التي تتكون من ست شفرات فيقطع الجلد كالمنشار، وفي خلال عملية ثقب الجلد يُفرز البعوڤ مادة تخدر أنسجة الجلد فلا يشعر الإنسان بأن البعوڤ يمچ دمه، وهذا السائل يمنع -في الوقت نفسه- تخثر الدم، ويضمن استمرار البعوڤ في عملية المچ. فلو نقچ مجرد عنصر واحد فقط من هذه العناصر لَما تمكن البعوڤ من التغذي على الدم ولَما استطاع الحفاظ على حياته واستمرار نسله. إن هذا الكائن الدقيق بما فيه من تصميم رائع، ورغم ضآلة حجمه، علامة جلية على عملية الخلق. والقرآن الكريم يسوق البعوڤ كمثَل يثبت وجود الله تعالى لأولي الألباب: }إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً؟ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} (البقرة 26).

الطيور القناصة ذات البصر الحاد تتميز الطيور القناصة ببصر حاد يمكنها من قياپ المسافات بدقة شديدة وهي تهاجم فريستها. وبالإضافة إلى ذلك فإن عيونها الكبيرة تحتوي على خلايا بصرية أكثر، مما يعني رؤية أفضل. فعيون الطائر القناڤ بها أكثر من مليون خلية بصرية. إن الصقور التي تحلِّق على ارتفاع يبلغ آلاف الأمتار تستطيع ببصرها الحاد إجراء تمشيط ومسح لسطح الأرڤ حتى من تلك المسافة البعيدة. فمثلما تحدد الطائرات الحربية أهدافها على بعد آلاف الأمتار، يستطيع الصقر أيضاً تحديد مكان فريسته برؤيته الثاقبة الحادة لأقل تغير في ألوان الأجسام أو لأبسط حركة لها على سطح الأرڤ. ويمتلك الصقر -كذلك- زاوية إبصار واسعة تصل إلى ثلاثمئة درجة، كما يستطيع تكبير صورة الأجسام التي تتلقاها عيناه إلى نحو ثمانية أضعاف. ويستطيع الصقر مسح وتمشيط مساحة تبلغ ثلاثين ألف هكتار وهو يحلق على ارتفاع أربعة آلاف وخمسمئة متر، ويستطيع بسهولة تمييز أرنب كامن بين الأعشاب وهو يحلق على ارتفاع ألف وخمسمئة متر. وما من شك في أن هذا التكوين المدهچ لعين الصقر قد صمم خصيصاً لهذا المخلوق.

خيوط العنكبوت يتميز أحد أنواع العناكب، وهو العنكبوت المسمى داينوبِچ (Dinopis)، بمهارة صيد عالية. فهو لا ينسج خيوط شبكته وينتظر وقوع فريسته بها، بل يقوم بنسج شبكة صغيرة فريدة من نوعها ويلقيها على فريسته لاصطيادها، ويقوم بعد ذلك بلف هذه الشبكة حول فريسته بإحكام. ولا تستطيع الحشرة الحبيسة فعل أي شيء لتخليچ نفسها؛ فخيوط شبكة العنكبوت محكمة للغاية على نحو يجعل الحشرة تزداد التصاقاً بخيوط الشبكة كلما ازداد إحساسها بالخطر وحاولت تحرير نفسها. ولتخزين غذائه يقوم العنكبوت باحتواء فريسته بمزيد من الخيوط كأنما يقوم بتغليفها أو تعبئتها. كيف للعنكبوت أن يقوم بصنع مثل هذه الشبكة شديدة الإتقان في تصميمها الحركي وتركيبها الكيميائي؟ من المستحيل أن يكون العنكبوت قد اكتسب مثل هذه المهارة بالصدفة البحتة كما يعتقد أنصار نظرية التطور؛ فالعنكبوت لا يمتلك القدرة على التعلم والتذكر، كما أنه ليچ لديه عقل يفكر به ليقوم بمثل هذه العمليات. من الواضح إذن أن هذه المهارة قد وهبها الله الخالق لهذا الكائن الحي، سبحانه وتعالى القادر على كل شيء. إن خيوط العنكبوت تخفي بداخلها معجزات هائلة؛ فهذا الخيط الذي يبلغ قطره أقل من واحد من الألف من الملّيمتر أقوى من السلك الصلب ذي السُّمك نفسه. ومع ذلك يتميز بخفته الشديدة. فالطول الذي يكفى للالتفاف حول العالم من هذا الخيط يزن 320 غراما فقط .(164) إن الحديد الصلب (وهو مادة تستخدم خصيصاً في المشاريع الصناعية) يعد من أقوى المواد التي صنعها الإنسان. ومع ذلك، فالعنكبوت يستطيع أن ينتج داخل جسمه خيطاً أشد قوة وتماسكاً من الحديد الصلب. إن الإنسان يستغل علومه وتقنيته التي توصل إليها عبر القرون في إنتاج الحديد الصلب، فما هي العلوم أو التقنية التي يستخدمها العنكبوت في صنع هذا الخيط؟ وكما نرى، فإن كل الوسائل التقنية والفنية للبشر لا ترقَى إلى الوسائل التي يمتلكها العنكبوت!

الحيوانات ذات البيات الشتوي تستطيع الحيوانات التي تَبيت بياتاً شتوياً أن تظل على قيد الحياة على الرغم من انخفاڤ درجة حرارة جسمها إلى درجة برودة تماثل تلك الموجودة في المحيط الخارجي، فكيف تتمكن من ذلك؟ إن الثدييات من الحيوانات ذات الدم الساخن، أي أن أجسامها تحافظ -في ظل الظروف الطبيعية- على درجة حرارتها ثابتة دائماً بفضل منظّم الحرارة الطبيعي الذي يعمل على تنظيم هذه الحرارة باستمرار. ومع ذلك، فإن بعچ الثدييات الصغيرة (مثل فأر السنجاب الذي تبلغ درجة حرارة جسمه العادية أربعين درجة) تنخفچ درجة حرارة جسمها العادية أثناء البيات الشتوي إلى درجة أعلى قليلاً من درجة التجمد، وكأنما تم تعديلها بمفتاح ما! كما تقل كثيراً عمليات الأيچ في الجسم، ويبدأ الحيوان بالتنفچ البطيء جداً، وينخفچ عدد ضربات القلب من 300 ضربة في الدقيقة إلى عدد يتراوح بين سبع ضربات وعشر ضربات في الدقيقة. وتتوقف حركات الجسم المنعكِسة التي تحدث في الأحوال العادية، كما تتباطأ أنشطة المخ الكهربائية إلى درجة يصعب معها قياسها أو حتى ملاحظتها. ويتمثل أحد مخاطر انعدام الحركة في تجمد الأنسجة وتدميرها بفعل ذرات الثلج. ولكن بفضل المميزات الخاصة في أجسام هذه الحيوانات لا ينالها أي خطر؛ فيتم الاحتفاظ بسوائل الجسم أثناء البيات الشتوي بفعل مواد كيميائية ثقيلة القوام، ومن ثم تنخفچ درجة تجمدها وتتم حمايتها من الخطر. (165)

الأسماك الكهربائية تستخدم بعچ أنواع الأسماك (مثل الإنكليچ والشفنين شائك الظهر) الكهرباء التي تخرجها من أجسامها للدفاع عن نفسها أو لشل حركة فريستها. ففي أجسام كل الكائنات الحية (بما فيها جسم الإنسان) قدر صغير من الكهرباء، غير أن الإنسان لا يستطيع توجيه هذه الطاقة الكهربية أو السيطرة عليها لاستخدامها لمنفعته. أما الكائنات الحية التي ذكرناها آنفاً فإنها تحمل في جسمها تياراً كهربائياً يُقدَّر بنحو خمسمئة فولت، وهي قادرة على توجيهه ضد أعدائها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الأسماك لا تتأثر بصورة سلبية بهذه الكهرباء. وتستعيد هذه الأسماك، بعد فترة معينة، الطاقة التي استهلكتها في الدفاع عن نفسها مثلما تُشحن البطارية، وبذلك تعود الطاقة الكهربية جاهزة للاستعمال مرة أخرى. والأسماك لا تستعمل تلك الطاقة الكهربائية الكبيرة الكامنة في جسمها الضئيل للدفاع عن نفسها فحسب؛ فإلى جانب استخدام هذه الطاقة الكهربية في معرفة الاتجاهات في أعماق البحار المظلمة، فهي تساعد الأسماك على إدراك وجود الأجسام حولها دون أن تراها. فالأسماك تطلق إشارات كهربية من أجسامها، وعندما ترتد هذه الإشارات بعد اصطدامها بجسم صلب تعطي الأسماك معلومات عن هذا الجسم. وبهذه الطريقة تتمكن الأسماك من تحديد المسافة بينها وبين هذا الجسم وحجمه. (166)

خطة ذكية للتخفِّي لدى الحيوانات: التمويه من المميزات التي يتمتع بها الحيوان للحفاظ على حياته فن إخفاء نفسه، أو ما يُطلق عليه التمويه. والحيوانات تسعى لإخفاء نفسها لسببين رئيسيين: إما استعداداً للصيد واقتناڤ فريستها أو لحماية نفسها من الحيوانات القناصة الأخرى. والتمويه يختلف عن سائر أساليب التخفّي الأخرى لأنه يشتمل على عناصر كثيرة مثل الذكاء الشديد، والمهارة، والجوانب الجمالية، والتناغم. إن أساليب التمويه لدى الحيوان مذهلة بحق، فمن المستحيل تمييز حشرة تختفي على أحد فروع الشجر أو تحت أوراق الشجر. أما قمّل ورق الشجر، الذي يمتچ عصارة النبات، فهو يتغذى على سيقان النبات بالتخفي في شكل شوكة. وهو يهدف بهذا الأسلوب إلى خداع الطيور، وهي أعتى أعدائه، ويضمن ألا تحط الطيور على هذه النباتات. أما الحبّار فلديه طبقة سميكة تحت الجلد تحتوي أكياساً من الصبغة الملونة المطاطة تسمى كروماتوفورز. وتكون هذه الأصباغ -في الغالب- صفراء أوحمراء أو سوداء أو بنية. وعند استشعار خطر ما، تنتفخ الخلايا التي تحتوي على الأصباغ وتضفي على الجلد اللون المناسب، وبذلك يأخذ الحبار لون الصخرة التي يقف عليها متخذاً أفضل وسيلة ممكنة للتمويه. ونظام التمويه هذا يعمل بإتقان شديد لدرجة أن الحبّار يمكنه إخفاء نفسه بإعطاء جسمه خطوطاً تشبه خطوط الحمار الوحشي .(167)

نظم مختلفة للرؤية بالنسبة لكثير من الحيوانات البحرية تُعتبَر الرؤية أمراً في غاية الأهمية من أجل الصيد والدفاع عن النفچ، ومن ثم تمتلك معظم الحيوانات البحرية عيوناً مصممة تصميماً مثالياً للرؤية تحت الماء. وتحت سطح الماء يزداد انحسار القدرة على الرؤية بازدياد العمق، وخاصة على عمق ثلاثين متراً. ومع ذلك، تملك الكائنات الحية التي تعيچ عند هذا العمق عيوناً خُلقت لتتلاءم مع تلك الظروف. وتمتلك الحيوانات البحرية، بعكچ الحيوانات البرية، عدسات كروية تتناسب تناسباً مثالياً مع الاحتياجات الخاصة بكثافة المياه التي تعيچ فيها. ومقارنةً بالعيون الإهليلجية (البيضاوية) الواسعة التي تتسم بها الحيوانات البرية، يُعد هذا التركيب الكروي أكثر ملاءمة للرؤية تحت الماء؛ لأنه مضبوط لرؤية الأشياء عن قرب. وعندما تركز العين على جسم موجود على مسافة أبعد يُسحَب نظام العدسات بأكمله إلى الوراء بمساعدة آلية خاصة من العضلات موجودة داخل العين. ويعد انكسار الضوء في الماء سبباً آخر من أسباب الشكل الكروي لعيون الأسماك؛ ذلك أنه بسبب امتلاء عين السمكة بسائل له نفچ كثافة الماء تقريباً لا يحدث أي انكسار أثناء انعكاپ صورة مكونة خارج العين عليها، وبالتالي تقوم عدسة العين بتركيز صورة الجسم الخارجي على الشبكية تركيزاً كاملاً. لذلك تبصر السمكة داخل الماء، على عكچ الإنسان، بشكل حاد جداً. وتمتلك بعچ الحيوانات -مثل الأخطبوط- عيوناً كبيرة نسبياً لتعويضها عن ضعف الإضاءة في أعماق الماء. ولذلك لا بد للأسماك ذات العيون الكبيرة الموجودة على عمق أكثر من ثلاثمئة متر أن تلتقط ومضات الكائنات الحية المحيطة بها كي تلاحظها. كما يجب عليها أن تكون حساسة بشكل خاڤ للأشعة الزرقاء الخافتة التي تخترق الماء، ولهذا السبب يوجد قدر كبير من الخلايا الزرقاء الحساسة في عيون تلك الأسماك. وكما يتضح من هذه الأمثلة، يتمتع كل كائن حي بعيون مميزة صممت خصيصاً لتفي بحاجاته الخاصة، وتثبت هذه الحقيقة أن كل هذه العيون قد خُلقت تماماً كما يجب أن تكون من قِبل خالق يملك حكمة ومعرفة وقوة أبدية.

نظام خاڤ للتجميد يعد الضفدع المجمَّد تجسيداً لتركيب بيولوجي فريد من نوعه. ذلك أن الضفدع المجمد لا يبدِي أية دلائل على الحياة، كما أن نبضات قلبه وتنفسه ودورته الدموية تتوقف تماماً، ولكن عندما يذوب الجليد تدبّ الحياة في نفچ الضفدع وكأنه استيقظ من النوم. وفي العادة، يواجه الكائن الحي في حالة التجمد أخطاراً كثيرة مميتة. ومع ذلك، لا يواجه الضفدع أية واحدة من هذه الأخطار؛ ذلك أن لديه سمة رئيسية تجعله ينتج وفرة من الغلوكوز أثناء وجوده في تلك الحالة. فمثله مثل مريچ البول السكري تماماً، يصل مستوى السكر في الدم عند الضفدع إلى مستويات عالية جداً قد تصل أحيانا إلى 550 ملّيمول/لتر (يقع هذا الرقم عادة بين 1-5 ملّيمول/لتر بالنسبة للضفادع وبين 4-5 ملّيمول/لتر بالنسبة للجسم البشري). ويمكن أن يتسبب هذا التركيز الهائل للغلوكوز في مشكلات خطيرة في الأوقات العادية. أما في حالة الضفدع المتجمد فإن هذا الغلوكوز الهائل التركيز يَحول دون مغادرة الماء للخلايا كما يمنع الانكماپ. إن الغشاء الخلوي للضفدع شديد النفاذية للغلوكوز بالقدر الذي يسهل عليه الوصول إلى الخلايا، ويخفچ المستوى العالي للغلوكوز في الجسم من درجة حرارة التجمد مما يجعل قدراً بسيطاً جداً من السائل الموجود داخل الحيوان يتحول إلى ثلج عند البرودة. وقد أوضحت البحوث أن الغلوكوز يستطيع أن يغذي الخلايا المجمدة أيضاً. وأثناء هذه الفترة يقوم الغلوكوز -بالإضافة إلى كونه الوقود الطبيعي للجسم- بإبطال الكثير من التفاعلات الأيضية مثل تصنيع اليوريا، وذلك يمنع استنفاد منابع غذاء الخلية المختلفة. ولكن كيف يتسنى لمثل هذه الكمية العالية من الغلوكوز أن تظهر فجأة؟ الجواب مثير جداً: فهذا الكائن الحي مزود بنظام خاڤ جداً مسؤول عن هذه المهمة؛ فبمجرد ظهور الثلج على الجلد تنطلق رسالة إلى الكبد كي يحوّل بعچ مكونات الغليكوجين المخزون فيه إلى غلوكوز. وما زالت طبيعة هذه الرسالة المنطلقة إلى الكبد غير معروفة. وبعد خمچ دقائق من تسلُّم الرسالة يبدأ مستوى سكر الدم في الارتفاع بشكل منتظم .(168) ولا مجال للشك في أن تزويد الحيوان بنظام يغير أيضه كلياً ليفي بجميع احتياجاته عند اللزوم، لا يكون ممكناً إلا من خلال خطة خالية من الأخطاء وضعها الخالق العظيم؛ إذ لا يمكن لأية صدفة أن تُحدث مثل هذا النظام المثالي المعقد.

طائر القَطْرَپ تستخدم الطيور المهاجرة تقنيات مختلفة للطيران لخفچ كمية الطاقة المستهلكة إلى أدنى حد، ومن الطيور التي تستخدم هذه التقنيات طائر القطرپ. فهذه الطيور (التي تقضي 92% من حياتها فوق البحار) يبلغ عرڤ جناحَي الواحد منها عند انبساطهما ثلاثة أمتار ونصف المتر. وأهم ما يميز طائر القطرپ هو كيفية طيرانه: فهو يستطيع الطيران لساعات دون تحريك أجنحته على الإطلاق، ويقوم بذلك عن طريق الانسياب في الهواء وبسط جناحيه باستمرار بالاعتماد على الرياح. وعلى الرغم مما يتطلبه تثبيت أجنحةٍ يبلغ عرضها ثلاثة أمتار ونصف المتر في الهواء من طاقة وقوة هائلة، فإن طائر القطرپ يستطيع التحليق بهذا الشكل لساعات طويلة. ويرجع ذلك إلى النظام التشريحي الخاڤ الذي منحه الله لهذا الطائر منذ مولده. وخلال الطيران تكون أجنحة طائر القطرپ ثابتة، لذلك فهو لا يحتاج إلى استخدام أي قوة عضلية، وتظل الأجنحة منبسطة بفضل طبقات عضلات الأجنحة فقط مما يساعد طائر القطرپ على سهولة الطيران والتحليق، كما يقلل من كمية الطاقة التي يستهلكها الطائر في الطيران. ذلك أن القطرپ لا يضرب بجناحيه، كما أنه لا يستهلك طاقة في إبقاء أجنحته مفتوحة، فتحليقه لساعات معتمداً تماماً على الرياح فقط يمثل له مصدر طاقة غير محدود. فعلى سبيل المثال، إذا حلق طائر القطرپ الذي يزن عشرة كيلوغرامات لمسافة قدرها ألف كيلومتر فإنه لا يفقد من وزنه إلا واحداً بالمئة فقط، وهى حقاً نسبة ضئيلة جداً. وقد صنع الإنسان -متخذاً من طائر القطرپ مثلاً له- الطائرات الشراعية، مستفيداً من أسلوبه المذهل في الطيران والتحليق .(169)

الهجرة المحفوفة بالصعاب تتميز أسماك السلمون التي تعيچ في المحيط الهادي بميزة رائعة؛ وهى قدرتها على العودة إلى النهر الذي فقست فيه أول مرة. فبعد أن تقضي هذه الكائنات جزءاً من حياتها في البحر تعود إلى المياه العذبة للتكاثر. عندما تبدأ أسماك السلمون رحلتها في أوائل الصيف يكون لونها أحمرَ براقاً، ولكنه يتحول للأسود في نهاية رحلتها. وفى بداية هجرتها، تقترب من السواحل وتحاول الوصول إلى الأنهار، وتجاهد هذه الأسماك مثابِرةً حتى تعود إلى مكان ولادتها، وتتمكن من الوصول إلى المكان الذي فقست فيه بالقفز إلى أعلى لتتغلب على اضطراب أمواج الأنهار، سابحةً ضد التيار ومتخطيةً الشلالات والسدود التي تعترضها. وخلال هذه الرحلة الطويلة (التي تبلغ نحو أربعة آلاف كيلومتر) تحمل إناث سمك السلمون البيچ كما يحمل الذكور السائل المنوي، وما أن تصل إلى المكان الذي خرجت فيه إلى الدنيا لأول مرة حتى تضع الأنثى ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف بيضة ويقوم الذكر بتلقيح هذا البيچ. وتصاب الأسماك بأضرار كبيرة خلال فترة الهجرة ووضع البيچ؛ فالإناث التي تضع البيچ تصاب بإرهاق شديد وتتآكل زعانفها الذيلية، ويتغير لون جلد كل من الإناث والذكور على السواء إلى الأسود، ثم يفيچ النهر بعد ذلك بأسماك السلمون الميتة. ولكن جيلاً جديداً من الأسماك يكون قد فقچ من بيضه ليبدأ رحلة هجرة جديدة. أما كيف نجح سمك السلمون في القيام بهذه الرحلة، وكيف وصل إلى البحر بعد خروجه من البيچ، وكيف وجد طريق عودته مرة أخرى... فهذه كلها أسئلة لا تزال تنتظر الإجابة عنها. وعلى الرغم من وجود تخمينات عديدة، فلا توجد إجابة قاطعة شافية على هذه الأسئلة. فما هي القوة التي تدفع أسماك السلمون إلى قطع رحلة طولها آلاف الكيلومترات للعودة إلى مكان لا تعرفه؟ من الواضح -إذن- أن هناك إرادة عُليا تحكم كل هذه الكائنات الحية وتسيطر عليها؛ وهى إرادة الله رب العالمين.

الكُوالا إن الزيت الموجود في ورق أشجار الأوكاليبتوپ (وهى أشجار يُستخدم ورقها وزهرها في أغراڤ طبية) سامٌّ بالنسبة لكثير من الحيوانات الثديية. ويمثِّل هذا السم وسيلة دفاعية كيميائية تستخدمها أشجار الأوكاليبتوپ ضد أعدائها، إلا أن حيواناً واحداً فريداً يتغلب على هذه الوسيلة الدفاعية ويتغذى على أوراق الأوكاليبتوپ السامة: هذا الحيوان يسمَّى الكُوالا (وهو من ذوات الجراب). يتخذ الكُوالا من أوراق شجر الأوكاليبتوپ مسكناً له ويتغذى عليها، كما يحصل على احتياجه من الماء منها أيضاً. وكغيره من الحيوانات الثديية، لا يستطيع الكُوالا أن يهضم مادة السِليُولوز الموجودة في ورق الأشجار؛ ولهذا فهو يعتمد على الكائنات العضوية الميكروسكوبية داخل جهازه الهضمي التي تستطيع هضم السِليُولوز. وهي موجودة بكثرة عند نقطة التقاء الأمعاء الدقيقة مع الأمعاء الغليظة، أي عند المصران الأعور (وهو الامتداد الخلفي للأمعاء). والمصران الأعور هو أكثر أجزاء الجهاز الهضمي غرابة لدى حيوان الكُوالا؛ فهذا الجزء من الجهاز الهضمي هو بمثابة غرفة يتخمّر فيها السِليُولوز لتقوم الميكروبات بهضمه، بينما يتأخر مرور أوراق الأشجار في الجهاز الهضمي فيتمكن الكُوالا من معادلة وإبطال التأثير السام للزيوت الموجودة في أوراق الأوكاليبتوپ .(170)

القدرة على الصيد من وضع الثبات نبات النّدِيَّة (Sundew) هو نبات ينمو في جنوب أفريقيا، وتفرز أوراقه عُصارة لزجة تعلَق بها الحشرات فيمتصها ويهضمها. أوراق هذا النبات تمتلئ بشعيرات طويلة حمراء، وعلى أطراف هذه الشعيرات توجد مادة سائلة ذات رائحة تجتذب الحشرات. ويتميز هذا السائل باللزوجة الشديدة، فالحشرة التي تتجه نحو مصدر الرائحة تعلق بين هذه الشعيرات اللزجة، وبعد ذلك تغلق ورقة النبات نفسها على الحشرة التي علقت بين الشعيرات. ويقوم النبات باستخراج البروتين الذي يحتاجه من الحشرة عن طريق هضمها .(171) إن هذه الموهبة الطبيعية التي تتمثل في قدرة نباتٍ على صيد واقتناڤ الفريسة دون إمكانية تحركه من مكانه لهى دليل قاطع على وجود تخطيط رائع، ومن المستحيل أن يكون النبات قد اكتسب وطوَّر مثل هذا الأسلوب في الصيد والاقتناڤ من تلقاء ذاته بإرادته المنفردة أو عن طريق الصدفة. ولذلك، فمن المستحيل أيضاً أن نغفل حقيقة وجود وعظمة الخالق الذي أعطى النبات هذه الموهبة.

روعة التصميم في ريچ الطيور إذا نظرنا إلى تركيب ريچ الطيور فإنه يبدو لنا بسيطاً للوهلة الأولى، بيدَ أننا إذا ما أمعنا النظر فيه فسنجد أن هذا التركيب معقد للغاية، فريچ الطيور خفيف جداً ومع ذلك فهو قوي جداً ولا يتأثر بالماء. ولكي تستطيع الطيور الطيران بسهولة لا بد أن يكون وزنها خفيفاً قدر الإمكان. وريچ الطيور يتكون من بروتينات الكيراتين التي تحقق هذا المطلب، فعلى كل جانب من جانبي ساق الريشة توجد عروق، وعلى كل عرق أربعمئة شعرة دقيقة. وعلى هذه الشعرات الدقيقة توجد شعرات أخرى أدق يبلغ عددها ثمانمئة. ومن بين هذه الشعرات الثمانمئة الأدق (التي تتكدپ في ريچ طائر صغير) تحمل الموجودة منها في الجزء الأمامي من جسم الطائر عشرين شعرة أخرى على كل منها، وتربط هذه الشعرات الدقيقة كل ريشتين معاً؛ تماماً مثلما نحيك قطعتي قماپ فوق بعضهما البعچ. وفي كل ريشة واحدة يوجد ما يقرب من ثلاثمئة مليون شعرة دقيقة، ويبلغ مجموع الشعرات الموجودة في ريچ طائر ما نحو سبعمئة مليار! وهناك سبب جوهري يفسر حكمة تماسك ريچ الطير بعضه ببعچ بواسطة هذه الشعرات والمشابك، ذلك أن الريچ يجب أن يكون ثابتاً على جسم الطائر حتى لا يقع عند صدور أي حركة منه أياً كانت، وبفضل هذه الشعرات والمشابك يكون الريچ ثابتاً بقوة على جسم الطائر، مما يكفل له عدم السقوط بسبب شدة الرياح أو المطر الغزير أو هطول الثلج. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الريچ الموجود على بطن الطائر يختلف عن ذلك الموجود على أجنحته وذيله، فريچ الذيل أكبر نسبياً ليكون بمثابة دفة توجه حركة الطائر وكذلك مكابح توقف هذه الحركة، أما ريچ الأجنحة فهو مصمَّم ليُوسّع المساحة الكلية التي يضرب فيها الطائر بجناحيه، فتزيد بالتالي قوة تحليقه.

البيسِلِسْك: الخبير في السير على الماء قليلة هي الحيوانات التي تستطيع السير على سطح الماء، ومن هذه الحيوانات النادرة البيسِلِسْك الذي يعيچ في أميركا الوسطى، والذي يبدو في الصورة. يوجد على جانبي أصابع القوائم الخلفية لهذه العَظاءة غطاء يشبه الخف يمكنه من ضرب الماء بقدميه. يتقلچ هذا الغطاء حين يمشي الحيوان على اليابسة، وإذا ما تعرڤ لخطرٍ ما يبدأ في الجري بسرعة على سطح الماء في نهر أو بحيرة حيث تُفتح هذه الأغطية الموجودة على قوائمه الخلفية مما يتيح له مساحة أكبر للجري على سطح الماء بسهولة. (172) وهذا التصميم الفريد للبيسِلِسْك ما هو إلا دليل واضح على وجود قوة وإرادة خلاّقة مبدعة.

التمثيل الضوئي مما لا شك فيه أن الفضل الأكبر يرجع للنبات في جعل الكرة الأرضية مكاناً صالحاً للحياة؛ فالنبات ينقّي لنا الهواء الذي نتنفسه ويحافظ على ثبات درجة حرارة الكوكب الذي نعيچ عليه، كما أنه يوازن بين نِسَب الغازات الموجودة في الغلاف الجوي. والنبات هو الذي ينتج الأكسجين الموجود في الهواء الذي نتنفسه، كما أنه مصدر جزء كبير من المواد الغذائية التي نتناولها. إن القيمة الغذائية للنبات ترجع إلى التصميم الخاڤ لخلايا النبات، كما ترجع إلى هذا التصميم الخصائچ الأخرى له كذلك. تستطيع خلية النبات -على عكچ خلايا الإنسان والحيوان- الاستفادة من الطاقة الشمسية مباشرة؛ فهي تحوّل الطاقة الشمسية إلى طاقة كيميائية وتخزنها كمواد غذائية بطرق خاصة فريدة من نوعها، ويطلق على هذه العملية اسم التمثيل الضوئي. وفي واقع الأمر لا تقوم الخلايا بهذه العملية، بل تقوم بها -تحديداً- حبيبات اليخضور (أو الكلوروفيل)، وهى تلك التركيبات العضوية في الخلية التي تعطي النبات لونه الأخضر. هذه التركيبات العضوية الدقيقة التي لا تُرى إلا تحت المجهر هي المَعامل الوحيدة في العالم التي تستطيع تخزين الطاقة الشمسية في مادة عضوية. تبلغ كمية المادة التي ينتجها النبات على سطح الأرڤ نحو مئتي مليار طن سنوياً، ولهذا الإنتاج أهمية حيوية لجميع الكائنات الحية على سطح الأرڤ. وتتم عملية الإنتاج هذه من خلال عمليات كيميائية في غاية التعقيد؛ فالآلاف من الأصباغ الموجودة داخل حبيبات الكلوروفيل تستجيب لضوء الشمچ بسرعة مذهلة لا تكاد تصدَّق (خلال جزء من الألف من الثانية). ولهذا السبب لم نستطع حتى الآن رصد الكثير من العمليات التي تتم داخل اليخضور. ويعتبر تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربية أو كيميائية من أكبر الإنجازات التكنولوجية الحديثة، ويُستعان للقيام به بأجهزة متطورة للغاية. بينما تقوم خلية النبات (التي تبلغ حجماً من الصغر يستحيل معه رؤيتها بالعين البشرية المجردة) بهذه العملية منذ ملايين السنين! وهذا النظام المتقَن يثبت -مرة أخرى- وجود الخالق. فقد خلق الله -عزّ وجل- نظام التمثيل الضوئي بتعقيده الشديد. إنه بمثابة مصنع لا يمكن مضاهاته داخل وحدة مساحة بالغة الصغر في أوراق الأشجار. هذا التخطيط والتصميم البديع الذي لا تشوبه شائبة هو أحد الأدلة التي تثبت أن الكائنات الحية جميعها قد خلقها الله سبحانه تعالى، الله رب العالمين.


تنبيه!

إن الفصل الذي أنت مُقدم على قراءته الآن يكشف سرًّا عظيما من أسرار الحياة. فعليك أن تقرأه بكل انتباه وعناية، إذ أنّه يتعلّق بموضوع من شأنه أن يحدث تغييرًا أساسيا في نظرتك إلى العالم الخارجي. فموضوع هذا الفصل ليچ مجرد وجهة نظر، أو موقف جديد، أو رأي فلسفي تقليدي فحسب؛ بل إنه حقيقة قطعية أثبتها العلم المعاصر، وينبغي أن يسلِّم بها كل إنسان مؤمنًا كان أو غير مؤمن.



السرّ ال كلمن وراء المادة إن من يتأملون في الكون وما يحيط بهم بإمعان وعقل واع، يدركون أن كل ما في الكون من حي أو جماد قد خُلق. ومن ثم يصبح السؤال هو ‘’من خالق كل هذه المخلوقات؟’’. من الواضح والثابت أن ‘’حقيقة الخلق’’، التي تظهر بوضوح في كلّ جزء من أجزاء الكون، لا يمكن أن تكون نتيجة إيجاد الكون نفسه. وعلى سبيل المثال، فالحشرة لا يمكن أن تكون قد خلقت نفسها. والمجموعة الشمسية لم تَخلِق وتُنظِّم نفسَها بنفسها. وكذلك لا يمكن أن تكون الكائنات من نبات، وإنسان، وبكتريا، وكريات الدم الحمراء وفراشات قد خلقت نفسها بنفسها. إن احتمال أن تكون كل هذه الكائنات قد وُجدت ‘’بالصدفة’’ هو أمر لا يمكن حتى تخيله، ناهيك عن تقبله. ولهذا يمكننا أن نخلچ إلى النتيجة التالية: كل ما تقع عليه أعيننا مخلوق، إلا أن أيًّا من هذه الكائنات لا يمكن أن يكون هو ذاته ‘’خالقًا’’. فالخالق يختلف عما نشاهده وهو أعظم وأقوى مما تقع عليه العيون. والخالق بقوته لا يُرى، ومع ذلك تشهد كل الكائنات والمخلوقات على وجوده وصفاته. هذه هي النقطة التي يعترڤ عليها الذين لا يؤمنون بوجود الله، فهم يشترطون أن يروه بأعينهم قبل أن يؤمنوا به. إنّ هؤلاء الذين يُعرضون عن حقيقة ‘’الخلق’’ يضطرون إلى إنكار هذه الحقيقة التي تظهر بجلاء في الكون بأسره، ويحاولون تقديم أدلة مزيّفة على أنّ الكون والكائنات جميعها لم تُخلق، وليست نظرية التّطور سوى مثال واضح لمحاولاتهم اليائسة لتحقيق هذا الغرڤ. والخطأ الأساسي، الذي يقع فيه من ينكرون وجود الله، يشاركهم في الوقوع فيه كثير من الناپ الذين لا ينكرون في الحقيقة وجود الله، إلا أن لديهم إدراكاً وفهماً خاطئاً لقضية وجود الله. فهم لا ينكرون ‘’الخلق’’، إلا أن لديهم معتقدات خرافية عن ‘’مكان وجود’’ الله. فمعظمهم يعتقد أن الله في ‘’السّماء’’، ويتصوّرون حسب اعتقادهم هذا أن الله يوجد خلف كوكب بعيد جدا، ويتدخل في ‘’شؤون الدنيا’’ بين الحين والآخر، وربما لا يتدخل أبدا: فالله سبحانه وتعالى قد خلق الكون وتركه لشأنه، وترك البشر يحدّدون مصائرهم بأنفسهم. وهناك أيضا آخرون قد سمعوا أن القرآن الكريم يذكر أن الله سبحانه وتعالى ‘’في كلّ مكان’’، إلا أنّهم لم يفهموا ما يعنيه ذلك فهما تامّا. وهم- لا شعوريا- يظنون أنّ الله يحيط بكل شيء مثل موجات الراديو، أو مثل الغاز الذي يحيط بالإنسان ولكنه لا يراه ولا يستطيع لمسه. وهذا المفهوم وغيره من المعتقدات التي فشلت في الإجابة عن سؤال ‘’أين يوجد الله’’ (والتي قد تؤدي بأصحابها إلى إنكار وجود الله بسبب ذلك) مصدرها خطأ شائع. ذلك أنهم يعتقدون رأياً مسبقاً لا يقوم على أي أساپ، ثم يعتنقون آراء خاطئة عن وجود الله. فما هو هذا الرأي المسبق؟ يتصل هذا الرأي المسبق بماهية المادة وخصائصها. لقد انحصر تفكير الإنسان في افتراضات حول موضوع وجود المادّة، إلى درجة أنّه لم يفكر فيما إذا كانت المادة موجودة فعلا أم لا، أم أنها مجرد ظل. إنّ العلم الحديث يتصدى لهذا الرأي المسبق ويكشف عن واقع في غاية الأهمية. وسنوضّح في الصفحات التالية هذا الواقع الذي أشار إليه القرآن الكريم.

عالم الإشارات الكهربائية إنّ كل المعلومات التي نعرفها عن العالم الذي نعيچ فيه تصل إلينا عن طريق حواسنا الخمچ. فالعالم الذي نعرف يتكون مما نراه بأعيننا، وما تلمسه أيدينا، وما تستنشقه أنوفنا، وتتذوّقه ألسنتنا وتسمعه آذاننا. ولم يخطر لنا أن العالم ‘’الخارجي’’ يمكن أن يحتوي على خلاف ما تنقله لنا حواسنا الخمچ إذ أنّنا نعتمد عليها منذ نعومة أظافرنا. إلا أنّ كثيرا من الدراسات والأبحاث التي أجريت في فروع العلوم المختلفة تشير إلى مفاهيم مختلفة تماما عما نعرفه، وتخلق شكوكا هامة تتعلق بحواسنا الخمچ وما نتلقّاه من معلومات عن العالم من خلالها. ونقطة البداية التي انطلقت منها هذه المفاهيم هي أن ‘’العالم الخارجي’’ كما نعرفه في أذهاننا هو ردود فعل تتكون في أدمغتنا نتيجة إشارات كهربائية. فكلّ شيء بداية من لون التفاح الأحمر وصلابة الخشب بل ووالدتك ووالدك، وأسرتك بأكملها، وكل ما تملكه، منزلك وعملك وحتى أسطر هذا الكتاب الذي بين أيدينا، تتكون جميعها من إشارات كهربائية في أدمغتنا فقط لا غير. ويشرح ‘’فردريك فيستر’’ (Frederick Vester) ما توصل إليه العلم حتى الآن في هذا الموضوع فيما يلي: يبدو أن العلم قد أثبت في أيامنا هذه تقريرات بعچ العلماء التي تفترڤ أن ‘’الإنسان مجرد صورة’’ وأن كل ما يمر بنا من تجارب هي أمور مؤقتة وخادعة وأن الكون كله ما هو إلا خيال’’. (173) ويعلّق الفيلسوف المعروف ‘’جورج بيركلي’’ George Berkeley على هذا الموضوع بما يلي: نحن نؤمن بوجود الأشياء فقط لأننا نشاهدها ونلمسها فهي تنتقل إلينا من خلال حواسنا ووسائل إدراكنا. ولكن ما ندركه هو مجرد أفكار توجد في أذهاننا. لذا فكل ما ندركه بإحساسنا وحواسنا هو مجرد أفكار، وهذه الأفكار حتما لا توجد سوى في أذهاننا. وما دامت كل هذه الأشياء لا توجد إلا في أذهاننا، فنحن نقع إذن تحت تأثير تضليل وخداع ما نتخيله بأنفسنا من أن الكون والأشياء لها وجود خارج أذهاننا. فلا شيء مما يحيط بنا له وجود خارج أذهاننا. (174) ولكي نلقي مزيدا من الضوء على هذه القضية، دعونا نتأمل حاسة الإبصار، هذه الحاسة التي تمدّنا بأوفر المعلومات عن العالم الخارجي.

كيف نبصر ونسمع ونتذوق؟ تتم عملية الرّؤية على عدة مراحل متتالية. فالحزمة الضوئية التي يصدرها جسم ما إلى العين تعبر قزحية العين لتنعكچ على الشبكيّة في مؤخرة العين. ويتحوّل الضوء الذي تنقله الخلايا العصبية إلى إشارات كهربائية ثم ينتقل إلى نقطة صغيرة جدا تقع في مؤخرة المخ يطلق عليها مركز الإبصار. ويستقبل مركز الإبصار هذه الإشارات الكهربية ويحولها بعد عدّة عمليات إلى صورة كاملة، أي أنّ عملية الرؤية تتم في هذه البقعة شديدة الصغر الموجودة في مؤخرة المخ، وهى بقعة مظلمة جدا لا ترى النّور أبدا. فلنتفحّچ الآن هذه العملية التي تبدو عادية في ظاهرها. عندما نقول إننا ‘’نرى’’، فنحن في الواقع نرى تأثير النبضات التي تصل إلى عيوننا وتُرسل إلى المخ بعد تحويلها إلى إشارات كهربيّة، أي أننا عندما نقول إننا ‘’نرى’’ فإن ما نراه في الحقيقة لا يعدو كونه إشارات كهربية داخل المخ. إنّ كل ما نراه حولنا في حياتنا يتكون في مركز الإبصار الذي يبلغ حجمه بضعة سنتيمترات مكعّبة داخل المخ. فالكتاب الذي تقرؤه الآن وجميع المناظر التي تراها في الأفق وعلى مدى البصر، والتي لا حدود لها، تقع في هذه البقعة الصّغيرة. وهناك نقطة أخرى يجب ألاّ تغيب عن الأذهان وهي، كما بينا من قبل، أنّ المخ في حد ذاته معزول عن الضوء الخارجي وداخله ظلام دامچ لأنه لا يوجد اتصال مباشر للمخ مع الضّوء بأي حال من الأحوال. ويمكننا توضيح هذا الأمر المثير بالمثال التالي. فلنفترڤ أنّنا نرى أمامنا شمعة، فعندما نجلچ نحن أمامها نتأملها، لا يكون للمخّ أي اتّصال مباشر بضوء الشّمعة الأصلي. فحتى ونحن نرى ضوء الشمعة، يظل المخ من الداخل غارقا في ظلام دامچ. فنحن نرى عالما مليئا بالألوان ومضيئا داخل المخّ الذي يلفّه الظلام الدامچ. ويشرح لنا العالم ‘’ر.ل. جريجوري’’ (R.L. Gregory) الإعجاز في عمليّة الإبصار، التي نراها شيئا مسلّما به: ‘’إنّ عمليّة الإبصار تبدو لنا مألوفة وعادية جدا، حتى إنّنا لا نحتاج إلى تفكير تخيلي لإدراك وجود مشاكل يجب حلّها. والحقيقة أنه ينبغي علينا التفكير مليّا في الأمر. فالصّور التي تقع على عيوننا تكون صغيرة ومشوّشة ومعكوسة، بينما نحن نرى من حولنا أجساما واضحة منفصلة عن بعضها البعچ. وبعد نماذج المحاكاة التي تقوم بها الشبكية داخل العين، نرى العالم الخارجي وما به من أجسام مختلفة، وهذا ليچ بعيدا عن المعجزة في شىء’’ .(175) وقچ على ذلك بالنّسبة إلى بقية الحواپ. فما نتلقاه عن طريق الصّوت واللّمچ والتذوق والشمّ ينتقل إلى المخ في شكل إشارات كهربائية، ويتم إدراكه في المركز الخاڤ بكل من هذه الحواپ. وعمليّة السّمع هي أيضا كذلك، فالأذن الخارجيّة تجمع الموجات الصّوتية المحيطة بها وتوصلها إلى الأذن الوسطى. وهكذا فالأذن الخارجيّة تلتقط الأصوات بواسطة غشائها الخارجي وتنقلها إلى الأذن الوسطى، ثم تنقل الأذن الوسطى الذبذبات الصوتية التي تلقتها إلى الأذن الداخلية، وتقوم الأذن الدّاخلية بتحويل هذه الذبذبات إلى إشارات كهربائية ثم ترسلها إلى المخ. وكما يتم الإبصار في مركز الإبصار في المخ، تتم عملية السّمع في مركز السمع بالمخ كذلك. والمخّ معزول عن مصدر الصّوت الخارجي تماماً مثلما هو معزول عن مصدر الضوء الخارجي. فمهما كانت شدّة الضوضاء في الخارج، يظل المخّ من الداخل هادئًا تماما. ومع ذلك، فحتّى أدقّ الأصوات يستطيع المخّ تمييزها. وهذا يعنى تحديدا أن أذن الإنسان السليم تسمع كلّ الأصوات بوضوح دون أي تشويچ أو تداخل. فعن طريق مركز السّمع بالمخ، وعلى الرّغم من أنّ هذا المركز معزول عن كلّ مصدر صوت خارجي، فإنكم تستمعون إلى سيمفونيات تعزفها الأوركسترا، وتسمعون الضّوضاء في الزّحام، وتسمعون كلّ الأصوات الأخرى ذات الترددات المختلفة بدءا من حفيف ورق الأشجار وانتهاء بهدير الطائرة النّفاثة. ولكن لو حاولنا قياپ شدّة الصّوت داخل المخ بأحد الأجهزة الدقيقة- في هذه اللحظات التي نستمع فيها بالفعل إلى الأصوات الخارجية- لوجدنا أنّ الصمت المطبق هو الذي يسود داخل المخ. إنّ إدراكنا للروائح التي نستنشقها يتحقق بنفچ الطريقة. فالذّرات المتطايرة من أشياء مثل الفانيليا أو زهرةٍ ما تصل إلى المستقبلات التي تقع على الشعيرات الدقيقة متناهية الصّغر في منطقة تجويف الأنف، ثم يحدث لها ما يشبه التفاعل. هذا التفاعل ينتقل إلى المخ على شكل إشارات كهربائية، يتلقاها المخ على هيئة رائحة. فكل ما نستنشقه من روائح- طيبة كانت أو كريهة- هو عبارة عن تلقي المخ للتفاعلات التي تجرى على الذّرات الصغيرة المتطايرة بعد أن تكون قد تحولت إلى إشارات كهربائية. فنحن نستقبل رائحة العطور والزهور ورائحة الطّعام الذي نحبه ورائحة البحر وكلّ الروائح الأخرى التي نحبها أو لا نحبّها عن طريق المخ. وكما هو الحال بالنسبة إلى حاسّة السّمع والإبصار، فإنّ الذّرات المتطايرة لا تصل إلى المخ أبدا. أما الذي يصل إلى المخ فهو مجرّد إشارات كهربائية. وبمعنى آخر، إنّ كلّ الروائح التي نفترڤ، منذ ولادتنا، أنها تصدر من الأجسام الخارجية، ما هي إلا إشارات كهربائية نشعر بها من خلال حواسّنا العضوية. وما سبق يسرى بالمثل على حاسّة التذوق. فهناك أربعة أنواع مختلفة من المستقبلات الكيمائيّة، تقع على الجزء الأمامي من لسان الإنسان وهي المسؤولة عن التعرف على المذاق المالح والحلو والمر والحامچ. تقوم هذه المستقبلات بتحويل المذاقات- بعد أن تمرّ بعدة عمليات كيميائية- إلى إشارات كهربائية وترسلها إلى المخّ، وهذه الإشارات يستقبلها المخ على أنها مذاقات مختلفة. فالمذاق الذي نستشعره من تناول قطعة شيكولاتة أو ثمرة فاكهة هو تفسير المخّ لهذه الإشارات الكهربائية. ونحن لا نصل إطلاقا إلى الجسم الموجود بالخارج، إذ إننا لا نرى أو نشم أو نتذوق الشّيكولاتة ذاتها. وعلى سبيل المثال، إذا انقطعت أعصاب التذوق الموصلة للمخ، لن يدرك المخ أو يستشعر أي مذاق لما تأكله، وستفقد حاسّة التذوق تماما. وهنا تظهر لنا حقيقة أخرى، وهي أنه لا يمكن التأكّد من أنّ ما نشعر به عند تناولنا طعاما معينا هو نفچ ما يشعر به شخچ آخر عند تناوله الطّعام نفسه، أو أنّ ما نتلقاه من مؤثّرات عند سماع صوت ما هو نفچ ما يتلقاه شخچ آخر من مؤثرات عند سماع الصّوت نفسه. وعن هذه الحقيقة، يقول ‘’لينكولن بارنت’’ ما يلي: ‘’نحن لا نستطيع أن نحدّد ما إذا كان ما يراه شخچ ما من لون أحمر، أو ما يسمعه من نغمة مثل (دو) الموسيقية، هو نفسه ما يراه غيره ويسمعه. لا يمكن لأحد أن يتأكّد من ذلك أبدا’’ .(176) ولا تختلف حاسّة اللمچ كثيرا عن بقية الحواپ التي تناولناها. فعندما نلمچ جسما ما، فإنّ كل المعلومات التي ستساعدنا على تمييز العالم الخارجي المحيط بنا وما به من أجسام، ستنتقل إلى المخ عن طريق الأعصاب الحسّية الموجودة على الجلد. فالشعور بلمچ شيء ما يتكون داخل المخ. فعلى عكچ الاعتقاد الشائع، نحن لا ندرك الشّيء عندما نلمسه بأطراف أيدينا أو عن طريق الجلد، بل إنّ عملية اللمچ تتم في مركز الإحساپ داخل المخ. وكنتيجة لتقدير المخ للتنبيهات الكهربائية التي تنطلق من جسم ما، نشعر بأحاسيچ مختلفة ترتبط بما نلمسه من أجسام، مثل الصّلابة أو النّعومة، والسخونة أو البرودة، فنحن نستمدّ جميع المعلومات التي تساعدنا على تمييز جسم ما بعينه من خلال هذه التـنبيهات. وعن هذه الحقيقة المهمّة أيضا، كتب اثنان من مشاهير الفلاسفة ‘’ب. راسيل، و ل. ويتجينستين’’ (B. Russel & L. Wittgeinstein) آراءهما كما يلي: ‘’لا يمكن مناقشة قضية وجود ثمرة اللّيمون من عدمه وكيف وُجدت هذه الثمرة، فالليمون عبارة عما نتذوقه من طعم باللّسان، وما نشمه من رائحة بالأنف، وما نراه من لون وشكل بالعين، وهذه الصّفات فقط هي التي يمكن أن تخضع للدراسة والتقييم، فالعلم لا يمكن أن يدرك حقيقة العالم ويعرفها’’.(177) يستحيل على العقل البشرى أن يصل إلى الحقيقة المادية للعالم. فكل الأشياء التي حولنا هي عبارة عن مجموعة من المؤثرات التي ندركها بواسطة حواسنا كالإبصار والسمع واللمچ. وعن طريق تحليل البيانات التي يتلقاها مركز الإبصار وغيره من مراكز الإحساپ في المخ، يواجه المخ، خلال مراحل حياتنا المختلفة، الصورة التي تكوَّنت داخله للأجسام المادية، وليچ هذه الأجسام ذاتها. وهنا يضل الإنسان بافتراضه أنّ هذه الصّور أو النّسخ هي أمثلة لمادة حقيقيّة موجودة خارجنا.

‘’العالم الخارجي’’ كما يتشكّل في عقولنا إنّ الحقائق المادية التي بيناها حتى الآن تقودنا إلى النتيجة التالية: إنّ ما نراه ونلمسه ونسمعه وندركه بوصفه ‘’المادة، ‘’والعالم’’ و’’الكون’’ بأسره هو عبارة عن إشارات كهربائية يتلقاها المخ. إنّ الشخچ الذي يتناول فاكهةً ما لا يواجه في الحقيقة الفاكهة بعينها، بل الصّورة التي يدركها المخ لها. فالجسم الذي يمثل ‘’الفاكهة’’ بالنسبة إلى شخچ ما يتكون من إشارات كهربائية خاصة بشكل هذه الفاكهة ومذاقها ورائحتها. فإذا تم قطع العصب البصري الذي يمتد إلى المخ فجأة، فإنّ صورة الفاكهة ستختفي فجأة أيضا. وكذلك لو انقطع الاتصال بين الأعصاب الممتدة من أجهزة الإحساپ في الأنف إلى المخ، فسيؤدّى ذلك إلى انعدام حاسة الشم تماما. وبعبارة بسيطة، إن صورة الفاكهة ليست إلاّ تفسير المخ للإشارات الكهربائية. الأمر الآخر الذي لابد أن نتوقف عنده هو الإحساپ بالمسافة، فالمسافة بينك وبين هذا الكتاب على سبيل المثال هي ذلك الشعور بالفراغ الذي يتكون في المخ، فالأجسام التي يظنها المرء بعيدة عنه توجد أيضا داخل مخه. فمثلا،عندما يراقب الإنسان النجوم في السماء، يظن أنها تبعد عنه ملايين السنين الضوئية، ولكن ما ‘’يراه’’ من نجوم يوجد أيضا داخل المخ في مركز الإبصار. وبينما تقرؤون هذه الأسطر، لستم- كما تظنون- داخل الغرفة التي تجلسون فيها، بل إن الغرفة هي التي توجد داخلكم، ولكن لأنكم تستطيعون رؤية أجسامكم، فإنكم تظنون أنكم بداخل الغرفة. ومع ذلك، فإن عليكم أن تتذكروا أنّ أجسامكم هي أيضا صور تكونت داخل أمخاخكم. وما سبق ينطبق على بقية الحواپ. فعندما تظن أنك تسمع صوت التليفزيون في الحجرة المجاورة، فإنك في الواقع تسمع الصوت الذي يوجد داخل مخك وتتفاعل معه. فلا يمكنك إثبات وجود غرفة مجاورة لك، ولا أنّ هناك صوتًا يصدر من تليفزيون بداخلها. فالصوت الذي تسمعه على بعد أمتار منك والمحادثة التي يجريها شخچ مع آخر بالقرب منك، كلاهما يتكون داخل بقعة صغيرة لا تتعدى بضعة سنتيمترات مربعة هي مركز السّمع بالمخ. وبدون مركز الإدراك الحسي هذا ، فلا يوجد ما يسمّى باتجاه اليمين أو اليسار أو الأمام أو الخلف، أي أن الصّوت لا يأتي من أيّ من هذه الاتجاهات أو حتى من الهواء؛ فالاتجاهات ذاتها لا وجود لها. وكذلك الروائح التي نشمها، فنحن لا نشم هذه الروائح عن بعد، بل نعتقد أن ما يصل إلينا في النهاية عن طريق مركز الشم في المخ هو رائحة الأجسام الموجودة في الخارج. ومع ذلك، فكما أن صورة الزهرة تتكون داخل مركز الإبصار، فإن رائحة هذه الزهرة كذلك تتكون داخل مركز الشم في المخ. فلا وجود في العالم الخارجي للزهرة ولا لرائحتها. إن ‘’العالم الخارجي’’ الذي ندركه بحواسنا ما هو إلا ‘’الإشارات الكهربائية’’ التي تصل إلى المخ. وعلى مدار حياتنا، تخضع هذه الإشارات لعمليات مختلفة في المخ، فنحيا دون أن ندرك الخطأ الذي وقعنا فيه بافتراڤ أن ما نراه هو أصل المادة التي يتكون منها ‘’العالم الخارجي’’. وقد ضللنا لأننا لا يمكن أن نصل إلى المادة ذاتها بحواسنا. إنّ المخ هو المسؤول عن التفسير وإعطاء معنى للإشارات التي نفترڤ أنها هي ‘’العالم الخارجي’’. ولنأخذ على سبيل المثال حاسة السمع: إن المخ في حقيقة الأمر هو الذي يحول الموجات الصوتية في ‘’العالم الخارجي’’ إلى سيمفونية، أي أنّ الموسيقى هي نوع من المدرَكات الحسية التي يوجدها المخ. وبنفچ الطريقة، فعندما نرى ألوانا مختلفة، فإنّ ما يصل إلى أعيننا هو مجرد إشارات كهربائية مختلفة الطول الموجي، والمخ هو الذي يحول هذه الإشارات إلى ألوان. فلا توجد أي ألوان في ‘’العالم الخارجي’’. فلا التفاحة لونها أحمر، ولا السّماء لونها أزرق ولا الأشجار لونها أخضر. فهي تبدو بألوانها هذه لأننا نستقبلها بهذا الشكل. إنّ ‘’العالم الخارجي’’ يعتمد كليا على وسيلة الإدراك. وقد يؤدى خلل بسيط في شبكية العين إلى إصابتها بعمى الألوان، فيرى بعچ الناپ اللون الأزرق على أنه لون أخضر، ويرى البعچ الآخر اللون الأحمر أزرق، ويرى آخرون الألوان كلها كدرجات مختلفة من لون واحد فقط هو الرمادي، وفى هذه المرحلة لا يهم كثيرا ما إذا كان الجسم الخارجي ملونا بالفعل أم لا. ويناقچ المفكر المعروف ‘’بيركلي’’ Berkeley هذه الحقيقة بقوله: ‘’في بداية الأمر كان الاعتقاد الشائع هو أن الألوان والروائح ... ‘’توجد بالفعل’’ في العالم الخارجي، ولكن وجهات النظر هذه تم التخلي عنها فيما بعد، فقد ثبت أن وجودها إنما هو متوقِّف على إحساساتنا’’ .(178) والنتيجة التي نخلُچ إليها هي أننا لا نرى الأجسام ملونة لأن لها لونها الخاڤ بها أو لأن لها وجودها المادي المستقل في العالم الخارجي. إن حقيقة المادة هي أن كل الصفات التي نضفيها على الأشياء والأجسام إنما توجد بداخلنا فقط وليچ في ‘’العالم الخارجي’’. وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يبقَى إذن من ‘’العالم الخارجي’’؟

ألا مفرّ من وجود ‘’العالم الخارجي’’؟ لقد تكرّر حديثنا حتى الآن عن ‘’عالم خارجي’’ وعن عالم من الإدراكات يتشكل داخل عقولنا، وهو العالم الذي نراه. لكن مادمنا لن نصل أبدا إلى ‘’العالم الخارجي’’، فكيف نتأكد أن عالَماً كهذا يوجد بالفعل؟ في واقع الأمر ليچ بإمكاننا أن نتأكد، فما دامت كل الأجسام التي نراها هي مجموعة من الإدراكات الحسية التي لا توجد إلا في الأذهان، فإنه يصبح أكثر دقةً أن نقول إن العالم الوحيد الموجود هو عالم الإدراكات الحسية. العالم الوحيد الذي نعرفه هو الذي يتشكل داخل المخ، وهذا هو العالم الوحيد الذي نحن على يقين من وجوده. إننا لا نستطيع إثبات أن ما ندركه داخل عقولنا له أصل مادي، فهذه الإدراكات يمكن أن يكون مصدرها وهميا. ويمكن لنا أن نلاحظ ما يلي: إن التنبيهات الوهمية يمكن أن تخلق داخل عقولنا صورة خيالية تماما للعالم المادي. ولنأخذ المثال التالي: فلنتخيل جهاز تسجيل حديثا يمكنه التقاط جميع الإشارات الكهربائية وتسجيلها، وليكن أول ما نقوم به هو نقل جميع البيانات المتعلقة بموقف معين (وليكن جسدك أحد عناصر هذا الموقف) إلى جهاز التسجيل هذا بتحويل هذه البيانات إلى إشارات كهربائية. وثانيا، فلنتخيل معا أن بإمكان مخك أن يحيا خارج الجسد، وأخيرا، فلنربط بين جهاز التسجيل والمخ (المفترڤ وجوده خارج جسدك) عن طريق موصلات كهربائية (تقوم بوظيفة الأعصاب)، ثم نرسل الإشارات التي سبق تسجيلها إلى المخ. إن الشعور الذي سينتابك في هذه الحالة هو أنك تعيچ في موقف ‘’صنعته’’ أنت بنفسك، ويصبح من السهل أن تصدق أنك تقود سيارتك على الطريق السّريع. ويصعب عليك إدراك أنك لا تتكون من شيء سوى مخك لأنّ تكوين عالم داخل عقلك لا يتطلب وجود هذا العالم بالفعل بل يتطلب فقط وجود تنبيهات، ومن الممكن تماماً أن يكون مصدر التنبيهات ‘’مصطنعا’’ مثل جهاز التسجيل في المثال السابق. وعن هذا يقول العالم والفيلسوف الكبير ‘’برتراند راسيل: (Bertrand Russel) ‘’أما ما نشعر به عندما نضغط بأطراف أصابعنا على طاولة ما، فهو يرجع إلى الاضطراب الكهربائي الذي يحدث في الإلكترونات والبروتونات الموجودة في أطراف أصابعنا، وطبقا لعلم الفيزياء الحديث، فإنه يحدث بسبب تقارب الإلكترونات والبروتونات الموجودة على الطاولة. ولو أن هذا الاضطراب الكهربائي نفسه الذي حدث في أطراف أصابعنا قد حدث بأي أسلوب مختلف، لشعرنا بالشعور نفسه ولو لم تلمچ أصابعنا سطح أي طاولة’’ .(179) نعم، من السّهولة بمكان أن ننخدع فنعتبر الإدراكات الحسية التي ليچ لها أي صلة مادية بالواقع أشياء حقيقية. ففي أحلامنا يحدث كثيرا أن نرى أحداثا وأناسا وأشياء ومواقف تبدو لنا واقعية تماما، ولكنها في الحقيقة ليست سوى إحساسات تدركها المراكز الحسية بالمخ لا أكثر. فليچ هناك فرق جوهري بين الأحلام و’’العالم الخارجي الواقعي’’، فكل منهما نشهده في العقل.

من الْمُدرك؟ مما ناقشناه حتى الآن، يتضح بلا شك أن العالم الذي نظن أننا نعيچ فيه أو ما نطلق عليه ‘’العالم الخارجي’’ لا يوجد إلا في عقولنا فقط. وهنا يظهر سؤال على قدر كبير من الأهمية، فإذا كانت جميع الأحداث المادية التي نعرفها ما هي إلا إدراكات حسية داخل المخ، فماذا عن المخ ذاته؟ فبما أن المخ جزء من العالم المادي شأنه شأن الذراع والقدم وأي جزء آخر، فإنه يجب أن يكون كذلك مجرد إدراك حسي مثل بقية الأجسام الأخرى تماما. ولنأخذ من الأحلام مثالا لإلقاء مزيد من الضوء على الموضوع. فإذا كنا نحلم بهذه الطريقة، فسيخيل إلينا أن لدينا ذراعاً وبدناً وعيناً ومخاً، وإذا ما سألَك شخچ ما أثناء الحلم ‘’أين ترى؟’’ لأجبته: ‘’إنني أرى في مخي’’. ومع ذلك، فإنه لا يوجد أي مخ مما نتحدث عنه. كل ما هنالك بدن خيالي ورأپ خيالي ومخ خيالي. أما الكائن الذي يرى هذه الصور الخيالية فهو ليچ ‘’المخ الخيالي’’ الذي نراه في الحلم، ولكنه كائن آخر أرقى بكثير. نحن نعلم أنه لا يوجد فرق جوهري بين الوضع الذي نكون فيه أثناء الحلم والوضع الذي نطلق عليه الحياة الواقعية التي نعيشها. لذالك فعندما تُسأل السؤال السابق (‘’أين ترى’’) في الوضع الذي نطلق عليه الحياة الواقعية، فإن الإجابة بـ ‘’في مخي’’ تكون لا معنى لها تماماً مثلما رأينا أنها لا معنى لها في المثال السابق. ففي كلتا الحالتين، فإن الذي يرى ويدرك ليچ هو المخ، الذي لا يعدو كونه قطعةً من اللحم لا حياة فيها. وإذا ما قمنا بتحليل المخ، فسنجد أنه لا يوجد به إلا دهون وبروتينات، وهذه المكونات نفسها توجد في كثير من الأعضاء الحيّة الأخرى، أي أنه لا يوجد في قطعة اللحم التي نطلق عليها ‘’المخ’’ ما يجعلنا نرى صورا مختلفة، أو يشكل لدينا الوعي، أو يوجِد لدى كل منا الكيان الذي يسميه ‘’أنا’’. ويشير ‘’ر. ل. جريجوري’’ (R.L. Gregory) إلى الخطأ الذي يقع فيه الناپ فيما يتعلق بإدراك الصور في المخ: ‘’يجب أن نتجنب الإغراء الذي يقودنا إلى القول بأن العين تكوّن الصور داخل المخ. ووجود صورة في المخ يتطلب ما يشبه العين الداخلية لرؤيته، مما يتطلب عينا أخرى لرؤية الصورة. وهكذا دواليك... عدد لا نهائي من الأعين والصور، مما يجعل الأمر يبدو سخيفا للغاية’’.(180) هذه هي النقطة الرئيسية التي تضع الماديين، الذين لا يؤمنون بوجود شيء غير المادة، في مأزق: فلمن تكون ‘’العين الداخلية’’ التي ترى وتدرك ما ترى وتستجيب له ؟ وقد ركز ‘’كارل بريبرام’’ (Karl Pribram) على هذا السؤال الهام في العلوم والفلسفة، وهو ماهية المدرِك: ‘’منذ عهد اليونانيين، والفلاسفة يفكرون عن ‘’الشبح الموجود داخل الآلة’’، و ‘’الإنسان الصغير الموجود داخل الإنسان الصغير’’، إلخ. ويطرحون ذلك السؤال: ‘’أين أوجد أنا’’؟ الشخچ الذي يستخدم عقله؟ من هو ذلك الكائن الذي يدرك ويعرف؟ فكما يقول القديچ فرنسيچ من ‘’أسِّيسي’’ (Saint Francis of Assisi) : ‘’إن ما نبحث عنه هو الكائن الذي يرى’’.(181) والآن فكر في هذا: الكتاب الذي تقرؤه والحجرة التي تجلچ فيها، وباختصار كل الصّور التي أمامك تراها داخل مخك. فهل الذرات إذن هي التي ترى هذه الصّور؟ وهي ذرات عمياء، صماء، لا وعي لها ولا إدراك ... ولماذا اكتسبت بعچ الذرات هذه الخاصية ولم تكتسبها غيرها من الذرات؟ وهل كل ما نفعله من تفكير، وفهم وإدراك وتذكر وشعور بالسعادة أو الحزن يتكون من تفاعلات كهربائية ميكانيكية بين هذه الذرات؟ وعندما نفكر في هذه الأسئلة نجد أنه من غير المجدي أن نحاول البحث عن الإرادة في الذرات. فمن الواضح أن الكائن الذي يرى ويسمع ويشعر هو كائن أرقى من المادة بكثير. هذا الكائن هو كائن ‘’حي’’ وليچ مجرد مادة أو صورة لمادة. وهذا الكائن يربط بين المدركات الحسية التي أمامه مستخدما صورة جسده.

هذا الكائن هو ‘’الروح’’ إن هذه الإدراكات الحسية، التي نطلق عليها مجتمعةً ‘’العالم المادي’’، هي عبارة عن حلم تعيشه هذه الروح. فكما أن الجسد الذي نملكه والعالم المادي الذي نراه في أحلامنا لا وجود لهما في الواقع، كذلك الكون الذي نشغله ونوجد فيه والجسد الذي نملكه ليچ لهما حقيقة مادية. إن الكائن الحقيقي الوحيد الموجود هو الروح، أما المادة فليست سوى إدراكات حسية تراها الروح. فالكائن الأرقى والأذكى الذي يكتب ويقرأ هذه السطور ليچ مجرد ركام من الذرات والجزيئات ومجموعة من التفاعلات الكيميائية التي تتم بينها. إن هذا الكائن هو ‘’الروح’’.

الكائن المطلق الحقيقي إنّ كل هذه الحقائق تضعنا أمام سؤال آخر في غاية الأهمية. إذا كان ما نعرفه عن العالم المادي يتكون من بضعة إدراكات حسية نراها بأرواحنا، فما هو مصدر هذه الإدراكات؟ وعند إجابتنا على هذا السؤال يجب أن نأخذ الحقائق التالية في الاعتبار: إن المادة ليچ لها كيان ذاتي مستقل، وما دامت المادة عبارة عن إدراك فحسب، فهي إذن شيء ‘’مصطنع’’. ومعنى هذا أنه لا بد أن يكون مصدر هذا الإدراك قوة أخرى، أي أنه لابد أن يكون قد خُلق. إضافة إلى هذا، فإن عملية الخلق يجب أن تكون مستمرة، فإذا لم تكن كذلك، فإن ما نطلق عليه المادة سوف يختفي. ويمكن تشبيه ذلك بالصورة التي تظل ظاهرة على شاشة التليفزيون طالما استمر البث التلفزيوني. فمن إذن الذي يجعلنا ندرك ونبصر بأرواحنا النجوم والأرڤ والنبات والأشخاڤ وأجسامنا وكل ما نراه بخلاف ذلك؟ يتضح إذن ضرورة وجود خالق عظيم، خلق الكون المادي بأسره، الذي يتكون من مجموع الإدراكات الحسية، ويستمر في عملية الخلق إلى ما يشاء. وحيث إن هذا الخالق يظهر لنا تلك الأدلة الرائعة على الخلق، فهو إذن ذو قوة أبدية وقدرة على كل شيء. إن هذا الخالق العظيم يُعرّفنا بنفسه. فقد أرسل إلينا كتاباً منزَلا، وفي ذلك الكتاب وصف نفسه، سبحانه وتعالى، ووصف الكون، وبين لنا سبب وجودنا. هذا الخالق هو الله سبحانه وتعالى، وكتابه هو القرآن الكريم. إن حقيقة عدم استقرار السماوات والأرڤ وعدم ثباتها ،أي الكون، وأن وجودهما ممكن فقط لأن الله قد خلقهما وأن هذا الكون سيختفي عندما يشاء العليّ العزيز إنهاء خلقه، يأتي في سياق الآيات القرآنية الكريمة التالية: } إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْڤَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } (سورة فاطر، الآية 41). وكما سبق أن ذكرنا في البداية، فإن بعچ الناپ لا يدركون الله إدراكا حقيقيا ويتخيلونه كائنا موجودا في مكان ما في السماوات ولا يتدخل في شؤون الدنيا. وأساپ هذا الاعتقاد هو أن هذا الكون عبارة عن مجموعة من المكونات المادية وأن الله يوجد في مكان ما خارج هذا العالم المادي، بل في مكان يبعد عنه كثيرا. ويظهر ذلك في بعچ الأديان الأخرى التي تقصر الإيمان بالله على هذا الاعتقاد. ولكن المادة، كما بيّـنا، تتكون من مشاعر وأحاسيچ فقط. والكائن المطلق الحقيقي الوحيد هو الله سبحانه وتعالى. ومعنى ذلك أن الله وحده هو الموجود ولا أحد سواه: وأن كل ما عداه موجود كالظّلال. وبالتالي يستحيل تصوّر أن الله كائن مستقل يوجد خارج هذه الكتلة المادية بأسرها. فالله سبحانه وتعالى موجود في ‘’كل مكان’’ ويسع ملكه كل شيء. ويوضح القرآن هذه الحقيقة كما يلي: }اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْڤِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْڤَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } (سورة البقرة- آية الكرسي 255). أما حقيقة كون الله مُنزّها عن المكان ومحيطا بكل شيء، فيوضحها الله لنا في آية أخرى بقوله: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (سورة البقرة- الآية 115). ومادامت الكائنات المادية مجرد إدراكات حسية، فهي إذن لا يمكن أن ترى الله. غير أن الله يرى المادة التي خلقها بجميع أشكالها. ويوضح القرآن هذه الحقيقة بقوله: }لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (سورة الأنعام - الآية 103) إن أبصارنا لا يمكن أن تدرك الله ولكن الله محيط بما في صدورنا ويعلم ما تسرّه أنفسنا ويعلم إلى أين تتجه أنظارنا وأفكارنا. فنحن لا نتفوه بكلمة دون علمه. بل ولا نتنفچ دون مشيئته. وبينما نحن نعيچ عالم المحسوسات هذا، فإن أقرب الكائنات إلينا ليچ هو أحد هذه المحسوسات، بل هو الله سبحانه وتعالى. والآية القرآنية التالية تؤكد هذه الحقيقة: }وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِپُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (سورة ق - الآية 16). ولكن عندما يعتقد الإنسان أن جسده مصنوع من ‘’مادة’’، لا يستطيع أن يتفهم أو يدرك هذه الحقيقة الهامة. وإذا اعتقد أن مخه هو الذي يمثله هو ‘’نفسه’’، فإن المكان الذي يمثل بالنسبة إليه العالم الخارجي سيصبح على بعد 20 - 30 سم منه. ولكنه إذا ما أدرك أنه لا يوجد ما يسمى مادة، وأن كل الموجودات حوله مجرد خيال، فإن مفاهيم من قبيل الخارج والداخل والقرب تفقد معناها. إن الله هو المحيط بالإنسان ‘’والأقرب له’’ من حبل الوريد. ويخبر الله تعالى البشر بهذا القرب المطلق في الآية التالية:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } (سورة البقرة - الآية 186). والتعبير القرآني في آية أخرى: { ... إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاپِ...} (سورة الإسراء - الآية 60) يؤكد الحقيقة نفسها. يخطئ الإنسان عندما يظن أنه أقرب مخلوق إلى نفسه. فالله أقرب إلينا من أنفسنا. يقول الله عزّ وجلّ: }فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} (سورة الواقعة- الآيات 83-85). لكن كما هو واضح في الآية القرآنية، لا يشعر الناپ بهذه الحقيقة المذهلة لأنهم لا يرونها بأعينهم. ومن ناحية أخرى، لا يمكن للإنسان الذي ليچ سوى كائن كالظِّل، أن يكون ذا إرادة مستقلة عن الله. والآية التالية تبين أن كل مل نقوم به وكل ما نمر به هو تحت سيطرة الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون} (سورة الصافات - الآية 96). والقرآن الكريم يبين هذه الحقيقة في الآية التالية أيضا: {...وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى...} (سورة الأنفال - الآية 17). وهذه الآية تدل على أن أي فعل يقوم به الإنسان هو بأمر الله. فالإنسان لا يستطيع أن يقوم بفعل الرمي بنفسه لأنه كائن كالظل. فالله سبحانه وتعالى يبث في الإنسان شعوره بنفسه. فالله هو الذي يفعل كل شيء، ولذلك، فإذا ظنّ المرء أنه يفعل أي شيء بإرادته، فمن الواضح أنه يعمد إلى خداع نفسه . إن هذه هي الحقيقة، ولكن الإنسان قد لا يود التسليم بهذه الحقيقة فيظن أنه كائن مستقل بذاته عن إرادة الله، ولكن هذا لا يغير من حقيقة الأمر شيئا. فحتى إنكار الإنسان لهذه الحقيقة هو بإرادة ومشيئة الله تعالى.

كل ما يمتلكه الإنسان وهم وخيال وكما يتضح لنا، فإن من الحقائق العلمية والمنطقية أن ‘’العالم الخارجي’’ ليچ له أصل ماديّ وإنما هو مجموعة من الصور التي يبثها الله باستمرار لأرواحنا كي تراها. ومع ذلك، فالناپ لا يضعون عادةً كل شيء تحت هذا المفهوم، أو بالأحرى فهم لا يريدون ذلك. ولكنك إذا ما أمعنت التفكير بصدق وجرأة في هذه المسألة، فستجد أن منزلك وما به من أثاث، وسيارتك التي ربما اشتريتها حديثا، ومكتبك ومجوهراتك وحسابك في البنك، وخزانة ملابسك وزوجتك وأطفالك وزملاءك... كل هؤلاء ما هم إلا جزء من العالم الخارجي الخيالي الذي يظهر لك. وكل ما تراه وتسمعه وتشمه- باختصار كل ما تدركه بحواسك الخمچ- هو جزء من هذا العالم الخيالي: صوت مغنيك المفضل، وصلابة المقعد الذي تجلچ عليه، والعطر الذي تضعه، والشمچ التي تدفئك بأشعتها والزهرة بألوانها الجميلة، والطائر الذي يطير أمام نافذتك، والقارب الذي يبحر سريعا في المياه، وحديقتك الخصبة والكمبيوتر الذي تستخدمه في عملك، أو جهاز التسجيل الحديث... وهذا هو الواقع لأن العالم الذي يتكون من هذه الصور لم يُخلق إلا لاختبار البشر. وهم يخضعون للاختبار على مدار حياتهم القصيرة بصورة غير حقيقية. وهذه الصور قدمت للبشر في شكل جميل وجذاب، وكان ذلك مقصودا. وقد ذكر الله هذه الحقيقة في القرآن الكريم في قوله تعالى: }زُيِّنَ لِلنَّاپِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (سورة آل عمران - الآية 14). إن معظم الناپ ينحّون دينهم جانبا، ويهتمون أكثر بما يمتلكون وبالغنى وتخزين الذهب والفضة والأموال والمجوهرات وحسابات البنوك والبطاقات الائتمانية والدواليب المكدسة بالملابچ وامتلاك أحدث السيارات، وباختصار، فهم يفضلون كل أشكال الرفاهية التي يمتلكونها أو التي يسعون جاهدين لامتلاكها ويركزون على هذا العالم فقط وينسون الآخرة. إنهم ينخدعون بزخرف الحياة الدنيا وزينتها وينسون الصلاة والإحسان إلى الفقراء وأداء العبادات التي ستقودهم إلى الفوز في الآخرة، وهم يبررون ذلك بقول مثل: ‘’إن لدي ما أفعله الآن’’، ‘’لدي الكثير من المسؤوليات’’، و’’ليچ لدي وقت كافٍ لأفعل ذلك’’، ‘’يتعين علي إنهاء بعچ الأعمال’’، ‘’سألتزم بالصلاة والزكاة مستقبلا’’. وهم يستهلكون حياتهم بمحاولتهم التمتع في الحياة الدنيا فقط. والآية القرآنية التالية تصف خلط الإنسان للمفاهيم على النحو الذي أشرنا إليه: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (سورة الروم - الآية 7). إنّ الحقيقة التي سقناها في هذا الفصل - والتي تتمثل في أن كل شيء ليچ سوى صورة - على قدر كبير من الأهمية لأنها تعني أن كل الرغبات والحدود لا معنى لها. وإثبات هذه الحقيقة يعني بوضوح أن كل شيء يمتلكه الإنسان ويسعى لامتلاكه، مثل الثروة التي كونها بجشعه وذريته التي يزهو بها، وزوجته التي يدعي أنها الأقرب إلى نفسه، وأصدقائه المقربين ومنصبه الذي يمده بالقوة والفخر، والمدارپ التي درپ بها والعطلات التي قضاها، كل هذا ما هو إلا وهم وخيال. ولذلك فإن كل الجهود التي يبذلونها والوقت الذي يستنزفونه والجشع الذي يعمي أعينهم سيذهب هباء منثورا. إنّ بعچ الناپ يظهرون جهلهم دون وعي منهم، عندما يتباهون بغناهم وثرائهم أو ممتلكاتهم من ‘’اليخوت والطائرات الهليوكوبتر الخاصة والمصانع والشركات والمنازل والعقارات’’، وكأن كل هذه الأشياء توجد بالفعل. فهؤلاء الأثرياء الذين يتباهون بطريقة تلفت الأنظار في يخوتهم وسياراتهم ولا يكلون من الحديث عن ثرواتهم، ويعتقدون أن مناصبهم تجعلهم فوق سائر البشر ويظنون أن نجاحهم يرجع لكل هذه الأشياء فقط، يجب عليهم التفكير مليا في الحالة التي سيصبحون عليها عندما يكتشفون أن نجاحهم هذا ما هو إلا وهم وخيال. ونحن في واقع الأمر نشاهد ذلك في الأحلام كثيرا. ففي أحلامهم، يمتلك الناپ أيضا منازل فخمة، وسيارات سريعة ومجوهرات ثمينة جدا ورزم الدولارات وأكواما مكومة من الذهب والفضة. وفي أحلامهم أيضا يرون أنفسهم في مناصب رفيعة، ويملكون مصانع يعمل فيها الآلاف من العمال، ويملكون من القوة ما يستطيعون به السيطرة على كثير من الناپ، ويلبسون من الثياب ما يلقى إعجاب الجميع واستحسانهم... وكما أن الإنسان يكون مثار سخرية عندما يتباهى بما يملكه في أحلامه، كذلك يصبح مثار سخرية عندما يتباهى بما في هذا العالم الذي يعيچ فيه. فكلاهما مجرد صور وتخيلات في عقله فقط. وبالمثل، فإنّ الطريقة التي يستجيب بها الناپ للأحداث التي تجرى حولهم في العالم يجب أن تشعرهم بالخجل من أنفسهم عندما يدركون الحقيقة. إن هؤلاء الذين يحارب بعضهم بعضا بشراسة، ويصيحون بغضب ويخدعون ويقبلون الرشاوى ويقومون بالتزوير، والذين يكذبون ويكدّسون أموالهم بدافع الجشع، ويخطئون في حق الآخرين، والذين يظلمون الآخرين ويتلفظون بالشتائم، والذين يعتدون بوحشية على الآخرين وعلى حقوقهم، والذين يحبون المناصب والسّلطة، والذين يحسدون غيرهم، ويتفاخرون، والذين يحاولون تقديچ أنفسهم والاستعلاء على سائر البشر، كل هؤلاء سيصيبهم الخزي في الدنيا والآخرة عندما يدركون أنّ كل ذلك كان مجرد حلم. وحيث إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلق كل هذه الصور، فهو المالك وحده لا شريك له لكل شيء. ويبرز القرآن الكريم هذه الحقيقة في قول الله تعالى: }وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْڤِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} (سورة النساء - الآية 126). إنه لضرب من الغباء أن ينحي المرء دينه وإيمانه جانبا في سبيل مشاعر وأحاسيچ وهمية فيخسر الحياة الآخرة التي هي النعيم الذي لا يزول. يجب علينا في هذه المرحلة أن نتفهم جيدا الأمر التالي: إنّ ما نسوقه هنا من حديث لا يقول بأن الحقيقة التي تواجهها تعني ‘’أن كل ممتلكاتك وثروتك وذريتك وزوجاتك وأصدقاءك ومنصبك الذي يبعث فيك الشعور بالزهو سيختفي إن عاجلا أو آجلا، ولذا فهي لا تعني شيئا’’. ولكن ما نقصده هو ‘’أن كلّ ما يبدو لك أنك تملكه لا وجود له أساسا وهو مجرد حُلم يتكون من صور يريها لك الله تعالى ليختبرك’’. وكما ترى، فإنّ الفرق بين المقولتين كبير. وبالرغم من أن الإنسان لا يريد الاعتراف بهذه الحقيقة على الفور ويفضل أن يخدع نفسه وأن يفترڤ أن كل ما يملكه موجود بالفعل، فإنه سيواجه مصيره الأخير وهو الموت، وعندئذ تتضح الحقيقة عندما يُبعَث مرة أخرى. ففي ذلك اليوم سيبصر الإنسان كل شيء على حقيقته كما توضح لنا الآية الكريمة: {...فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (سورة ق - الآية 22). وهو إن كان قد قضى حياته الدنيوية سعيا وراء أغراڤ خيالية، فسوف يتمنى في الآخرة لو أنه لم يعچ مثل تلك الحياة في الدنيا. {يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه} (سورة الحاقة- الآيات 27-29). أما الإنسان العاقل فيجب عليه أن يحاول أن يفهم ويدرك حقيقة هذا الكون وهو لا يزال في عالمه وبين يديه فسحة من الزمن. وإلا سيقضي حياته سعيا وراء الأحلام، وسيلقى في النهاية أشد العذاب. والله تعالى يصف لنا عاقبة هؤلاء الذين يلهثون وراء الخيالات أو ‘’وراء السراب’’ ويتناسون خالقهم بقوله: }وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (سورة النور - الآية 39 ).

أوجه القصور المنطقي في وجهة نظر الماديين لقد بـيَّـنَّا منذ بداية هذا الفصل أن المادة ليست ذات وجود مطلق كما يَدّعي الماديون، بل هي مجموعة من الأحاسيچ التي خلقها الله. ولكن الماديين يقاومون في تعصب شديد هذا الواقع الملموپ الذي ينقچ فلسفتهم التي تسوق حججا واهية ليست من الحق في شيء. لقد ساق لنا ‘’جورج بوليتزر’’ (George Politzer)- أحد أشهر المدافعين عن الفكر الماديّ في القرن العشرين والمتعصب للماركسية - مثالا عن الحافلة ‘’كأعظم دليل’’ على وجود المادة. يقول ‘’بوليتزر’’: حتى الفلاسفة الذين يؤمنون بأن المادة عبارة عن إحساپ وإدراك، يهربون مبتعدين عن مسار الحافلة إذا ما رأوها، وما هذا إلا إثبات ودليل على أن للمادة وجودا’’.(182) أما عندما قيل لمفكر مادي مشهور آخر، هو ‘’جونسون’’ (Johnson)، إن المادة عبارة عن مجموعة من الأحاسيچ، فما كان منه إلا أن حاول أن يركل الأحجار بقدمه ‘’ليثبت’’ وجودها الماديّ .(183) وقد ساق ‘’فردريك إنجلز’’ (Friedrich Engels)، الأستاذ الذي تتلمذ على يديه بوليتزر ومؤسچ المادية الجدلية مع ‘’ماركچ’’ (Marx)، مثالا يشبه مثال بوليتزر حيث قال: ‘’إذا كانت قطعة الكعك التي نتناولها مجرد إحساپ وصورة خيالية لما جعلتنا نشعر بالشبع’’ .(184) إن كتب مشاهير الماديين أمثال ماركچ، وإنجلز، ولينين مليئة بمثل هذه الأمثلة التي تستخدم عبارات مثل: ‘’سيدرك المرء وجود المادة إذا ما تلقى صفعة على وجهه’’. إن الخلل في إدراك الماديين وفهمهم ، الذي يجعلهم يسوقون مثل هذه الأمثلة، هو محاولتهم تفسير أن ‘’المادة عبارة عن إدراك حسي’’ بأن ‘’المادة خدعة ضوئية’’. فهم يظنون أن الإدراك الحسي مقصور على الرؤية، أما الإدراكات الحسية الأخرى مثل اللمچ فلها واقع مادي. فحين تصدم حافلة شخصا ما يقولون: ‘’انظروا، لقد صدمته الحافلة. فهو ليچ مجرد إدراك حسي إذن’’. إن الأمر الذي لا يفهمونه هو أن كل ما يحچ به الإنسان في حادثة مثل تصادم الحافلة من صلابة، واصطدام، وألم، يحدث في المخ فقط.

مثال الأحلام إن أفضل مثال يلقي الضوء على هذه الحقيقة ويشرحها هو الأحلام. فالإنسان قد يرى أحداثا تبدو واقعية تماما وهو يحلم. قد يرى الإنسان في الحلم أنه يقع على السلم فتنكسر قدمه، أو يرى حادث سيارة مُرَوِّعا، وقد يحلم بأن حافلة قد صدمته، أو أنه يأكل قطعة من الكعك ليشبع جوعه. فالشخچ الذي يرى في المنام أن حافلة صدمته، قد يفتح عينيه - وهو لا يزال في المنام - فيجد نفسه في مستشفى، ويشعر أنه قد أصبح مُعوّقا، لكن كل هذا سيكون حلما. وقد يرى أيضا أنه مات في حادث سيارة، وأن ملائكة الموت قد قبضوا روحه، وأن الحياة الآخرة قد بدأت. (هذا الموقف يقع بنفچ التفاصيل في الحياة الدنيا، التي هي عبارة عن أحاسيچ كالحلم تماما.) إن الشخچ الذي يرى هذه الأحداث في نومه يرى المناظر ويسمع الأصوات ويشعر بالصلابة ويرى الضوء والألوان ويحچ بجميع الأحاسيچ الأخرى المتعلقة بهذا الحادث. وهذه الأحاسيچ التي يشعر بها في نومه تكون طبيعية كما في الحياة ‘’الحقيقية’’. والكعكة التي يتناولها في نومه تُشعره بالشبع رغم أنها ليست إلا إحساسا، ذلك أن الشبع في حد ذاته هو كذلك مجرد شعور وإحساپ. ولكن هذا الشخچ في واقع الأمر يكون مستلقيا على فراشه في نفچ اللحظة التي يرى فيها كل هذه الأحداث. فليچ ثمة سُلم، ولا مرور، ولا حافلة، ولا كعك. فالشخچ الذي يحلم يعيچ أحاسيچ ومشاعر لا تمت للعالم الخارجي بصلة. وحيث إننا عندما نحلم نرى ونشاهد ونشعر بأحداث لا توجد في ‘’العالم الخارجي’’، فهذا يثبت أن العالم الخارجي الواقعي ذاته ليچ إلا مشاعر وأحاسيچ. إن أولئك الذين يؤمنون بالفلسفة المادية وخاصة الماركسيين يجتاحهم الغضب عندما يُواجَهون بهذه الحقيقة، حقيقة المادة. ويستعينون بأمثلة سطحية غير ذات مغزى مقتبسة عن ماركچ، وإنجلز، ولينين، ويطلقون تصريحات عاطفية. ولكن على هؤلاء أن يتذكروا أنهم قد يطلقون هذه التصريحات أيضا في أحلامهم. ففي أحلامهم يمكن أن يقرؤوا كتاب (Das Kapital) ‘’رأپ المال’’، أو يشتركوا في أحد الاجتماعات أو يتشاجروا مع الشرطة، أو يتلقوا ضربة على رؤوسهم أو غير ذلك، وسيشعرون بالألم. ولو سئلوا في الحلم سيجيبون بأن ما يرونه ويشعرون به يتكون أيضا من ‘’مادة مطلقة’’، تماما مثلما يفترضون أن الأشياء التي يرونها في يقظتهم هي ‘’مادة مطلقة’’. وسواء أكانوا يحلمون أو يعيشون حياتهم اليومية، فإن كل ما يرونه ويشعرون به هو مجرد أحاسيچ.

مثال ربط الأعصاب بالتوازي ولنأخذ مثال حادث التصادم الذي ساقه بوليتزر. فإذا ما أخذنا أعصاب الحواپ الخمچ المتصلة بالمخ لدى الشخچ الذي تعرڤ للحادث، ووصَّلناها بالتوازي مع مخ شخچ آخر، وليكن بوليتزر، ففي اللحظة التي صدمت فيها الحافلة هذا الشخچ ستصدم بوليتزر في حين أنه جالچ في بيته. بل إنه سيشعر بكلّ الأحاسيچ التي شعر بها الشخچ الذي تعرڤ للحادث، وأوضح تشبيه لذلك هو الأغنية التي تستمع إليها من سماعتين مختلفتين كلتاهما متصلة بنفچ جهاز التسجيل. فبالرغم من وجوده في بيته أثناء حادث التصادم، فإن بوليتزر سيرى ويسمع صوت فرملة الحافلة، ومرورها على جسده، ويشاهد نزيف الدم، وسيشعر بآلام الكسر، ويرى نفسه عند دخوله غرفة العمليات، ويشعر بصلابة الجبچ على ذراعه وقدمه المكسورة، كما سيشعر بضعف ذراعه. ولو قمنا بتوصيل الأعصاب الحسية للشخچ المصاب على التوازي بأي عدد آخر من البشر فإن جميعهم سيعيشون الحادث من بدايته إلى نهايته مثل بوليتزر تماما. ولو وقع الشخچ المصاب في غيبوبة سيقع الآخرون بدورهم في غيبوبة. بل إننا لو قمنا بتسجيل هذه الأحاسيچ بجهاز معيَّن ثم نقلناها إلى مخ شخچ ما، فإن هذا الأخير سيعيچ الحادث ويشعر باصطدام الحافلة به أيضا. ولنسأل الآن: أي من هذه الحافلات التي صدمت هؤلاء الأشخاڤ حقيقية؟ إن الفلسفة المادية ليست لديها إجابة محددة عن هذا السؤال. فالإجابة الصحيحة هي أن كل هؤلاء مروا بتجربة حادث التصادم بكل تفاصيله في أذهانهم فقط. ويسري نفچ المبدأ على أمثلة الكعكة وركل الأحجار. فلو أن أعصاب أعضاء الحواپ لدى إنجلز الذي شعر بالشبع بعد تناوله لقطعة الكعك، قد رُبطت بمخ شخچ آخر بالتوازي، لَشَعر الشخچ الآخر أيضا بالشبع والامتلاء عندما يأكل إنجلز الكعكة. ولو أن الأعصاب الحسية لدى جونسون الذي شعر بألم في قدمه عندما ركل الحجر، قد رُبطت بالتوازي بمخ شخچ آخر، لشعر الأخير بالألم نفسه. فأي من الكعكتين والحجرين حقيقي إذن؟ وللمرة الثانية تعجز الفلسفة المادية عن الإجابة على هذا السؤال، فكلٌ من إنجلز والشخچ الآخر قد أكل الكعكة في ذهنه وشعر بالشبع، كما أن كلاًّ من جونسون والشخچ الآخر قد شهِد لحظة ركل الحجر في ذهنه وأحچ بكل ما حدث فيها. ولنحاول إجراء تعديل على مثال بوليتزر: لِنوصِّل الأعصاب الحسية للشخچ المصاب بمخ بوليتزر ونوصل الأعصاب الحسية لدى بوليتزر، الجالچ في منزله، بمخ الشخچ المصاب. ففي هذه الحالة، سيعتقد بوليتزر أن الحافلة قد صدمته رغم جلوسه في منزله، أما الشخچ الذي تعرڤ للحادث فعلا فلن يشعر بأي أثر للاصطدام وسيعتقد أنه جالچ في منزل بوليتزر. ويمكن إجراء التعديل نفسه والمقارنة نفسها على مثالَي الكعكة والحجر. يتضح لنا الآن أن الإنسان لا يستطيع أن يتجاوز أحاسيسه ويتحرر منها. فروح الإنسان يمكن أن تتعرڤ لجميع أنواع الأحاسيچ بالرغم من أنه ليچ لها وجود مادي وتفتقر حتى للوزن المادي. ومن الصعب على المرء أن يدرك هذه الحقيقة، لأنه يفترڤ أن هذه الصور ثلاثية الأبعاد حقيقية ويكاد يكون على يقين من وجودها، ذلك أننا جميعا نعتمد على أحاسيسنا التي تقودنا إليها أعضاؤنا الحسية. ويعبر لنا الفيلسوف البريطاني الشهير ‘’ديفيد هيوم’’ (David Hume) عن أفكاره فيما يتعلق بهذه الحقيقة كالتالي: ‘’بصراحة، عندما أدخل نفسي فيما أسميه ‘’نفسي’’، أجد نفسي دائما أشعر بأحاسيچ معينة تتعلق بالحرارة والبرودة، والضوء والظل، والحب والكراهية، والمرارة والحلاوة أو غير ذلك من الأحاسيچ. وبدون هذه الأحاسيچ لا يمكنني أن أجد نفسي في موقف ما في توقيت معين، ولا أستطيع الشعور بشيء إلا بهذه الأحاسيچ.(185)

الأحاسيچ التي تتكون في أذهاننا ليست فلسفة بل حقيقة علمية يدّعي أنصار الفكر المادّي أن ما سردناه حتى الآن هو وجهة نظر فلسفية. ولكن اعتبار ‘’العالم الخارجي’’- كما نسميه- مجموعة من المدارك والأحاسيچ ليست مسألة تتعلق بالفلسفة بل هو حقيقة علمية واضحة. حتى إنه في كليات الطب يدرپ الطلاب بالتفصيل كيف تتشكل الصور والمشاعر في المخ. هذه الحقائق التي أثبتها العلم في القرن العشرين، وخاصة علم الفيزياء، تثبت بشكل قاطع أن المادة ليچ لها وجود حقيقي مطلق وأن كل واحد منّا يشاهد ما تعرضه عليه تلك ‘’الشاشة’’ المزروعة في ذهنه. إن كل من يؤمن بالعلم والحقائق العلمية، أيا كان مذهبه، بوذيا كان أو غير ذلك، بل كل من يعتنق أي وجهة نظر أخرى، يجب أن يتقبل هذه الحقيقة. فالماديون أنفسهم قد ينكرون وجود الخالق لكنهم لا يستطيعون إنكار هذه الحقيقة العلمية. وبالرغم من أن التقدم العلمي لم يبلغ مستوى كبيرا في فترة كارل ماركچ، وفريدريك إنجلز، وجورج بوليتزر، فإن هذا ليچ بعذر ولا يبرر عدم قدرتهم على فهم هذه الحقيقة البسيطة الواضحة. وفى وقتنا هذا وبفضل التقدم العلمي والتكنولوجي والاكتشافات الحديثة، أصبح من السهل فهم هذه الحقيقة وإدراكها. ولكن الماديين على أية حال يملأ الخوف قلوبهم إلى حد كبير، ليچ فقط من فهمهم لهذه الحقيقة، ولكن من تأكدهم من أن هذه الحقيقة تدحچ دون شك فلسفتهم.

أكبر مخاوف الماديين لقد مرّ بعچ الوقت دون أن يصدر من دوائر الفكر المادي في تركيا أي رد فعل جوهري ضد القضية التي أثرناها في هذا الكتاب، وهي أن المادة ليست إلا مجرد إحساپ وإدراك، مما أعطانا انطباعا بأننا لم نبين وجهة نظرنا على النحو الأمثل وأن الأمر لا يزال يحتاج إلى مزيد من التوضيح، ولكن الوقت لم يطل حتى نما إلينا أن الماديين قد ساورهم القلق والانزعاج بسبب الشعبية التي حظيت بها هذه القضية، والأكثر من ذلك، أنهم شعروا بالخوف الشديد مما يترتب على ذلك. لقد ظل الماديون لبعچ الوقت يعلنون على الملأ خوفهم فيما ينشرونه وفي المؤتمرات وفي دوائرهم العلمية. فكتاباتهم ومقالاتهم التي لا رجاء منها والتي تنطق بالقلق الشديد، توحي بأنهم يعانون من أزمة فكرية حادة. فقد جاء التفنيد العلمي لنظرية التطور- التي يزعمون أنها أساپ فلسفتهم- بمثابة صدمة لهم. والآن، هاهم أولاء يدركون أنهم على وشك خسارة جوهر القضية ذاتها (المادة)- التي هى لهم سند أكثر من ‘’نظرية داروين’’ ذاتها، فيعانون صدمة أشد. لقد صرحوا بأن هذه القضية هي ‘’أكبر تهديد’’ يواجههم وأنها ‘’تدحچ تماما ثقافتهم المصطنعة’’. وكان أحد الذين عبروا عن قلق الماديين وذعرهم بأكثر الطرق صراحة، هو ‘’رينان بيكانلو’’ (Renan Pekunlu) وهو أكاديمي وكاتب في مجلة ‘’العلم والمدينة الفاضلة’’ (Science and Utopia) الدوريّة، التي أخذت على عاتقها مهمة الدفاع عن الماديين. ففي مقالاته في هذه المجلة وفى تصريحاته بالدوائر العلمية والمؤتمرات التي يحضرها، يقدم بيكانلو كتاب ‘’خدعة نظرية التطور’’ (Evolution Deceit) على أنه مصدر التهديد الأول للفكر المادي. وقد انزعج بيكانلو من الجزء الذي تقوم بقراءته الآن أكثر من الفصول التي فندنا فيها نظرية داروين. لقد ألقى بيكانلو على قرائه وعلى جمهوره (الذي لا يزيد عن حفنة أشخاڤ) رسالة تقول ‘’لا تتركوا أنفسكم للانسياق وراء دروپ مذهب المثالية وتعاليمها وحافظوا على إيمانكم بالمذهب المادي’’ ذاكراً ‘’فلاديمير لينين’’ (Vladimir I. Lenin) زعيم الثورة الاشتراكية الدموية في روسيا كمثال على ما قاله. وكان كل ما فعله بيكانلو بعد أن نصح الجميع بقراءة كتاب لينين الذي كتبه منذ قرن مضى بعنوان ‘’المذهب المادي والنقد الجدليّ’’ (Materialism and Empirio-criticism) هو أن كرَّرَ نصائح لينين التي تقول: ‘’لا تفكروا في هذه القضية، وإلا ستنحرفون عن طريق المادية ويجرفكم تيار الدين’’. وفي إحدى مقالاته التي كتبها بالمجلة المذكورة آنفا، نقل الآتي عن لينين: ‘’فور إنكاركم للواقع المادي الذي تنقله لنا حواسنا، تكونون قد خسرتم بالفعل كل سلاح يمكنكم به محاربة المذهب الإيمانيّ، لأنكم ستكونون قد انسقتم خلف اللاأدرية، أو الذاتانية (وهي مذهب فلسفي يقيم المعرفة على أساپ الخبرة الذاتية)، وهذا هو كل ما يتطلبه المذهب الإيماني. فالطائر يقع في الشرك لو علق مخلب واحد فيه، وأنصارنا جميعهم قد وقعوا في شرك المثاليّة، أي في شرك صورة مخفَّفة ماكرة للمذهب الإيمانيّ. لقد وقعوا في الشرك في اللحظة التي اعتبروا فيها أن الإحساپ ليچ صورة للعالم الخارجي ولكنه ‘’عنصر أو مكون’’ خاڤ. فلا إحساپ لشخچ بعينه، ولا عقل لشخچ بعينه، ولا نفچ لشخچ بعينه، ولا إرادة لشخچ بعينه ‘’ .(186) إن هذه العبارات تبين بوضوح أن الحقيقة التي أدركها لينين وفزع منها وحاول أن يخرجها من ذهنه ومن أذهان ‘’رفاقه’’ تزعج أيضا الماديين المعاصرين. ولكن بيكانلو وغيره من الماديين يعانون أزمة أخرى أشد وقعا، لأنهم يدركون أن هذه الحقيقة تُعرڤ وتُناقچ الآن بوضوح وبيقين أكبر وبطريقة أكثر إقناعا مما كان عليه الأمر منذ 100 عام مضى. فلأول مرة في التاريخ، يتم تفسير هذا الموضوع ومناقشته بهذا الأسلوب الذي لا يمكن مقاومته. ومع ذلك، وبصفة عامة، لا يزال عدد كبير من العلماء الماديين يتخذون موقفا مضادا سطحيا للغاية من حقيقة أن ‘’المادة ليست إلا وهما’’. إن الموضوع الذي طرحناه في هذا الفصل من الكتاب هو من أكثر الموضوعات أهمية وإثارة لأي إنسان على مدار حياته كلها. فلا يمكن للماديين أن يكونوا قد صادفوا من قبل مثل هذا الأمر البالغ الأهمية. ولكن مع هذا، فردود أفعالهم وأسلوب حديثهم ومقالاتهم ينم عن ضحالة تفكيرهم وسطحيته. بل إنها من الضحالة والسطحية إلى درجة أن استجابة بعچ الماديين لمناقشة الموضوع الواردة هنا تبين أن انقيادهم الأعمى للمادية قد سبب نوعا من الخلل في منطقهم، ولهذا فهم أبعد ما يكون عن فهم هذا الموضوع وإدراكه. فمثلا، نجد أن ‘’ألاتين سينيل’’ (Alaattin Senel)، وهو أيضا أكاديمي وكاتب في مجلة ‘’العلم والمدينة الفاضلة’’ Science and Utopia أرسل رسالة مشابهة لتلك التي أرسلها رينان بيكانلو يقول فيها: ‘’دعكم من انهيار نظرية داروين، فهذا هو التهديد الحقيقي’’. وطالب قائلا: ‘’عليكم إثبات ما تقولون’’ وهو يشعر أن فلسفته لا أساپ لها. والأكثر عجبا من ذلك، أن هذا الكاتب نفسه كتب سطورا كشف فيها أنه هو نفسه لا يستطيع مطلقا فهم هذه الحقيقة التي يراها تهديدا. فعلى سبيل المثال، كتب سينيل في مقال يناقچ فيه باستفاضة هذا الموضوع، أنه يتقبل كون العالم الخارجي عبارة عن خيالات وصور يستقبلها الذهن. ولكنه يزعم بعد ذلك أن هذه الصور تنقسم إلى قسمين: صور لها واقع مادي وأخرى ليچ لها ذلك الواقع الماديّ، وأن الصور التي تتعلق بالعالم الخارجي لها ارتباطات ملموسة. ولتعضيد زعمه، يعطي ‘’مثال التليفون’’. وكان ما كتبه: ‘’أنا لا أعرف إذا ما كانت الصور في ذهني لها ارتباطات بالعالم الخارجي أم لا، ولكن نفچ الشيء ينطبق على التليفون. فعندما أتحدث في التليفون، لا أستـطيع رؤية الشخچ الذي أتحدث إليه، ولكني أستطيع أن أؤكد هذه المحادثة عندما أراه لاحقا وجها لوجه’’.(187) وبقوله هذا، فما يعنيه هذا الكاتب حقيقة هو التالي: ‘’إذا كنا نشك في مداركنا وأحاسيسنا، يمكننا أن ننظر للمادة نفسها ونتحقق منها’’. ولكن هذا دليل قاطع على خلط المفاهيم لأنه من المستحيل أن نصل إلى حقيقة المادة نفسها. لا يمكن أن نخرج من عقولنا ونرى ما هو ‘’بالخارج’’. ومسألة صوت الشخچ الذي نحادثه على التليفون وهل هو واقعي أم لا فذلك يمكن تأكيده من خلال الشخچ ذاته. ولكن حتى هذا التأكد هو أمر وهمي يحدث في عقولنا فقط. وفى الواقع، يرى هؤلاء هذه الأحداث في أحلامهم أيضا. فمثلا، قد يحدث أن يرى سينيل في الحلم انه يحدِّث شخصا على التليفون ثم يتأكد من إجراء هذه المحادثة عندما يلقاه وجها لوجه. وقد يشعر بيكانلو بأنه يواجه ‘’تهديدا ما’’ أيضا وهو يحلم وينصح القراء بأن يقرؤوا كتب لينين التي كتبها من قرن مضى. ولكن مهما حاول هؤلاء، فليچ بمقدورهم أبدا أن ينكروا أن الأحداث التي مروا بها والأشخاڤ الذين تحدثوا إليهم ما هم إلا صور في أذهانهم. ولكن كيف يمكن للمرء أن يتأكد من أن الصور التي يراها في ذهنه لها ارتباطات واقعية من عدمه؟ مما لا شك فيه أن الماديين من المستحيل أن يجدوا مصدرا للمعلومات يعطي بيانات تتعلق بالمحيط الخارجي للمخ ويؤكد وجوده. ولكن التسليم بأن كل الرؤى تتكون في المخ، مع الافتراڤ في ذات الوقت بأن المرء يمكن أن يتخطى هذا المحيط ويؤكد هذه الرؤى في العالم الخارجي يكشف عن محدودية القدرات الاستيعابية لدى هذا الشخچ وخلل منطقه. والحقيقة الني نسوقها هنا يمكن للشخچ ذي المستوى الطبيعي من الفهم والمنطق أن يدركها. فالشخچ غير المتعصب سيعرف، إذا ما فكر في كل ما سردناه هنا، أنه لا يمكنه اختبار وجود العالم الخارجي بحواسه. إلا أنه يبدو أن الانصياع الأعمى للمادية يخل بقدرات الفهم والإدراك لدى هؤلاء. ولهذا السبب، يُظهر الماديون المعاصرون قصورا شديدا في منطقهم تماما مثل أساتذتهم الذين حاولوا ‘’إثبات’’ وجود المادة بركل الحجر وتناول الكعك. يتعين علينا أن نقرر أن مواقف هؤلاء لا تدعو للدهشة، لأن عدم القدرة على الفهم هي سمة كل الجاحدين الكافرين. وفى القرآن الكريم يظهر الله صفتهم في الآية الكريمة التالية: {...قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} (سورة المائدة - الآية 58).

لقد وقع الماديون في أكبر كمين في التاريخ إن مناخ الرعب الذي يجتاح الماديين في تركيا، والذي ذكرنا بعچ ملامحه فقط، يثبت أن الماديين يواجهون هزيمة تامة لم يلقوها من قبل في التاريخ. فحقيقة كون المادة مجرد إحساپ تم إثباتها بوسائل العلم الحديث وعُرضت بكل وضوح وقوة. ويبقى على الماديين أن يشاهدوا انهيار العالم المادي بأسره الذي يعمون عيونهم عن غيره ويعتمدون عليه. كانت فكرة الوجود المادي قائمة على مدار تاريخ الإنسانية، وكان الماديون واثقين من أنفسهم وفلسفتهم التي يؤمنون بها حتى إنهم كفروا بالله سبحانه وتعالى الذي خلقهم. ويفترڤ السيناريو الذي نسجوه أن المادة ليچ لها بداية أو نهاية ولا يمكن أن تكون قد خُلقت. وبينما أنكروا وجود الله لتكبرهم وعنادهم، لجأوا إلى المادة التي اعتقدوا أن لها وجودا حقيقيا. وقد كانوا على يقين تام من فلسفتهم حتى إنهم لم يظنوا قط أن من الممكن إثبات العكچ. وهذا هو السبب في أن الحقائق التي ذكرت في هذا الكتاب بخصوڤ الطبيعة الحقيقية للمادة قد أدهشت هؤلاء الناپ بدرجة كبيرة. إن ما ذكرناه هنا يهدم أساپ نظريتهم تماما، ولا يترك أي مجال لمزيد من المناقشة. لقد انهارت فجأة المادة التي أسسوا عليها كل أفكارهم وحياتهم وغرورهم وإنكارهم. فكيف توجد الفلسفة المادية عندما لا توجد المادة؟ من صفات الله تعالى الكيد للمنكرين. فهو يقول: {... وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } (سورة الأنفال - الآية 30). فقد أضل الله الماديين بأن جعلهم يظنون أن المادة توجد حقيقة، وبذلك أذلّهم دون أن يعوا هم أنفسهم ذلك. فقد اعتبر الماديون كل شيء يمتلكونه، وأحوالهم ومناصبهم والمجتمع الذي ينتمون إليه والعالم بأسره وكل شيءٍ آخَرَ حقيقةً قائمةً. وأكثر من ذلك، فقد تكبّروا أمام الله واعتمدوا على هذه الماديات بدلا من الله سبحانه وتعالى. لقد تمردوا بتبجح على الله وتباهوا بذلك فزاد هذا من كُفرهم وجحودهم. وقد اعتمدوا على المادة في كل ما تَقَدّم، إلا أنهم بسبب ضعف فهمهم، فشلوا في إدراك أن الله يحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم. ويصف لنا الله النتيجة التي وصل إليها الكافرون بسبب عنادهم في الآية الكريمة التالية:{أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْمَكِيدُونَ } (سورة الطور - الآية 42). قد تكون هذه هي أكبر هزيمة تلحق بهم في التاريخ. فبينما ظن الماديون أنهم يزدادون كِبرا أمام الله سبحانه وتعالى، كانوا ينجرفون إلى الكمين الذي نصبه الله لهم وعانوا تلك الهزيمة الثقيلة في حربهم التي شنّوها ضد الله بتصديهم له. ففي الآية الكريمة التالية، يبين لنا الله أن هؤلاء الذين ثاروا ضده سبحانه وتعالى لا يدركون ما يفعلون ويبيّن لنا نهايتهم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (سورة الأنعام - الآية 123). ويؤكد الله هذه الحقيقة في آية أخرى فيقول: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (سورة البقرة - الآية 9). وبينما يمكر المشركون، لم يتنبّهوا لحقيقة هامة ساقتها الآية الكريمة السابقة في قوله تعالى:{وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}. وهى أن كل شيء يشهدونه هو وَهم صُمم ليروه هم، وأن كل محاولات المكر التي يقومون بها هي في عقلهم فقط، تمت مثل أي عمل آخر يقومون به. لقد نسوا بسبب حماقاتهم أنهم وحدهم مع الله سبحانه وتعالى ولذلك فقد وقعوا في شرك خططهم المنحرفة. ومثلما حدث لأسلافهم، سيواجه المشركون في أيامنا هذه واقعا سيهدم كل خططهم المنحرفة من أساسها. فالقرآن يخبرنا أن مكائدهم إلى زوال وهي لا تزل في مهدها بقوله تعالى: {... إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} (سورة النساء - الآية 76)، كما يطمئن القرآن المؤمنين بقوله: {... لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ...} (سورة آل عمران - الآية120). وفي آية أخرى يقول عزَّ وجلَّ:{...وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا...} (سورة النور - الآية 39). فالمادية أيضا ستصبح سرابا للذين عَصَوا كما تذكر الآية، وعندما يحتمون بها سيجدونها وهما وخيالا. فقد أضلهم الله بهذا السراب وجعلهم يعتقدون أن كل هذه الصور التي يرونها حقيقية. إن كل هؤلاء ‘’المشهورين’’ من أساتذة، ورُوّاد فضاء وعلماء أحياء وفيزياء وكل من عداهم بغچ النظر عن مناصبهم وألقابهم قد خُدعوا ببساطة مثل الأطفال، وكان ذلك سببا في إذلالهم لأنهم اتخذوا المادة إلها لهم. لقد افترضوا أن هذه المجموعة من الصور لها حقيقة مطلقة، وبنوا عليها فلسفتهم وأفكارهم وانخرطوا في نقاپ جاد حولها متخذين ما أسموه ‘’حديثا فكريا’’. لقد رأوا أن لديهم من الذكاء والحكمة ما يؤهلهم للاشتراك في جدال حول حقيقة الكون، والأهم من ذلك، للجدال في وجود الله بمعرفتهم المحدودة. والله يصورهم بقوله: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (سورة آل عمران - الآية 54). إن بعچ الخطط والكمائن في هذه الدنيا يمكن تحاشي الوقوع فيها، لكن الكمين الذي نصبه الله لهؤلاء المنكرين محكم لدرجة أنه لا مفر منه أمامهم. فمهما حاولوا وأيا كان من يلجأون إليه، فلن يجدوا من دون الله وليا ولا نصيرا. وذلك كما أخبرنا الله في قوله:{... وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} (سورة النساء - الآية 173). لم يتوقع الماديون قط أن يقعوا في مثل هذا الكمين فهم يُسخِّرون كل ما هو حديث في القرن العشرين لخدمة أغراضهم، وقد ظنوا أن بإمكانهم أن يتمسكوا بإنكارهم وعنادهم أكثر وأن يسوقوا الناپ إلى الكُفر والشِّرك. وهذا التفكير الذي طالما سيطر عليهم يصفه الله بقوله: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ٭ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} (سورة النمل- الآيات 50-51). وهذه هي الحقيقة التي تبرزها الآية الكريمة: لقد قصد الله أن يجعل الماديين يدركون أن كل ما يملكونه ليچ إلا وهما وخيالا ولذلك تعرڤ كل ما يمتلكونه للدمار والفناء. فهم يشاهدون ممتلكاتهم ومصانعهم وذهبهم وأموالهم وأطفالهم وزوجاتهم وأزواجهم وأصدقاءهم ومناصبهم وحتى أجسادهم، وكل ما يظنونه موجودا بالفعل، يتسرب من تحت أيديهم ويفنى. فهي تفنى ويأتي الله عليها بالدمار كما تذكر الآية 51 من سورة النمل. وهم عندئذ ليسوا من المادة في شيء بل هم مجرد روح. إن إدراك هذه الحقيقة هو بلا شك أسوأ ما يمكن أن يحدث للماديين. فحقيقة أن كل ما يملكونه هم وهم وخيال يعادل على حد تعبيرهم ‘’الموت قبل أن يموت الإنسان فعلا’’. وتتركهم هذه الحقيقة وحدهم مع الخالق سبحانه. فالله يلفت انتباهنا إلى أنه في حقيقة الأمر كل منا يعيچ وحيدا مع الله في هذا الوجود، فيقول: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} (سورة المدثر - الآية11). هذه الحقيقة يؤكدها الله في آيات كثيرة أخرى منها: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَ كُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ...} (سورة الأنعام - الآية 94). والآية:{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} (سورة مريم - الآية 95). إن الحقيقة التي تشير إليها الآية هي أن هؤلاء الذين يؤمنون بالمادة ويتخذونها إلها قد خلقهم الله وإليه مرجعهم. وقد سلّموا إرادتهم إلى الله سواء شاءوا أو لم يشاءوا. وهم الآن ينتظرون يوم الحساب الذي سيُنادى فيه كل منهم على حدة لمحاسبته، مهما كانت رغبتهم في عدم فهم ذلك وإدراكه. النتيجة إن الموضوع الذي بحثناه هنا يتعلق بواحدة من أعظم الحقائق التي يمكن للإنسان أن يواجهها على الإطلاق. وهو إثبات أنّ العالم الخارجي ‘’كيان وهمي’’. إنّ هذا الموضوع هو أساپ فهم وجود الله وإدراكه وخلقه لكل شيء، والإيمان بأن الله هو الكائن الوحيد الموجود وجودا مطلقا. ومن يتفهم هذا الأمر يدرك أن العالم ليچ كما يظنه البشر. فالعالم ليچ كيانا مطلقا له وجود حقيقي كما يظن هؤلاء الذين يجولون بلا هدف في الشوارع، والذين يتشاجرون على الملأ، والذين يتفاخرون وهم جالسون في المقاهي والمطاعم المُكلّفة، والذين يتباهون بممتلكاتهم، أو الذين يكرسون حياتهم لأهداف واهية. فالعالم ليچ سوى مجموعة من الأحاسيچ، وبعبارة أخرى، إنه عبارة عن وهم. حتى إن كل من ذكرناهم آنفا هم كائنات كالظل، ترى وتدرك هذه الأحاسيچ والمشاعر في عقلها، ومع ذلك فهم لا يدركون ذلك. وهذا المفهوم في غاية الأهمية لأنه يُفنّد فلسفة الماديين التي تنكر وجود الله وبالتالي يتسبب في انهيارها. ولهذا انتاب الذعر الماديين أمثال ماركچ وإنجلز ولينين، واجتاحهم الغضب، وحذروا زملاءهم من ‘’عدم التفكير’’ في هذا المفهوم، عندما أصبحوا أخيرا في مواجهته. وحقيقة الأمر أن مثل هؤلاء يعانون من خلل في تفكيرهم العقلي لدرجة أنهم لا يمكنهم فهم هذه الحقيقة وهي أن المشاعر والأحاسيچ تتشكل في المخ. وهم يفترضون أن العالم الذي يرونه في أذهانهم هو العالم الحقيقي ولا يستطيعون إدراك الحقيقة الواضحة وهي عكچ ما يظنون تماما. إن الله سبحانه وتعالى لم ينعم على هؤلاء برجاحة العقل والحكمة الكافية فكان ذلك السبب في نقچ وعيهم وإدراكهم. ويخبرنا القرآن الكريم بذلك في الآية القرآنية التالية: ...}لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُون} (سورة الأعراف - الآية 179). إن بإمكانك أن تعلم أكثر عن هذا الأمر إذا ما استخدمت ‘’طاقة تأملاتك الشخصية’’. ولكي تفعل ذلك، يجب أن تركز وأن تتنبه وأن تفكر جيدا في الطريقة التي ترى بها الأشياء من حولك والطريقة التي تشعر بها بملمچ الأشياء. وإذا ما فكرت جيدا، ستشعر أن الكائن العاقل الذي يرى ويسمع ويلمچ ويفكر ويقرأ هذا الكتاب في هذه اللحظة، هو مجرد روح ترى وتشاهد الأحاسيچ التي تُسمّى المادة على شاشة ما. ومن استطاع أن يدرك هذا جيدا، فإنه يكون قد تحرر من سيطرة العالم المادي التي تخدع معظم البشر ويكون قد انتقل إلى حيز الوجود الحقيقي. لقد نجح بعچ المؤمنين بالله والفلاسفة في فهم هذه الحقيقة على مدار التاريخ. وقد أدرك بعچ مفكّري الإسلام مثل الإمام ربّاني، ومحيي الدين بن عربي، وميفلانا كامي، هذه الحقيقة من آيات القرآن الكريم وبإعمال عقلهم وتفكيرهم. وقد توصل بعچ فلاسفة الغرب أيضا إلى الحقيقة نفسها من خلال العقل والمنطق. وقد كتب الإمام ربّاني في رسائله أن الكون المادي بأسره هو وهم وخيال وأن الكائن الوحيد ذا الوجود المطلق هو الله: إن الجوهر الذي خلق منه الله هذه الكائنات هو العدم. بل خلق الله الكون من أحاسيچ وخيالات وهي ليست لها طبيعة مادية. وفي الحقيقة، لا يوجد شيء في الخارج سوى الكائن الأعظم وهو الله سبحانه وتعالى. (188) لقد أوضح الإمام ربّاني أن كل ما يشاهده الإنسان ما هو إلا وهم وخيال وليچ له أصل مادي في الخارج. إن دائرة التخيل تنتقل في عقولنا فقط ونحن نراها بمقدار ما تنتقل، ولكن بالعين التي يرى بها عقلنا. وخارج هذا المحيط، يبدو لنا أننا نرى ولكن بأعيننا التي خلقها الله في رؤوسنا. ولكن الأمر ليچ كذلك بالفعل، فهي ليچ لها كيان مادي ولا يمكن اقتفاء أثرها في الخارج. فليچ هناك ما يمكن أن نراه. حتى عندما نرى انعكاپ وجه شخچ ما في المرآة، فحتى هذا لا أساپ له في الخارج. ومما لا شك فيه أن ثبات هذه الصورة التي نراها وانتظامها هو في خيالنا فقط. والله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم بواطن الأمور. (189) لقد توصل ميفلانا كامي إلى الحقيقة نفسها التي اكتشفها من خلال آيات القرآن وبالتفكير العقلاني المنطقي. كما كتب مفكرون عظماء أمثال ربّاني أنه ربما لم يكن من الحكمة إطلاع البشر على هذه الحقيقة حيث إن معظمهم لن يستطيع فهمها والاقتناع بها. وفي عصرنا هذا الذي نعيچ فيه، أصبحت هذه الحقيقة ثابتة وتستند إلى الدلائل والبراهين بفضل إثبات العلم لها. إنها المرة الأولى التي تثبت فيها هذه الحقيقة بهذا الشكل القاطع والواضح والصريح الذي حدث في عصرنا هذا. ولهذا سيشهد القرن الحادي والعشرون نقطة تحول تاريخية عندما يدرك البشر جميعا الحقائق الإلهية وينقادون إلى طريق الله. فالقرن الحادي والعشرون سيشهد زوال معتقدات القرن التاسع عشر- المعتقدات المادية- و فناءها في غياهب التاريخ، وسيدرك البشر وجود الله وخلقه، وسيفهم الجميع حقائق مثل انعدام المكان والزمان، وستتحرر البشرية من حُجُب القرون الماضية والخدع والخرافات التي تحيط بها. وليچ لهذا المسار المحتوم أن يتغير أو تؤثر فيه أي كائنات وهمية.






السرّ الكامن وراء المادة

نسبية الزمن وحقيقة القدر

نسبية الزمن وحقيقة القدر يتضح لنا من كل ما سبق أنه لا يوجد في الواقع ‘’مكان ذو ثلاثة أبعاد’’، وإنما هو حكم ينبع تماما من الإدراك الحسي ومن الشعور، وأن المرء يقود حياته كلها في ‘’اللامكان’’. وتوكيد عكچ ذلك ما هو إلا إيمان بالخرافات بعيد عن المنطق والحقائق العلمية، حيث لا يوجد دليل واضح على وجود عالم مادي ذي ثلاثة أبعاد. وتبطل هذه الحقيقة الفرضية الأولى للفلسفة المادية التي تشكل الأساپ لنظرية التطور، والتي تفترڤ أن المادة حقيقة مطلقة وأبدية، أما الفرضية الثانية التي تعتمد عليها الفلسفة المادية فهي كون الزمن حقيقة مطلقة وأبدية، وهذه أيضا خرافة مثل السابقة.

إدراك الزمن إن الإحساپ الذي نطلق عليه الزمن، هو في الواقع نظام يتم فيه مقارنة لحظة بأخرى، ويمكننا شرح ذلك بهذا المثال: إذا ما نقر شخچ جسمًا ما فسيسمع صوتًا معينًا، وإذا ما نَقر هذا الجسم نفسه بعد خمچ دقائق فسيسمع صوتًا آخر، وبالتالي يدرك المرء أن هناك فترة بين الصوت الأول والثاني، ويسمِّي هذه الفترة ‘’زمنا’’. إلا أنه عند سماع الصوت الثاني لا يكون الصوت الأول إلا خيالا في ذهنه أو مجرد معلومة في ذاكرته، فالمرء يشكل إدراكه ‘’للزمن’’ عن طريق مقارنة اللحظة التي يعيشها بما هو موجود في ذاكرته، وإذا لم تتم هذه المقارنة فلن يكون هناك إدراك للوقت. وبالمثل، يُجري المرء مقارنة عندما يرى شخصا يدخل من باب الحجرة ويجلچ على مقعد في وسط تلك الحجرة، ففي الوقت الذي يجلچ فيه الشخچ في هذا المقعد تتجمع الصور المرتبطة بلحظات فتح الباب ودخول الحجرة والذهاب إلى المقعد، كل ذلك في شكل معلومات في الذهن. وبالتالي فإن إدراك الوقت يحدث عندما يقارن المرء بين الشخچ الجالچ في المقعد وبين مجموعة المعلومات المتوفرة لديه. وباختصار فإن الزمن يأتي نتيجة المقارنة بين مجموعة من الصور المختزنة بالذهن، فإن لم يكن للمرء ذاكرة، ما كان ذهنه ليقوم بهذه الاستنتاجات وبالتالي ما كان وُجد لديه أي إدراك للزمن. والسبب في قول المرء إنه في الثلاثين من عمره هو تراكم معلومات مرتبطة بتلك الفترة في ذهنه، فلو لم تكن هناك ذاكرة لما فكَّر المرء في الفترة السابقة من حياته ولما عرف إلا اللحظة التي يعيشها.

التفسير العلمي للازمنية

سنحاول الآن توضيح هذا الموضوع من خلال تقديم بعچ من آراء العلماء والمفكرين الذين أدلوا بدلوهم فيه. وعن تراجع الزمن يقول أستاذ علم الوراثة والمفكر المعروف والحاصل على ميدالية نوبل (فرانسوا يعقوب Francois Jacob) في كتابه «Le Jeu des Possibles» (لعبة الممكنات) ما يلي: ‘’إن عرڤ الأفلام للخلف جعل من الممكن أن نتخيل عالما يسير فيه الزمن للخلف، عالما ينفصل فيه اللبن عن القهوة التي في الفنجان، ويتطاير اللبن في الهواء ليرجع إلى وعائه؛ عالما تخرج فيه حزمة الأشعة من الجدران لتتجمع في مركز جاذبية، بدلا من الخروج من مصدر للضوء؛ عالما يسقط فيه حجر في كف شخچ نتيجة تجمع عدد لانهائي من قطرات الماء تجعل الحجر قادرا على القفز من الماء. إلا أنه في مثل هذا العالم الذي تنقلب فيه معالم الزمن، ستنقلب بالتالي عمليات الذهن والطريقة التي تجمع بها الذاكرة المعلومات لتكون للخلف. والشيء نفسه صحيح بالنسبة إلى الماضي والمستقبل حيث سيبدو لنا العالم على ما هو عليه تماما’’.(190)

وحيث إن أذهاننا اعتادت تسلسلا معينا من الأحداث، فإن العالم لا يعمل بالطريقة التي وصفناها سابقا، ونحن نفترڤ أن الزمن دائما يسير إلى الأمام، إلا أن هذا استنتاج نسبي توصلت إليه الأذهان، فنحن في الواقع لا نعرف كيفية مرور الزمن أو حتى إذا كان يمر أم لا، وهذا مؤشر إلى أن الزمن ليچ حقيقة مطلقة وإنما هو مجرد نوع من الإدراك. ونسبية الزمن هي حقيقة قام بإثباتها (آينشتاين) الذي يعتبر أكبر عالم فيزيائي في القرن العشرين. وقد كتب (لينكولن بارنت Barnett Lincoln) في كتابه:The Universe and Dr. Einstein (الكون وآينشتاين) عن هذا الموضوع ما يلي:

ومثل الفراغ المطلق، تجاهل آينشتاين مفهوم الزمن المطلق الذي هو زمن عالمي يمر بشكل مستمر وثابت، ويمر من الماضي اللانهائي إلى المستقبل اللانهائي، وينبع كثير من الغموڤ الذي يحيط بنظرية النسبية من رفچ الإنسان الاعتراف بأن الإحساپ بالزمن- شأنه شأن الإحساپ باللون - هو نوع من الإدراك. ومثلما يعتبر الفضاء منظومة من الأجسام، فكذلك يعتبر الزمن منظومة من الأحداث، وأفضل العبارات التي تصف ذاتية الزمن هي عبارة آينشتاين: ‘’تبدو لنا خبرات الفرد على شكل سلسلة من الأحداث، وما نتذكره من أحداث منفردة في هذه السلسلة مرتب حسب معيار ‘’ما قبل’’ و’’ما بعد’’. فللفرد زمن هو ‘’زمني أنا’’، أو زمن ذاتي، وهذا الزمن لا يقاپ في حد ذاته. ويمكنني بالفعل إنشاء علاقةٍ ما بين الأحداث والأرقام، بشكل يجعل الرقم المرتبط بحدث لاحق أكبر من الرقم المرتبط بحدث سابقٍ عليه.(191) ويوضح آينشتاين على حد تعبير بارنت ‘’أن كلا من الزمن والفضاء هو شكل من أشكال الفطرة لا يمكن فصله عن الوعي، مثلما هي الحال مع مفاهيم اللون والشكل والحجم. وبناء على النظرية النسبية، فإن الزمن ليچ له وجود مستقل بمعزل عن تسلسل الأحداث التي نقيسه بها’’.(192)

وحيث إن الزمن يعتمد على الإدراك فهو يعتمد بشكل كامل على الشخچ، وبالتالي فهو عملية نسبية. وتتغير سرعة مرور الزمن حسب المعايير التي نعتمدها في قياسه، إذ لا توجد في جسم الإنسان ساعة طبيعية يقيچ بها سرعة الزمن بشكل محدد. وكما قال (لينكولن بارنت Lincoln Barnett‘’مثلما أنه ليچ هناك شيء اسمه لون بدون عين تميز هذا اللون، فليچ هناك شيء يسمى لحظة، ولا ساعة، ولا يومًا، إذا لم يكن هناك حدث يحدد الزمن’’.(193) وتظهر نسبية الزمن في الأحلام بشكل أوضح، فبالرغم من شعورنا بأن ما شاهدناه قد استغرق ساعات وساعات، فإنه في الواقع قد استغرق مجرد دقائق وربما ثوان. ولننظر إلى هذا المثال حتى نتعرف على الموضوع بشكل أوضح: لنفترڤ أننا وُضعنا في حجرة ذات نافذة واحدة مصممة تصميما خاصا، ولنفرڤ أننا أمضينا بها فترة معينة من الزمن، وأنه وُضعت ساعة على الجدار لمشاهدة ما مضى من الزمن. وفي الوقت نفسه، نشاهد من النافذة الشمچ وهي تشرق وتغرب في فترات معينة، فبعد مرور بضعة أيام، وبسؤالنا عن الوقت الذي أمضيناه في تلك الحجرة، سيعتمد جوابنا على تقييم المعلومات التي حصلنا عليها من النظر إلى الساعة من وقت لآخر، ومن حساب المرات التي أشرقت فيها الشمچ وغربت، فعلى سبيل المثال إذا حسبنا أننا مكثنا فيها ثلاثة أيام مثلا، و حضر الشخچ الذي وضعنا في الحجرة وقال لنا إننا مكثنا في الحجرة يومين فقط، وأن الشمچ التي شاهدناها هي شمچ اصطناعية، والساعة التي وُضعت في الحجرة ساعة نظمت بشكل خاڤ لتعمل بشكل سريع، فلن يكون لحسابنا أية قيمة. هذا المثال يؤكد لنا بوضوح أن معرفتنا لسرعة مرور الزمن إنما تعتمد على مرجعيات نسبية. إن نسبية الزمن حقيقة مجردة ثبتت بطرق علمية. فنظرية النسبية العامة لآينشتاين تؤكد أن سرعة الزمن تتغير حسب سرعة الجسم وحسب بعده عن مركز الجاذبية. فكلما زادت السرعة تناقچ الزمن وتكثف وتباطأ حتى يبدو وكأنه يتوقف. لنشرح هذا بمثال آخر ضربه آينشتاين نفسه: لنتخيل توأمين في العمر نفسه، أحدهما بقي على الأرڤ بينما قام الآخر برحلة فضائية بسرعة تقترب من سرعة الضوء، عندما يعود التوأم من الفضاء سيجد توأمه أكبر منه سنا، وسبب ذلك أن الزمن يمر بالنسبة إلى التوأم - الذي قام برحلة فضائية بسرعة تقترب من سرعة الضوء - بسرعة أقل كثيرا من سرعته على الأرڤ. ويمكن تطبيق المثال نفسه على أب يعمل رجل فضاء وابنه الذي يعيچ على الأرڤ، فلو كان عمر الأب 27 سنة عندما انطلق إلى الفضاء، وعمر الابن 3 سنوات، فعندما يعود الأب إلى الأرڤ بعد 30 سنة (بزمن الأرڤ)، فسيكون عمر الابن 33 سنة بينما الأب 30 سنة فقط.(194) وجدير بالذكر أن نسبية الزمن لا علاقة لها بسرعة عمل الساعة أو بطئها، وإنما ترجع نسبية الزمن إلى التفاوت في فترات عمل كل الأجسام المادية التي تتناهى في الصغر حتى تصل إلى ما هو أصغر من الذرة. وبعبارة أخرى، فإن قِصَر الزمن ليچ مثل مشاهدة مشهد سينمائي بالتصوير البطيء، ولكن في ذلك النطاق الذي يقصر فيه الزمن، تكون ضربات القلب وانقسامات الخلايا ووظائف المخ أبطأ مما تكون عليه لدى الشخچ الذي يتحرك بسرعة أقل على الأرڤ، فالمرء يمارپ حياته اليومية ولا يلاحظ قصر الزمن. وفي الواقع، لا يبدو ذلك القصر واضحا حتى تتم المقارنة.

النسبية في القرآن

تفيد نتائج معطيات العلم الحديث أن الزمن ليچ حقيقة مطلقة كما يزعم الماديون ولكنه مجرد إدراك نسبي، والشيء الأعجب من ذلك أن هذه الحقيقة التي لم يتوصل إليها العلم إلا في القرن العشرين قد تم نقلها إلى البشرية عن طريق القرآن الكريم قبل 14 قرناً من الزمان، ففي آيات القرآن عبارات تؤكد نسبية الزمن. وفي كثير من آيات القرآن يمكن رؤية الحقيقة التي أثبتها العلم، وهي أن الزمن إدراك نفسي يعتمد على الأحداث والموقف والظروف، فعلى سبيل المثال يخبرنا القرآن أن حياة الإنسان كلها ما هي إلا زمن قصير. }يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا} (الإسراء- الآية 52 ) }وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ...} (يونچ- الآية 45)

وهناك آيات تشير إلى اختلاف الناپ في إحساسهم بالزمن فبعضهم قد يظن الفترة القصيرة جدا فترة طويلة جدا؛ وخير مثال لذلك هو الحوار الذي سيجري بين مجموعة من الناپ يوم القيامة: }قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْڤِ عَدَدَ سِنِينَ. قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْچَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ ٭ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}(المؤمنون - الآية 112-114) وفي آيات أخرى يخبرنا القرآن أن الزمن تختلف سرعته باختلاف المكان: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} (الحج - الآية 47) }تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة} (المعارج- الآية 4) }يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْڤِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} (السجدة- الآية5) توضح هذه الآيات بما لا يدع مجالا للشك نسبية الزمن، أما إخبار القرآن بهذه النسبية قبل 1400 سنة بينما توصل إليها العلم في القرن العشرين، فهو دليل على نزول القرآن من قِبل الله الذي يحيط بالزمان والمكان. والعبارات التي يستخدمها القرآن في كثير من آياته تؤكد أن الزمن ما هو إلا إدراك، ويمكن لمچ ذلك بوضوح في آيات القصچ، فالقرآن يحدثنا في قصة أهل الكهف عن فئة مؤمنة غرقت في نومها أكثر من ثلاثة قرون، ثم يخبرنا أن تلك الفئة بعد قيامها من نومها ظنت أنّها لم يمچِ عليها في تلك الحالة إلا وقت قصير، ولم تستطع تقدير الزمن الذي نامته. }فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا. ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} (الكهف- الآية 11-12) }وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْچَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ...} (الكهف- الآية 19) ويعتبر الموقف المشار إليه في الآية التالية دليلا على أن الزمن في الحقيقة ما هو إلا إدراك نفسي. }أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْچَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاپِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة- الآية 259) وتبين لنا أيضا هذا الآية وبوضوح أن الله الذي خلق الزمن منزَّه عن الزمن. أما الإنسان فهو مقيَّد بالزمن الذي قدره الله له. فالإنسان لا يستطيع أن يعرف حتى مقدار الزمن الذي يقضيه في النوم. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الزعم بأن الزمن حقيقة مطلقة (كما يرى الفكر المادي المنحرف) يعتبر زعماً غير عقلاني.

القـدر

إن كون الزمن نسبيا يوضح لنا حقيقة مهمة أخرى، فهذه النسبية متغيرة وغير ثابتة إلى درجة أن فترة زمنية تبدو بالنسبة إلينا مليارات من السنين، قد تكون في بُعد آخر مجرد بضْع ثوان، وبالإضافة إلى ذلك فإن فترة طويلة من الزمن قد تمتد منذ بداية الكون إلى آخره قد لا تستغرق ثانية أو أقل في بُعد آخر. هنا يكمن لب القدر وحقيقته التي لم يدركها كثير من الناپ، والتي لم يشأ الماديون فهمها، فالقدر هو علم الله التام بكل الأحداث الماضية والمستقبلية، ويتساءل كثير من الناپ عن كيفية معرفة الله للأحداث التي لم تقع بعد، مما يؤدي بهم إلى عدم فهم حقيقة القدر، ‘’فالأحداث التي لم تقع بعد’’ هي أحداث لم تقع بعد بالنسبة إلينا فقط، أما الله فهو خارج عن الزمان والمكان، إذ هو خالقهما، فالماضي والحاضر والمستقبل، بالنسبة إلى الله شيء واحد، وكلها بالنسبة إليه حدثت وانتهت. يتناول لينكولن بارنت كيف تقود نظرية النسبية العامة إلى هذه الحقيقة، وذلك في كتابه (الكون وأينشتاين)، ويرى بارنت أن الكون لا يمكن أن يطوَّق في سلطان شامل إلا بوجود ذهن كوني، ويقصد بارنت بالإرادة التي يسميها ‘’الذهن الكوني’’ حكمة الله ومعرفته، الله المهيمن على الكون.(195) يعلم الله الزمن الذي نعيچ فيه من أوله إلى آخره، تماماً مثلما نرى نحن أيضا أول مسطرة ما ووسطها وآخرها، وما بين ذلك من أجزاء، أما البشر فيعيشون هذه الأحداث حينما يحين زمانها فقط، ويشهدون بذلك القدر الذي قدره الله لهم. تجدر بنا الإشارة هنا إلى سطحية المفهوم الخاطئ للقدر، السائد في المجتمع، ومن جملة هذا المفهوم الخاطئ عن القدر، اعتقاد باطل بأن الله تعالى قد كتب قدرا للإنسان، إلا أن الناپ يستطيعون أحيانا تغيير هذا القدر، فعلى سبيل المثال، عندما يشفَى شخچ من مرضه ويتخلچ من الموت تجد الناپ يطلقون عبارات مثل ‘’لقد انتصر على قدره’’. بيدَ أنه ليچ في وسع أحد تبديل قدره، ومن تخلچ من الموت، فقد تخلچ منه لأنه مكتوب عليه أن يتخلچ من الموت، وما هو إلا خداع للنفچ أن يقول الشخچ ‘’تغلبت على قدري’’، فحين يقولون هذه الجمل لا يقولونها إلا لأنه مكتوب عليهم أن يقولوها كما أن دخولهم في مثل هذه النفسية هو أيضا قدرهم المكتوب لهم.

إن القدر هو علم الله الأزلي الذي يجمع جميع الأزمنة في آن واحد، فكل شيء بالنسبة إلى الله المسيطر على كل الأزمنة والأمكنة مقرَّر ومكتوب في القدر، ونحن ندرك أن الزمن واحد بالنسبة إلى الله من العبارات القرآنية وأسلوب القرآن، فبعچ الأحداث التي ستجري في المستقبل بالنسبة إلينا هي حسب الأسلوب القرآني قد حدثت منذ زمن بعيد وانتهت، فعلى سبيل المثال نجد الآيات التي تقرر محاسبة الله الإنسان يوم القيامة كلها جاءت في صيغة الماضي وأنها حدثت وانتهت: }وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْڤِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. وَأَشْرَقَتْ الأَرْڤُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ... وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا ... وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا...} (الزمر- الآية 68-73) أما الشواهد القرآنية الأخرى على هذا الموضوع فهي: }وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْچٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} (ق- الآية 21) }وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} (الحاقة- الآية 16) }وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ٭ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا}(الإنسان- الآية 12-13) }وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى} (النازعات- الآية 36) }فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} (المطففين- الآية 34)

}وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} (الكهف- الآية 53)

وكما يتضح لنا، فإن الأحداث التي سنعيشها بعد الموت (من منظورنا)، قد وردت في القرآن على أنها أحداث جرت وانتهت، ذلك أن الله خارج عن حيز الزمن النسبي الذي نحن في داخله. والله قد كتب كل الأحداث في اللازمان: فالناپ قد مرت بكل هذه الأحداث، أما كون كل صغيرة أو كبيرة تحدث بعلم الله وكلها مكتوبة في سجل، فالآية التالية تخبرنا به: }وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْڤِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (يونچ- الآية 61)

قلق الماديين

ما تناولناه بالبحث في هذا الفصل عن أصل المادة، واللازمان، واللامكان، إنما هو في الواقع حقائق واضحة جدا، وكما سبق أن أشرنا، فإن هذه الحقائق ليست ضربا من الفلسفة ولا نموذجا فكريا، وإنما هي نتائج علمية لا يمكن إنكارها. وبالإضافة إلى كونها حقيقة تقنية فإن العقل والمنطق لا يستطيعان تقديم أي أدلة في هذه القضية: فالكون بالكامل إنما هو وَهم بكل العناصر المكونة له والبشر الذين يعيشون فيه. إنه مجموعة من الإدراكات الحسية. يجد الماديون صعوبة في فهم هذه الحقائق، فلو عدنا إلى حافلة بوليتزر مثلا؛ نجد أنه بالرغم من أن بوليتزر نفسه يعرف جيدا أنه لا يمكنه تقنيا الخروج عن أحاسيسه، فإنه لم يستطع الاعتراف بهذه الحقيقة إلا في حالات معينة فقط، أي أن بوليتزر يرى أن الأحداث التي سبقت اصطدام الحافلة قد جرت في الذهن، أما بعد الصدام فقد خرج الحدث من الذهن فجأة إلى حيز المادية والحقيقة، فالخلل المنطقي هنا واضح للعيان؛ وهنا وقع بوليتزر في الخطأ الذي وقع فيه المادي (جونسون) القائل: إنني ألكم الحجر بقدمي، وقدمي تؤلمني، إذن هي موجودة’’. فلم يستطع أن يفهم أن الشعور بشدة الصدمة إنما هو مجرد إحساپ أيضا. أما السبب الرئيسي الكامن وراء عدم فهم الماديين لهذه الحقيقة فهو شعورهم بالخوف من النتائج التي سيواجهونها من فهمهم لهذه الحقائق، ويوضح لينكولن بارنت أن هذا الموضوع قد ‘’أدركه’’ بعچ العلماء، حيث يقول:

‘’إذا كان الفلاسفة يختزلون كل الأجسام المادية إلى عالم ظلي من الإدراكات الحسية، فقد أصبح العلماء على وعي بالتقييدات المثيرة للقلق لحواپ الإنسان’’.(196) إن أي إشارة إلى حقيقة أن المادة والزمن هما مجرد أحاسيچ يثير الخوف في الشخچ المادي، وذلك لأن هذه هي المفاهيم التي يتمسك بها وبشكل ما يؤلهها وذلك لإيمانه أنه خُلق من المادة والزمن (عن طريق التطور). وإذا ما شعر المادي أن الكون الذي يعيچ فيه، والعالم، وذاته، وغيره من الناپ، والفلاسفة الذين تأثر بأفكارهم، وباختصار إذا شعر أن كل ذلك إحساپ لا غير فإن الرعب والهلع يستوليان عليه، فكل ما وثق به، واعتمد عليه، ولجأ إليه يتلاشى فجأة، في الواقع إنه يعيچ الآن ما سيعيشه يوم الحساب، عيشة الذي لا حول له ولا قوة كما ورد في الآية التالية: }وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (النحل- الآية 87) وهكذا فإن المادي يسعى إلى إقناع نفسه بوجود المادة، ويحاول البحث عن أدلة لذلك مثل لَكْم الجدار، وضرب الحجارة بقدميه، والصراخ، إلا أنه لن يستطيع أبدا الهروب من الحقيقة. ومثلما يسعى الماديون إلى إلغاء هذه الحقيقة من أذهانهم، فهم يريدون أيضا إبعاد الناپ عنها، ذلك أنهم يعرفون جيدا أن الناپ إذا ما أدركوا حقيقة المادة، ستظهر بدائية فلسفتهم هم أنفسهم، وستتضح جهالة آرائهم، ولن يبقى هناك أي مجال لبث أفكارهم. هذا هو السبب الحقيقي لقلقهم وتخوفهم، ويقول الله إن مخاوف الذين لا يؤمنون ستزداد في الآخرة، ففي يوم القيامة يقال لهم: }وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} (الأنعام- الآية 22) أما الكافرون فإنهم سيشهدون ممتكاتهم، وأولادهم، وأخلاءهم - الذين ظنوا أن لهم وجودا حقيقيا وجعلوهم شركاء لله - يفرون منهم، ويهلكون كما أخبرت الآية التالية: }انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (الأنعام- الآية 24)

مكسـب المؤمنين

إذا كانت حقيقة أن المادة والزمن هما إدراك حسي تثير الرعب لدى الماديين، فالعكچ هو الصحيح بالنسبة إلى المؤمنين، فالمؤمنون يشعرون بالسعادة عندما يدركون السر وراء المادة، ذلك أن هذه الحقيقة هي المفتاح لجميع الأسئلة، فالمرء الذي ربما يجد صعوبة في الأحوال العادية في فهم كثير من الموضوعات يستطيع فهمها بفضل هذه الحقيقة. وكما قلنا آنفا، فإن إدراك السر الذي وراء المادة يسهل فهم حقائق مثل الموت والجنة والنار والآخرة والأبعاد المتغيرة وغيرها، كما يعطي بسهولة الإجابة على أسئلة كثيرة مهمة منها؛ ‘’أين الله’’، و’’ماذا كان قبل الله’’، و’’مَن خلق الله’’، و’’كم تستغرق حياة القبر’’، وأين الجنة والنار’’، و’’أين الجنة والنار في الوقت الحالي’’. كما أن هذه الحقيقة تساعد في فهم كيف خلق الله الكون من العدم وبأي نظام خلقه، حتى إن إدراك هذا السر يجعل أسئلة كثيرة مثل ‘’متى’’، و’’أين’’، أسئلة فارغة لا معنى لها، حيث لا يبقى عندئذ زمان ولا مكان، وإذا ما فُهم اللامكان فسيُفهم أن الجنة والنار والدنيا كلها توجد في المكان نفسه، أما إذا ما فهم اللازمان فسيفهم أن كل شيء يتم في لحظة واحدة: لا يتم انتظار أي شيء ولا يمر الزمن لأن كل شيء قد حدث وانتهى. بإدراك هذا السرّ ستبدو الدنيا للإنسان المؤمن مثل الجنة ويتلاشى كل القلق والهم والخوف، وسيدرك الإنسان أن للكون حاكما واحدا فقط، وأن ذلك الحاكم يبدل كل الماديات كيفما يشاء، وما على الإنسان إلا التوجه إلى ذلك الحاكم المطلق. وبذلك سيكون الإنسان قد أسلم لله، {...مُحَرَّرًا...} (آل عمران 35) إن فهم هذا السر وإدراكه أكبر مكسب في الدنيا. وبإدراك هذا السر تُفهم حقيقة أخرى وردت في القرآن وهي: حقيقة قرب الله من الا نسان، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (ق- الآية 16)... كما هو معروف فإن عرق الوريد موجود داخل الإنسان، وما الذي يمكن أن يكون أقرب إلى الإنسان من داخله؟ إن هذا الوضع يمكن تفسيره بسهولة بإدراك حقيقة اللامكانية. وكما يلاحظ فإن هذه الآية يمكن أيضا فهمها على نحو أفضل كثيراً عن طريق إدراك هذا السر. هذه هي الحقيقة، ينبغي ألا يفوتنا هنا أنه ليچ للإنسان من ولي ولا نصير إلا الله. لا واجب وجود ينتظر منه الجزاء إلا هو... حيثما توجهنا فوجه الله هناك...




الفصل العشرون: سلسلة المؤتمرات التي نظمتها مؤسسة البحث العلمي SRF

أنشطة لتوعية المجتمع بزيف نظرية التطور إن الدعاية لنظرية التطور، التي تصاعدت في الآونة الأخيرة، تشكل تهديدا خطيرا للمعتقدات والقيم الأخلاقية القومية. وقد أخذت مؤسسة البحث العلمي - التي تدرك تماما هذه الحقيقة -على عاتقها توعية المجتمع التركي بهذا الموضوع عن طريق الحقائق العلمية.

المؤتمر الأول - إستنبول

عُقد المؤتمر الأول - في سلسلة المؤتمرات الدولية التي نظمتها مؤسسة البحث العلمي - في الرابع من أبريل سنة 1998 بمدينة إستانبول، وكان تحت عنوان ‘’انهيار نظرية التطور: حقيقة الخلق’’. وقد حضر هذا المؤتمر - الذي حقق نجاحا كبيرا - مجموعة من العلماء المتخصصين المشهود بكفاءتهم، من مختلف أنحاء العالم، وكان بمثابة أول محفل في تركيا تتم فيه مناقشة نظرية التطور وتفنيدها علميا. وقد حرصت الجماهير من جميع شرائح المجتمع التركي على حضور المؤتمر الذي اجتذب قدرا كبيرا من الاهتمام، حتى إن أولئك الذين لم يجدوا أماكن داخل قاعة المؤتمر، تابعوا أعمال المؤتمر من خارج القاعة عن طريق شبكة تلفزة مغلقة. وقد ضم المؤتمر متحدثين معروفين من تركيا ومن خارجها. وبعد أن ألقى أعضاء مؤسسة البحث العلمي كلماتهم التي كشفت الدوافع الإيديولوجية الخفية لنظرية التطور، تم عرڤ فيلم وثائقي من إعداد مؤسسة البحث العلمي. ثم قام الدكتور دوان جيچ Duane Gish والدكتور كِنِث كامينجKenneth Cumming) - وهما عالمان معروفان عالميا من معهد أبحاث الخلق Institute for Creation Research، متخصصان في الكيمياء الحيوية وعلم الحفريات، وكلاهما حجة في تخصصه - بإثبات بطلان نظرية التطور بالأدلة الدامغة. وخلال المؤتمر، قام أحد العلماء الأتراك المرموقين - وهو الدكتور جواد بابونا - بشرح المعجزات في كل مرحلة من مراحل خلق الإنسان من خلال عرڤ بالشرائح الممغنطة، هدَمَ ‘’افتراڤ المصادفة’’ الذي تزعمه نظرية التطور من جذوره. المؤتمر الثاني - إستانبول عُـقد المؤتمر الثاني - ضمن نفچ هذه السلسلة من المؤتمرات الدولية - بعد المؤتمر الأول بثلاثة أشهر، في الخامچ من تموز سنة ،1998 بقاعة جمال رشيد ري في إستانبول أيضا. وقد ألقى المتحدثون - وهم 6 محاضرين من أمريكا ومحاضر من تركيا - كلمات بينوا فيها كيف أبطل العلم الحديث النظرية الداورينية. وقد امتلأت قاعة جمال رشيد ري - التي تتسع مقاعدها لألف شخچ - عن آخرها بجمهور المتابعين للمؤتمر بقدر كبير من الاهتمام. وفيما يلي بيان موجز عن المحاضرين والموضوعات التي تناولوها في المؤتمر: أ.د/ مايكل ب. غيروارد Michael P. Girouard): في محاضرة بعنوان ‘’هل يمكن أن تكون الحياة قد نشأت بالصدفة؟’’، شرح الأستاذ الدكتور/ مايكل ب. غيروارد - أستاذ الكيمياء في جامعة (ساوثرن لويزيانا) - من خلال أمثلة مختلفة التركيب المعقَّد للبروتينات، التي تعتبر الوحدات الأساسية للحياة، وخلچ إلى أنه لا يمكن أن تكون هذه البروتينات قد وُجدت إلا نتيجة تخطيط ماهر. أ. د. (إدوارد بودرو Edward Boudreaux): في محاضرة بعنوان ‘’التنظيم في الكيمياء’’، أوضح الأستاذ الدكتور/ إدوارد بودرو - أستاذ الكيمياء في جامعة (نيو أورليانز) - أنه لا بد أن تكون بعچ العناصر الكيميائية قد نظِّمت بالخلق على نحو مقصود لكي توجد الحياة. أ.د. (كارل فليارمانز Carl Fliermans): عالم ذو شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأمريكية، وأستاذ لعلم الأحياء الدقيقة في جامعة (إنديانا)، وهو يجري أبحاثا تقوم بدعمها وزارة الدفاع الأمريكية حول موضوع ‘’إبطال الآثار السيئة للنفايات الكيميائية عن طريق البكتريا’’، وقد فنَّد مزاعم نظرية التطور على مستوى علم الأحياء الدقيقة. أ.د./ أديب كها: هو المحاضر التركي الوحيد الذي اشترك في هذا المؤتمر، وهو أستاذ للكيمياء الحيوية، وقد قدم معلومات أساسية عن الخلية الحية، وأكد من خلال الأدلة الدامغة أنه لا يمكن أن تكون الخلية قد وُجدت إلا بتصميم واع وإبداع خلاق. أ.د. (ديفيد مِنتون): أستاذ علم التشريح في جامعة واشنطن. وقد ألقى محاضرة صَحِبها عرڤ ممتع جدا بالكمبيوتر، وكان موضوعها الفرق التشريحي بين ريچ الطيور وحراشف الزواحف، مما يثبت بطلان أطروحة ارتقاء الطيور من الزواحف. أ.د. دوان جيچ: في محاضرته بعنوان ‘’أصل الإنسان’’، فنَّد الأستاذ الدكتور/ دوان جيچ - وهو من الخبراء المعروفين المتخصصين في الدراسات المتصلة بنظرية التطور - أطروحة ارتقاء الإنسان من القرود.

الأستاذ الدكتور/ جون موريچ (John Morris) رئيچ معهد أبحاث الخلق (Institute for Creation Research)- وهو عالم معروف في الجيولوجيا - ألقى محاضرة حول الاتجاهات الأيديولوجية والفلسفية الكامنة وراء نظرية التطور، وأوضح كذلك أن هذه النظرية قد تحولت إلى عقيدة وأن المدافعين عنها يؤمنون بالداروينية ويتحمسون لها وكأنها دين من الأديان.

وبعد الاستماع إلى كل هذه الكلمات، تأكد الحاضرون أن نظرية التطور عقيدة يبطلها العلم من جميع جوانبها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن معرڤ اللافتات تحت عنوان ‘’انهيار نظرية التطور: حقيقة الخلق’’ - الذي نظمته مؤسسة البحث العلمي وأقيم في صالة قاعة جمال رشيد ري - قد اجتذب قدرا كبيرا من الاهتمام. وقد تكوَّن المعرڤ من 35 لافتة، أبرزت كل منها إما أحد مزاعم النظرية أو برهانا على حقيقة الخلق.

المؤتمر الثالث - أنقرة

عُـقد المؤتمر الثالث - ضمن هذه السلسلة نفسها من المؤتمرات الدولية - في الثاني عشر من يوليو ،1998 في قاعة المحاضرات في فندق شيرتون في أنقرة. وقد قدم المحاضرون المشاركون في المؤتمر - وهم ثلاثة من أمريكا ومحاضر من تركيا - أدلة علمية قطعية مدعومة بالعلم الحديث مفادها أن الداروينية باطلة. وبالرغم من أن قاعة شيراتون-أنقرة، جهِّـزت لتسع ألف مستمع. فإن الوافدين لسماع المحاضرات كانوا .2500 وقد تم إعداد الشاشات خارج قاعة المؤتمر، ليتابعه مِن خلالها مَن لم يجد مكانا مناسبا له داخل القاعة. وقد اجتذب كذلك معرڤ اللافتات - الذي أقيم بجوار قاعة المؤتمر تحت عنوان ‘’انهيار نظرية التطور: وحقيقة الخلق’’ - قدرًا كبيرًا من الاهتمام. وفي ختام المؤتمر، وقف الحاضرون معبِّرين عن احتفائهم الكبير بالمتحدثين، وهو ما أثبت أن الجماهير تتوق بشدة إلى تبصيرها بالحقائق العلمية المتصلة بخدعة التطور وبحقيقة الخلق. وبعد نجاح هذه المؤتمرات الدولية، بدأت مؤسسة البحث العلمي في تنظيم مؤتمرات مماثلة في جميع أنحاء تركيا. وفي الفترة بين أغسطچ 1998 ومايو 1999 فقط، تم عقد 60 مؤتمرا في مدن مختلفة. وتواصل مؤسسة البحث العلمي عقد مؤتمراتها في أنحاء مختلفة من البلاد.

قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) البقرة: 32(

أكد كارل ماركچ على أن نظرية دارون قد شكلت أساساً جوهرياً للمادية والشيوعية، وأبدى تعاطفه مع دارون حين أهدى إليه كتابه «رأپ المال»، الذي يعد أعظم أعماله. وقد كتب ماركچ على الطبعة الألمانية من الكتاب: «من محب مخلچ إلى داروين».

ريتشارد دوكنز، منشغل بنشر نظرية التطور.

تشارلز داروين


عنصرية داروين

يتمثل أحد أهم جوانب شخصية دارون وأقلها شيوعاً بين الناپ في عنصريته؛ ذلك أنه كان يعتبر الأوربيين البيچ أكثر تقدماً من الأجناپ البشرية الأخرى. وبينما افترڤ دارون أن الإنسان تطور من مخلوقات شبيهة بالقرد، خمّن أن بعچ الأجناپ تطورت أكثر من البعچ الآخر وأن هذا النوع الأخير ما زال يحمل ملامح القردة. وفي كتابه سلالة الإنسان (الذي نشره بعد كتابه الذي يحمل عنوان أصل الأنواع) علق بجرأة على الفروق العظمى بين البشر من الأجناپ المتباينة (1). وفي هذا الكتاب ساوى دارون بين السود وسكان أستراليا الأصليين وبين الغوريلا، ثم استنتج أن هؤلاء سيتم القضاء عليهم بواسطة الأجناپ المتحضرة بمرور الوقت. وقد قال دارون: في فترة مستقبلية ليست بعيدة بمقياپ القرون، يكاد يكون مؤكداً أن الأجناپ المتحضرة من البشر ستتمكن من استئصال الأجناپ الهمجية والحلول محلها في كل أنحاء العالم. وفي نفچ الوقت ستكون القردة الشبيهة بالإنسان قد استؤصلت بلا شك. (2) ولكن أفكار دارون، عديمة المنطق، لم توضع في شكل نظرية فحسب، وإنما احتلت أيضا مكانة استطاعت بها أن توفر أهم مبرر علمي للعنصرية. وبافتراڤ أن الكائنات الحية تطورت في نضال من أجل الحياة، فقد تم تكييف الدارونية حتى في مجال العلوم الاجتماعية وتحولت إلى مفهوم آخر يعرف بالدارونية الاجتماعية. وتزعم الدارونية الاجتماعية بأن الأجناپ البشرية الموجودة تحتل مواقع مختلفة من درجات السلم التطوري، بحيث احتل الجنچ الأوربي أكثر الدرجات تقدماً على الإطلاق، وأن العديد من الأجناپ الأخرى ما زال يحمل ملامح القردة.


1 Benjamin Farrington, What Darwin Really Said? London: Sphere Books, 1971 pp.

45-65

2 Charles Darwin, The Descent of Man, 2nd ed., New York: A.L. Burt Co., 4781 p. 871

____________________________

35

المستوى البدائي للعلوم في زمن دارون

عندما قدم دارون افتراضاته لم تكن فروع المعرفة (مثل علم الجينات والمكروبات والكيمياء الحيوية) موجودة، ولو أن اكتشافها تم قبل أن يقدّم دارون نظريته لأدرك -بسهولة- أن نظريته كانت غير علمية على الإطلاق، وعندئذ ما كان ليحاول الترويج لمثل هذه الادعاءات عديمة المعنى. ذلك أن المعلومات التي تحدد الأجناپ موجودة في الجينات ويستحيل على الانتقاء الطبيعي أن يولّد أجناساً جديدة من خلال حدوث تغيرات في الجينات. وبالمثل، كان مفهوم دنيا العلوم في تلك الأيام عن تركيب الخلية ووظيفتها سطحياً وغير ناضج. فلو سنحت الفرصة لدارون أن يشاهد الخلية باستخدام المجهر الإلكتروني لكان قد اطّلع على التعقيد الكبير والتركيب غير العادي للجزيئات العضوية للخلية، ولكان قد رأى بأم عينيه أنه لا يمكن لمثل هذا النظام المعقد أن يَنشأ نتيجةَ تغيرات طفيفة. ولو كان يعلم بوجود الرياضيات الحيوية لكان قد أدرك أنه من غير الممكن (ولو حتى لجزيء بروتين واحد، ناهيك عن خلية كاملة) أن ينشأ بمحچ الصدفة. ولم تصبح الدراسات التفصيلية عن الخلية ممكنة إلا بعد اكتشاف المجهر الإلكتروني. ففي زمن دارون، وباستخدام المجاهر البدائية التي نراها في الصورة، لم يكن ممكناً سوى مشاهدة السطح الخارجي للخلية.

____________________________


37 في يومنا هذا يوجد عشرات الآلاف من العلماء حول العالم، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوربا، يتحدّون نظرية التطور ويقومون بنشر العديد من الكتب حول بطلان النظرية. وهنا ترون بضعة أمثلة على ذلك.

40

لا يشكل مثال الاصطباغ الصناعي -بالتأكيد- دليلاً على التطور؛ لأن العملية لم تُنتج أية أنواع جديدة من الفراشات الكلف، ذلك أن الانتقاء لم يتم سوى بين الأنواع الموجودة فعلياً.

41 يعمل الانتقاء الطبيعي كآلية لاستبعاد الأفراد الضعفاء في نطاق أحد الأنواع. إنه قوة واقية تحافظ على الأنواع الموجودة من الفساد. وبخلاف ذلك، ليست لديه أية قدرة لتحويل نوع إلى آخر.

43 جميع الطفرات ضارة على اليسار: ذبابة فاكهة عادية (الدروسوفيلا). Antenna Eye Leg على اليمين: ذبابة فاكهة بأرجل ناتئة من رأسها؛ طفرة سببها التعرڤ للإشعاع. تأثير فادح الأضرار للطفرات على الجسد البشري. الصبي الموجود في الجهة اليسرى هو ضحية حادث انفجار مصنع الطاقة النووي بتشيرنوبل .

47

متحجرات حية تدّعي نظرية التطور أن الأنواع تتطور باستمرار إلى أنواع أخرى، ولكن عندما نقارن بين الكائنات الحية ومتحجراتها نجد أنها بقيت دون تغيّر لملايين السنين. وتشكّل هذه الحقيقة دليلاً واضحاً يدحچ حجج دعاة التطور.

لا تختلف نحلة العسل الحية عن متحجرتها التي يبلغ عمرها ملايين السنين. متحجرة ذبابة التنين التي يبلغ عمرها 135 مليون سنة لا تختلف عن نظيراتها العصرية.

تشير متحجرة النمل البالغة من العمر100 مليون سنة إلى أنها لم تمر بأية عملية تغير عبر الزمن.

48 يبرهن سجل المتحجرات أن الأشكال الانتقالية لم تكن موجودة قط، وأن التطور لم يحدث، وأن جميع الأنواع قد خُلقت كل على حدة في شكل كامل.

_____________________________________________

49

عين ثلاثي الفصوڤ تصف ثلاثيات الفصوڤ التي ظهرت في العصر الكامبري فجأة بتركيب عين غاية في التعقيد. ونظراً لتكوّن هذه العين من ملايين الجسيمات الصغيرة التي تتخذ شكل قرڤ العسل ونظام مزدوج العدسات، فإن تصميمها المثالي للعيون يستلزم خبرة مهندپ بصريات متدرب تدريبا جيدا ويملك خبرة كبيرة حسب كلمات ديفيد روب أستاذ علم الجيولوجيا. لقد ظهرت هذه العين قبل 350 مليون سنة في حالة كاملة. ومما لا شك فيه أن الظهور الفجائي لمثل هذا التصميم الرائع لا يمكن تفسيره بالتطور، وهو يثبت واقعية الخلق. وفوق ذلك، فإن تركيب عين ثلاثي الفصوڤ التي تشبه شكل قرڤ العسل قد بقي حتى يومنا هذا دون أن يطرأ عليه تغيير واحد. وتتصف بعچ الحشرات (مثل النحلة وذبابة التنين) بنفچ تركيب عين ثلاثي الفصوڤ(*). وينفي هذا الوضع الفرضية التطورية التي تدّعي أن الكائنات الحية تطورت تدريجياً من البدائية إلى التعقيد. (x) R.L.Gregory, Eye and Brain: The Physiology of Seeing, Oxford University Press, ,1995 p.31

__________________________________________

51 وفقاً للسيناريو الافتراضي: الإنتقال من البحر إلى اليابسة، شعرت بعچ الأسماك بالحاجة للانتقال من البحر إلى اليابسة بسبب مشكلات التغذية. وتدعم!! مثل هذه الرسوم الخيالية هذا الادعاء.

52 متحجرة الكولاكانث يبلغ عمرها 410 ملايين سنة. ادّعى دعاة التطور أن هذه المتحجرة كانت الشكل الانتقالي الذي يمثل الانتقال من الماء إلى اليابسة، وقد تم اصطياد نماذج حية من هذه الأسماك عدة مرات منذ عام ،1938 مما يقدم مثالاً جيداً على مدى التخمينات التي ينخرط فيها دعاة التطور.

______________________________________________________________________

53 لماذا يكون الانتقال من الماء إلى اليابسة مستحيلاً؟ يدّعي دعاة التطور أنه في يوم من الأيام تمكّن أحد الأنواع المائية من أن يخطو -بطريقة ما- إلى اليابسة وتحول إلى نوع بري. وهناك عدد من الحقائق الواضحة التي تجعل مثل هذا الانتقال مستحيلاً:

(1) حمل الوزن: لا تواجه الكائنات البحرية أية مشكلة في حمل أوزانها، في حين أن معظم الكائنات البرية تستهلك 40% من طاقتها لمجرد حمل وزنها هنا وهناك. لذا يتحتم على الكائنات التي تنتقل من الماء إلى اليابسة أن تطور نظماً عضلية وهيكلية جديدة (!) لتفي بالحاجة إلى الطاقة اللازمة في نفچ الوقت، وهو الشيء الذي يستحيل أن يحدث بفعل الطفرات العرضية. (2) الاحتفاظ بالحرارة: يمكن لدرجة الحرارة على اليابسة أن تتغير بسرعة وتتذبذب على نطاق واسع. ويتمتع الكائن البري بآلية جسدية تستطيع أن تقاوم مثل هذه التغيرات الكبيرة في درجة الحرارة، أما في البحر فتتغير درجة الحرارة ببطء ولا يحدث التغيير على نطاق واسع. فالكائن الحي الذي يمتلك نظاماً بدنياً منظماً حسب درجة حرارة البحر المستقرة يحتاج إلى الحصول على نظام حماية يضمن له أدنى قدر من الضرر من جراء تغيرات درجة الحرارة على اليابسة، ومن الأمور المنافية للعقل الادّعاء بأن الأسماك اكتسبت مثل هذا النظام بفعل طفرات عشوائية بمجرد خطوها إلى اليابسة. (3) استخدام الماء: تقضي الحاجة بأن يتم استخدام الماء (بل وحتى الرطوبة) -بوصفهما ضرورين للأيچ- بشكل مقيد نظراً لندرة مصادر الماء على اليابسة. فعلى سبيل المثال، يجب أن يتم تصميم الجلد لكي يسمح بفقد الماء بدرجة محددة على أن يقوم في الوقت نفسه بمنع التبخير المفرط. إذن، تشعر الكائنات الحية البرية بإحساپ العطچ، وهو الشيء الذي لا تشعر به الكائنات البحرية. وفوق ذلك، فإن جلد الحيوانات البحرية لا يناسب البيئة غير المائية. (4) الكلى: تستطيع الكائنات الحية البحرية أن تصرف الفضلات، خاصة الأمونيا، الموجودة في أجسادها من خلال الترشيح، نظراً لوجود كمية وفيرة من الماء في بيئتها. أما على اليابسة فلا بد من استخدام الماء بطريقة اقتصادية، ولذلك يوجد لدى هذه الكائنات الحية نظام كلوي. وبفضل الكلى، يتم تخزين الأمونيا من خلال تحويلها إلى يوريا ويتم استخدام أقل كمية من الماء أثناء عملية الإفراز. وإضافة إلى ذلك، هناك حاجة لنظم جديدة لتمكن الكلى من أداء وظيفتها. باختصار، إذا كان للانتقال من الماء إلى اليابسة أن يحدث لكان سيتحتم على الكائنات الحية التي لا تملك كلى أن تطور نظاماً كلوياً فجأة. (5) الجهاز التنفسي: «تتنفچ» الأسماك عن طريق الحصول على الأكسجين المذاب في الماء وإخراجه من خلال خياشيمها، ولا تستطيع أن تعيچ أكثر من دقائق قليلة خارج الماء. ولكي تعيچ على اليابسة عليها أن تكتسب نظاماً رئوياً كاملاً فجأة. إن من الاستحالة بمكان أن تكون جميع هذه التغيرات الفسيولوجية الدراماتيكية قد حدثت في نفچ الكائن الحي وفي نفچ الوقت بصورة مفاجئة.

________________________________________________________


54 السلاحف كانت دائماً سلاحف كما فشلت نظرية التطور في تفسير المجموعات الأساسية للكائنات الحية (مثل الأسماك والزواحف) فإنها لن تستطيع كذلك أن تفسّر أصل الأنواع ضمن هذه المجموعات. فعلى سبيل المثال: السلاحف (وهي نوع من الزواحف) تظهر في سجل المتحجرات فجأة بقشرتها المميزة. ونقلاً عن مصدر تطوري ... بحلول منتصف العصر الترياسي (أي قبل نحو 175 مليون سنة) كان أعضاؤها (السلاحف) موجودين بالفعل بكثرة ويمتلكون الخواڤ الأساسية للسلاحف. إن حلقة الوصل بين السلاحف والكوتيلوصورات (التي تنحدر منها السلاحف على الأرجح) يكاد يكون معدوماً تقريباً (دائرة المعارف البريطانية، ،1971 ج ،22 ڤ 418). ولا يوجد فرق بين متحجرات السلاحف القديمة وبين أعضاء هذا النوع الباقي اليوم على قيد الحياة. وبعبارة بسيطة، لم تتطور السلاحف؛ لقد كانت دائماً سلاحف منذ خُلقت بهذه الطريقة.




57

يختلف تشريح الطيور عن تشريح السلاحف، أسلافها المفترضة، اختلافاً كبيراً؛ إذ تعمل رئة الطيور بطريقة مختلفة تماماً عنها في الحيوانات البرية. فالحيوانات البرية تتنفچ دخولاً وخروجاً من نفچ الوعاء الهوائي. أما الطيور، فبينما يدخل الهواء إلى رئتها

من الأمام فإنه يخرج من الخلف. لقد صُنع هذا «التصميم» المتميز خصيصاً من أجل الطيور التي تحتاج إلى كميات كبيرة من

الأكسجين أثناء الطيران، ومن المستحيل لمثل هذه البنية أن تتطور من رئة الزواحف

___________________________________________________________________________

59

نهاية خرافة طائر الأركيوبتركچ: اللّونْجِسْكواما لقد جاء أحدث دليل يدحچ ادعاء التطوريين بخصوڤ الأركيوبتركچ من متحجرة طائر يدعى اللّونْجِسْكواما. وقد اكتُشفت متحجرة هذا الطائر المنقرڤ في قيرغيزستان بواسطة عالم متحجرات روسي في أواخر الستينيات، ولكنها لم تلفت انتباه المجتمع العلمي إلا في عام .2000 إن السمات التشريحية العامة للطائر (مثل الريچ والهيكل العظمي المفرَّغ) تشبه مثيلاتها في الطيور المعاصرة، وقد جاء في مقالة نشرتها مجلة العلوم بتاريخ 23/6/2000 وكتبها تيري جونز، عالم المتحجرات في جامعة ولاية أوريغون بأميركا (وهو عضو في الفريق الذي قام بالاكتشاف): إن الهيكل يشبه تماماً هيكل طائر، وهو يملك نفچ الرأپ والكتفين وعظام الترقوة التي تكون في الطيور. النقطة المهمة هنا هي أن عمر هذه المتحجرة هو نحو 220 مليون سنة، وهو ما يعني أن اللّونْجِسْكواما أقدم من الأركيوبتركچ بنحو 75 مليون سنة! وهذه الحقيقة تلغي -بالتأكيد- خرافة التطوريين القائلة إن الأركيوبتركچ هو السلف الذي تطورت عنه كل الطيور اللاحقة. وقد قال جونز في المقال ذاته: إن هذه المتحجرة كافية لتجعلنا نشك فيما يقال من أن الطيور قد تطورت عن الدينصورات.


____________________________________________________________________

60

تصميم ريچ الطيور إن نظرية التطور، التي تدّعي أن الطيور تطورت من الزواحف، تجد نفسها عاجزة عن تفسير الفروق الهائلة بين هذين الصنفين المختلفين من الأحياء. إذ تختلف الطيور اختلافاً كبيراً عن الزواحف من حيث مقوماتها؛ مثل البنية الهيكلية، والنظم الرئوية، وسخونة دم الأيچ. ويعد الريچ ميزة أخرى تشكل فجوة لا تذلل بين الطيور والزواحف، كما يعد الريچ ميزة خاصة بالطيور فقط. وتغطي أجسادَ الزواحف قشورٌ بينما يغطي أجسادَ الطيور الريچُ. وبما أن دعاة التطور يعتبرون الزواحف أسلافاً للطيور فإنهم مضطرون للادعاء بأن ريچ الطيور قد تطور من قشور الزواحف. ولكن لا يوجد أي شبه بين القشور والريچ! ويقبل أ. هـ. بروپ، أستاذ الفسيولوجيا والبيولوجيا العصبية من جامعة كنكتكت، هذا الواقع على الرغم من انتمائه لدعاة التطور فيقول: كل مقوم -بدءاً من بنية الجينات وتنظيمها حتى النمو والتشكل وتنظيم النسيج- مختلف في الريچ والقشور(1). كما يقوم الأستاذ بروپ بدراسة البنية البروتينية لريچ الطيور ويبرهن على أنها متميزة بين الفقاريات(2). ولا يوجد دليل من المتحجرات على أن ريچ الطيور قد تطور من قشور الزواحف. بل على العكچ، يظهر الريچ فجأة في سجل المتحجرات بوصفه صفةً فريدة -بشكل لا يمكن إنكاره- تتميز بها الطيور، كما يبين ذلك الأستاذ بروپ (3). وبالإضافة إلى ذلك، لم يكتشف حتى الآن في الزواحف أي تركيب للبشرة يوفّر أصلاً لريچ الطيور (4). وفي عام 1996 أثار علماء المتحجرات القديمة ضجة حول متحجرات ما يُسمّى بالدينصور ذي الريچ المكتشف في الصين (المعروف باسم سينوسوروبِتْركچ sinosauroptryx). ومع ذلك، ففي عام 1997 تم الكشف عن أن هذه المتحجرات لا شأن لها ولم تكن تملك أي تركيب مشابه لريچ الطيور (5). ومن جهة أخرى، وعند إجراء دراسة دقيقة على ريچ الطيور، نجد تصميماً معقداً جداً لا يمكن تفسيره بأية عملية تطورية. ويعلن آلان فيدوشيا، عالم تشريح الطيور المشهور،: إن كل مواصفة من مواصفات الريچ تملك خاصية أيروديناميكية (ديناميكية-هوائية). فهي خفيفة إلى أقصى حد، ولديها المقدرة على الارتفاع التي تقل عند السرعات المنخفضة، ويمكنها العودة إلى أوضاعها السابقة بكل سهولة. ثم يواصل قائلاً: لا أستطيع أن أفهم أبداً كيف يمكن لعضو مصمم بشكل مثالي للطيران أن يكون قد ظهر نتيجة ضرورة أخرى عند البداية(6). لقد فرڤ تصميم الريچ على تشارلز دارون أيضاً أن يمعن فيه النظر، كما كان الجمال المثالي لريچ الطاووپ سبباً في إصابته بالغثيان (بنچ كلماته)؛ فقد قال في خطاب كتبه إلى آسا غراي في الثالث من أبريل سنة 1860: كلما تأملت العين انطفأت حماستي لنظريتي ولكني تغلبت بمرور الزمن على هذه المشكل، أما الآن فبعچ التراكيب الموجودة في الطبيعة تسلب راحتي، مثلا إن منظر ريچ الطاووپ يجعلني سقيما! (7).

1 A. H. Brush, «On the Origin of Feathers». Journal of Evolutionary Biology, Vol. ,9

,1996 p.132

2 A. H. Brush, “On the Origin of Feathers” p. 131

3 Ibid.

4 Ibid.

5 «Plucking the Feathered Dinosaur», Science, Vol. ,872 41 November ,1997 p. 1229

6 Douglas Palmer, «Learning to Fly» (Review of The Origin of and Evolution of Birds by Alan Feduccia, Yale University Press, 1996), New Scientist, Vol. ,153 March, 1 ,1997 p. 44 7 Norman Macbeth, Darwin Retried: An Appeal to Reason. Boston, Gambit, ,1971 p. 101

61 عند دراسة ريچ الطيور بالتفصيل يتضح أنه مكون من آلاف القطع الدقيقة التي يتصل بعضها ببعچ بما يشبه الخطافات. وهذا التصميم المتميز ينتج عنه أداء إيرودينامي متميز.


______________________________________________________________________

63 ما هو أصل الذباب؟ يزعم دعاة التطور أن الديناصورات قد تحولت إلى طيور، وهم يدعمون تأكيدهم هذا بقولهم إن بعچ الديناصورات التي تصفق أرجلها الأمامية لتصطاد الذباب «اتخذت أجنحة وطارت» كما يتضح في الصورة. ونظراً لعدم وجود أي أساپ علمي من أي نوع لدعم هذه النظرية وكونها لا تعدو أكثر من ضرب من ضروب الخيال، فإنها تستتبع أيضاً تناقضاً منطقياً بسيطاً جداً ألا وهو: المخلوق الذي قدمه دعاة التطور لتفسير أصل الطيران، أي الذبابة، يتمتع بمقدرة مثالية مسبقة على الطيران. وفي حين يعجز الإنسان عن فتح عينيه وإغماضهما بمعدل عشر مرات في الثانية، تصفق الذبابة المتوسطة أجنحتها بمعدل 500 مرة في الثانية. وفوق ذلك، فإنها تحرك جناحيها في وقت واحد! وسيترتب على أدنى تنافر في ذبذبة الجناحين فقد الذبابة لتوازنها، ولكن ذلك لا يحدث أبدا! وبداية، يجب على دعاة التطور أن يجدوا تفسيراً لكيفية اكتساب الذبابة مثل هذه المقدرة المثالية على الطيران. وبدلاً من ذلك، فإنهم يلفّقون سيناريوهات تخيلية حول الكيفية التي تمكنت بها مخلوقات أكثر ثقلاً (مثل الزواحف) من الطيران. وحتى الخلْق الأمثل للذبابة المنزلية يبطل ادعاء التطور. وقد كتب عالم البيولوجيا الإنكليزي، روبرت واتُن، في مقال بعنوان «التصميم الميكانيكي لأجنحة الحشرات: »كلما تحسن فهمنا لعمل أجنحة الحشرات كلما ظهرت هذه الأجنحة بشكل أكثر براعة وجمالاً. ويتم تصميم البنية عادة بحيث يكون كم التشوه فيها أقل ما يمكن، وتصمم الآليات لتحرك الأجزاء المركبة بأساليب يمكن التنبؤ بها. وتجمع أجنحة الحشرات كلا التصميمين في تصميم واحد مستخدِمة مركّبات لديها نطاق واسع من الخواڤ المطاطية، ومجمَّعة بأناقة لتسمح بتشوهات مناسبة استجابة لقوى مناسبة، ولتحصل على أفضل فائدة ممكنة من الهواء. ولا توجد أي مماثلات تكنولوجية لها حتى الآن« (1). ومن جهة أخرى، لا توجد حفرية واحدة يمكن أن تقدَّم دليلاً على التطور التخيلي للذباب. وهذا ما كان يقصده عالم الحيوان الفرنسي المتميز، بيير غراسيه، عندما قال: نحن جاهلون فيما يتعلق بأصل الحشرات(2).

أنموذج على سيناريو تطوري: ديناصورات تكتسب أجنحة نتيجة محاولاتها صيد الذباب.!!

1 Robin J. Wootton, «The Mechanical Design of Insect Wings», Scientific American,

v. ,263 November ,1990 p.120

2 Pierre-P Grassé, Evolution of Living Organisms, New York, Academic Press, 1977

, p.30

___________________________________________________________________________________


65 زعم دعاة التطور أن جميع أنواع الثدييات قد تطورت من سلف مشترك. ومع ذلك، هناك فروق عظيمة بين أنواع الثدييات المختلفة (مثل الدببة والحيتان والفئران والخفافيچ)؛ إذ يمتلك كل واحد من هذه الكائنات الحية نظماً مصممة خصيصاً له. فعلى سبيل المثال، خُلقت الخفافيچ بنظام سونار حساپ جداً يساعدها على شق طريقها في الظلام . وهذه النظم المعقدة (التي لا تستطيع التكنولوجيا المعاصرة سوى تقليدها) لا يمكن أن يكون ظهورها نتيجة لمصادفة محظوظة. ويبين سجل المتحجرات أيضاً أن الخفافيچ ظهرت في حالتها الكاملة الحالية فجأة وأنها لم تخضع لأية عملية تطور. تحجرة لخفاش عمرها 50 مليون سنة ولا يوجد أي اختلاف عن الخفاش المعاصر ) من مجلة ساينس جزء 154)


_________________________________________________________________________


66 خرافة تطور الحصان حتى وقت قريب، كان يتم تقديم تسلسل تخيلي (يُفترَڤ فيه أنه يبين تطور الحصان) بوصفه دليل المتحجرات الرئيسي على صحة نظرية التطور. أما اليوم فيعترف كثير من دعاة التطور أنفسهم بأن سيناريو تطور الحصان قد أفلچ. وقد قال داعي التطور بويچ رينسبرغر (الذي ألقى خطاباً أثناء ندوة استمرت أربعة أيام حول مشكلات نظرية التطور التدرجية وعقدت في عام 1980 في متحف فيلد للتاريخ الطبيعي بشيكاغو بحضور مئة وخمسين من دعاة التطور) قال إن سيناريو تطور الحصان لا أساپ له في سجل المتحجرات وإن أحداً لم يلحظ وجود عملية تطورية تستطيع أن تفسر التطور التدريجي للحصان: لقد عُرف منذ وقت طويل كم هو خاطئ المثال الشائع الذي يُضرب على تطور الحصان للاقتراح بأن هناك تسلسلاً تدريجياً للتغيرات التي طرأت علي مخلوقات بحجم الثعلب، لديها أربعة أصابع في قدمها وكانت تعيچ قبل نحو خمسين مليون سنة، إلى حصان اليوم الأكبر حجماً بكثير والذي لديه إصبع واحد في قدمه. فبدلاً من التغير التدريجي، تبدو متحجرات كل نوع متوسط متميزةً تماماً وباقية دون تغير، ثم تنقرڤ بعد ذلك؛ ومن ثَم فالأشكال الانتقالية غير معروفة (1). وقد قال عالم المتحجرات المشهور كولين باترسون، مدير متحف التاريخ الطبيعي في إنكلترا (حيث كانت تُعرَڤ مشاريع تطور الحصان الوهمية) المقولة التالية بخصوڤ هذا المعرڤ الذي ما زال مفتوحاً للجمهور في الطابق الأرضي من المتحف: لقد كان هناك كم هائل من القصچ،بعضها مغرقة في الخيال أكثر من الأخرى ، عن الماهية الحقيقية لطبيعة الحياة. وأكثر هذه الأمثلة شهرة (والذي ما زال يعرڤ في الطابق الأرضي للمتحف) هو العرڤ الخاڤ بتطور الحصان الذي ربما يكون قد تم إعداده قبل خمسين سنة. لقد ظل هذا العرڤ يقدَّم بوصفه الدليل الحرفي في كتاب مدرسي بعد كتاب مدرسي. أما أنا فأعتقد أن هذا وضع يدعو إلى الرثاء، خصوصاً عندما يكون الناپ الذين يقدّمون مثل هذا النوع من القصچ مدركين هم أنفسهم للطبيعة التخمينية لبعچ تلك المواد(2). إذن، ما هو أساپ سيناريو تطور الحصان؟ لقد تمت صياغة هذا السيناريو بواسطة مخطَّطات خادعة أُعِدّت باستخدامترتيب تسلسلي حسب خيال التطوريين لمتحجرات أنواع مختلفة من الحيوانات عاشت في فترات مختلفة جداً في الهند وجنوب إفريقيا وشمال أميركا وأوربا، لمجرد موافقتها للقدرة التخيلية الغنية التي يمتلكها دعاة التطور. ويوجد أكثر من عشرين مخططاً عن تطور الحصان المقترح قدّمها باحثون مختلفون. ولم يصل دعاة التطور إلى اتفاق مشترك بخصوڤ موضوع أشجار العائلة تلك، التي كانت -بالمناسبة- مختلفة تماماً بعضها عن بعچ. وتتمثل النقطة الوحيدة المشتركة بين هذه الترتيبات في الاعتقاد بأن مخلوقاً بحجم الكلب يُسمّى يوهيبّوپ (Eohippus) قد عاپ في العصر اليوسيني منذ 55 مليون سنة وكان سلفاً للحصان. ولكن الخطوط التطورية المفترَضة من اليوهيبوپ إلى الحصان متناقضة تماماً. وقد قام الكاتب العلمي التطوري، غوردون تيلور، بشرح هذه الحقيقة التي تلقى قدراً قليلاً من القبول، في كتابه الذي يحمل عنوان اللغز العظيم للتطور بقوله: ولكن ربما تكمن أخطر أوجه الضعف في الدارونية في فشل علماء المتحجرات في العثور على تطور مقنع في نشوء السلالة أو تتابعات لكائنات حية تبين تغيراً تطورياً أعظم... وغالباً ما يُستشَهد بالحصان بوصفه المثال الوحيد الموضوع بشكل كامل، ولكن الحقيقة هي أن الخط التطوري من اليوهيبوپ إلى الحصان خط غريب جداً. إنهم يزعمون أنه يبين تزايداً مستمراً في الحجم، ولكن الحقيقة هي أن بعچ الأطوار المتغيرة كانت أصغر من اليوهيبوپ وليست أكبر منه. ومن الممكن أن تُجمع العينات من مصادر مختلفة وتُقدَّم في تسلسل يبدو مقنعاً، ولكن لا يوجد دليل على أن هذه الأطوار تسلسلت بهذا الترتيب مع الزمن (3). وجميع هذه الحقائق تمثل دليلاً قوياً على أن الجداول البيانية لتطور الحصان، التي تقدم بوصفها أحد أقوى الدلائل على الدارونية، ما هي إلا قصچ وهمية غير مقنعة.

1 Boyce Rensberger, Houston Chronicle, November ,5 ,1980 p.15 2 Colin Patterson, Harper’s, February ,1984 p.60 3 Gordon Rattray Taylor, The Great Evolution Mystery, Abacus, Sphere Books, London, ,1984 p. 203

___________________________________________________________________________


68


رسوم متخيَّلة وخادعة في الصور والنماذج التي يُعاد بناؤها، يتعمد دعاة التطور -دعماً لنظريتهم- أن يشكّلوا الملامح التي لا تترك في الواقع أي آثار في المتحجرة؛ مثل تركيب الأنف، والشفاه، وشكل الشعر، وهيئة الحواجب، وغير ذلك من أنواع الشعر التي تغطي الجسم. كما أنهم يقومون أيضاً بتحضير صور تفصيلية تصف تلك المخلوقات التخيّلية وهي تمشي مع عائلاتها، أو تصطاد، أو في حالة أخرى من حياتها اليومية. ولكن الحقيقة أن هذه الرسوم كلها ما هي إلا تخيّلات زائفة لا واقع لها في سجل المتحجرات.


__________________________________________

69 ثلاث إعادات تركيب لنفچ الجمجمة كسوها. ويمكنك أن تشكّل بنفچ السهولة من جمجمة شخچ شبيه بالشخچ النياندرتالي نموذجاً بملامح شمبانزي أو بقسمات فيلسوف. أما فيما يتعلق بإعادة البناء المزعومة لأنواع قديمة من البشر استنادا إلى بعچ بقاياها فإنها لا تحظى بأي قيمة علمية، وهي لا تستعمل إلا للتأثير على العامة وتضليلها، لذا لا يمكن الثقة بإعادة التركيب) (54) وفي الواقع، لقد ابتدع دعاة التطور مثل هذه القصچ المنافية للعقل لدرجة أنهم ينسبون وجوهاً مختلفة لنفچ الجمجمة. فمثلاً: تعد الرسوم الثلاث المختلفة المعاد بناؤها لمتحجرة تدعى القرد الإفريقي الجنوبي القوي (Australopithecus robustus) أو (Zinjanthropus) مثالاً شهيراً لمثل هذا التزييف. وقد تكون التأويلات المتحيزة للمتحجرات أو تلفيق العديد من إعادات البناء الخيالية مؤشراً على مدى لجوء دعاة التطور إلى استخدام الحيل بشكل متكرر. ومع ذلك، فإن هذه الحيل تبدو بريئة إذا ما قورنت بأعمال التزييف المتعمدة التي ارتكبت في تاريخ التطور! قام ن. باركر بهذا الرسم الخيالي في ايلول عام 1960 قي مجلة National Geographic تم هذا الرسم الخيالي من قبل موريس ويلسون ظهر هذا الرسم الخيالي في 5نيسان عام 1964في Sunday Times


71 قصة خدعة وتزوير اكتشف المتحجرات تشارلز داوسن وقدمها إلى سير آرثر سميث ودوارد. تمت إعادة بناء الأجزاء لتكوّن الجمجمة الشهيرة. بناء على الجمجمة المعاد بنائها، تجهز مختلف الرسوم والمنحوتات وتتم كتابة العديد من المقالات والتعليقات. الجمجمة الأصلية معروضة في المتحف البريطاني. عد أربعين عاماً من الاكتشاف بيّنت مجموعة من الباحثين أن متحجرة بيلتدون ليست إلا عملية تزييف وخداع.

أجزاء من جمجمة بشرية. فك الأورانغ أوتان.

73 الصورة الموضحة هنا تم رسمها بناء على سن واحدة ونُشرت في مجلة أخبار لندن المصورة (Illustrated London News) في 24 يوليو .1922 ولكن خاب ظن دعاة التطور إلى أقصى حد عندما تم الكشف عن أن تلك السن لا تنتمي إلى مخلوق شبيه بالقرد ولا إلى إنسان، بل تنتمي -بالأحرى- إلى نوع منقرڤ من الخنازير!


74

أوتا بينغا: «القزم في حديقة الحيوان».

77 عظمة فك واحدة بمثابة شرارة للخيال الجامح في المتحجرة الأولى ل رامابايثيكچ تم العثور على فك مفقود مكون من جزأين (كما يظهر في طرف الصورة). وقد قام دعاة التطور -بكل جرأة- بتصوير الرامابايثيكچ، وعائلته، والبيئة التي عاشوا فيها، بالاعتماد فقط على عظمتي الفك هاتين!

80 الأوسترالوبايثيكوپ أو القرد الجنوبي (Australopithecus Aferensis): قرد منقرڤ

أول متحجرة مكتشَفة في هادار بأثيويبا، ويفترڤ أنها تنتمي إلى فصيلة أفِرْنيسيچ (رقم AL 882-1) أو لوسي. وقد ناضل دعاة التطور لفترة طويلة ليثبتوا أن لوسي تستطيع المشي منتصبة القامة، ولكن أحدث البحوث أثبتت بكل تأكيد أن هذا الحيوان هو قرد عادي يخطو بانحناء.

أما المتحجرة رقم (AL 333-105) التي تظهر أسفل الصفحة فتنتمي إلى شاب من هذا النوع، ولهذا السبب لم يتكوَّن أي بروز على جمجمته.

81 تظهر أعلاه جمجمة القرد الجنوبي رقم (AL 444-2)، وتظهر تحتها جمجمة لقرد معاصر. إن الشبه الواضح يثبت أن الأوسترالوبايثيكوپ (أو القرد الجنوبي) هو نوع عادي من القردة بدون أية ملامح شبيهة بالبشر.

AUSTRALOPITHECUS القرد الجنوبي

MODERN CHIMP

شمبانزي معاصر


83 الإنسان القادر على استخدام الأدوات: قرد آخر منقرڤ ادعى دعاة التطور لفترة طويلة أن المخلوقات التي أطلقوا عليها اسم Homo habilis (أي الإنسان القادر على استخدام الأدوات) تستطيع المشي بقامة منتصبة، وكانوا يظنون أنهم وجدوا حلقة تمتد من القرد إلى الإنسان. ومع ذلك، فالمتحجرة التي اكتشفها تيم وايت في عام 1986 وسمّاها OH 62 دحضت هذا الزعم. لقد أظهرت أجزاء هذه المتحجرة أن الإنسان القادر على استخدام الأدوات لديه ذراعان طويلتان ورجلان قصيرتان؛ تماماً مثل القردة المعاصرة. وهكذا، وضعت هذه المتحجرة نهاية للزعم بأن الإنسان القادر على استخدام الأدوات كان يمشي على قدمين منتصب القامة. وفي الحقيقة، لم يكن الإنسان القادر على استخدام الأدوات سوى نوع آخر من أنواع القردة.


إن المتحجرة OH 7 Homo habilis -الموضَّحة هنا- كانت هي المتحجرة التي عرَّفت على أفضل وجه سمات الفك السفلي لنوع الإنسان القادر على استخدام الأدوات .ويتسم الفك السفلي لهذه المتحجرة بأسنان قاطعة كبيرة، كما تتسم بأنياب صغيرة الحجم، ويتخذ الفك السفلي شكلاً مربعاً. وتجعل كل هذه الصفات هذا الفك يبدو مشابهاً جداً للفك الخاڤ بقردة اليوم. وبعبارة أخرى، فإن الفك السفلي للإنسان القادر على استخدام الأدوات يؤكد -مرة أخرى- أن هذا الكائن هو قرد بالفعل.

87

الإنسان منتصب القامة: جنچ بشري قديم تعني عبارة Homo erectus الإنسان منتصب القامة. وتنتمي جميع المتحجرات المتضمنة في هذا النوع إلى أنواع بشرية معينة. ونظراً لأن معظم متحجرات الإنسان منتصب القامة لا تجمع بينها صفة مشتركة، يكون من الصعب جداً أن يتم تعريف هؤلاء البشر وفقاً لجماجمهم، وهذا هو السبب الذي جعل باحثين مختلفين من دعاة التطور يضعون تصنيفات وتعيينات متنوعة. وتظهر أعلى الصفحة في الجهة اليمنى جمجمة وجدت في كوبي فورا بأفريقيا في عام 1975 ويمكن أن تقدم تعريفاً عاماً للإنسان منتصب القامة، كما تظهر في الجهة اليسرى الجمجمة 733KNM-ER 3 التي ما زال الغموڤ يحيط بها. إن السعة الجمجمية لجميع متحجرات الإنسان منتصب القامة المتباينة هذه تتراوح بين 900 و1100 سم،3 وتقع هذه الأرقام ضمن حدود سعة الجماجم البشرية المعاصرة. قد تكون الجمجمة 15000 KNM-WT (أو جمجمة طفل توركانا) التي تظهر على الجانب أقدم حفرية بشرية على الأرجح بل وأكمل حفرية بشرية تم العثور عليها حتى الآن. ويتضح من البحوث التي أجريت على هذه المتحجرة التي يقال إن عمرها يبلغ 1,6مليون سنة أنها تنتمي إلى طفل عمره 12 سنة كان طوله سيبلغ 180 سم إذا بلغ مرحلة المراهقة. وهذه المتحجرة، التي تماثل الجنچ النياندرتالي، تشكل أحد أعظم الأدلة روعةً التي تبطل قصة التطور البشري. ويصف العالم التطوري دونالد جونسون هذه المتحجرة كالتالي: كان طويلاً ونحيفاً. كان شكل جسده والتناسب بين أطرافه مثل الأفارقة الحاليين الذين يعيشون عند خط الاستواء، كما أن حجم أطرافه كان متوافقاً كلياً مع حجم أطراف البالغين الحاليين من البيچ الذين يعيشون في أميركا الشمالية.


88 بحارة قبل 700 ألف سنة

كان البشر القدامى أذكى مما توقعنا بكثير... تبلغنا الأخبار التي نشرت في مجلة العالم الجديد الصادرة في 14 مارپ 1998 أن البشر -الذين يطلق عليهم دعاة التطور اسم الإنسان منتصب القامة- كانوا يمارسون فن الملاحة منذ 700 ألف سنة. وهؤلاء البشر، الذين توفرت لديهم معلومات وتكنولوجيا كافية مكنتهم من بناء سفينة واكتساب ثقافة استفادت من النقل البحري،لا يمكن أن نعدهم بدائيين.

91 أقنعة زائفة: على الرغم من أنهم لا يختلفون عن الإنسان المعاصر، إلا أن دعاة التطور ما زالوا يصورون النياندرتاليين على أنهم يشبهون القردة.

92 النياندرتاليون: أناپ بأجسام قوية تظهر في الجزء العلوي جمجمة شخچ من الجنچ النياندرتالي (سُمّي أمود 1) عُثر عليها في فلسطين. ويُعرف عن الإنسان النياندرتالي عموماً أنه قوي ولكنه قصير. ومع ذلك، يقدر طول صاحب هذه المتحجرة بنحو 180 سم. وتعتبر سعة جمجمته أكبر سعة ظهرت حتى الآن: 1740 سم.3 ولكل هذه الأسباب، تحتل هذه المتحجرة مكانة مهمة ضمن الدلائل التي تقضي تماماً على الادعاءات القائلة بأن النياندرتاليين كانوا نوعاً بدائياً.

94 إبرة عمرها 26 ألف سنة: متحجرة مثيرة تبين أن النياندرتاليين كانت لديهم معرفة بالملابچ (عن جونسون وإدغار في كتابيهما: من لوسي إلى اللغة، ص 99).

96 قامت واحدة من أكثر الدوريات شعبية في مجال أدبيات التطور، مجلة Discover، بوضع وجه الإنسان البالغ من العمر 800 ألف سنة على غلافها مصحوباً بسؤال دعاة التطور: هل كان هذا وجهنا في الماضي؟.

97 سببت اكتشافات كوخ عمره 1,7مليون سنة صدمة للمجتمع العلمي. لقد كان يشبه الأكواخ التي يستخدمها بعچ الأفارقة اليوم. 98

ار أقدام لاتولي كانت تنتمي إلى بشر معاصرين، ومع ذلك كان عمرها ملايين السنين.

99 مثال آخر يبين بطلان شجرة العائلة المتخيَّلة التي ابتكرها دعاة التطور: فك سفلي عمره 3,6مليون سنة لإنسان عصري (إنسان عاقل .وقد اكتُشف هذا الفك (المسمى بالرقم الرمزي AL 666-1) في هادار بأثيوبيا، وتحاول مطبوعات دعاة التطور التغاضي عنه بالإشارة إليه بوصفه اكتشافاً مذهلاً جداً... (عن جونسون وإدغار في كتابيهما: من لوسي إلى اللغة، ڤ 169).

101 تكشف البحوث الحديثة استحالة تطور هيكل القرد المنحني الملائم للمشي على أربع أقدام إلى هيكل إنسان منتصب القامة ملائم للمشي على قدمين.


106 اعترافات من دعاة التطور لا تواجه نظرية التطور أزمة أكبر من تلك التي تثيرها النقطة الخاصة بتفسير ظهور الحياة؛ ذلك أن الجزيئات العضوية من التعقيد بمكان بحيث لا يمكن أبداً أن يُفسَّر تكوينُها على أنه قد حدث مصادفة، كما يستحيل تماماً لخلية عضوية أن تكون قد تكونت بمحچ الصدفة. وقد واجه دعاة التطور السؤال الخاڤ بأصل الحياة في الربع الثاني من القرن العشرين. وفي هذا الصدد قام داعي التطور الروسي، ألكساندر أوبارين، وهو أحد أبرز الثقات في نظرية التطور الجزيئي، بالإدلاء بالمقولة التالية في كتابه «أصل الحياة» الذي نُشر في عام 1936: «لسوء الحظ، ما زال أصل الخلية سؤالاً يشكل -في الواقع- أكثر نقطة مظلمة في نظرية التطور بأكملها» (1). ومنذ زمن أوبارين، أجرى دعاة التطور عدداً لا يحصى من التجارب والبحوث وسجلوا الملاحظات كي يثبتوا أن الخلية كان يمكن تكوينها بمحچ الصدفة. ومع ذلك، فقد أدّت كل محاولة من هذا النوع إلى زيادة إيضاح التصميم المعقد للخلية، ومن ثَم دحضت فرضيات دعاة التطور بدرجة أكبر. ويصرح الأستاذ كلاوپ دوز، رئيچ معهد الكيمياء الحيوية بجامعة جوهانز جوتنبيرغ بالتالي: «لقد أدت أكثر من ثلاثين سنة من إجراء التجارب عن أصل الحياة في مجالات التطور الكيميائي والجزيئي إلى الوصول إلى إدراكٍ أفضل لضخامة مشكلة أصل الحياة على الأرڤ بدلاً من حلها. وفي الوقت الحالي، فإن المناقشات الدائرة حول نظريات وتجارب أساسية في هذا المجال إما أن تنتهي إلى طريق مسدود أو إلى اعتراف بالجهل» (2). ويوضّح التصريح التالي من الكيمائي الجيولوجي جيفري بادا (من معهد سان دييغو سكريبچ) عجز دعاة التطور أمام هذه الأزمة: «ونحن نترك القرن العشرين اليوم، نواجه أكبر مشكلة لم يتم حلها استمرت معنا منذ دخولنا القرن العشرين؛ ألا وهي: كيف بدأت الحياة على الأرڤ؟»(3).

ألكسندر أوبارين: «أصل الخلية يظل لغزاً». جيفري بادا: «نشوء الحياة على الأرڤ هو أكبر مشكلة لم تُحل».

1 Alexander I. Oparin, Origin of Life, (1936) NewYork: Dover Publications, 1953 (Re

print), p..196


2 Klaus Dose, «The Origin of Life: More Questions Than Answers», Interdisciplinary

Science Rewievs, Vol 13, No. 4 1988, p. 348

3 Jeffrey Bada, Earth, February ,1998 p. 40




________________________________________________

108 تعقيد الخلية تمثل الخليةُ أكثرَ نظامٍ معقد ومصمم ببراعة سبق للإنسان مشاهدته. ويشرح أستاذ البيولوجيا، مايكل دنتون، في كتابه «التطور: نظرية في أزمة» هذا التعقيد بمثال: «كي نفهم حقيقة الحياة على النحو الذي كشفه علم البيولوجيا الجزيئية يجب علينا أن نكبّر الخلية ألف مليون مرة حتى يبلغ قطرها 20 كيلومتراً وتشبه منطاداً عملاقاً بحيث تستطيع أن تغطي مدينة مثل لندن أو نيويورك. ما سنراه -عندئذ- هو جسمٌ يتّسمُ بالتعقيد والقدرة على التكيف بشكل غير مسبوق. وسنرى على سطح الخلية ملايين الفتحات مثل الفتحات الجانبية لسفينة فضاء ضخمة، تنفتح وتنغلق لتسمح لمجرى متواصل من المواد أن ينساب دخولاً وخروجاً. وإذا تسنى لنا دخول إحدى هذه الفتحات سنجد أنفسنا في عالم من التكنولوجيا المتميزة والتعقيد المحير... تعقيد يتعدّى طاقتنا الإبداعية نفسها؛ وهذه حقيقة مضادة لفرضية الصدفة ذاتها وتتفوق بكل ما في الكلمة من معنى على أي شيء أنتجه عقل الإنسان».

___________________________________________


111 إن البروتينات هي أكثر العناصر حيويةً بالنسبة للكائنات الحية. فهي لا تتّحدُ فقط لتكوّن خلايا حية، بل تؤدي -كذلك- أدواراً أساسية في كيمياء الجسم؛ فبدءاً من تصنيع البروتين ووصولاً إلى الاتصالات الهرمونية، يمكن أن نشاهد البروتينات وهي تعمل.

_________________________________________________________________

117 الاحتمالية لتكوين بروتين واحد بالصدفة تساوي صفراً


توجد ثلاثة شروط لتكوين بروتين مفيد: الشرط الأول: أن تكون جميع الأحماض الأمينية في سلسلة البروتين من النوع الصحيح وبالتتابع الصحيح. الشرط الثاني: أن تكون جميع الأحماض الأمينية في السلسلة عسراء. الشرط الثالث: أن تكون جميع هذه الأحماض الأمينية متحدة فيما بينها من خلال تكوين ترابط كيميائي يسمى ‘’ترابط الببتايد’’. ولكي يتم تكوين البروتين بمحض الصدفة، يجب أن تتواجد هذه الشروط الثلاثة الأساسية في وقت واحد. والاحتمالية لتكوين بروتين بمحض الصدفة تساوي حاصل ضرب الاحتماليات المتصلة بتحقيق كل واحد من هذه الشروط. فعلى سبيل المثال، بالنسبة لجزيء متوسط يحوي 500 حمض أميني:

(1) احتمالية أن تكون الأحماض الأمينية موجودة بالتتابع الصحيح: يوجد عشرون نوعاً من أنواع الأحماض الأمينية تُستخدَم في تركيب البروتينات، وبناء على ذلك فإن: احتمالية أن يتم اختيار كل حمض أميني بالشكل الصحيح ضمن العشرين نوعاً هذه = واحداً من .20 واحتمالية أن يتم اختيار كل الأحماض الخمسمئة بالشكل الصحيح =20500/1 =10650/1 1/10650 وهذا يساوي فرصة واحدة من عدد من الفرص قدره عشرة مرفوعة للأس .650

(2) احتمالية أن تكون الأحماض الأمينية عسراء: احتمالية أن يكون الحمض الأميني الواحد أعسر = 2/1 احتمالية أن تكون جميع الأحماض الأمينية عسراء في نفس الوقت = 2500/1 وهذا يساوي فرصة واحدة من عدد من الفرص قدره عشرة مرفوعة للأس 150 ( أي يساوي 10150/1 )

(3) احتمالية اتحاد الأحماض الأمينية بترابط الببتايد: تستطيع الأحماض الأمينية أن تتحد معاً بأنواع مختلفة من الترابطات الكيميائية. ولكي يتكون بروتين مفيد، فلا بد أن تكون كل الأحماض الأمينية في السلسلة قد اتحدت بترابط كيميائي خاص يسمى ‘’ترابط الببتايد’’. ويتضح من حساب الاحتماليات أن احتمالية اتحاد الأحماض الأمينية بترابط كيميائي آخر غير الترابط الببتيدي هي خمسون بالمئة. وفيما يتعلق بذلك: احتمالية اتحاد حمضين أمينيين بترابطات ببتايدية = 2/1 احتمالية اتحاد جميع الأحماض الأمينية بترابطات ببتيدية = 2499/1 = 10150/1

وهكذا تكون المحصلة النهائية للاحتمال = 10650/1x 1/10150x 1/10150 = ويساوي 10950/1

_______________________________________


118 إن احتمالية تكوين جزيء بروتين عادي مكون من 500 حمچ أميني بالكمية والتتابع الصحيحين إضافة إلى احتمالية أن تكون جميع الأحماڤ الأمينية التي يحويها عسراء ومتحدة بترابط ببتايدي فقط هي 1 مقسوم على العدد 10 مرفوعاً للأپ .950 ويمكننا أن نكتب هذا الرقم بكتابة الواحد وعلى يمينه 950 صفراً.


_____________________________________________

123

أحدث مصادر دعاة التطور تعارڤ تجربة ميلر تحظى تجربة ميلر اليوم بالإهمال الكامل حتى بين علماء التطور. ففي عدد فبراير 1998 من مجلة الأرڤ EARTH المعروفة بمناصرتها لنظرية التطور، ظهرت التصريحات التالية في مقالة بعنوان بوتقة الحياة: «يعتقد الجيولوجيون الآن أن الجو البدائي قد تكوّن في معظمه من ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين، وهما غازان أقل تفاعلاً من تلك الغازات التي استُخدمت في تجربة عام .1953 وحتى إذا أمكن لجو ميلر أن يحدث، كيف يتسنى لك أن تجعل جزيئات بسيطة مثل الأحماڤ الأمينية تمر بالتغيرات الكيميائية اللازمة التي ستحولها إلى مركّبات أكثر تعقيداً أو بوليمرات مثل البروتينات؟ ميلر نفسه عجز عن حل ذلك الجزء من اللغز، وقد تنهد قائلاً بسخط: »إنها مشكلة«؛ »كيف تصنع البوليمرات؟ لا يتم هذا الأمر بكل هذه السهولة« (1). وكما رأينا، فإن ميلر نفسه قد تقبّل الفكرة القائلة بأن تجربته لن تؤدي اليوم إلى أي استنتاج بإمكانه تفسير أصل الحياة. إن حقيقة أن علماءنا من دعاة التطور يحتضنون هذه التجربة بحماسة تشير فقط إلى بؤپ التطور ويأپ من يدعون إليه. وفي عدد مارپ من مجلة »ناشيونال جيوغرافيك« نُشرت مقالة بعنوان «ظهور الحياة على الأرڤ« كُتب فيها عن هذا الموضوع ما يلي: «إن العديد من العلماء الآن يشكّون في أن الجو البدائي كان مختلفاً عمّا افترضه ميلر في البداية. إنهم يعتقدون أنه كان متكوّنا من ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين بدلاً من الهيدروجين والميثان والأمونيا. وهذه أخبار سيئة للكيمائيين؛ فعندما يحاولون أن يشعلوا شرارة في ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين، سيحصلون على كمية تافهة من الجزيئات العضوية تكافئ إذابة قطرة من ملوّن طعام في ماء بركة سباحة. وهكذا يجد العلماء صعوبة في تخيل أن الحياة قد نشأت من مثل هذا الحساء المخفف«(2). وباختصار، لا تستطيع تجربة ميلر ولا أية محاولة أخرى لدعاة التطور أن تجيب عن السؤال الخاڤ بكيفية ظهور الحياة على الأرڤ؛ إذ أن جميع البحوث التي أُجريت تبين استحالة ظهور الحياة بمحچ الصدفة؛ ومن ثَمّ تؤكد على أن الحياة قد خُلقت. . 1.Earth, «Life’s Crucible», February ,1998 p.34

2. National Geographic, «The Rise of Life on Earth», March ,1998 p.1.68


___________________________________________________________

128 المادة غير الحية لا تستطيع أن تولد حياة

لقد أجرى دعاة التطور عدداً من التجارب (مثل تجربة ميلر وتجربة فوكچ) ليثبتوا ادّعاءهم بأن المادة غير الحية تستطيع أن تنظم نفسها وتكوّن كائناً حياً معقداً. وهذا الادعاء غير علمي أبداً؛ ذلك أن كل ملاحظة وتجربة أثبتت دون جدال أن المادة لا تمتلك مثل هذه المقدرة. ويذكر السير فريد هويل، الفلكي وعالم الرياضيات المشهور، أن المادة لا تستطيع أن تنتج الحياة بنفسها بدون تدخل مقصود: «لو فرضنا -جدلاً- أن هناك مبدأ أساسياً للمادة استطاع بطريقة ما أن يقود نظماً عضوية نحو الحياة، فيجب أن يكون من السهل إثبات وجوده في المختبر. ويستطيع المرء -على سبيل المثال- أن يأخذ بركة السباحة كمثال على الخليط البدائي. املأ البركة بأية كيماويات تشاء من تلك التي ليچ لها طبيعة بيولوجية. ضخ أية غازات فوقها أو خلالها (كما تشاء) ثم سلط عليها أي نوع من أنواع الإشعاع يستهويك. دع التجربة تستمر لمدة سنة وراقب كم من تلك الإنزيمات البالغ عددها 2000 إنزيم (برويتنات تنتجها الخلايا الحية) ظهرت في البركة. سأوافيك بالإجابة كي أوفّر عليك الزمن والمشقة والنفقات اللازمة للقيام بهذه التجربة في الواقع. إنك لن تجد شيئاً أبداً، ربما باستثناء وحلٍ مقطرن مكون من أحماڤ أمينية وكيماويات عضوية بسيطة أخرى»(1). ويعترف أندرو سكوت، عالم الأحياء المناصر للتطور، بنفچ الحقيقة على النحو الآتي: «خذ مادة ما، سخنها أثناء تحريكها وانتظر. هذه هي النسخة الحديثة للنشوء. ويفترڤ من القوى »الأساسية« للجاذبية والكهرطيسية والقوى النووية القوية والضعيفة أن تقوم بالباقي... ولكن كم من هذه الحكاية المنسقة قد تم إثباته بحسم وكم منها يبقى تخميناً متفائلاً؟ في الحقيقة، إن آلية كل خطوة مهمة تقريباً -من النذر الكيميائية إلى أول الخلايا التي يمكن التعرف عليها- هي موضوع قابل للجدل أو موضوع محيّر تماماً»(2).

1.Fred Hoyle, The Intelligent Universe, New York, Holt, Rinehard & Winston, 1983, p. 256 2. Andrew Scott, “Update on Genesis” , New Scientist, vol. 106, May 2nd, 1985, p. 30

__________________________________________________________________________

129

أنتج فوكچ في تجربته مادة تسمى «نظير البروتين»، وكانت نظائر البروتين عبارة عن اتحادات بين الأحماڤ النووية تم تجميعها عشوائياً. وبعكچ بروتينات الكائنات الحية، كانت تلك النظائر كيماويات عديمة الفائدة والوظيفة. وهذا مشهد لجسيمات نظائر البروتينات من خلال ميكروسكوب إلكتروني.



131 واتسون وكريك، ومعهما نموذج من الأعواد لجزيء الحمچ النووي الصبغي.

________________________________________________________________________________

134 اعترافات من دعاة التطور

توضّح حسابات الاحتمالات أن الجزيئات المعقدة مثل البروتينات والأحماڤ النووية (الحمچ النووي الصبغي والحمچ النووي الريبي) ما كان من الممكن تكوينها بالصدفة دون الاعتماد على بعضها البعچ. ومع ذلك، يجب على دعاة التطور أن يواجهوا المشكلة الأكبر؛ ألا وهي أن على جميع هذه الجزيئات المعقدة أن تتعايچ معاً في نفچ الوقت من أجل حدوث الحياة أصلاً. ويسبب هذا المتطلب إرباكاً كاملاً لنظرية التطور، وقد أجبرت هذه النقطة بعچ دعاة التطور على الاعتراف بها. فعلى سبيل المثال، تقول المساعِدة المقربة لستانلي ميلر وفرانسيچ كيريك والعاملة بجامعة سان دييغو بكاليفورنيا، داعية التطور ذائعة الصيت الدكتورة لزلي أورجل: «إن من غير المحتمل إلى أقصى حد أن البروتينات والأحماڤ النووية، التي تتسم كل منها بتركيب معقد، قد نشأت تلقائياً في نفچ المكان وفي نفچ الوقت، كما يبدو من المستحيل أيضاً أن يوجد أحدهما دون الآخر. وعلى ذلك، قد يضطر المرء لأول وهلة أن يستنتج أن الحياة ما كان يمكن أن تكون قد نشأت -في الحقيقة- بوسائل كيميائية»(1). ويقر علماء آخرون بنفچ هذه الحقيقة أيضاً: «لا يستطيع الحمچ النووي الصبغي أن يؤدي عمله، بما في ذلك تكوين مزيد من الأحماڤ النووية الصبغية، دون مساعدة بروتينات أو إنزيمات محفزة. وباختصار، لا يمكن أن تتكون البروتينات بدون حمچ نووي صبغي، ولكن الحمچ النووي الصبغي لا يمكن أن يتكون بدون بروتينات!»(2). «ولكن كيف نشأت الشفرة الجينية إلى جانب آلياتِ ترجمتِها (الريباسات وجزيئات الحمچ النووي الريبي)؟ في الوقت الحاضر، سنضطر أن نقنع أنفسنا بإحساپ من الدهشة والرهبة، بدلاً من الإجابة»(3). 1.Leslie E. Orgel, “The Origin of Life on Earth”, Scientific American ,vol 271, October 1994, p. 78 2.John Horgan, “In the Begining”, Scientific American, vol. 264, February 1991, p. 119 3. Douglas R. Hofstadter, Godel, Escher, Bach: An Eternal Golden Braid, New York, Vintage Books, 1980, p.548

____________________________


152 عند مقارنة العينين والأذنين بالكاميرا ومسجل والصوت على التوالي، نجد أن العينين والأذنين تفوق هذه المنتجات التكنولوجية -إلى حد بعيد- من حيث التعقيد وأداء الوظيفة والاكتمال. 157

هل تطورت الحيتان عن الدببة؟ أكّد دارون في كتابه «أصل الأنواع» أن الحيتان قد تطورت عن الدببة التي حاولت السباحة! لقد افترڤ -خطأً- أن احتمال التباين بين الأنواع لانهائي، لكن العلم في القرن العشرين أثبت أن هذا السيناريو التطوري ليچ سوى وَهم.

161 أثبت الزمن خطأ كل أمثلة الأعضاء اللاوظيفية. فمثلاً: الثنية شبة الدائرية في العين (التي جاء ذكرها في كتاب أصل الأنواع على أنها عضو لاوظيفي) وُجد أنها تعمل طول الوقت، بالرغم من أن هذه الوظيفة لم تكن معروفة في زمن دارون، فهي تزلق مقلة العين.

165 البروفسور مايكل دانتون: «التطور نظرية في أزمة».

166 كان هيغل أشد تحمساً للتطور من دارون في كثير من الأوجه، ولهذا لم يتردد في تشويه البيانات العلمية وابتداع كثير من الزيف.

167 الأجنة البشرية ليچ لها فتحات خيشومية لقد أُعيد الآن تعريف الثنايا والأخاديد التي يحملها الجنين البشري بعد أن سبق تعريفها على أنها تكوينات موروثة عن الأسلاف؛ وهكذا تم بيان أن الأجنّة البشرية لا تقوم بتلخيچ التاريخ التطوري للإنسان.

_______________________________________________

171 الدارونية والمادية

إن السبب الوحيد لاستمرار الدفاع عن نظرية دارون -بالرغم من دحچ العلم لها بوضوح- يرجع إلى الصلة بين هذه النظرية والمادية. فقد قام دارون بتطبيق الفلسفة المادية على العلوم الطبيعية، ويواصل مؤيدو هذه الفلسفة (وفي مقدمتهم الماركسيون) الدفاع عن الدارونية بغچ النظر عن أي شيء. وقد كتب أحد أشهر فرسان نظرية التطور المعاصرين، وهو البيولوجي دوغلاپ فيوتيما، ما يلي: إلى جانب نظرية مادية التاريخ لماركچ، كانت نظرية التطور لدارون ركناً رئيسياً في فكر الآلية والمادية. وهذا اعتراف واضح جدّاً يكشف أهمية نظرية التطور لدى المدافعين عنها(1). كما قال مؤيد آخر شهير لنظرية التطور، وهو عالم المتحجرات ستيفن غولد: لقد طبق داروين فلسفة مادية ثابتة لتفسيره للطبيعة(2). وعلّق ليون تروتسكي (وهو أحد العقول المدبرة للثورة الروسية الشيوعية مع لينين) قائلاً: كان اكتشاف دارون أعظم انتصار للجدل في مجال المادة العضوية بالكامل(3). ومع ذلك، فقد أظهر العلم أن الدارونية ليست انتصاراً للمادية لكنها علامة على سقوط هذه الفلسفة. 1. Douglas Futuyma, Evolutionary Biology, 2nd ed. Sounderland, MA; Sinauer, 1986 p.3 2. Alan Woods and Ted Grant, “Marxism and Darwinism”, Reason in Revolt : Marxism and Modern Science , London, 1993. 3. Alan Woods and Ted Grant, “Marxism and Darwinism” , London ,1993. مارك

دارون

تروتسكي

____________________________________________________________


173

انهيار الفلسفة المادية علميا حيث أنها تمثل الأساپ الفلسفي لنظرية النشوء والتطور، فقد اقترحت مادية القرن التاسع عشر وجود الكون منذ الأزل وأنه لم يخلق وأن العالم العضوي يمكن تفسيره بواسطة التفاعل بين المادة. لكن اكتشافات القرن العشرين أثبتت الخطأ الكامل لهذه الفرضيات. فقد سقطت فرضية أن الكون وُجد منذ الأزل باكتشاف أنه ظهر نتيجة انفجار هائل (وهو ما يُدعى بالانفجار الكبير Big Bang) وقع قبل 15 بليون عام. ويُظهر الانفجار الكبير أن المواد الطبيعة للكون قد تكونت من لاشيء، وبعبارة أخرى: لقد خُلقت. ويعترف أحد أوائل مؤيدي المادية، وهو الفيلسوف الملحد أنطوني فلو، بما يلي: من المعروف أن الاعتراف يفيد الروح، لهذا سأبدأ بالاعتراف بأنه على الملحد الشعور بالحرج من الإجماع العالمي المعاصر المتمثل في الانفجار الكبير، حيث يبدو أن علماء الكون يقدّمون الدليل العلمي على أن الكون كانت له بداية(1). ويوضح الانفجار الكبير أيضاً أن الكون كان يتم فيه خلق تحت السيطرة في كل مرحلة، وهذا واضح في النظام الذي حل بعد الانفجار الكبير والذي كان مكتملاً بدرجة لا يمكن معها أن يكون نتيجةً لانفجار غير خاضع للسيطرة. ويفسر الطبيب المشهور بول ديفيچ هذا الموقف قائلاً: يصعب مقاومة انطباع أن التكوين الحالي للكون، الذي يبدو حساساً للتغيرات الصغيرة في المعايير، قد تم التفكير فيه بعناية. فلا بد أن يظل التوافق المعجز الواضح في القيم العددية -التي حددتها الطبيعة لثوابتها الأساسية لها- أكثر الأدلة الدامغة على عنصر التصميم الكوني(2). وتدفع نفچُ الحقيقة أستاذاً أميركياً في علم الفلك إلى أن يقول: عندما نقوم بمراجعة كل الأدلة يرِدُ على ذهننا في التو أن قوة فوق الطبيعة لا بد أن تكون قد تدخلت(3). كذلك فإن الفروڤ المادية بإمكانية تفسير الحياة بواسطة التفاعل بين المادة قد انهارت في مواجهة اكتشافات العلم. وعلى وجه الخصوڤ، فإنه لا يمكن بحال تفسير أصل المعلومات الوراثية التي تحدد الكائنات الحية بواسطة أي عنصر مادي صرف. ويقرّ أحد كبار المدافعين عن نظرية التطور (وهو جورج وليامز) بهذه الحقيقة في مقال كتبه عام 1995: لقد فشل البيولوجيون من مؤيدي التطور في إدراك أنهم يعملون من خلال نطاقين يمكن القول إنهما غير متكافئين: أولها خاڤ بالمعلومات والثاني خاڤ بالمادة، ذلك أن الجين هو حزمة من المعلومات وليچ شيئاً ما. هذا الواصف النادر يجعل من المادة والمعلومات نطاقين مختلفين للوجود ينبغي مناقشة كل منهما على حدة(4). هذا الموقف دليل على وجود حكمة غير طبيعية أدت إلى تواجد المعلومات الوراثية؛ فيستحيل على المادة إنتاج المعلومات بنفسها. ويعلق مدير المعهد الألماني الفدرالي للفيزياء والتكنولوجيا، البروفسور فيرنر غت، قائلاً: تدل كل التجارب على الحاجة إلى كائن مفكّر يستخدم إرادته الحرة وإدراكه وإبداعه طواعية. وليچ هناك قانون معروف للطبيعة أو عملية أو تسلسل معروف للأحداث يمكن أن يؤدي إلى ظهور المعلومات تلقائيّاً في المادة(5). كل هذه الحقائق العلمية تبين أن الكون وكل الأشياء الحية قد خلقها خالق له قوة وعلم لانهائيان، أي خلقها الله. أما فيما يختچ بالمادية فيقول عنها آرثر كوستلر، أحد مشاهير فلاسفة القرن العشرين: لم يعد من الممكن لهذه الفلسفة أن تزعم أنها فلسفة علمية(6). 1. Henry Margenau, Roy A. Vargesse. Cosmos, Bios, Theos. La Salle IL: Open Court Publishing, 1992, 241. 2. Paul Davies .God and the New Physics.New York, Simon & Schuster, 1983, p.198 3.Hugh Ross. The Creator and the Cosmos.Colorado Springs, Co: Nav Press, 1993 pp 15-114 4.George C. Williams . The Third Culture : Beyond the Scientific Revolution , New York ,Simon & Schuster, 1995 p 42-43 5. Verner Gitt. In the Begining Was Information. CLV, Bielefeld, Germany, p. 107,141. 6. Arthur Koestler, Janus: A Summing Up, New York, Vintage Books,1978, p. 250

________________________________________________________________________


177

الدعاية لنظرية التطور

لمجلات العلمية الشهيرة التي أخذت على عاتقها مسؤولية قيادة الترويج والدعاية لنظرية التطور تلعب دوراً هاماً في تشجيع العامة على قبولها وتصديقها.

______________________________________________________________

178 خرافات أنصار نظرية التطور إن نظرية التطور -كما وصفها أحد العلماء البارزين- هي قصة خيالية للبالغين. فهي سيناريو غير علمي وغير منطقي أبداً، يفترڤ أن المادة التي تفتقر إلى الحياة تملك قوة سحرية وذكاء يمكنها من خلق كائنات حية معقدة التركيب. وهذه القصة الطويلة فيها بعچ جوانب التلفيق والهراء المثيرة حول بعچ الأمور. من هذه الأكاذيب المثيرة للفضول التي ساقتها النظرية تلك المتعلقة بـ«تطور الحوت»، التي نُشرت في مجلة ناشيونال جيوغرافيك (وهي واحدة من أكثر المطبوعات العلمية شهرة وجدية في العالم): «بدأ تطور الحوت إلى حجمه الحالي قبل ستين مليون سنة عندما غامرت الحيوانات الثديية البرية ذات القوائم الأربع والشعر بالتحول إلى الماء بحثاً عن الغذاء. وعلى مر العصور طرأت التغيرات تدريجياً؛ فاختفت القوائم الخلفية وتحولت القوائم الأمامية إلى زعانف، كما اختفى الشعر ليتحول إلى جلد سميك لين الملمچ، وتحولت فتحات الأنف نحو أعلى الرأپ، وتغير شكل الذيل ليصبح أكثر تفلطحاً، ثم بدأ جسمه يكبر جداً داخل الماء»(1). وبغچ النظر عن عدم وجود أي سند علمي يعضد أياً مما ذكر، فإن مثل هذا التحول مخالفٌ لأبسط قواعد الطبيعة. إن هذا الهراء الذي نشرته مجلة ناشيونال جيوغرافيك إنما يدل على مدى مستوى الكذب والتلفيق الذي وصلت إليه المطبوعات الجادة ظاهرياً التي تساند نظرية التطور. وإحدى الأكاذيب الأخرى هي أصل الحيوانات الثديية؛ فأنصار التطور يقولون إن أصل الحيوانات الثديية هو أحد الزواحف التي عاشت قديماً، ولكن عند شرح تفاصيل هذا التحول المزعوم تظهر لنا قصچ مثيرة، منها ما يلي: «شرعت بعچ الزواحف التي عاشت في المناطق الباردة في تطوير أسلوب للحفاظ على حرارة جسمها، وكانت حرارتها ترتفع في الجو البارد وانخفچ مستوى الفقد الحراري عندما أصبحت القشور التي تغطي جسمها أقل، ثم تحولت إلى فرو. وكان إفراز العرق وسيلة أخرى لتنظيم درجة حرارة الجسم، وهي وسيلة لتبريد الجسم عند الضرورة عن طريق تبخر المياه. وحدث بالصدفة (!) أن صغار هذه الزواحف بدأت تلعق عرق الأم لترطيب نفسها، وبدأت بعچ الغدد في إفراز عرق أكثر كثافة تحول في النهاية إلى لبن. ولذلك حظي هؤلاء الصغار ببداية أفضل لحياتهم»(2). إن فكرة أن اللبن (وهو غذاء مخلوق بإتقان) قد تولّد من الغدد التي تفرز العرق وجميع التفاصيل الأخرى التي ذكرت هي نتائج غريبة لخيال أصحاب نظرية التطور، دون أي أساپ علمي. 1.Victor B. Scheffer, “Exploring the Lives of Whales”, National Geographic, vol. 50, December 1976, p. 752 2. George Gamow, Martynas Ycas, Mr Tompkins Inside Himself, London: Allen & Unwin, 1968, p. 149

___________________________________________________________________


193 في الأعلى: قملة الأشجار تحاكي أشواك الأشجار. أعلى إلى اليسار: ثعبان يخفي نفسه عن طريق التوقف عن الحركة على ورق الأشجار. أسفل إلى اليسار: يرقة الفراشة تستقر وسط أحد الأوراق لتختفي عن الأعين. 198

إلى اليمين: نبات الندية وأوراقه مفتوحة، وإلى اليسار: أوراق النبات مغلقة.

200 عظاءة البيسِلِسْك: من الحيوانات النادرة التي تستطيع الحركة موازِنةً بين الماء والهواء.

205 التنبيهات التي تصل من الجسم تتحول إلى إشارات كهربية وتحدث أثرا في المخ. وعندما ‘’ نرى’’ فإننا في الحقيقة نشاهد تأثيرات هذه الإشارات الكهربية في عقولنا.

207 حتى في اللحظة التي نحچ فيها بضوء النار وحرارتها، فإن داخل أدمغتنا يكون مظلما تماما ولا تتغير درجة حرارته أبدا.

الحزم الضوئية التي تصل من الجسم تسقط رأسيا على الشبكية بشكل مقلوب. وهنا تتحول الصورة إلى إشارات كهربية وتنقل إلى مركز الإبصار الذي يوجد في مؤخرة المخ. وبما أن المخ معزول عن الضوء فمن غير الممكن للضوء أن يصل إلى مركز الإبصار. وهذا يعني أننا نرى عالَمًا فسيحا من الضوء والعمق في بقعة متناهية الصغر معزولة عن الضوء.


208 كل الصور التي نراها في حياتنا تتشكل في جزء من المخ يسمى مركز الإبصار، ويوجد في مؤخرة المخ، وهو يشغل بضعة سنتمترات مكعبة فقط من حجم المخ . إن كلاًّ من الكتاب الذي تقرأه بين يديك الآن والمناظر الطبيعية اللامتناهية التي تراها عندما تتأمل الأفق تتكيف مع هذا الحيز المتناهي في الصغر، لهذا السبب فنحن لا نرى الأجسام في حجمها الحقيقي الموجود في الخارج، وإنما نراها في الحجم الذي يدركه المخ.

211 نتيجة للتنبيهات الاصطناعية، فإنه يمكن أن يتشكل في المخ عالم مادي له درجة الصّدق نفسها والواقعية نفسها للعالم الذي نعرفه، وذلك دون أن يكون موجودًا. ونتيجة للتنبيهات الاصطناعية، فإنه يمكن أن يعتقد الشخچ أنه يقود سيارته، بينما هو في الحقيقة جالچ في منزله.

212 إن معطيات الفيزياء الحديثة أيضا تؤيد أن الكون المادي ما هو إلا مجموعة من مدرَكات الحواپ. مجلة (نيو ساينتيست) الأمريكية المعروفة قد تناولت هذه الحقيقة في عددها المؤرخ في 30 يناير .1999 وكان موضوع الغلاف السؤال التالي: ‘’ماذا وراء الحقيقة: هل الكون بالفعل عبارة عن هزل من المعلومات الأولية وهل المادة مجرد سراب فقط؟’’


216


المخ عبارة عن مجموعة ضخمة من الخلايا المكوَّنة من بروتين وجزيئات دهنية، وهو مكوَّن من خلايا عصبية. ولا توجد قدرة في هذه القطعة من اللحم لكي تشاهد الصور، أو لتؤلف شعورا أو وعيا، أو لتخلق فينا ما نسميه ‘’نفسي’’.

220 إذا تأمل الإنسان بعمقٍ كل ما هو معروڤ في هذه الصورة، فسرعان ما سيدرك بنفسه هذا الوضع المدهچ الاستثنائي: وهو أن كل الأحداث في العالم ليست سوى مجرّد تخيل....

225 عالم الأحلام إن الواقع بالنسبة إليكم هو كل ما يمكن لمسه باليد ورؤيته بالعين. ولكنك أثناء الحلم تستطيع أيضا أن ‘’تلمچ بيديك وأن ترى بعينيك’’. ولكن في واقع الأمر، إنك لا تملك يدا ولا عينا، ولا يوجد ما يمكن لمسه أو رؤيته. فليچ هناك واقع مادي يجعل هذه الأشياء تحدث إلا عقلك. فأنت ببساطة تتعرڤ للخداع. فما الذي يفصل بين الحلم والواقع؟ إن كلا منهما يتشكل داخل العقل. فإذا كنا نستطيع العيچ بسهولة في عالم غير حقيقي في أحلامنا، فذلك يمكن تطبيقه أيضا على العالم الذي نعيشه. فنحن عندما نستيقظ من الحلم، لا يوجد سبب منطقي يمنعنا من الاعتقاد بأننا دخلنا في حلم أطول مدة يسمى ‘’الحياة الحقيقية’’. والسبب الذي يجعلنا نعتقد أن أحلامنا هي عالم خيالي والعالم الذي نعيچ فيه حقيقي يرجع فقط لاعتيادنا وأفكارنا المسبقة. وهذا يعني أننا قد نستيقظ من الحياة على الأرڤ التي نعتقد أننا نعيشها الآن، تماما مثلما نستيقظ من الحلم.

240

الزمن كله مفهوم مرتبط بمن يحچ به، فبينما تبدو فترة زمنية معينة طويلةً بالنسبة إلى شخچ ما، فإنها قد تبدو قصيرة جدا بالنسبة إلى غيره. و لمعرفة أيهما على صواب في تقديره، فلا بد لنا من مصادر كالساعة والتقويم. ولا يمكن تقدير الزمن بشكل صحيح بدون الاستعانة بهذه المصادر.

251 الدكتور/ دوان جيچ - الخبير العالمي المعروف في الدراسات المتصلة بنظرية التطور - وهو يتسلم اللوحة التقديرية، التي منحتها له مؤسسة البحث العلمي، من الدكتور/ نوزات يالجين طاپ، عضو البرلمان التركي.


252 الأستاذ الدكتور ) إدوارد بودرو): ‘’إن العالم الذي نعيچ فيه ونواميسه الطبيعية، قد وضعها الله بمنتهى الدقة لصالحنا نحن البشر’’.


الأستاذ الدكتور ) ديفيد مِنتون ): ‘’منذ 30 سنة وأنا أدرپ تشريح الأحياء. وإن كل ما شاهدتُه كان يدل دائما على إبداع خلق الله’’.

لأستاذ الدكتور ) دوان جيچ): ‘’إن سجل الحفريات يدحچ نظرية التطور، وهو يثبت أن الأجناپ قد ظهرت على الأرڤ في صورة مكتملة وتصميم بديع. وهذا يدل دلالة قاطعة على أن الله هو الذي خلقها’’.

الأستاذ الدكتور ) كارل فلايرمانز): ‘’يؤكد علم الكيمياء الحيوية الحديث أن الكائنات الحية ذات تصميم رائع في بنائها، وهذه الحقيقة وحدها كافية لإثبات وجود الله’’.


253

مشاهد من المؤتمرات القومية التي عقدتها مؤسسة البحث العملي مؤتمر شانلي أورفة

مؤتمر باليكسير

مؤتمر كايسيري

مؤتمر بورصة


مؤتمر أنقرة

مؤتمر إزمير

مؤتمر سامصون


مؤتمر غيراصون

أنشطة لتوعية المجتمع بزيف نظرية التطور